معرض جدة للكتاب... صناعة نشر تتوسَّع وبرامج تُعيد رسم السوق

البسام لـ«الشرق الأوسط»: استحداث الوكيل الأدبي ودعم النشر الرقمي قريباً

أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلّية ودولية تُشارك في المعرض (الشرق الأوسط)
أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلّية ودولية تُشارك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض جدة للكتاب... صناعة نشر تتوسَّع وبرامج تُعيد رسم السوق

أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلّية ودولية تُشارك في المعرض (الشرق الأوسط)
أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلّية ودولية تُشارك في المعرض (الشرق الأوسط)

تعمل «هيئة الأدب والنشر والترجمة» في السعودية على جملة من المبادرات والمشروعات الداعمة لقطاعات الأدب، والنشر، والترجمة، موضحةً أنها تدرس باستمرار الفجوات في السوق السعودية، وتبني برامج تعالج هذه الفجوات عبر مبادرات داعمة تهدف إلى النهوض بالصناعة والوصول بها إلى مستويات أعلى.

وأوضح المدير العام للإدارة العامة للنشر في «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، المهندس بسام البسام، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنّ من أبرز أعمالها استحداث وظيفتين ثقافيتين جديدتين، هما «الوكيل الأدبي» و«الوكالة الأدبية»، لدعم حركة النشر وتطوير منظومة صناعة المحتوى في المملكة.

المدير العام للإدارة العامة للنشر في «هيئة الأدب والنشر والترجمة» بسام البسام (الشرق الأوسط)

تنظيمات جديدة

وعن تحديث الأنظمة، قال البسام إنّ ذلك يُشكّل جوهر عمل الهيئة بصفتها جهة مُنظِّمة ومشرِّعة للقطاعات الثلاثة، مشيراً إلى العمل على تطوير الأنظمة المساندة وعدد من السياسات التي تُمكّن الناشرين والمستفيدين من تطوير أعمالهم. ولفت إلى إطلاق مبادرة لتمكين دور النشر من بيع كتبها في عدد من منافذ البيع، من بينها «السوبر ماركت»، والصيدليات، وعدد من المحلات.

كما أشار إلى أنّ الهيئة عملت على سياسة لدعم المطابع في المملكة بالتعاون مع وزارة الصناعة، عبر تقديم تسهيلات صناعية متعدّدة للمطابع الموجودة داخل المخططات العمرانية أو المدن الصناعية.

جانب من ورشة عمل في المعرض تُقدّمها نجوى المطيري (الشرق الأوسط)

النشر الرقمي

وعن النشر الرقمي، أكّد البسام أنّ الهيئة خصّصت برنامجاً خاصاً لدعم هذا القطاع، من خلال تحويل مجموعة كبيرة من أعمال دور النشر السعودية إلى نسخ إلكترونية، ضمن إطار تطوير التشريعات والتنظيمات الخاصة بالقطاع. وشدَّد على أنّ هذه التحديثات، عند إقرارها، ستُحدث تغييراً جذرياً، وتُمكّن دُور النشر السعودية من تحويل أعمالها إلى صيغ رقمية وإلكترونية.

وتحدَّث عن المنصّات المُخصّصة للناشرين، موضحاً أنّ هذا المجال يُعدّ نشاطاً تجارياً لا تتدخّل فيه الهيئة بشكل مباشر بصفتها جهة منظِّمة، بل تتركه للمستثمر السعودي، مع العمل على تهيئة البيئة المناسبة، وتذليل العقبات، وتجهيز البنية التحتية اللازمة للانطلاق.

أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلّية ودولية تُشارك في المعرض (الشرق الأوسط)

الاستثمار في قطاع النشر

وتطرَّق البسام إلى واقع الاستثمار في قطاع النشر، فقال إنّ سلسلة القيمة الكاملة للقطاع مليئة بالفرص، سواء في مجالات التطوير أو الاستثمار. وأكّد نجاح الهيئة في استقطاب عدد من دور النشر العالمية والعربية الكبرى للعمل في السعودية، وإنتاج محتواها وتسجيله وطباعته داخل المملكة في مطابع محلّية، وهي تعمل بصورة مباشرة على تنويع الاستثمار وفتح آفاق جديدة للمستثمرين، مع التأكيد على أولوية المستثمر السعودي.

أما عن تقديرات سوق النشر، فأوضح أنّ الهيئة تعمل وفق الاستراتيجية الوطنية المنبثقة من «رؤية المملكة 2030»، التي تولي الثقافة اهتماماً خاصاً، وتهدف إلى رفع إسهام القطاعات الثقافية في الناتج القومي الوطني إلى 3 في المائة من الناتج الإجمالي، وهو ما ينعكس على البرامج التي تقدّمها الهيئة.

