هيمنة «يوتيوب» على المحتوى تجدد الكلام عن «أزمات» منصات التواصل مع ناشرين

ترند

شعار «يوتيوب» (د. ب. أ.)
شعار «يوتيوب» (د. ب. أ.)
TT

هيمنة «يوتيوب» على المحتوى تجدد الكلام عن «أزمات» منصات التواصل مع ناشرين

شعار «يوتيوب» (د. ب. أ.)
شعار «يوتيوب» (د. ب. أ.)

أثارت «هيمنة يوتيوب» على المحتوى الترفيهي والإخباري مخاوف من تكرار «أزمات» المنصات الكبرى مع ناشرين؛ كما حدث مع «غوغل» و«فيسبوك» حين تحولتا إلى وسيط متحكم في وصول المحتوى إلى الجمهور عبر خوارزمياتهما، ما أدى إلى تراجع كبير في الزيارات المباشرة للمواقع الإخبارية.

مراقبون يرون أن منتجي المحتوى الترفيهي يواصلون إمداد «يوتيوب» بالمحتوى «السهل»، الذي تستغله المنصة الآن لتكريس سيطرتها على سوق الترفيه العالمية. ولا يقتصر الأمر على شركات الترفيه فقط، بل دخلت المؤسسات الإخبارية هي الأخرى على الخط. فيما أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن عواقب هذا الاتجاه خطير على صناعة الترفيه والأخبار.

كان تقرير نُشر في «بريس غازيت»، أخيراً، قد ذكر أنه خلال السنوات القليلة الماضية عمّقت جهات كبرى منتِجة للمحتوى الإخباري والترفيهي، مثل «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) والـ«آي تي في» وديزني وباراماونت ووارنر براذرز ديسكفري، شراكاتها مع «يوتيوب» تحت «ضغط الحاجة للوصول إلى الجمهور، لا سيما الشباب».

المنطق ذاته جذب الصحف ومحطات البث في مختلف أنحاء العالم، إذ تنشر هذه المؤسسات مقاطع ومقتطفات من محتواها على «يوتيوب» أملاً في الوصول إلى جمهور أصغر سناً، غير أن ذلك يحدث غالباً على حساب «التنازل عن السيطرة على توزيع المحتوى والعائد الإعلاني».

لكن خبراء أشاروا إلى أن سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على أسواق الإعلان كانت قد ألحقت أضراراً جسيمة بالصحافة المحلية قبل ذلك، وتركت المؤسسات الصحافية معتمدةً على المنصات نفسها التي قوّضت نماذج أعمالها. ومن هنا، تبدو العودة إلى الاعتماد على «يوتيوب» محاولة خطيرة في نظر كثيرين، إذ إن تنامي سيطرة المنصة على «أين وكيف» يعيد إلى الأذهان ما فعلته «غوغل» و«فيسبوك» بالصحف، لجهة استثمار محتوى الناشرين وتحقيق الأرباح منه، مع حرمان الصحف من نصيب عادل من عوائد الإعلانات.

نجم متولي، مدير الهوية البصرية للفيديو والإنفوغراف في مؤسستي «العين الإخبارية» والـ«سي إن إن الاقتصادية»، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «ثمة تأثيرات جذرية متوقع حدوثها في ساحة إنتاج المحتوى بشكل عام»، وأوضح أن «يوتيوب» عزّز المحتوى القصير بخدمة «شورتس» ما ألقى بظلاله على ذوق الجمهور وتفضيلاته من جانب، وعلى الخوارزميات من جانب آخر.

وأضاف: «لأن منصة مثل يوتيوب باتت متحكِّمة في الترشيحات للجمهور، فإنها تميل إلى المحتوى الترفيهي على حساب المحتوى الإخباري والجاد، بينما يقف الناشرون في انتظار السلطة التي تملكها المنصّة... ومن ثمّ، عليهم مجاراة الأمر للحاق بالسباق من خلال تخفيف المحتوى والعزوف عن المحتوى الطويل التحليلي، لأنه مُكلف وقد لا يُرى من قبل جمهور المنصة، ما سيشكل خسارة ضخمة على المؤسسات وكذلك الجمهور».

متولي أشار أيضاً إلى أن «الاستمرار في نهج الهيمنة لن يتوقف إلا بثلاثة مسارات متوازية: شراكات بين صُناع الأخبار من ناحية ومنصة يوتيوب من ناحية لأخرى، واتفاقيات منظمة لاستغلال المحتوى، وتشريعات صارمة لتنظيم الحقوق». وتوقع لهذه المسارات أن تتحقق، و«بالنظر إلى أزمة غوغل مع عدة ناشرين خلال السنوات الماضية، فإن الحلحلة لم تتحقّق إلا بالمسارات الثلاثة السابقة... ولنا في أستراليا مثال حي».

