مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

بينها جديد نينو موريتي وديفيد فينشر وفرنر هرتزوغ وتوم فورد

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
TT

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» حجماً وأهمية. لكن ذلك مستحيل، ولسببين على الأقل: أولاً، لا تستطيع كل دولة إقامة مهرجان تقترب ميزانيته من ميزانيات تلك المهرجانات الكبرى. وثانياً، لا يوجد عدد كافٍ من الأفلام الكبيرة القادرة على تغذية جميع المهرجانات.

لذلك تتجه المهرجانات الأخرى المعروفة، مثل «روتردام»، و«سراييفو»، و«لندن»، و«كارلوفي فاري»، و«ثيسالونيكي»، و«لوكارنو» وغيرها، إلى التخصص في نوع معين من الأفلام أو في برامج محددة، أو إلى قبول أفلام أقل حظوة بالأضواء والحملات الدعائية المسبقة. يُضاف إلى ذلك أن استضافة الفنانين الكبار لمواكبة عروض أفلامهم تمثل تكلفة إضافية لا تستطيع بعض هذه المهرجانات تحمُّلها.

روني وكايت مارا في «باكينغ فاستارد» (هان واي فيلمز)

حظ أفضل

ليست المهرجانات الثلاثة الأكبر في العالم خالية من المشكلات، لكنها مشكلات مختلفة، يتقدمها التنافس على استقطاب الأفلام الجديدة للمخرجين الأكثر أهمية عالمياً. فمهرجانات «كان»، و«فينيسيا»، و«برلين» تتابع طوال العام أخبار المخرجين: من سيبدأ التصوير قريباً؟ ومن بدأه فعلاً؟ وهل سيكون الفيلم جاهزاً للمشاركة في المهرجان؟ وماذا عن هوليوود التي قلّلت خلال العامين الأخيرين من أهمية مهرجاني «كان» و«برلين» بالنسبة إليها؟ وهل سيقرر مخرج ما التوجه بفيلمه إلى مهرجان منافس؟

ثم ماذا عن الأزمات السياسية القائمة حول العالم، التي دفعت مهرجان «برلين» إلى تغيير إدارته قبل 3 سنوات، ثم هددت إدارته الجديدة بالتعرض للضغوط نفسها هذا العام؟

كل ذلك في وقت يقترب فيه موعد إطلاق الدورة المقبلة من مهرجان «فينيسيا» (الدورة 84) تحت إدارة ألبرتو باربيرا الذكية.

ومن حسن حظ هذا المهرجان الإيطالي أنه يأتي في مستهل موسم الجوائز السنوية. فالأفلام المشاركة فيه، سواء كانت أوروبية أو آسيوية أو أميركية، تحظى بفرصة أفضل للانتقال من «فينيسيا» إلى منصات الجوائز الكبرى، وتحديداً «الأوسكار» و«الغولدن غلوب».

لكن «فينيسيا» ليس وحيداً في هذا المجال؛ فهناك أيضاً منافسه الأول «كان». غير أن ما يمنح المهرجان الإيطالي أفضلية إضافية هو توقيته، إذ يُقام في الفترة التي يبلغ فيها السعي إلى دخول السباقات الأميركية ذروته، أي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل عام.

في العام الماضي انتقلت 3 أفلام رئيسية من جزيرة الليدو، حيث يقام المهرجان، إلى سباق الأوسكار، هي: «صوت هند رجب» و«فرنكستاين» و«بوغونيا». وفي عام 2024 تسللت أفلام «جوكر 2» و«ما زلت هنا» و«ذا بروتاليست» إلى السباق نفسه. وقد تكرر هذا النمط خلال السنوات الخمس السابقة أيضاً، بما يؤكد أهمية المهرجان، ليس بالنسبة إلى الجوائز الأميركية فحسب، بل لصنّاع الأفلام أساساً.

سام روكويل (اليمين) وجون مالكوفيتش في «وايلد هورس 9» (بلو برنت بيكتشرز)

استكمال لما سبق

لن يختلف الأمر كثيراً هذا العام، خصوصاً إذا نجح باربيرا في استقطاب الأفلام الكبيرة التي تلوح في الأفق، ومن بينها أفلام جديدة لديفيد فينشر وفيرنر هرتزوغ وناني موريتي وتوم فورد.

