تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: فتح تطبيق موثوق قد يكفي لبدء هجوم بلا نقر

تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
TT

تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)

لم تعد منظومة الإعلانات الرقمية (AdTech) مجرد قناة لعرض منتجات تتوافق مع اهتمامات المستخدم، بل أصبحت شبكة واسعة من التطبيقات والمواقع ومنصات المزايدة ووسطاء البيانات، تتبادل في أجزاء من الثانية معلومات عن الأجهزة والمواقع التقريبية وعادات التصفح والمحتوى الذي يطالعه الأفراد. وقد صُمّمت هذه البنية لتحديد الإعلان الأنسب لكل مستخدم، إلا أن الآليات نفسها يمكن أن تمنح جهات التهديد وسيلة لتحديد أهداف بعينها وتعقبها والوصول إليها عبر منصات تبدو موثوقة.

خلال مؤتمر «كاسبرسكي للأمن السيبراني» لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، الذي عُقد في تبليسي عاصمة جورجيا، عرض الباحثون كيف انتقلت إساءة استخدام بيانات الإعلان من انتهاك الخصوصية والتأثير في السلوك إلى المراقبة الفعلية والاستغلال السيبراني الموجّه. ويرتكز هذا التحول على تقنيات الإعلان والمزايدة الفورية ومعرّفات الأجهزة وحزم تطوير البرمجيات المدمجة داخل التطبيقات، إلى جانب وسطاء قادرين على جمع أجزاء متناثرة من البيانات وتحويلها إلى ملف رقمي شديد الدقة.

ماهر يموت كبير الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى «كاسبرسكي» (الشركة)

الحمض النووي الرقمي

تبدأ العملية عندما يفتح المستخدم تطبيقاً أو موقعاً يحتوي على مساحة إعلانية. يرسل التطبيق طلباً إلى البنية الإعلانية يتضمّن معلومات تساعد الجهات المهتمة في تحديد قيمة هذا المستخدم بالنسبة إليها، ثم تتنافس شركات متعددة في مزاد فوري لعرض إعلانها، ووفقاً لـ«كاسبرسكي»، قد تكتمل هذه الدورة خلال نحو 100 مللي-ثانية.

ولا يقتصر طلب المزايدة على معلومة عامة تفيد بأن شخصاً مجهولاً فتح تطبيقاً؛ إذ قد يحتوي على معرّف فريد ونوع المتصفح وعنوان بروتوكول الإنترنت واستنتاجات مرتبطة بالموقع الجغرافي، ونوع المحتوى الذي كان المستخدم يقرأه. وتبدو كل معلومة منفردة محدودة القيمة، لكن جمعها وربطها عبر خدمات مختلفة يسمح ببناء ما وصفه العرض بـ«الحمض النووي الرقمي» للمستخدم.

ويصرّح كبير الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى «كاسبرسكي»، ماهر يموت، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، بأن «منظومة الإعلان صُمّمت لتقديم الرسالة والمحتوى المناسبين إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب»، غير أن القدرات نفسها يمكن أن تستغلها جهات متقدمة لأغراض تختلف عن الإعلان. ويضيف أن الأدوات التي أنشئت للاستهداف التجاري يمكن تحويلها إلى وسيلة لجمع المعلومات الاستخباراتية، بما يتيح تحديد الأشخاص ذوي القيمة العالية، وفهم سلوكهم، ثم محاولة الوصول إليهم عبر تطبيقات ومواقع يثقون بها.

وتكمن إحدى المشكلات في أن بيانات طلب المزايدة قد تُبث إلى أطراف متعددة مهتمة بشراء المساحة الإعلانية، وليس إلى الجهة التي تفوز بالمزاد فقط. وهذا يعني أن المعلومات قد تنتقل إلى عدد من المشاركين قبل أن يظهر الإعلان على شاشة المستخدم، وهو ما يوسع دائرة الوصول إلى البيانات ويجعل تتبع مسارها أكثر تعقيداً.

فُتات رقمي مترابط

تدخل البيانات إلى هذه المنظومة عبر قنوات متعددة، من بينها حزم تطوير البرمجيات المعروفة اختصاراً بـ«SDK»، التي يضيفها مطورو التطبيقات لتوفير وظائف جاهزة أو تشغيل أدوات التحليل أو تحقيق الإيرادات من الإعلانات. وقد ترث هذه الحزم الأذونات نفسها الممنوحة للتطبيق، مما يمنحها القدرة على الوصول إلى بيانات لا يدرك المستخدم دائماً أنها تغادر الجهاز أو تُشارك مع جهات أخرى.

