الغذامي: أعيش في «بيت من نساء» ولا أحملُ ضغينة لأدونيس

تحدث خلال لقاء بمهرجان «القرين الثقافي» بالكويت عن مسيرته الفكرية والثقافية

الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)
الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)
TT

الغذامي: أعيش في «بيت من نساء» ولا أحملُ ضغينة لأدونيس

الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)
الدكتور عبد الله الغذامي خلال جلسة الحوار مع ألطاف المطيري ضمن فعاليات مهرجان القرين (كونا)

تحدث المفكر السعودي الدكتور عبد الله الغذامي، خلال جلسة حوارية بمهرجان «القرين الثقافي» في الكويت، عن مسيرته في عالم النقد والأدب وبداياته في التعمق والبحث العلمي والأدبي.

وشهدت الجلسة التي أقيمت بالتعاون مع «مركز منار الثقافي»، وأدارتها ألطاف المطيري، استعراضاً للسيرة الفكرية والثقافية للناقد السعودي المعروف بإسهاماته المميزة التي أثرت الحقل الثقافي العربي لعقود، متطرقاً إلى علاقته بالمرأة، والتحولات الفكرية والثقافية التي مرّ بها، وخلافه مع الشاعر السوري أدونيس، والمواجهات مع «تيار الصحوة».

«بيت من نساء»

الغذامي، الذي اختُير ليكون «شخصية الدورة الـ30» من المهرجان، قال في استعراضه للتحولات الفكرية، إن مسيرته في ريعان الشباب تأثرت بمنهج الشكّ، لكنه وجد طريقه عبر الوجدان، مشيراً إلى تأثير رواية «دعاء الكروان» في تعزيز إيمانه، وهي الرواية التي كتبها عميد الأدب العربي طه حسين، ونشرت عام 1934، تمرّ عبر الأنثى، وتنتصر للمرأة ضد سلطة القهر الاجتماعي التي تفرض عليها وتضطهدها.

يضيف أن صوت بطلة الرواية «آمنة» وهي تناجي الكروان بما يسميه طه حسين «دعاء الكروان» كان ملاذه من رحلة الشكّ، فـ«اكتشفت أن القيمة الوجدانية كعلاج أسمى من القيمة العلمية»، «فأنا مدين للحظات البكاء في أن أجد طريقي إلى الله»، وهو الطريق الذي لم يرسمه المهندسون، فهو طريق وجداني.

وتحدث المفكر السعودي عن علاقته بالمرأة، قائلاً: «أعيش في بيت من نساء»، مستذكراً تأثير زوجته وبناته. ويرى أن المرأة ليست مجرد موضوع للنقاش أو التحليل إنما هي جزء أساسي من الثقافة، سواء كاتبة أو قارئة، مشجعاً على الاعتراف بدورها الفاعل في تشكيل الفكر والأدب بعيداً عن الصور النمطية التقليدية.

تحدث الدكتور عبد الله الغذامي حول تجربته الكتابية في الدفاع عن قضية المرأة (الشرق الأوسط)

وعن تجربته الكتابية في الدفاع عن قضية المرأة، استذكر كتابه «الكتابة ضد الكتابة» الذي استعرض فيه بالتشريح نصوصاً لثلاثة شعراء سعوديين هم محمد حسين سرحان، وغازي القصيبي، ومحمد جبر الحربي، في تناولهم موضوع المرأة، مخصصاً فصلاً في استعراض ردود الشعراء على قراءته لنصوصهم.

وفي هذا الكتاب يستعرض الغذامي صورة المرأة في التراث العربيّ، منها قولهم: «البنت مالها إلا الستر أو القبر»، مستحضراً الصورة التي وجدها لدى الرحالة ابن بطوطة في رحلته للهند، واصفاً «إحراق المرأة بعد زوجها - بأنه - أمر مندوب عندهم»، فمن «أحرقت نفسها بعد زوجها أحرز أهل بيتها شرفاً بذلك ونُسبوا إلى الوفاء».

كما يورِد معارضة الثعالبي في كتابه «ثمار القلوب»، قول أحدهم في ذمّ النساء: «إن النساء شياطينُ خلقن لنا/ فكلّنا يتقي شرّ الشياطين». وقول الثعالبي معارضاً: «إن النساء رياحينٌ خلقن لنا/ وكلنا يشتهي شمّ الرياحين» ويعلق المفكر السعودي: «وليس الأخير بأحسن من الأوّل؛ فالاثنان جعلاها متاعاً ومادّة ولسن مخلوقات بوجودٍ ذاتيّ خاصّ»!

وكذلك كتابه «المرأة واللغة» الصادر عن «المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء» 1996، الذي يرى فيه أن المرأة تعرضت للوأد المادي والوأد المعنوي معاً، كما تناول فيه قضايا المرأة العربية من منظور نقدي محللاً الصور النمطية التي رسختها الثقافة الذكورية في الأدب العربي، منتقداً الأنماط اللغوية التي ترسخ الهيمنة الذكورية، قائلاً إن اللغة ذاتها تستخدم وسيلةً لإقصاء المرأة أو حصرها في أدوار تقليدية.