وكان فورد قد عرض فيلمه السابق «رجل أعزب» (A Single Man) في دورة عام 2009، لينطلق منه إلى ترشيحات 58 مؤسسة سينمائية ونقدية حول العالم، من بينها الأوسكار. أما فيلمه الجديد «صرخة إلى السماء» (Cry to Heaven)، فيختلف عن سابقه بكونه دراما تاريخية تدور حول مغني الأوبرا غويدو مافيو.

ومن بين الأفلام المنتظر عرضها في «فينيسيا» هذا العام فيلمان يمكن اعتبارهما امتداداً لفيلمين سابقين. أولهما «مغامرات كليف بوث» (The Adventures of Cliff Booth) لديفيد فينشر، وهو تكملة لفيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» الذي أنجزه كوينتن تارانتينو عام 2019، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان «كان». ويقود بطولة الفيلم الجديد براد بيت، فيما تتولى شركته «بلان بي» إنتاجه.

أما الفيلم الثاني فهو «حسابات مجتمعية» (Social Reckoning) لآرون سوركين. والطريف في الأمر أن هذا العمل يُعد استكمالاً لفيلم «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2010.

«فينيسيا» بوابة مهمة نحو «الأوسكار» و«الغولدن غلوب»

خسارة وربح

هناك أفلام أخرى مهمة مرشحة لغزو المهرجان الإيطالي، من بينها «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) لفيرنر هرتزوغ، وهو فيلم روائي غريب عن شقيقتين (روني مارا وكايت مارا) تحفران نفقاً عبر جبل للوصول إلى الجهة الأخرى منه، اعتقاداً منهما بأن هناك أرضاً جديدة يسود فيها الحب الحقيقي.

وكان هذا الفيلم في متناول مهرجان «كان»، لولا أن المخرج الألماني قرر سحبه بعدما اقترح عليه المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، عرضه خارج المسابقة الرسمية. رفض هرتزوغ الاقتراح، وما خسره «كان» تحوَّل إلى مكسب لـ«فينيسيا».

وفوز آخر لـ«فينيسيا» على «كان» يتمثل في فيلم المخرج الإيطالي ناني موريتي الجديد «قلب جائع» (Hungry Heart). فبعد أن عرض موريتي أفلامه التسعة الأخيرة في «كان»، آثر هذه المرة تخصيص فيلمه الجديد للمنافسة في المهرجان الإيطالي.

ومن بين الأفلام الأخرى التي يبدو أنها ستُعرض في الدورة المقبلة، التي تُقام بين 2 سبتمبر (أيلول) و12 منه، فيلم «وايلد هورس 9» (Wild Horse 9) لمارتن ماكدونا، وهو فيلم تشويق أميركي يشارك في بطولته جون مالكوفيتش وتوم وايت وسام روكويل.

كذلك يُنتظر عرض فيلم «هنا يأتي الطوفان» (Here Comes the Flood) للإسباني فرناندو ميريليس، من بطولة روبرت باتينسون ودنزل واشنطن، وهو فيلم يدور حول خطة معقدة لسرقة مصرف.

وتبدو هذه الأفلام مرشحة بقوة منذ الآن، علماً بأن المهرجان سيعلن برنامجه الرسمي في 23 من الشهر المقبل.


مقالات ذات صلة

معركة «إيرادات السينما» في مصر تشتعل بين العوضي وإمام

يوميات الشرق العوضي ومي عمر في «شمشون ودليلة» (الشركة المنتجة)

معركة «إيرادات السينما» في مصر تشتعل بين العوضي وإمام

اشتعلت معركة «إيرادات السينما»، في مصر بشكل واسع خلال الساعات الماضية بين النجمين محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، وأحمد العوضي بطل «شمشون ودليلة».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يسرا تنافس بفيلم «الست لما» في موسم الصيف (الشركة المنتجة)

فنانون مصريون للمشاركة في موسم الصيف السينمائي بعد غياب

يشهد الموسم الأكثر حضوراً من الجماهير وفق نقاد، عودة يسرا، ورامز جلال، وياسمين عبد العزيز، ومحمد هنيدي بعد غياب سنوات عن «الشاشة الكبيرة».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الهندي سهراب هورا (الشركة المنتجة)