وأردف: «العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين ستستمر ولن تنقطع، لأن كلاً من الطرفين بحاجة للآخر وإلا توقفت الصناعة، لكن العلاقة ستشهد تطوّراً بحيث تغدو الخوارزميات منصفة، وكذلك سياسة توزيع أرباح الإعلانات... ونحن بحاجة لمزيد من الشفافية المحمية بموجب القانون والتشريعات».

من جهة أخرى، حذرت هيئة تنظيم الإعلام «أوفكوم» في بريطانيا ومعها عدد من قادة الصناعة من أن هيمنة «يوتيوب» باتت تهدد «ظهور» المحتوى الإخباري والمحتوى ذي المصلحة العامة وتمويله... وشددوا على «ضرورة إبراز هذا النوع من المحتوى داخل تطبيق يوتيوب نفسه، في محاولة لتفادي تكرار حلقة الأزمات بين المنصات الرقمية والناشرين مرة أخرى».

وهنا يرى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في مصر، أن أزمة الناشرين مع «يوتيوب» تختلف عن تلك المتعلقة بتجربة «غوغل» و«فيسبوك». ولقد أوضح أن «يوتيوب منصة فيديو، ومعظم الناشرين ليست لديهم منصات فيديو خاصة بهم». ومن ثم، «تمثّلت الأزمة الأساسية مع غوغل وفيسبوك بتراجع الزيارات إلى مواقعهم. أما مع يوتيوب فكانت المشكلة مختلفة قليلاً؛ إذ إنها تتعلق بالسياسات والخوارزميات التي صارت المنصات تفرضها بشكل كبير وجائر، وتتحكّم عبرها في عدد المشاهدات وطبيعة المحتوى، وأيضاً في السياسة التحريرية للمؤسسات الإعلامية».

وعدّ المليجي من ملامح الأزمة أن «الناشرين باتوا مقيّدين بضوابط خارج ضوابطهم الإعلامية والشخصية والمؤسساتية... وأن هذه الأزمة تفاقمت بفعل دخول الذكاء الاصطناعي، ما وضع هذه المؤسسات في منافسة مباشرة مع أفراد ومنصات أخرى غير موثقة». إلا أنه رأى أن «الأزمة الكبرى تعود إلى منافسة مجحفة بين الأفراد والمؤسسات الصحافية... وبسبب هذه المنافسة اضطرت بعض الصحف إلى تقديم محتوى قصير، وبدت أكثر اهتماماً بالشكل وعوامل الجذب على حساب المحتوى».

وتابع، من ثم، أن اعتماد المؤسسات الصحافية على الدخل من «يوتيوب» جعلها معتمدة على مصادر دخل خارجية لا تملك السيطرة عليها، إن «يوتيوب لا تقدم خطة ربحية واضحة، فهي لا تخضع لقواعد السوق المحلية وسوق جمهورها نفسها ولا للمنطق الاقتصادي المعروف. وعوائد المشاهدات تختلف من دولة لأخرى، ومن حساب لآخر بشكل غير مفهوم، وغير معلن عنه، وغير قابل للقياس الدقيق».

واختتم بالقول: «... ومع التغير الدائم في الخوارزميات والتحديثات التي تجريها المنصات، بات من شبه المستحيل بناء استراتيجية طويلة المدى تضمن دخلاً ثابتاً من يوتيوب، وهذا ما جعل يوتيوب تتحوّل إلى مصدر تهديد بدلاً من مصدر دخل».


مقالات ذات صلة

«يوتيوب» تطلق حسابات أطفال خاضعة للإشراف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

خاص تطلق «يوتيوب» حسابات أطفال خاضعة لإشراف الأهل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا بدءاً من 2 يوليو 2026 (رويترز)

«يوتيوب» تطلق حسابات أطفال خاضعة للإشراف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تطلق «يوتيوب» حسابات أطفال خاضعة للإشراف تمنح الأهل تحكماً بالمحتوى والوقت مع حماية متدرجة تشجع التعلم والاستكشاف الآمن رقمياً للأطفال.