وفي هذا الكتاب يستعرض الغذامي رأي ابن جني عن التذكير والتأنيث في اللغة، وقوله: «إن تذكير المؤنث واسع جداً لأنه رد إلى الأصل»، معتبراً هذا الرأي «سلباً صريحاً لحق المرأة الطبيعي في التأنيث، وتقليلاً من صفة جوهرية على اعتبار أنها ليست كائناً وذاتاً فاعلة وإنما مجموعة من الدلائل والصفات».

استعرضت الجلسة الحوارية السيرة الفكرية والثقافية للناقد السعودي (الشرق الأوسط)

وكتاب المفكر السعودي الآخر: «ثقافة الوهم، مقاربات عن المرأة واللغة والجسد»، «المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء» 1998، وهو يمثّل الجزء الثاني من كتاب «المرأة واللغة»، فالجزء الأول ركّز على علاقة المرأة باللغة كمنجز تعبيري بواسطة الحكي أو الكتابة، وفي هذا الكتاب، يقف المؤلف على الحكايات المأثورة التي تتعامل مع المؤنث وتجعل التأنيث مركز الحبكة.

في هذا الكتاب يتناول الغذامي ما يسميه «ثقافة الوهم»، وذلك «حينما تجرّ الثقافة إلى تصورات تنغرس في الذهن وتتحول إلى معتقد، أو صورة نمطية ثابتة»، وهو ما يسميه بـ«الجبروت الرمزي».

من أجل المرأة غادر «النقد الأدبي» إلى «النقد الثقافي»

المفكر السعودي قال خلال الندوة إن المرأة هي صاحبة الدور لمغادرته النقد الأدبي إلى النقد الثقافي، التي تمكن من صياغتها كنظرية في عام 2000، داعياً لكسر هذه الصور النمطية، وإعادة قراءة النصوص من منظور نسوي يبرز دور المرأة كفرد مستقل ومؤثر، ومبيناً أن النقد النسوي لا يمكن عزله عن النقد الثقافي، لأن القضايا النسوية مرتبطة بالأنساق الثقافية التي تشكل بنية المجتمع.

لا ضغينة مع أدونيس

تحدّث الغذامي عن خلافه مع أدونيس، قائلاً إن الشاعر السوري «غضب حين صدر كتابي (النقد الثقافي)، وأعطى تصريحات قاسية، بعد أن استفزه وصف (الحداثي الرجعي)، وقول الغذامي أن أدونيس يمثّل الحداثة الرجعية».

وبرأي المفكر السعودي، فقد «بدأ أدونيس في اعتراضه على الكتاب هادئاً، ثم أخذ يتصاعد نقده تدريجياً حتى صار أسيراً لتصريحاته»، ويضيف: «تقابلنا في أبوظبي، وتعمدت أن أواجهه، فقابلني باحترام، وقلت له إنني وضعتك مع أبي تمام والمتنبي ونزار قباني في دراسة واحدة، فأبدى ارتياحه، وهذا دليل أنه لم يقرأ الكتاب».

الدكتور عبد الله الغذامي يتحدث خلال جلسة الحوار المفتوح (الشرق الأوسط)

ثم في زيارة أدونيس للرياض خلال مارس (آذار) 2023، عرضت «هيئة الأدب» أن تُجرى مناظرة بينه والغذامي، لكنّ الأول تراجع عن موافقته بعد أن أبداها مسبقاً.

وكانت أول مرة يكتب الغذامي عن أدونيس عام 1997 في مجلة «فصول» بطلب من الدكتور جابر عصفور: «ما بعد الأدونيسية»، وقال: «خلافي مع أدونيس ثقافي، ولا أحمل ضغينة له».

وتطرق المفكر السعودي خلال الجلسة إلى عدد من كتبه، وأوضح أنه قدم في كتابه «الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية» رؤيته النقدية التي جمعت بين البنيوية والتفكيك، وركّز على تحليل النصوص الأدبية العربية وفق آليات منهجية جديدة، مشيراً أيضاً إلى كتابه «النقد الثقافي... قراءة في الأنساق الثقافية العربية» الذي ناقش فيه الأنساق المالية في الثقافة العربية، وكيف تؤثر على تشكيل النصوص والقيم المجتمعية.

وأفاد بأنه تناول في كتاب «الثقافة التلفزيونية.. سقوط النخبة وبروز الشعبي» التحول الثقافي الذي أحدثته وسائل الإعلام الحديثة، خصوصاً التلفزيون، مستعرضاً كيفية إسهام الثقافة التلفزيونية في بروز الثقافة الشعبية على حساب الثقافة النخبوية.