«اختفاء»... فيلم هندي قصير يراهن على قوة التأمل

يعتمد الفيلم الهندي القصير «اختفاء» (Disappeared) على رؤية تقدم تجربة بصرية تعيد النظر إلى الصورة ومنحها الوقت الكافي لتكشف ما تخفيه.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق حصان طروادة الأسطوري (يونيفرسال - أ.ب)

فيلم «الأوديسة» تجسيد مذهل لسينما لا تعرف الحدود

المخرج كريستوفر نولان يتعامل مع زمن آخر في غالبية أفلامه (إحدى عشر فيلماً طويلاً وقبضة يد من الأفلام القصيرة) وهو الزمن الذي في داخل شخصياته الرئيسية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما 
كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)

كريستوفر نولان... المخرج الذي لا يُرفض له طلب

حققت أفلام نولان مليارات الدولارات مما أكسبه ثقة استوديوهات هوليوود

محمد رُضا (بالم سبرينغز)

كريستوفر نولان... المخرج الذي لا يُرفض له طلب


كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)
كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)
TT

كريستوفر نولان... المخرج الذي لا يُرفض له طلب


كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)
كريستوفر نولان خلال تصوير «أوديسا» (يونيفرسال)

اليوم، يعود المخرج كريستوفر نولان إلى شاشات «آيماكس» العملاقة بفيلم جديد يحمل عنوان «أوديسا»، هو الأول له منذ فوزه، قبل 3 سنوات، بـ7 جوائز أوسكار عن فيلمه السابق «أوبنهايمر». ولا تكتفي هوليوود بإطلاق فيلمه الجديد، بل تعرض بعض صالاتها أيضاً 5 من أفلامه السابقة، في تظاهرة تهدف إلى تعزيز جماهيرية هذا المخرج من جهة، والتذكير بأبرز أعماله من جهة أخرى.

الأفلام المعروضة على نحوٍ موازٍ هي«أرق» (Insomnia) 2002، و«الفارس الأسود» (The Dark Knight) 2008، و«استهلال» (Inception) 2010، و«بين النجوم» (Interstellar) 2014، و«دنكيرك» (Dunkirk) 2017.

مات دامون وزندايا في لقطة من «أوديسا» (يونيفرسال)

الملحمة المأثورة

«أوديسا» هو أول فيلم في مسيرة نولان ينتمي إلى السينما التي تتناول حروب التاريخ القديم. ويستند إلى ملحمة «الأوديسا» التي وضعها الشاعر الإغريقي هوميروس، وتتألف من 24 كتاباً (أو نشيداً)، وهو صاحب الملحمة الشهيرة الأخرى «الإلياذة»، إلى جانب مؤلفات أخرى لم تنل القدر نفسه من الاهتمام. ولا يقتصر الغموض على زمان ومكان تأليف هاتين الملحمتين، بل يحيط أيضاً بحياة هوميروس نفسها.

لا يتطرق فيلم نولان إلى حياة هوميروس، ولا يستعرض جميع أحداث ملحمة «الأوديسا»، بل يكتفي بتقديم رحلة أوديسيوس (مات دامون) في عودته من طروادة بعد 10 سنوات على سقوطها، وما يرافقها من شخصيات محورية، مثل زوجته بينيلوبي (آن هاثاواي)، وابنه تليماخوس (توم هولاند)، وناشر مذكراته أنطونيوس (روبرت باتنسن)، إلى جانب شخصيات أخرى، منها أثينا (زندايا)، وكاليبسو (تشارليز ثيرون)، وهيلين الطروادية (لوبيتا نيونغو).

الموضوع في حد ذاته واسع، لكن أحداثه وشخصياته وحروبه أكثر اتساعاً وتشعباً. ومن يعرف نولان يدرك أنه لا يقدم فيلماً يقل حجماً أو طموحاً عن المادة التي يستند إليها، وهو ما انعكس على ميزانية العمل، التي بلغت 250 مليون دولار، وتحملتها شركة «يونيفرسال»، إلى جانب حملة ترويجية واسعة بدأت قبل أشهر وما زالت مستمرة.