نسيم رمضان (لندن)
رياضة عالمية جانب من نقل قناة «كازا كازي تي في» مباريات المونديال وسط حضور آلاف المشاهدين (أ.ف.ب)

مونديال 2026: قناة «يوتيوب» في البرازيل تحطم الأرقام القياسية... وتثير الجدل

تُحدث قناة «كازي تي في (CazeTV)» على «يوتيوب» هزة بالمشهد الإعلامي في البرازيل، لكنها تثير أيضاً جدلاً بسبب إعلاناتها لمواقع المراهنات الرياضية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
الولايات المتحدة​ شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

«يوتيوب» يحذف قناة تبث فيديوهات بتقنية الذكاء الاصطناعي تسخر من ترمب

حذف موقع «يوتيوب» قناة يقول إنها مؤيدة لإيران كانت تبث مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي تعرض شخصيات ليغو بهدف السخرية من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، بدعوى فريدة من نوعها تهدف لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار الخاصة بالأطفال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«نتفليكس» أمام اختبار «المتابعة»

إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)
إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)
TT

«نتفليكس» أمام اختبار «المتابعة»

إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)
إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مُمباي الهندية (رويترز)

لم تعد معركة البث الرقمي تدور حول من يملك أكبر مكتبة أو أعلى عدد من المشتركين فحسب، بل حول سؤال أكثر حساسية: كم من الوقت يبقى المشاهد داخل المنصة؟

في هذا السياق، تبدو «نتفليكس»، التي قادت الانقلاب على التلفزيون التقليدي، وكأنها تعيد النظر في بعض المبادئ التي صنعت نجاحها: البساطة، والمشاهدة عند الطلب، والابتعاد عن البث المُبرمج. لقد كشفت «وول ستريت جورنال» عن أن الشركة تبحث إضافة قنوات حية دائمة البث، وحُزَم اشتراك تضم خدمات منافسة مثل «بيكوك»، التابعة لشركة «إن بي سي يونيفيرسال» بعدما تراجعت حصتها من مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة إلى 7.8 في المائة في أبريل (نيسان)، أدنى مستوى لها منذ مايو (أيار) 2025، وتراجع سهمها بنسبة أكبر من 40 في المائة خلال 12 شهراً.

لكن الصورة ليست صورة أزمة مالية مباشرة؛ ذلك أن «نتفليكس» أعلنت في الربع الأول من 2026 نمواً في الإيرادات بنسبة 16 في المائة، ونمواً في الدخل التشغيلي بنسبة 18 في المائة، مع توقّعات بإيرادات سنوية بين 50.7 و51.7 مليار دولار وهامش تشغيلي تبلغ نسبته 31.5 في المائة. غير أن الشركة نفسها تقرّ، من جهة ثانية، بأن «الترفيه بات ديناميكياً وتنافسياً إلى حد استثنائي»، وأن هدفها هو أن تبقى «الخدمة التي لا غنى عنها»؛ أي المكان الأول الذي يقصده المستخدم والأخير الذي يلغيه.

معركة الوقت

تراجع «الانخراط» لا يعني بالضرورة أن «نتفليكس» تخسر المشتركين الآن، لكنه يعني أن المشاهد بات أكثر استعداداً لتوزيع وقته بين منصّات كثيرة. وبحسب بيانات شركة «نيلسن»، حافظ البث الرقمي في أبريل (نيسان) 2026 على نسبة 47.6 في المائة من إجمالي مشاهدة التلفزيون في الولايات المتحدة، بينما تصدّر «يوتيوب» المشهد بحصة تبلغ 13.4 في المائة من وقت المشاهدة، وحققت منصّة «توبي» التابعة لشركة «فوكس كورب» المدعومة بالإعلانات أعلى حصة لها عند نسبة 2.3 في المائة.

هذه الأرقام تشرح سبب قلق «نتفليكس»؛ فالمنافس لم يعُد فقط «ديزني+» أو «إتش بي أو ماكس»، بل «يوتيوب»، و«تيك توك»، والمنصّات المجانية المدعومة بالإعلانات، والألعاب، و«البودكاست» المرئي. لذلك تقول «نتفليكس» في رسالتها للمساهمين: «ليس كل الساعات متساوية»؛ لأن العنوان الناجح لا يضيف مشاهدة فقط، بل يدفع المستخدم إلى العودة ويقوّي الولاء. وبالفعل، قدّمت الشركة أمثلة على ذلك، بينها وصول الموسم الرابع من مسلسل «بريدجرتون» إلى 94 مليون مشاهدة، وبثّ بطولة العالم للبيسبول (كرة القاعدة) في اليابان الذي جذب 31.4 مليون مشاهد، وأنتج أكبر يوم تسجيلات جديد في السوق اليابانية.