معرض جدة للكتاب مقصد للمهتمّين بالكتاب من داخل المملكة وخارجها (الشرق الأوسط)

برامج الدعم

وأشار البسام إلى إطلاق برامج لدعم المؤلّفين الجدد، وأخرى لدعم المطابع، إضافةً إلى برامج لدعم المترجمين، ومعتزلات كتابة تُقام لتهيئة الأجواء المناسبة للكتّاب لنثر إبداعاتهم.

كما لفت إلى استحداث مهنة «الوكيل الأدبي»، التي يتولّى فيها الوكيل إدارة الجوانب التجارية والقانونية للمؤلف، بما يتيح له التفرُّغ للكتابة الإبداعية.

الترجمة

وعن زيادة حضور الناشر السعودي في اللغات الأجنبية، أكّد أن الهيئة تشرف على برنامج «ترجم»، الذي انطلق عام 2021 ويواصل اليوم دورته الخامسة.

إحدى ورشات العمل التدريبية للكتابة الإبداعية (الشرق الأوسط)

وبيَّن البسام أنّ البرنامج أسهم في ترجمة أكثر من 4 آلاف كتاب من العربية وإليها، وهو رقم يفوق إجمالي ما تُرجم في العالم العربي خلال العقد الماضي.

وأضاف أن البرنامج يُقدّم منحاً للناشرين السعوديين لدعم حركة الترجمة، وتعزيز وصول المحتوى السعودي إلى أسواق جديدة حول العالم.

مشاركة دولية

وفي سياق المشاركة الدولية، أشار إلى وجود برنامج مُخصّص لدعم المشاركة في أبرز معارض الكتب العالمية، بمشاركة جهات حكومية وجمعيات أهلية وعدد من دور النشر السعودية، بهدف تبادل الخبرات، وعرض المنتجات الثقافية السعودية، والترويج لها دولياً، مع إتاحة بيعها من خلال جمعية النشر.

400 جناح توزَّعت في أرجاء المعرض (الشرق الأوسط)

وعن توسّع المعارض المحلّية، أوضح أنّ الهيئة نظَّمت عام 2023 معرضاً في المنطقة الشرقية، وفي مطلع هذا العام معرضاً في منطقة جازان، مؤكداً أنّ العمل جارٍ على دراسة المعطيات لتغطية مختلف مناطق المملكة بإطلاق مزيد من الفعاليات والمعارض.

ويأتي حديث البسام مع انطلاق فعاليات معرض جدة للكتاب 2025 في مركز «جدة سوبر دوم»، الذي تنظّمه «هيئة الأدب والنشر والترجمة» تحت شعار «جدة تقرأ»، بمشاركة أكثر من 1000 دار نشر ووكالة محلّية ودولية تُمثّل 24 دولة، توزّعت على 400 جناح.

ويُشكّل المعرض إحدى المنصّات الثقافية الكبرى في المملكة، ووجهةً للناشرين والمبدعين وصنّاع المعرفة، ومقصداً للمهتمين بالكتاب من داخل المملكة وخارجها.

معرض جدة للكتاب وجهة للناشرين والمبدعين وصنّاع المعرفة (الشرق الأوسط)

ويعكس معرض جدة، بخبراته المتراكمة، الطفرة النوعية التي تعيشها صناعة النشر في السعودية، والدعم المتواصل للكتّاب والناشرين في مختلف مسارات الكتابة. وتبرز هذه الملامح في عدد من أجنحته، لا سيّما أن هذه النسخة تتضمّن مبادرات جديدة تُوسّع حضور الأدب المحلّي، وتُقدّم برامج نوعية ترتقي بتجربة الزوّار.

وفي كلّ نسخة من معرض جدة، تقدّم الهيئة مجموعة من التحديثات والتطويرات التي تستقطب فئة أوسع من سكّان المدينة وزوّارها. وفي الموسم الحالي، أطلقت الهيئة برنامجاً خاصاً بالإنتاج المحلّي للأفلام، يقدّم عروضاً يومية لأفلام سعودية حظيت بتقدير فنّي وجماهيري، على المسرح الرئيسي، بدعم من برنامج «ضوء لدعم الأفلام» وبشراكة مع «هيئة الأفلام».