ولا يعني ذلك أن كل حزمة تطوير خبيثة؛ إذ تستخدمها التطبيقات لأغراض مشروعة وضرورية. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل البيانات بين عدة شركات، ويصبح من الصعب على المستخدم أو المؤسسة معرفة جميع الأطراف التي حصلت عليها، وكيف جرى دمجها، وإلى متى ستظل محفوظة.

وتشمل المصادر أيضاً وحدات تتبع صغيرة قد تكون صورة غير مرئية بقياس بكسل واحد داخل بريد إلكتروني أو صفحة ويب. وعند تحميلها، يمكن أن تكشف عن عنوان بروتوكول الإنترنت، ونوع الجهاز، والمتصفح أو البرنامج المستخدم. ومع إضافة الموقع التقريبي وبيانات التطبيق وسجل التفاعل، تتحول هذه الإشارات إلى سلسلة مترابطة تكشف عن أنماط الحركة والعادات والأوقات والأماكن التي يتكرر فيها وجود المستخدم.

وفي هذا السياق، لا تأتي الخطورة من معلومة منفردة، بل من القدرة على ربطها بمعرّف موحد يلاحق الجهاز عبر تطبيقات وخدمات مختلفة. ويعرض يموت هذه العملية بوصفها انتقالاً من «فتات رقمي» متناثر إلى هوية يمكن تمييزها عن ملايين المستخدمين الآخرين.

قد تكشف طلبات المزايدة الإعلانية الفورية عن معرّفات الأجهزة وعناوين الإنترنت والمواقع التقريبية وأنواع المتصفحات (أدوبي)

3 مراحل لإساءة الاستخدام

يقسّم باحثو «كاسبرسكي» تطور إساءة استخدام بيانات المستخدمين إلى 3 مراحل. بدأت الأولى باستخدام المعلومات في التأثير النفسي والتلاعب بالمواقف والسلوك، ثم انتقلت إلى المراقبة والتتبع في العالم الفعلي، قبل أن تصل في صورتها الحديثة إلى الاستغلال السيبراني الموجّه.

وفي المرحلة الأولى، تُستخدم البيانات لمعرفة اهتمامات الأفراد ومخاوفهم وتفضيلاتهم، ثم توجيه الرسائل إليهم بطريقة تزيد احتمال التأثير في قراراتهم. أما المرحلة الثانية فتضيف الموقع والحركة والأنماط اليومية، بما يسمح بتكوين صورة عن الأماكن التي يزورها الشخص والأوقات التي يتحرك فيها.

وتبدأ المرحلة الثالثة عندما تتحول هذه المعلومات من أداة للتأثير أو المراقبة إلى أساس لاختيار الضحية وتنفيذ الهجوم. عندها يمكن استخدام نوع الجهاز والمتصفح والتطبيقات والموقع لتحديد الثغرة المناسبة والمسار الأكثر احتمالاً للنجاح.

مفارقة التطبيق الموثوق

تركز متاجر التطبيقات على مراجعة البرنامج الأساسي قبل السماح بنشره، لكن التطبيق قد يحتوي داخله على شبكات إعلانية ومكونات تحليل تابعة لأطراف أخرى. وهنا تظهر ما سماه يموت «مفارقة الثقة»؛ أي إن المستخدم يحمّل تطبيقاً من متجر رسمي، ويفترض أن جميع مكوناته خضعت للمستوى نفسه من التدقيق، في حين قد تكون المخاطر في النظام الإعلاني المحيط بالتطبيق، لا في التطبيق ذاته.

ويعني ذلك أن فتح تطبيق شرعي قد يكون كافياً لبدء تفاعل مع بنية إعلانية واسعة، من دون الضغط على رابط أو تنزيل ملف مباشر. وتزداد أهمية هذا العامل مع ظهور حملات تعتمد على إعلانات مصممة للوصول إلى شخص محدد، بدلاً من توزيع البرمجيات الخبيثة عشوائياً، وانتظار وقوع أحد المستخدمين في الفخ.

ويشرح الخبراء الأمنيون أنه يمكن للمهاجم أن يبدأ بتكوين ملف عن الهدف باستخدام بيانات الإعلان، ثم يشتري فرصة عرض إعلان لذلك الجهاز بعينه، ويدس حمولة تستغل ثغرة في المتصفح أو مكوناً داخل التطبيق. وفي حالات متقدمة، قد تكون النتيجة تثبيت برنامج تجسس «من دون نقر»، فلا يحتاج الضحية إلى فتح رابط أو الموافقة على تنزيل.