من فيلم نولان «الفارس الأسود» (وورنر)

تفاصيل تقنية

الطموح والفرادة عنوانان لمسيرة هذا المخرج، ويختزلان شغفه بالسينما منذ حمل كاميرا «سوبر 8» وهو في الثامنة من عمره.

ومع مطلع القرن الـ21، كان كريستوفر نولان لا يزال اسماً مجهولاً. فقد أنجز فيلمه القصير Doodlebug عام 1997، ثم قدّم أول أفلامه الروائية الطويلة Following عام 1998. وبعدها انتقل إلى الولايات المتحدة مدفوعاً برؤيته السينمائية وطموحه، وكأن نجمةً دلّته على الطريق الذي ينبغي أن يسلكه. وهناك، في هوليوود، حقق فيلمه اللافت Memento («ميمنتو»، 2000)، الذي شكّل نقطة تحوّل في مسيرته.

وقاد نجاح الفيلم إلى إنجاز Insomnia («أرق»، 2002)، قبل أن تراهن شركة «وورنر براذرز» عليه عام 2005، وتكلّفه بإخراج Batman Begins («باتمان يبدأ») مع منحه ميزانية كبيرة وحرية إبداعية واسعة. فجاءت النتيجة واحداً من أفضل الأفلام التي تناولت شخصية باتمان، إلى جانب نسخة تيم بيرتن عام 1989، ومهدت لولادة ثلاثية تُعدّ من أبرز ما قُدّم في سينما الأبطال الخارقين. ومنذ ذلك الحين، واصل نولان تحقيق الأفلام التي آمن بها، حتى أصبح واحداً من أبرز مخرجي السينما في العالم اليوم.

حمل مشواره إلى هوليوود في طياته طموحاً إلى صناعة السينما الكبرى. فقد أدرك أن السينما البريطانية لا تتيح إنتاجات بهذا الحجم، ولم يشأ أن يمضي وقته في تجارب محدودة الإمكانات. وانعكس هذا الشغف أيضاً في اهتمامه الدائم بتقنيات التصوير، ولا سيما أنظمة الكاميرات التي يستخدمها. بدأ بتصوير أفلامه على شريط 35 ملم، ثم اتجه لاحقاً إلى استخدام كاميرات «آيماكس» وأفلام «كوداك» بقياس 65 ملم، بدءاً من فيلمه «دنكيرك» (2017). وفي فيلمه الجديد، يستخدم كاميرا متطورة تجمع بين تقنية «آيماكس» وشريط 65 ملم، مع إمكانية العرض بصيغة 70 ملم، وهي الصيغة التي اشتهرت بها الأفلام التاريخية والملحمية الكبرى خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.

مساحة فكرية وبصرية

بعيداً عن التقنيات نجد أن السمات المشتركة بين أفلامه تُواكب إنجازاته البصرية. هو مخرج لا يسرد حكاية مثيرة بحد ذاتها فقط، بل يتعامل مع مضامينها العميقة والدالّة. بطلب من مشاهدي كل فيلم من أفلامه التفكير بما يراه وليس متابعته فقط. وهذا تحدٍّ صعب. كثيرون سبقوه إلى ذلك، لكن كثيرين منهم أخفقوا.

يشكّل «ممنتو»، بوصفه البداية، أكثر من مجرد حكاية رجل يبحث عن قاتل زوجته. فبطله يعاني فقدان الذاكرة، مما يفرض عليه ابتكار وسائل بديلة لتحقيق غايته. وفي المقابل، يعمد نولان إلى اعتماد أسلوب سرد غير تقليدي، وهو البدء بالنهاية ثم العودة تسلسلاً إلى البداية.

«أرق» فيلم بوليسي يتكئ على دراما نفسية، يؤدي بطولته آل باتشينو في واحد من أفضل أدواره خلال هذا القرن. يصل المحقق إلى ألاسكا لتولي التحقيق في جريمة قتل، فيمرّ بأزمات نفسية وصراعات أخلاقية تهز قناعاته.