شهد هذا العام إطلاق برنامج خاص بالإنتاج المحلّي للأفلام (الشرق الأوسط)

وتسعى الهيئة، من خلال تنوّع برامجها التي تتجاوز 170 فعالية ثقافية، وتشمل الندوات والجلسات الحوارية، والمحاضرات، والأمسيات الشعرية، إضافةً إلى ورشات عمل في مجالات متعدّدة، إلى استقطاب مختلف فئات المجتمع.

ويرى متخصّصون في الأدب أنّ هذا التنوّع يُشكّل عامل جذب مهماً يلبّي اهتمامات الباحثين عن المعرفة والأدب، لا سيّما الأطفال، عبر مساحات مُخصّصة تحاكي حاجاتهم القرائية.

ومن خصائص معرض جدة تنوّع الأطروحات والموضوعات، لتشمل مسارات متعدّدة، من الفلسفة و«كيف نقرأ الفلسفة اليوم»، إلى «الرياضة منصةً للتواصل الثقافي والإعلامي»، و«جسور التفاهم: كيف يصنع الفكر الإسلامي حواراً حضارياً عالمياً»، إلى جانب توظيف اللهجات المحلّية في الكتابة المعاصرة.

كما يتنوَّع برنامج ورشات العمل ليشمل مهارات الصحافة، وإدارة الأزمات الرقمية، وكتابة قصص الأطفال، وبناء العلامة الشخصية، وأثر القراءة المبكرة في التطور اللغوي والعقلي.

وفي المقابل، يواصل المعرض دعم المُبدع المحلّي عبر ركن المؤلف السعودي، الذي يحتضن عناوين للنشر الذاتي، ويتيح للأدباء عرض أعمالهم مباشرة أمام الجمهور.

كما توفّر منصّات توقيع الكتب فرصة للقاء الكتّاب والحصول على إصدارات موقّعة، إلى جانب قسم خاص بعوالم المانغا والأنمي، يضم مجسّمات ومقتنيات وكتباً نوعية تحتفي سنوياً بهذا الفنّ ومحبّيه.


مقالات ذات صلة

«ذاكرة الثقافة» مركز سعودي لحفظ التراث رقمياً

يوميات الشرق تعمل الوزارة على تأهيل الكوادر المحلية في توثيق التراث الثقافي وأرشفته الرقمية (واس)

«ذاكرة الثقافة» مركز سعودي لحفظ التراث رقمياً

وافق مجلس الوزراء السعودي على تحويل الوحدة التنظيمية في وزارة الثقافة المسماة بـ«الأرشيف الثقافي» إلى «مركز ذاكرة الثقافة السعودية» غير المستقل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق أسرت حشود جيش الترتان الذين يعزفون على المزمار ويرتدون التنورة الاسكوتلندية قلوب سكان بوسطن منذ وصولهم إلى كأس العالم (رويترز)

«قصة حب» بين مدينة أميركية و«جيش الترتان»

من أحداث كأس العالم لكرة القدم 2026 تخرج حكاية لطيفة عن قصة حب بين مدينة أميركية ومشجعي فريق كرة قدم زائر.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق حين تعود المكتبات... يعود شيء من الحياة (وزارة الثقافة)

المكتبات العامة في لبنان... مسعى لترميم العلاقة بالمعرفة

يبدو مشروع إعادة تأهيل المكتبات العامة أقرب إلى استثمار طويل الأمد في الإنسان.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق من ذاكرة البيوت المهدّمة تُصنع الأحلام (أ.ف.ب)

خياط في خان يونس يُحوّل الأنقاض إلى فساتين للفرح

في محلّ للخياطة في خان يونس بقطاع غزة، تدور طفلة بفستان أبيض مُعدّ لمناسبة خاصة حول نفسها، فتنتفخ طبقات الفستان الرقيقة المصنوعة من التول من حولها.

«الشرق الأوسط» (خان يونس - الأراضي الفلسطينية)
يوميات الشرق بعض المايستروهات يقودون الأوركسترا... هاروت فازليان يقود المخيّلة أيضاً (الشرق الأوسط)

هاروت فازليان يُفكّك «فلتافا»... النهر العابر في الإنسان

البشر يعبُرون، الأصوات تعبُر، القرون تعبُر، وسميتانا نفسه عَبَرَ. وحده الجريان يواصل طريقه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية
TT

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

رسالة محفوظ إلى المترجم

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.

قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».

في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.

في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».

بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين... إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير...». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».

أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.

في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (...) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.

صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.

في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.


دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت
TT

دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة». وفي قاموس «الكامل الكبير: فرنسي - عربي» للدكتور يوسف محمد رضا نقرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر لدى القراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويترتب على ذلك في الأدب سوء استغلال عواطف القراء».