شعار «نتفليكس» (أ.ف.ب)

التلفزيون يعود

غير أن المفارقة اليوم هي أن «نتفليكس» تواجه تراجع المتابعة بالاقتراب من التلفزيون الذي حاربته؛ فالقنوات الحية المقترحة، التي تبث نوعاً معيناً من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل»، وهذه الفكرة التي بنت عليها خدمات مجانية مثل «توبي» و«روكو تشانل» نمواً سريعاً. والهدف هنا ليس فقط تقليل حيرة الاختيار لدى المشاهد، بل أيضاً خلق لحظات مشاهدة عابرة وطويلة تصلح للإعلانات.

هذا يفسّر أيضاً توسّع «نتفليكس» في الرياضة والأحداث الحيّة من دون الدخول، حتى الآن، في شراء مواسم كاملة باهظة الثمن؛ إذ بثّت الشركة أكثر من 70 حدثاً حيّاً في الربع الأول، وهي تستكشف، بحسب تقارير، المنافسة على حقوق كأس العالم 2030 و2034.

أما في فرنسا، فقد وفّرت شراكتها مع «تي إف1» نموذجاً عملياً: قنوات مباشرة ومحتوى عند الطلب داخل تطبيق «نتفليكس». وقال رودولف بلمير، الرئيس التنفيذي لـ«تي إف1»، إن أهداف الجمهور المحددة لـ18 شهراً «تحقّقت خلال أقل من ثلاثة أسابيع»، بعدما سجلت «تي إف1 +» رقماً قياسياً بلغ 8.3 مليون مشاهد يومي في 25 يونيو (حزيران) الماضي.

الإعلانات والحُزَم

التحول الأكبر هو أن «نتفليكس» لم تعد تبيع الاشتراك وحده، بل أيضاً تبيع «المتابعة» للمعلنين. وخطتها المدعومة بالإعلانات بسعر 8.99 دولار باتت تمثل نسبة تربو على 60 في المائة من الاشتراكات الجديدة في الدول التي تتوافر فيها. والشركة تتعامل الآن مع أكثر من 4000 معلن، بزيادة 70 في المائة على أساس سنوي، وتتوقّع مضاعفة إيرادات الإعلانات إلى نحو 3 مليارات دولار في سنة 2026.

ولكن، في المقابل، هذا المسار يحمل أخطاره أيضاً؛ إذ كلما ازداد اعتماد «نتفليكس» على البث الحي والحُزَم والإعلانات، اقتربت من نموذج «الكابل» الذي كانت قد وعدت سابقاً بتجاوزه.

يكون ذلك مفيداً للمشاهد إذا خفّض الكلفة ووسّع الخيارات، لكنه قد يعيد أيضاً مشكلة الفوضى: إعلانات أكثر، وواجهات أكثر ازدحاماً، وحُزَم تشبه الاشتراك التلفزيوني القديم بأسماء رقمية جديدة.

السوق كلها تسير في هذا الاتجاه

شركة «فوكس» أعلنت اتفاقاً لشراء «روكو» بقيمة تقارب 22 مليار دولار، في رهان صريح على البث المدعوم بالإعلانات. بينما أعلنت شركة «كومكاست» فصل أعمال الإعلام والترفيه عن أعمال الاتصال لتمنح كل قطاع مرونة أكبر في سوق مضطرب. لذا، لا تبدو «نتفليكس» في موقع الدفاع فقط، بل أيضاً في لحظة إعادة تعريف.

فهي لا تريد أن تكون مجرّد منصّة تعرض أفلاماً ومسلسلات، بل بوابة يومية للترفيه؛ أي: مسلسلات، ورياضة، و«بودكاست»، وفيديو قصير، وقنوات حيّة، وربما خدمات منافسة داخل التطبيق نفسه، على غرار ما دأبت عليه شركات منافسة مثل «أمازون» و«أبل» منذ فترة طويلة. إلّا أن نجاح هذا التحوّل سيتوقّف على معادلة دقيقة تختصر بـ: كيف تزيد الوقت الذي يمضيه المستخدم من دون أن تفقد الوضوح والبساطة اللذين جعلاها أصلاً بديلاً للتلفزيون التقليدي؛ إذ أن التلفزيون لم يمُت؛ بل عاد داخل التطبيق؟

القنوات الحية المقترحة التي تبث نوعاً معيناً من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل»


«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية

«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية
TT

«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية

«إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية

أدخلت اتهامات بالتسبب في «إدمان المنصات» عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما عدّه خبراء «اتجاهاً متزايداً قد يدفع نحو تغيير نُظم عمل المنصات». وأكدوا «أهمية التربية الإعلامية باعتبار حماية الأطفال مسؤولية مشتركة».