في ثلاثية «باتمان» («باتمان يبدأ» 2005، و«الفارس الأسود» 2008، و«صعود الفارس الأسود» 2012)، لا يكتفي نولان بتقديم الشخصية بوصفها فارساً داكناً يقف على المسافة نفسها من القانون وأعدائه، بل يُعيد صياغتها ضمن إطار واقعي يختلف عن معظم أفلام «باتمان» السابقة، وعن غالبية أفلام الأبطال الخارقين في السينما، من حيث عمق شخصيَّته والمعالجة الواقعية لها. نعم، تبقى أفلام باتمان عند نولان مثيرة وبطولية، لكنها أبعد من أن تكون كرتونية أو خالية من مضامين تدعو للتفكير كشرط لاستكمال المتعة البصرية.

يتميّز نولان بأنه مخرج يختار مشروعاته بعناية، واضعاً نصب عينيه تحويل كل فيلم إلى مساحة فكرية وبصرية رحبة. ولا يقلّ تنوُّع الموضوعات التي يتناولها أهمية عن أسلوبه في معالجتها؛ فهو ينتقل من الفيلم البوليسي في «أرق»، إلى التشويق في «استهلال»، ومن الخيال العلمي في «بين النجوم»، إلى الفيلم الحربي في «دنكيرك»، ثم إلى الدراما السِّيرية في «أوبنهايمر»، قبل أن يصل اليوم إلى عالم الملاحم التاريخية مع «أوديسا».

لا يخلو هذا الفيلم الجديد من المغامرة، فتكلفته الضخمة تفرض عليه تحقيق إيرادات تتجاوز ميزانيته بأضعاف قبل أن يدخل دائرة الأرباح. لكن نولان يراهن على قاعدة جماهيرية واسعة رافقته طوال مسيرته، ويعوّل أيضاً على استقطاب عشاق الملاحم التاريخية، مستنداً إلى أسلوبه البصري الذي لا يُضاهى. وإلى جانب ذلك، قد حققت أفلامه مليارات الدولارات في شباك التذاكر، وهو ما جعله يحظى بثقة استوديوهات هوليوود، التي لم تعد تتردد في تمويل أكثر مشروعاته طموحاً وتكلفة.


3 أفلام هوليوودية جديدة تجمع بين المغامرة والتاريخ والرعب

سهيلة يعقوب في «إيفل ديد بيرنر» (وورنر)
سهيلة يعقوب في «إيفل ديد بيرنر» (وورنر)
TT

3 أفلام هوليوودية جديدة تجمع بين المغامرة والتاريخ والرعب

سهيلة يعقوب في «إيفل ديد بيرنر» (وورنر)
سهيلة يعقوب في «إيفل ديد بيرنر» (وورنر)

«موانا» (وولت ديزني)

Moana

إخراج: توماس كايل

الولايات المتحدة (2026)

(وسط)

دواين جونسون يرتدي وشوماًهناك أكثر من طريقة لحلب بقرة في هوليوود، وشركة «والت ديزني» تُجيد معظمها. ففي السنوات العشر الأخيرة، أعادت إنتاج نحو عشرين فيلماً، إمّا بتحويل أفلام الرسوم المتحركة إلى أفلام حيّة (بممثلين حقيقيين)، أو العكس. وهكذا تمنح الحياة لكل فيلم مرتين، إلى جانب إنتاج أجزاء ومسلسلات مستوحاة منه.

معظم نقاد الولايات المتحدة أشادوا بفيلم «موانا» الكرتوني (2016)، كما رحّبوا بالنسخة الحالية المقتبسة منه. كان الفيلم الأول يستحق الإعجاب، إلى حدٍّ ما، في حين أن النسخة الجديدة عملٌ مليءٌ بالثغرات التي تنفذ منها رياح ساخنة.

الحكاية لا تزال كما هي، مع توسيع دور والد موانا (كاثرين لاغايا)، التي تخوض مغامرة لإنقاذ قبيلتها، المقيمة في جزيرة معزولة عن العالم. تحلّ كارثة مفاجئة، فتجد موانا نفسها مضطرة إلى استعادة حجر سحري اختفى منذ ألف عام، لتنقذ به قومها.