هذه العاطفية المفرطة موضوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية المفرطة» (Soft: A Breif History of Sentimentality) صدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في 2025 من تأليف فرديناند ماونت (Ferdinand Mount)، وهو رئيس تحرير سابق لملحق «التايمز الأدبي» في لندن.

يقول المؤلف إن الناس قد عبروا في مختلف الأزمنة عن أفراحهم وأتراحهم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت المجتمعات أهمية متغيرة على التعاطف مع الآخرين ووضع الذات في مكانهم. واقترنت الأحداث السياسية الكبرى - مثل الثورة الفرنسية في 1789 وحركة الحقوق المدنية في عصرنا - بثورات اجتماعية بعيدة المدى.

تشارلز ديكنز

على أن المشاعر القوية ظلت طيلة تاريخها الطويل تتعرض للهجوم من عدة جهات. وصفت بأنها مخنثة أو متهافتة أو شعبوية. ودعا نقاد كبار في القرن الماضي - مثل إرفنج بابت الأميركي، وت. س. إليوت الأنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم الإنجليزي - إلى الموضوعية وكبح المشاعر وهاجموا الرومانسية وأنكروا أن يكون الشعر تعبيراً عن الشخصية أو فيضاناً تلقائياً لانفعالات قوية. لكن ذلك لم يقض على سلطان العاطفة على النفوس، اليوم كما في الماضي.

وكتاب فرديناند ماونت دفاع عن العاطفية إزاء من يرون أنها تزييف للواقع الخارجي والوعي الداخلي على السواء، ومن يقولون إن السنتمنتالي شخص ديدنه الإنكار، فهو ينكر الواقع الماثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له.

ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموماً لا يكونون عاطفيين في كل لحظة من حيواتهم وإنما هم يراوحون - حسب الموقف - بين نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفياً متحمساً في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد المشاعر إزاء حزب العمال مثلاً.

إن الأعمال الفنية العاطفية - سواء كانت كتباً أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تمنح الضحايا صوتاً يعبرون به عن معاناتهم ويخاطبون الرأي العام، وما إسرافها في العاطفية إلا خطوة ضرورية لإيقاظ الضمائر من غفوتها.

ولا ينكر ماونت أن كثيراً من المسرحيات أو المسلسلات التلفزيونية التى تصور، مثلاً، العثور على ابنة مفقودة بعد غياب طويل عاطفية رخيصة ترمي إلى استدرار دموع المشاهد. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، ولا يجب أن نستسلم لإغراء اعتبار أنفسنا فوق مشاعر الآخرين نحكم عليها من عل وكأننا نعلو على المستوى البشري.

وفي رصدنا لتاريخ التعبير العاطفي نلتقي عدداً من علامات الطريق: الحب الرفيع (أو حب البلاط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ منها الموسيقار الألماني فاغنر موضوعاً لأوبراه في 1865)، وقصة غرام ترويلوس وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة لأبي الشعر الإنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة الوردة» في نحو 22 ألف بيت للشاعرين الفرنسيين جيوم دي لوريس وجان دي مين، ورواية سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع الأوهام لفتاة تدعي دوروثيا لا تكاد تشعر بوجوده.

وعلى ظهر القارة الأوروبية ازدهرت الرواية العاطفية، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جاك روسو. وظهر من الفلاسفة من عالجوا العواطف، واتخذوا منها مواقف إيجابية أو سلبية. ومن هؤلاء الفلاسفة توماس هوبز وديفيد هيوم وآدم سميث.

وأهم روائي إنجليزي أثارت معالجته للعواطف الخلاف ما بين مادح وقادح هو بلا شك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات القديمة» (1841) و«دمبي وولده» (1847 - 1848). في هذه الرواية الأخيرة يسعى ديكنز إلى إثارة عطفنا على بطله دمبي وهو صبي رقيق النفس، ضعيف البنية، يمرض ويموت.

وفي «محل العاديات القديمة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الصغيرة تعيش مع جدها صاحب المحل وترعاه. ويعاني الاثنان مشاق كبيرة ويواجهان الشر المتمثل في قزم شرير يدعى «كويلب». وتسلم نللي الأنفاس في مشهد مؤثر، ثم يلحق بها جدها.

كان من الواضح أن ديكنز يريد أن يستثير شفقة القارئ على بطلته الصغيرة، وأن يدفع بالدموع إلى عيني من يتابع معاناتها. ولكن إسرافه في العاطفة كاد يحدث أثراً عكسياً حتى إن أوسكار وايلد قال: «لا بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك».

ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «الأمير السعيد» و«العملاق الأناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه الأقصوصة الأخيرة.

ويختم ماونت كتابه بقوله إننا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عشر ومستشفياته، والاتجاهات المتحررة والمتعاطفة مع معاناة الإنسان في الثلث الأخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة المفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء لا غنى عنه من وجود الإنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن المجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة لا بد أن ينكمش ويتضاءل ويفتقر. إننا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة الإنسانية»، وإن كانت هي ذاتها قد تنكرت لهذه الرحمة، وقمعت نوازع الحنان والأمومة في صدرها.


طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً
TT

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن التشكيليّ السوريّ والعربيّ، ويعيد بناء عالمه الإنسانيّ والفنيّ عبر مقاربة سردية تنفتح على الذاكرة والتأمّل والأسئلة الوجودية.

تتخذ الرواية من الساعات الأخيرة في حياة الفنان لؤي كيالي نقطة انطلاق لسرد يتنقل بين محطات متعددة من حياته، مستحضراً طفولته في حلب، وتجربته الدراسية في روما، وعلاقته بالفن والمدينة والإنسان، وصولاً إلى أزماته النفسية والفكرية التي رافقت مسيرته الإبداعية. ومن خلال هذا البناء، تتحول الذاكرة إلى فضاء رحب تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات، ضمن نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع مع الرؤى والتداعيات الداخلية.

تأتي أهمية هذا العمل من اقترابه من شخصية فنية تركت أثراً استثنائياً في تاريخ التشكيل السوري والعربي. فما زالت أعمال لؤي كيالي تحظى بحضور واسع في الدراسات الفنية والمعارض والكتابات النقدية، لما انطوت عليه من حساسية إنسانية عالية وقدرة على التقاط وجوه المهمشين والبسطاء وتحويلها إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية.

ولا تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع المعروفة في حياة كيالي بقدر اهتمامها باستكشاف العالم الداخلي للفنان، والتكلفة الإنسانية التي ترافق الإبداع حين يصبح وسيلة لرؤية ما يغفل عنه الآخرون. ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من الأسئلة التي شغلت تجربة كيالي كلها: الفن، والعزلة، والهشاشة الإنسانية، والبحث الدائم عن المعنى في عالم مثقل بالتحولات والخيبات.

ويستفيد معلّا من خبرته الطويلة في الحقل التشكيلي ليمنح النص بعداً بصرياً واضحاً، حيث تتشكل المشاهد الروائية عبر الضوء والظلّ واللون، وتتجاور المدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة واسعة تستعيد ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السورية. كما تحضر شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفي مقدمتها الفنان فاتح المدرس، ضمن حوارات ومواقف تضيء جوانب من التحولات الفكرية والجمالية التي شهدتها الحركة التشكيلية السورية في القرن العشرين.

وتكشف الرواية عن اهتمام خاص بالعلاقة بين الفنان ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وبالأثر الذي تتركه الأحكام النقدية والتوقعات العامة على المبدع. لذلك تتجاوز شخصية لؤي كيالي حدود السيرة الفردية لتتحول إلى نافذة للتأمل في مصير الفنان العربي، وفي التوتر المستمر بين الصدق الفني ومتطلبات الواقع، وبين الحساسية الإبداعية والقدرة على الاحتمال.

وعلى الرغم من استناد الرواية إلى شخصية واقعية معروفة، فإنها تتحرك ضمن فضاء تخييلي يمنح الكاتب حرية إعادة تشكيل الأحداث والحوارات والذكريات وفق رؤية أدبية خاصة، الأمر الذي يجعل العمل أقرب إلى إعادة تخيل حياة لؤي كيالي من منظور روائي معاصر، يزاوج بين المعرفة الفنية والاشتغال السردي.

تضع «ذاكرة النار» تجربة لؤي كيالي أمام جيل جديد من القرّاء، وتعيد فتح النقاش حول واحد من أكثر الفنانين السوريين تأثيراً وإثارة للأسئلة، في رواية تمنح الفن موقعاً مركزياً في مساءلة الإنسان ومصيره وعلاقته بالعالم.

وفي جانب آخر، تستعيد الرواية جانباً من الذاكرة الثقافية السورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عبر إشاراتها إلى المدن والأمكنة والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني آنذاك. وبذلك يتجاوز العمل حدود السيرة الفردية ليقترب من سيرة جيل كامل عاش تحولات كبرى انعكست على الثقافة والفن والحياة العامة.

جاءت الرواية في 186 صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان الراحل لؤي كيالي.