المفوضية الأوروبية وجّهت، الأسبوع الماضي، ‌اتهامات إلى شركة «ميتا»، مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، بـ«انتهاك قواعد الاتحاد عبر دفع المستخدمين للبقاء متصلين بالمنصات أطول فترة ممكنة». وطالبت «المفوضية» الشركة بإجراء تعديلات على ميزات مثل «التشغيل التلقائي للمحتوى» و«التمرير اللانهائي»، محذرة من غرامات حال عدم امتثالها للطلبات.

يأتي قرار المفوضية الأوروبية بعد سنتين من التحقيقات بشأن المحتوى الضار على المنصات، وسط تحذيرات من «أضرار نفسية» على الأطفال بسبب ما يسمى «إدمان المنصات».

ووفق بيان للمفوضية الأوروبية، فإن «(ميتا) لم تقيّم مخاطر الإدمان الناجمة عن ميزات مثل التشغيل التلقائي... ومقاطع الفيديو القصيرة قد تسهم في زيادة استخدام منصتَي (فيسبوك) و(إنستغرام)».

وفي سياق متصل، قدمت «ميتا»، وأيضاً شركة «يوتيوب»، استئنافاً، أخيراً، على الحكم الصادر في دعوى قضائية في لوس أنجليس بشأن «إدمان منصات التواصل الاجتماعي»، وطعنت بقرار «هيئة المحلفين» الذي أشار إلى أن المنصات «تعمد إلى إيقاع المستخدمين الشباب في شباك الإدمان دون مراعاة لسلامتهم».

أنس بنضريف، الصحافي المغربي المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه، إن «المنصّات تعتمد على ما يسمى باقتصاد الانتباه... فخدمات المنصات تبدو مجانية، لكن نموذج أعمالها يقوم على جمع بيانات المستخدم وبيع الإعلانات، وكلما بقي وقتاً أطول زادت الأرباح... ولهذا السبب تستخدم التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات والخوارزميات الشخصية».

وأضاف بنضريف أن هذا التوجه من جانب المنصات هو السبب في تزايد الدعاوى القانونية التي تواجهها الآن، والتي تتهمها بتصميم منتجات تشجع الاستخدام القهري، خصوصاً لدى الأطفال. وأشار في هذا الصدد إلى الحكم الصادر في الولايات المتحدة ضد «ميتا» و«يوتيوب» بدفع تعويض قدره ستة ملايين دولار، والذي ما زال قيد الاستئناف.

وتابع أن «هذه القضايا قد تؤدي إلى تعويضات وغرامات، لكن الأهم هو إجبار الشركات على تغيير تصميم منصاتها، وحماية بيانات الأطفال، والتحقق من العمر وتقييد الخوارزميات والإشعارات». وهذا قبل أن يوضح أن «بعض الدول بدأت بالفعل اتخاذ إجراءات؛ إذ منعت أستراليا استخدام المنصات لمن هم دون 16 سنة، في حين تتجه فرنسا إلى منعه لمن هم دون 15 سنة».

مع هذا، شدد بنضريف على أن «المواجهة تحتاج أيضاً إلى تربية إعلامية، وحدود زمنية، وإغلاق الإشعارات، ومنع الهاتف أثناء النوم والدراسة؛ لأن المسؤولية مشتركة بين الشركات والدولة والأسرة، وليست مسؤولية الطفل وحده». وللعلم، كانت شركة «ميتا» قد انتقدت قرار المفوضية الأوروبية، وقالت إن «نتائج التحقيقات لا تأخذ في الاعتبار الخطوات التي سبق اتخاذها لحماية المراهقين، ومن بينها تحديد وقت الاستخدام ومنح الآباء قدراً من التحكم في حسابات أبنائهم». وأعلنت بحسب إفادة رسمية «اعتزامها التعاون مع الجهات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي».

من جهة ثانية، قال محمد الصاوي، المتخصص المصري في الرصد والتحليل الإعلامي، إنه «لم يعد يُنظر إلى إدمان المنصات الرقمية بوصفه مجرد قضية صحية أو اجتماعية، بل تحول إلى ملف قانوني وتنظيمي متصاعد على مستوى العالم». وأردف في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن «مؤشرات الرصد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة تظهر تصاعداً ملحوظاً في حجم التغطيات المرتبطة بالمساءلة القانونية لشركات التكنولوجيا، مع تركيز متزايد على آليات التصميم التي تستهدف إبقاء المستخدم متصلاً لأطول فترة ممكنة عبر خوارزميات التوصية والإشعارات المتكررة وأنظمة التفاعل المستمر».