أما مالك الحجر، فهو ماوي (دواين جونسون)، الذي يظهر مرتدياً باروكة شعر غير مقنعة، وجسده مغطى بالوشوم. يحاول مساعدتها، لكنه يبتسم على الدوام، بينما يوحي أداؤه بأنه لم يعش الشخصية بقدر ما اكتفى بترديد حواره.

ومن الحسنات القليلة التي تُحسب للفيلم أن دواين جونسون لا يحاول استعراض قدراته الغنائية، بل يترك هذه المهمة للممثلة الشابة كاثرين. وفي جميع الأحوال، يستخدم الفيلم الأغنيات نفسها الواردة في النسخة الأصلية، كما يعيد سرد الحكاية من دون تغييرات تُذكر. لكن بينما منحت النسخة الكرتونية شخصياتها المرسومة تعابير نابضة تعكس دواخلها، تبدو الشخصيات في النسخة الحية أقل حيوية وقدرة على التعبير.

من «واشنطن الشاب» (أنجل برودكشنز)

YOUNG WASHINGTON

إخراج: جون إروين

الولايات المتحدة (2026)

(وسط)

سيرة حياة ومعارك أول رئيس أميركي

على ما يبدو أن المناسبة التي استدعت إنتاج هذا الفيلم هي الاحتفال بمرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، الذي يصادف هذا الشهر. وكان ذلك، ولو من باب الافتراض، يستدعي فيلماً أفضل من النتيجة التي خرج بها العمل.

ولتحقيق ذلك، كان لا بد من مخرج أكثر دراية بكيفية إنجاز فيلم يوازن بين الحقيقة التاريخية وما يُضاف إليها من معالجات خيالية تفرضها ضرورات السرد. وهنا تكمن معضلة كثير من الأفلام التاريخية: إلى أي حد يمكن الجمع بين الحقيقة والخيال من دون تشويه الأولى، ومن دون الاكتفاء أيضاً بعرض جاف للوقائع؟

يبدأ الفيلم عام 1755، عندما كان جورج واشنطن (ويؤديه ويليام فرانكلين-ميلر) في الثانية والعشرين من عمره. شاب طموح حاول الانضمام إلى الجيش البريطاني وفشل، لكنه نجح لاحقاً في قيادة مجموعة من المقاتلين في ولاية فرجينيا. يخوض مع رجاله مواجهة ضد القوات الفرنسية ويُهزم، غير أن تلك الهزيمة لا تهز ثقته بنفسه، بل تُمهِّد الطريق أمام سلسلة من الانتصارات العسكرية، قبل أن يُنتخب لاحقاً أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية.

تبقى مشاهد المعارك أفضل ما في الفيلم، إلى جانب تصميم الإنتاج والمناظر، اللذين يتركان أثراً إيجابياً على المستوى البصري. أما الشخصيات، فجاءت كتابتها سطحية، بينما بدا أداء الممثلين أقرب إلى قطع شطرنج تتحرك على الرقعة من دون روح أو ملامح إنسانية مميزة.

EVIL DEAD BURN

إخراج: سيباستيان فانيتشيك

الولايات المتحدة (2026)

(وسط)

جزء سادس من رعب لا ينتهي

يحاول هذا الفيلم، وهو السادس في السلسلة التي ابتدعها سام رايمي عام 1981، أن يضخ حياة جديدة في أحد أكثر أنواع أفلام الرعب ازدحاماً بالأعمال المتشابهة. الفيلم الجديد، من إخراج الفرنسي سيباستيان فانيتشيك، يعود إلى روح الجزأين الأول والثاني (1981 و1987)، لكنه يقدم مشاهد أكثر توتراً ورعباً، من دون اللمسة الساخرة التي ميّزت أفلام رايمي.

تؤدي سهيلة يعقوب، التي تشق طريقها بثبات في السينما الفرنسية والأميركية، وكان من أحدث أعمالها «ديون: الجزء الثاني» (Dune: Part Two)، دور أرملة تنضم إلى عائلة زوجها الراحل للمشاركة في مراسم تأبينه. تكنّ والدة الزوج الراحل (تاندي رايت) مشاعر عداء لها، في حين يفقد والده (إيرول شاند) أعصابه خلال اللقاء ويقتل كلب العائلة.