حظرت «كاسبرسكي» في دول الخليج أكثر من 1.6 مليون محاولة لإعادة توجيه المستخدمين إلى محتوى خبيث خلال النصف الأول من 2026 (الشركة)

من التصيد إلى الإعلان

يختلف هذا النموذج عن المسار التقليدي للهجمات، الذي يبدأ برسالة تصيد، ثم تفاعل من المستخدم، ثم تثبيت برمجية خبيثة. أما المسار الجديد فيبدأ بتحديد الهدف عبر بيانات الإعلان، ثم شراء ظهور الإعلان له بصورة دقيقة، قبل محاولة استغلال الجهاز من خلال المحتوى المعروض. ولا يعني ذلك أن الإعلانات الرقمية أصبحت جميعها وسيلة هجوم، بل إن البنية ذاتها يمكن إساءة استخدامها عندما تصل إليها جهات قادرة على شراء البيانات أو التظاهر بأنها من المعلنين أو استغلال وسطاء يعملون داخل السوق.

ويطلق الباحثون على هذا الاستخدام مصطلح «الاستخبارات الإعلانية»، حيث تدخل جهة مراقبة أو تجسس إلى النظام بواجهة تجارية، وتتصرف باعتبارها معلناً يريد الوصول إلى شريحة معينة، في حين تكون غايتها الحقيقية تحديد أفراد بعينهم وتعقبهم أو جمع معلومات عن أجهزتهم.

ويعدّ يموت أن دقة المنصات الإعلانية توسع سطح الهجوم إلى ما يتجاوز رسائل التصيد والتنزيلات الخبيثة التقليدية؛ فالرسالة لم تعد بالضرورة تصل عبر بريد إلكتروني يثير الشك، بل قد تأتي من خلال خدمة يستخدمها الشخص يومياً ولا يتوقع أن تكون جزءاً من عملية استهداف.

1.6 مليون محاولة في الخليج

لا تقتصر المخاطر على حملات التجسس المتقدمة؛ إذ يمكن للبرمجيات الإعلانية نفسها أن تعيد توجيه المستخدمين نحو مواقع تنشر برمجيات خبيثة. وأفادت «كاسبرسكي» بأنها حظرت في دول مجلس التعاون الخليجي خلال النصف الأول من عام 2026، أكثر من 1.6 مليون محاولة لإعادة توجيه المستخدمين إلى محتوى خبيث.

وتشير البيانات المقدمة في العرض إلى ارتفاع أوسع في نشاط البرمجيات الإعلانية التي حُظرت عبر شبكة «كاسبرسكي» الأمنية، من 732 مليوناً و406 آلاف و716 حالة في النصف الأول من 2025، إلى 898 مليوناً و726 ألفاً و497 حالة في الفترة نفسها من 2026، بزيادة بلغت نحو 22 في المائة.

كما أظهر توزيع التهديدات في النصف الأول من 2026، أن البرمجيات الإعلانية شكّلت 30.59 في المائة من التصنيفات المرصودة، مقابل 25.46 في المائة لأحصنة طروادة، و21.99 في المائة لأدوات المخاطر، و12.96 في المائة لأدوات التنزيل، و11.68 في المائة لأدوات الاختراق.

ولا تعني هذه النسب أن كل برنامج إعلاني ينفّذ تجسساً متقدماً، لكنها توضح حجم فئة قد تُعامل أحياناً باعتبارها مجرد مصدر إزعاج، رغم احتمال استخدامها لجمع البيانات أو إعادة التوجيه أو إخفاء وظائف أكثر خطورة.

ارتفعت حالات حظر البرمجيات الإعلانية عالمياً بنحو 22 % لتصل إلى نحو 899 مليون حالة في النصف الأول من 2026 (أدوبي)

قناع منخفض الخطورة

يساعد ظهور البرمجية بوصفها أداة إعلانية مزعجة على تقليل مستوى الاهتمام الذي تحصل عليه داخل بعض المؤسسات. فعندما يركز فريق الأمن على برامج الفدية أو سرقة البيانات أو الهجمات التي توقف العمليات، قد تُصنّف النوافذ المنبثقة وإعادة التوجيه بوصفها مشكلة محدودة، ويُكتفى بإزالة البرمجية من الجهاز من دون تحقيق أوسع في كيفية وصولها أو الجهات التي تواصلت معها.

لكن هذا القناع يمكن أن يُخفي قدرات أخرى، تشمل جمع معلومات عن النظام، أو تنزيل برمجيات إضافية، أو سرقة بيانات اعتماد، أو فتح قناة اتصال عن بعد. وقد تستفيد الجهات المتقدمة من هذا التصنيف المنخفض للبقاء مدة أطول أو لتشويش عملية الإسناد، لأن النشاط يبدو في بدايته أقرب إلى برنامج تجاري غير مرغوب فيه منه إلى حملة تجسس موجهة.