وعدّ الصاوي ذلك بمنزلة «تحول النقاش من تأثيرات الاستخدام المفرط إلى مسؤولية المنصات نفسها في تشكيل السلوك الرقمي للمستخدمين، لا سيما مع تنامي التساؤلات حول مدى تأثير نماذج الأعمال القائمة على تعظيم التفاعل في ترسيخ أنماط الاستخدام المكثف»، ثم تابع قائلاً إن «الملاحقات الحالية قد تُسهم في إعادة صياغة العلاقة بين المنصات ومستخدميها، من خلال فرض مستويات أعلى من الشفافية حول آليات عمل الخوارزميات، وتعزيز إجراءات حماية الأطفال والمراهقين».

وقد لفت في هذا الصدد إلى أن «العامين الماضيين شهدا اتجاهاً متزايداً من الحكومات نحو تبني سياسات وإجراءات تهدف إلى الحد من التعرض المفرط للمنصات الرقمية لدى القُصّر، عبر تشديد متطلبات التحقق من العمر، وتعزيز أدوات الرقابة الأبوية، وفرض قيود على بعض الخصائص التي تشجع الاستخدام المطول...».

أيضاً شدّد الصاوي على أن «خطورة هذه القضية تكمن في أن تأثير المنصات الرقمية لا يقتصر على استهلاك الوقت أو تشتيت الانتباه، بل يمتد إلى قدرتها المتزايدة على تشكيل اهتمامات المستخدمين، وتوجيه أنماط استهلاكهم للمحتوى، خصوصاً لدى الأطفال والمراهقين الذين لا تزال قدراتهم على التقييم النقدي واتخاذ القرار قيد التطور».

ولفت إلى «تزايد المخاوف من أن تؤدي الخوارزميات القائمة على تعظيم التفاعل إلى دفع بعض الفئات العمرية تدريجياً نحو محتويات أو سلوكيات أكثر خطورة، أو إلى زيادة قابلية التأثر بالمضامين التي تعيد تشكيل القيم والاتجاهات والسلوكيات».

وأضاف: «في مواجهة هذه التحديات، يبرز مفهوم (التصميم المسؤول) كأحد أهم الاتجاهات المستقبلية في صناعة المنصات الرقمية؛ إذ يجري تطوير الخدمات بما يحقق توازناً بين تعزيز التفاعل وحماية المستخدم، من خلال أدوات إدارة وقت الاستخدام، وتقليل الإشعارات غير الضرورية، ومنح المستخدمين مستوى أعلى من التحكم في المحتوى وآليات التوصية».


«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)
TT

«ريديت»... صعود ظاهرة راهن الجميع على تجاهلها

شعار "ريديت" (آ ف ب)
شعار "ريديت" (آ ف ب)

حين كان يذكر الفرنسيون شبكاتهم الاجتماعية، نادراً ما كان اسم «ريديت» يقفز إلى الألسنة. إذ ظلّت المنصة الأميركية، لسنواتٍ طويلة، حبيسة صورة نمطية أسهمت في تهميشها، كملجأ لعشّاق البرمجة والألعاب من الشباب المهووسين بالتقنية فقط.

أما اليوم، فقد انقلبت الصورة رأساً على عقب، وصارت المنصة التي وُلدت على الهامش من أكثر المنصّات الرقمية حيوية. وتحوّلت من فضاء يمثل «ثقافةً فرعية هامشية» يُنظر إليها بعين الريبة، إلى فضاءٍ إعلاميّ محترَم تقصده العلامات التجارية وتراقبه غرف التحرير. وبالفعل، تختصر هذا الانقلاب أرقامٌ متصاعدة، وموجة إقبالٍ فرنسية استثنائية تستحقّ التوقّف عندها.

من الظلّ إلى الواجهة

بدأت القصّة عام 2005، حين أطلق شابّان أميركيان من خرّيجي جامعة فيرجينيا، هما ستيف هفمان وأليكسيس أوهانيان - الذي هو بالمناسبة زوج نجمة كرة المضرب العالمية فانيسا وليامز -، موقعاً متواضعاً لتبادل الروابط والنقاشات التقنية برعاية حاضنة «واي كومبيناتور».