تشكل هذه الأحداث تمهيداً لدخول الرعب الفعلي، مع وصول والد الأرملة، الذي سبق أن قرأ كتاباً كان من الأفضل ألا يقرأه، هو «كتاب الموتى». ومنذ ذلك الحين، تستولي عليه روح شيطانية، قبل أن تمتد إلى شخصيات أخرى، ليغدو الباقون مجرد ضحايا في سلسلة من المشاهد العنيفة والدامية التي يعتمد عليها المخرج.


ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)
TT

ريما المسمار: تنوُّع الأصوات شرط لتطوُّر السينما العربية

من «المحطة» (سكرين بروجكت)
من «المحطة» (سكرين بروجكت)

أضافت ريما المسمار صوتاً ثقافياً لامعاً عندما بدأت كتابة النقد السينمائي في أواخر التسعينات ومطلع العشرية الأولى من هذا القرن. لم يكن صوتاً نسائياً فقط، بل كان صوتاً يعكس ثقافتها وحبَّها للسينما وجدِّية طرحها. هذا قبل أن تتسلَّم الإدارة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» عام 2016. ومنذ ذلك الحين أصبح حضورها أكبر على مستوى العمل السينمائي. تركت النقد، وهي تدرك أهميته في تأسيس كيان سينمائي أشمل، وتصفه بأنه «جزء سياسي من ثقافة السينما».

ريما المسمار المديرة التنفيذية للصندوق العربي للثقافة والفنون «آفاق» (غيتي)

«شورت شورتيز»

> إذا نظرنا إلى السنوات الخمس الماضية على الأقل، ما أبرز إنجازات «آفاق» من وجهة نظرك؟

- يتمثَّل أحد أبرز إنجازات «آفاق» في الاستمرار بدعم الفنون والثقافة في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة جداً، لضمان استمرار الفنانين وصانعي الأفلام في تطوير أعمالهم وسرد قصصهم ومشاركتها مع جماهير داخل المنطقة وخارجها. كما عملت «آفاق» على توسيع دورها من مؤسسة مانحة إلى جهة تبني منظومة ثقافية متكاملة تشمل التدريب والإرشاد والبحث والدعم المؤسسي. إضافة إلى ذلك، فقد ساهمت «آفاق» في تعزيز شراكات إقليمية ودولية لدعم الفنانين والممارسين الثقافيين في مختلف التخصصات، مما انعكس على ارتفاع حضور الأفلام والمبدعين العرب في المهرجانات والمنصات العالمية، وتعزيز حضور السرد العربي على المستوى الدولي.

> أخيراً، قدَّمت «نتفليكس» النسخة الثالثة من «نساء في عالم السينما» التي أنتجتها «آفاق». ما نتائج النسختين السابقتين التي أدَّت إلى استمرار هذا التعاون؟

- أظهرت نجاحات النسختين السابقتين وجود حاجة واضحة إلى دعم دائم لصانعات الأفلام العربيات الصاعدات. استفادت المشاركات ليس فقط من التدريب، بل أيضاً من الإرشاد المهني وتبادل التجارب والرؤى الإبداعية، والتعرُّف إلى شبكات المبدعين في المجال. كما واصل عدد من المشاركات تطوير مشروعاتهن بشكل احترافي بعد انتهاء البرنامج، مثل الأردنية عائشة شحالتوغ، مخرجة «ثورة غضب» الذي طُوِّر ضمن إحدى النسخ السابقة، واختير مؤخراً للعرض الأول في آسيا ضمن مهرجان «شورت شورتيز» السينمائي الآسيوي في اليابان. ويعكس استمرار التعاون بين «نتفليكس» و«آفاق» التزاماً مشتركاً بدعم المواهب النسائية العربية، وتمكين أصوات جديدة من الوصول إلى المشهد السينمائي.