شخصية العام

واختار «القرين الثقافي» هذا العام الدكتور الغذامي، شخصية المهرجان، وقالت عائشة المحمود، الأمين العام المساعد لقطاع الثقافة بـ«المجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب»، إن الاحتفاء به جاء لكونه «شخصية علمية نقدية تنويرية عربية مرموقة»، و«حمل مهمة التنوير النقدي منذ منتصف الثمانينات الميلادية من القرن العشرين مستهلاً إياها بكتابه (الخطيئة والتكفير)، إذ يواصل منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم طروحاته العلمية والنقدية والفلسفية التي أحدثت نقلة نوعية في الخطاب النقدي العربي، وأسهمت أبحاثه في نقل وتوطين مناهج النقد الأدبي الحديث ترجمةً وتطبيقاً، وفتحت مجالات رحبة في قيادة الطرح النقدي العربي الأكاديمي».

جانب من الجلسة الحوارية للدكتور عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

الغذامي الذي ولد في السعودية عام 1946 يعدُّ أحد أبرز النقاد والمفكرين العرب، وحصل على درجة الدكتوراه في الأدب من جامعة إكستر في المملكة المتحدة. ومنذ ذلك الحين قدم إسهامات كبيرة في مجالات النقد الأدبي، والفكر الثقافي، والتحليل السيميائي.

وتميّز بتبنيه منهجيات نقدية حديثة، من بينها النقد الثقافي، إذ قدم أطروحات عميقة حول العلاقة بين النصوص والأنساق الثقافية. ومن أشهر أعماله كتاب «النقد الثقافي... قراءة في الأنساق الثقافية العربية» الذي شكل نقلةً نوعيةً في فهم التقاليد الثقافية والاجتماعية في العالم العربي، كما كان له دور ريادي في تقديم النقد النسوي، إذ ناقش قضايا المرأة في الأدب العربي، وأثر التقاليد على تشكيل صور المرأة في النصوص الأدبية.

وأصدر المفكر السعودي مؤلفات عديدة أصبحت مرجعاً في الدراسات النقدية، بينها «الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية» و«الثقافة التلفزيونية» و«سقوط النخبة وبروز الشعبي» و«الكتابة ضد الكتابة». وإلى جانب مؤلفاته، شارك في مئات الندوات والمؤتمرات الثقافية على المستويين المحلي والدولي، مما جعله رمزاً للحوار الثقافي، وقدّم إنتاجاً علمياً غنياً ومتنوعاً أثرى به الساحة النقدية والفكرية العربية، يشمل كتباً وأبحاثاً تناولت مختلف قضايا الأدب والنقد الثقافي، والفكر المعاصر، والنسق الثقافي.

وتناول موضوع الحداثة بشكل واسع وعميق، واعتُبر من أبرز المفكرين العرب الذين ساهموا في تفكيك هذا المفهوم، وتحليل تطوراته في السياق العربي، خصوصاً في السعودية، وقدم رؤية نقدية تربط بين الحداثة كظاهرة فكرية وثقافية، وبيَّن التحولات الاجتماعية والسياسية التي أثرت في تبنيها أو مقاومتها. ومن أبرز أعماله التي تناولت هذا الموضوع كتاب «حكاية الحداثة في السعودية» الذي يعد وثيقة نقدية وتحليلية فريدة حول صراع الحداثة في المجتمعات المحافظة.

وعمل الدكتور الغذامي أستاذاً للأدب والنقد الحديث بجامعة الملك سعود في الرياض، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت موضوعات النقد الحديث، وقدّم محاضرات ومداخلات في مؤتمرات أدبية وثقافية حول العالم. ومن مساهماته الإعلامية كتابة مقالات دورية في صحف عربية بارزة تناولت قضايا ثقافية وفكرية معاصرة، وكان لإنتاجه العلمي أثر كبير في تطور النقد الأدبي والثقافي العربي. وقد ساهم في نقل النقد من التحليل الأدبي والبحث إلى دراسة الثقافة ما أطلق عليه «النقد الثقافي».

الدكتور عبد الله الغذامي اختير ليكون «شخصية الدورة الـ30» من المهرجان (الشرق الأوسط)

ويعدُّ من أوائل المفكرين العرب الذين أولوا اهتماماً عميقاً بالنقد النسوي، إذ قدم أطروحات متميزة ساهمت في إعادة النظر في علاقة المرأة بالخطاب الأدبي والثقافي في العالم العربي. ولا يقتصر ذلك على الدفاع عن حقوق المرأة، بل يتعداه إلى تحليل جذور التحيزات الثقافية واللغوية التي تكرس الصورة النمطية للمرأة في الأدب والمجتمع.


مقالات ذات صلة

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

يوميات الشرق أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

برحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف المسابقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق المخرجة التشيكية خلال تسلم الجائزة في برلين (إدارة المهرجان)

بيبا لوبوجاكي: «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» امتداد لسيرة عائلتي

قالت المخرجة التشيكية، بيبا لوبوجاكي، إن فيلمها الوثائقي «لو تحولت الحمائم إلى ذهب» لم يكن اختياراً تقليدياً لقصة بقدر ما كان امتداداً مباشراً لسيرتها العائلية.

أحمد عدلي (القاهرة )

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».