من تلك البذرة نشأت شبكةٌ واسعة من المجتمعات المصغّرة المعروفة بـ«الساب- ريديت»، لكلٍّ منها موضوعه وقواعده الخاصة، ويتولّى إدارتها متطوّعون. أما ترتيب ظهور المشاركات، فهو يجري وفق نظام تصويتٍ يرفع الجيّد ويطمر الرديء. وحتى اليوم ظل نشاط المنصة يعتمد على عمل آلاف المشرفين المتطوّعين؛ وهؤلاء يراجعون التعليقات ويحرصون على مناخ الثقة داخل مجتمعاتهم، في نموذجٍ يستند إلى المشاركة لا إلى رقابةٍ مركزية تُملَى من فوق.

هذه البنية التي لطالما عُدَّت عبئاً يبطئ انتشار الموقع بين عامّة الناس، باتت اليوم سرّ قوّته. وبعد سنواتٍ أرهقت فيها المنصّات الكبرى مستخدميها بخوارزمياتها ومحتواها المصقول حتى فقدَ عفويته، عاد الناس يبحثون عمّا افتقدوه: أي مكان للحوار المتأنّي، ولطلب النصيحة، ومقارنة تجارب حقيقية نابعة من أفراد صادقين بعيداً عن المنصّات الأخرى ومنطقها الربحي. وفي هذا المفترق وجد موقع «ريديت» موضعه الطبيعي، بعدما كانت عزلته النسبية تُحسب عليه لا له.

الأرقام المذهلة لتطور «ريديت»

لأخذ فكرة عن هذا النجاح، نشير إلى أنه مع مطلع 2025 تخطّت منصّة موقع «ريديت» عتبة المليار ومائة مليون مستخدمٍ شهرياً، ونحو مائةٍ وثمانية ملايين مستخدمٍ يومياً، حتى باتت - حسب منصّة «سيمراش» لتحليل المواقع سادس أكثر مواقع العالم زيارة، سابقة موقع «ويكيبيديا» نفسه.

وتؤكّد أرقام الشركة هذا النضج بوضوح. فقد دخلت بورصة «وول ستريت» قبل سنتين وحقّقت أرباحها الأولى. ثم جاءت نتائج الربع الأول من 2026 لتؤكّد قوّتها؛ إذ بلغت إيراداتها 663 مليون دولار، بزيادة 69 في المائة عن السنة السابقة، منها 625 مليوناً من الإعلانات وحدها.

كذلك حقّق الموقع ربحاً صافياً بلغ 204 ملايين دولار بعد سنوات من الخسائر. ولم يكن هذا نجاحاً عابراً، بل كان امتداداً لسبعة فصولٍ متتالية تجاوز فيها نموّه 60 في المائة. وهنا، يلخّص ستيف هفمان، المؤسّس والرئيس التنفيذي للموقع، هذه المفارقة بقوله: «لا وجود لذكاءٍ اصطناعي من دون ذكاءٍ حقيقي؛ فالمعرفة لا بدّ أن تأتي من مكانٍ ما، و(ريديت) أحد أهمّ مصادرها». ومن ثم، وصف هفمان منصّة موقعه بأنّها «المكان الأكثر إنسانيةً على الإنترنت»، مشدداً على أنّ ما يمنحها قيمتها في زمن المحتوى المصطنع هو بالضبط كونها فضاءً «يتحدّث فيه الناس إلى الناس عمّا يعنيهم حقّاً».

ستيف هفمان (غيتي)

رسالة يقرأها المعلنون

خلف هذه الأرقام، بلا شك، تكمن رسالةٌ يقرأها المعلنون جيداً. فبيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام. ذلك أن الشركات ما عادت تبحث عن الانتشار الواسع وحده، بل أيضاً عن أماكن يندمج فيها الإعلان مع الحوار، فلا يبدو غريباً أو مُقحماً. بل وذهبت «ريديت» أبعد من ذلك، فصارت تبيع أرشيفها النصّي الهائل عبر عقود ترخيصٍ تُغذّي بها أنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي طليعة زبائنها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

صعود لافت في فرنسا

إلا أن المشهد الفرنسي يبقى أشدّ الفصول إثارة. فبيانات مؤسّسة «ميدياميتري» تضع «ريديت»، لأول مرّة، ضمن أكبر عشر منصّاتٍ اجتماعية في البلاد خلال 2025، بـ12.8 مليون زائرٍ شهرياً، ونموٍّ نسبته اثنين وسبعين في المائة في اثني عشر شهراً، وجمهورٍ تضاعف خمس مرّات خلال خمس سنوات. وبالفعل، صارت «ريديت» فرنسا ساحةً عامة تُطرح فيها شؤون السياسة والمجتمع والعمل والسكن والمال، تغذّيها مجتمعاتٌ قائمة على تبادل النقاش وعرض التجارب اليومية بصراحةٍ قلّ نظيرها في المواقع الأخرى.