> تبعاً لذلك، كيف ترين قدرة السينما العربية الجديدة على استيعاب المواهب النسائية أمام الكاميرا أو خلفها؟

- شهدت السينما العربية تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة من حيث الحضور والمشاركة، إذ أصبح مزيد من النساء يعملن في الإخراج والكتابة والإنتاج والمجالات التقنية التي كانت أقل إتاحة سابقاً. كما باتت السينما في المنطقة أكثر تقبلاً لوجهات النظر الجديدة والتجارب المختلفة، مما يخلق مساحة أكثر ملاءمة لقصصٍ تقودها النساء. مع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالتمويل والاستمرارية وفرص الإرشاد والتطوير المهني. ويبقى التغيير الحقيقي مرتبطاً بتمثيل النساء، ليس فقط إبداعياً، بل أيضاً على المستوى البنيوي داخل الصناعة.

> هل ترين أن دور «آفاق» مكرَّس لخدمة المرأة في السينما، أم أنه دور يهدف أيضاً إلى تعزيز حضور السينما العربية ككل؟

- تتجاوز رسالة «آفاق» دعم النساء فقط، فهي تهدف أساساً إلى تعزيز الفنون والثقافة بجميع أشكالها في العالم العربي. ويأتي دعم صانعات الأفلام ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة ثقافية أكثر شمولاً وتنوعاً واستدامة. فالسينما العربية لا يمكن أن تتطوَّر بشكل كامل إذا بقيت بعض الأصوات غير ممثَّلة بالشكل الكافي. وبالتالي، تُسهم مبادرات مثل «مختبر الفيلم القصير» في تعزيز تمثيل النساء، وفي الوقت نفسه في تطوير السينما العربية ككل.

«ثورة غضب» (نتفليكس)

منظومة نسائية

> هل تشجيع الخبرات والمواهب النسائية، في نظرك، مسألة منفصلة عن وضع السينما العربية عامة؟

- من وجهة نظري، هما مترابطان بشكل عميق. فدعم صانعات الأفلام جزء من تعزيز صحة وتنوع المنظومة السينمائية بأكملها. فكلما زاد تمثيل الأصوات المختلفة، أصبحت الصناعة أكثر ثراءً وديناميكية، وأكثر تعبيراً عن المجتمع. كما أن تشجيع مشاركة النساء يُسهم في توسيع نطاق سرد القصص وإثراء السرديات الثقافية.

> من هنَّ مخرجات وكاتبات المستقبل من خلال متابعتك لنشاطاتهن في السنوات الأخيرة؟

- هناك جيل لافت من صانعات الأفلام الصاعدات في المنطقة اليوم، لا يتميز فقط بجودة الأعمال، بل أيضاً بتنوع الأصوات والموضوعات والأساليب السينمائية. ومؤخراً، في مهرجان «كان» العام الحالي، عُرضت 3 مشروعات كانت قد تلقَّت الدعم من «آفاق» بقيادة نسائية، من بينها المخرجة سارة ريما التي عُرض فيلمها «مقنين» (À quoi rêvent les Maknines) بوصفه الفيلم الجزائري الوحيد المشارك في مهرجان «كان» هذا العام. كما شاركت سارة إسحاق بفيلمها «المحطة»، وهو أول فيلم يمني يُعرض في مهرجان «كان». وقد برز أيضاً عدد من المخرجات اللواتي يقدمن أعمالاً جريئة ومختلفة. لكن الأهم من ذكر أسماء محددة هو الإقرار بأن ظهور هذا الجيل بأكمله يُعيد تشكيل مستقبل السينما العربية بشكل جماعي.

> نشأتِ ناقدة سينمائية معروفة قبل دخولك هذا المعترك. هل هناك من حنين إلى ممارسة النقد السينمائي بوصفه جزءاً أساسياً من الثقافة السينمائية؟

- يظل النقد السينمائي جزءاً أساسياً من ثقافة السينما، لأنه يخلق مساحة للتأمل والحوار والتفاعل العميق مع الأفلام. كما يُساعد النقد في وضع السينما ضمن سياقات اجتماعية وسياسية وفنية أوسع. ورغم أن دوري اليوم مختلف، فإن هذا البعد النقدي ما زال يؤثر في طريقة تفكيري تجاه السينما والسرد والإنتاج الثقافي.

تؤكد ريما أن 3 مشروعات مدعومة من «آفاق» بقيادة نسائية شاركت في مهرجان «كان» هذا العام