وراء هذا الصعود المتميز ثلاثة أسباب: السبب الأول خطوةٌ تقنية ذكية، وهي إطلاق ترجمةٍ آلية فورية تنقل محتوى الموقع كاملاً إلى الفرنسية باستخدام أدوات الترجمة الحديثة، فباتت نقاشاته تظهر في نتائج «غوغل» بالفرنسية. وهكذا صار كثيرون من المستخدمين يصلون إلى الموقع من دون أن ينتبهوا إلى أنّهم يتصفّحون «ريديت».

وثاني سبب هو الحملةٌ الدعائية الواسعة والجريئة التي قامت بها المنصة في شوارع أكبر المدن الفرنسية كباريس، وليون، ومرسيليا وليل، وكان شعارها «بين الغرباء، نستطيع أن نتبادل أطراف الحديث». ولقد لفتت هذه الحملة الواسعة انتباه الفرنسيين إلى هذه المنصّة التي لطالما تجاهلوها.

أمّا السبب الثالث، ولعلّه الأعمق أثراً، فيعود إلى تراجع منافسٍ عريق هو منصّة «إكس»، التي فقدت نحو ستة عشر في المائة من زوّارها في فرنسا خلال سنة واحدة، وهذا بعد استحواذ إيلون ماسك عليها. إذ بلغت أدنى مستوياتها منذ بدء القياس عام 2017. وفي الفراغ الذي خلّفه هذا الانحسار تسلّلت «ريديت» ملتقطة حصّةً من جمهور النقاش العام وتبادل الأخبار.

ولكن، بجانب ما سبق ذكره، يعزو فنسان دوبوا، المسؤول عن «ريديت» في فرنسا، هذا النجاح إلى طبيعة الفرنسيين أنفسهم، قائلاً: «يعشق الفرنسيون النقاش بشغف؛ وهو ما ينعكس في الشعبية المتنامية للموقع. وهدفنا أن نرعى مجتمعاتٍ يتحاور فيها الناس حول ما يهمّهم، ويطلبون النصيحة من غيرهم، ويتعلّمون مهارةً جديدة، أو يجدون فسحةً للترفيه فحسب».

مصدر غني بالمعلومات

والواقع أن ما يزيد من قيمة «ريديت» أنّه غدا، في نظر الإعلاميين، أكثر من مجرّد ظاهرةٍ عابرة في نموّ؛ بل صار أداة عملٍ حقيقية. فهو من جهةٍ مصدر غني بالمعلومات بفضل النقاشات والشهادات التي أصبحت مادّةً خاماً قوية للمقالات والتحقيقات والتحليلات. ومن جهةٍ أخرى، مقياسٌ لنبض الواقع؛ إذ يكشف عما تتداوله مجتمعاته وما تتعرّض له من هواجس وانشغالات قد تتأخّر وسائل الإعلام التقليدية في التقاطها. ولكن، لعل أهم عناصر قوة «ريديت» اليوم «الصدقية» التي يتمتع بها، ذلك أن الظهور في الموقع لا تحكمه الخوارزمية وحدها، بل عبر تقييم وتصويت المستخدمين، حيث تكتسب المشاركة قيمتها بجدارةٍ لا بواسطة الدفع أو الدعاية.

زمن الثقة... لا الصخب

ختاماً، لم يبلغ موقع «ريديت» هذه المكانة بتقليده الإعلام التقليدي، بل لأنّه لبّى حاجةً دفينة لدى جمهورٍ سئم الشبكات الصاخبة، التي تروّج للاصطناع والتكلّف. فهو يمنح المعلنين وعداً عزيز المنال... هو مخاطبة جماعاتٍ متفاعلة من غير أن تبتلعها ضوضاء العالم الافتراضي. وأيضاً، يعيد إلى المستخدمين شيئاً من متعة الحوار المتمهّل المتخصّص، الذي يكون أصدق أحياناً من ثرثرة المنصّات المهيمنة، حيث تُوزن الكلمة بجودتها لا بسرعة رواجها.

بيئة «ريديت»، بما تنطوي عليه من مجتمعاتٍ دقيقة التخصّص، تتيح الوصول إلى المستخدم المهتمّ فعلاً بالموضوع، لا إلى جمهورٍ عام