منصات موثوقة لإخفاء النشاط

يتقاطع استغلال الإعلانات مع تحول أوسع في سلوك مجموعات التهديدات المتقدمة. ويفيد يموت -خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»- بأن المهاجمين باتوا يستخدمون خدمات موثوقة، مثل «غوغل» و«يوتيوب» و«مايكروسوفت أزور» و«غيت هب» ومنصات التواصل، في قنوات التحكم والاتصال، بدلاً من الاعتماد حصراً على نطاقات وعناوين إنترنت يسهل تصنيفها بوصفها مشبوهة.

ويوضح أن المهاجمين يدرسون التطبيقات التي تعتمد عليها المؤسسة، ثم يحاولون تمرير اتصالاتهم عبرها؛ فإذا كانت الشركة تستخدم «مايكروسوفت تيمز» مثلاً، قد يبدو تبادل البيانات مع الخدمة طبيعياً عند فحص حركة الشبكة، رغم احتمال وجود أوامر موجهة إلى برمجية خبيثة ضمن ذلك الاتصال.

ويقول: «عندما يفحص فريق الأمن حركة الشبكة، قد يرى اتصالاً عادياً مع خدمة موثوقة، لا رابطاً مشبوهاً أو نطاقاً غير معروف». ويمنح هذا الأسلوب المهاجم فرصة للاندماج في النشاط اليومي للشبكة، مثلما تتيح البنية الإعلانية الوصول إلى الضحية عبر تطبيق شرعي.

تستطيع جهات التهديد إيصال برمجيات تجسس «من دون نقر» عبر إعلانات تظهر داخل تطبيقات ومواقع شرعية يثق بها المستخدم (أدوبي)

السعودية والقطاعات الحساسة

ترتبط أهمية هذه التقنيات في السعودية والخليج باتساع الخدمات الرقمية وترابط القطاعات الحكومية والتجارية. ويرى يموت أن زيادة الرقمنة تجعل الأنظمة أكثر جاذبية لمجموعات التجسس، لأنها تحتوي على معلومات شخصية قابلة للتعريف، مثل الأسماء وبيانات جوازات السفر، ويمكن استخدامها لجمع المعلومات أو الانتقال من نظام إلى آخر.

ويلفت إلى أن الجهات الحكومية تظل من الأهداف التقليدية، لكن الاهتمام يمتد بصورة متزايدة إلى الاتصالات والدفاع والطيران. ولا يشمل ذلك الوزارات والمؤسسات الكبرى وحدها، بل المقاولين والموردين والشركات التي توفر مكونات أو خدمات مساندة.

وتكتسب صناعة الطيران قيمة خاصة لدى الجهات التي تبحث عن معلومات استخباراتية، بسبب ما يمكن أن تحتويه أنظمتها من بيانات عن حركة المسافرين ودخول الأشخاص إلى الدولة وخروجهم، إلى جانب الأسماء وبيانات جوازات السفر.

ولا يشترط الوصول إلى المؤسسة الرئيسية مباشرة؛ إذ يمكن استهداف مورد أصغر يمتلك صلاحيات أو اتصالاً موثوقاً، ثم استخدامه مدخلاً إلى بيئة أكبر. ويشير يموت إلى أن الشركة الصغيرة قد تفتقر إلى ميزانية أمنية كافية، لكنها تحتفظ بوصول موثوق إلى أنظمة الجهة الكبرى، ما يجعلها حلقة أضعف في سلسلة التوريد.

مداخل لا تزال فعّالة

رغم تطور أساليب الاستهداف، يقول يموت إن التصيد الموجه لا يزال من أكثر طرق الوصول الأولي فاعلية، يليه استغلال خوادم الويب غير المحدثة، ثم الثغرات التي لم تُعالج أو ثغرات «اليوم صفر»، في حين تمثل هجمات سلسلة التوريد مساراً أكثر تعقيداً.

وقد زاد الذكاء الاصطناعي من قدرة المهاجمين على إعداد رسائل تصيد بلغة طبيعية خالية من الأخطاء الواضحة، كما ساعد في تسريع تطوير البرمجيات الخبيثة وتعديلها بعد اكتشافها. ويستطيع المهاجم إعادة توليد أجزاء من الشفرة أو تغييرها مراراً لمحاولة تجاوز وسائل الكشف.

لكن الهدف يختلف باختلاف دوافع الجهة. ويوضح يموت أن المهاجمين الماليين يبحثون داخل الأنظمة عن المحافظ الرقمية والمفاتيح وبيانات الدفع، في حين تعطي مجموعات التجسس الأولوية للتخفي والبقاء داخل الشبكة أطول مدة ممكنة لجمع أكبر قدر من المعلومات.

تستغل مجموعات متقدمة منصات موثوقة وشركاء مخترقين لإخفاء اتصالاتها ما يستدعي مراقبة الشبكات وتقييد الصلاحيات (غيتي)

منطقة تنظيمية رمادية

تغطي قوانين الخصوصية في أسواق متعددة جوانب الموافقة وجمع البيانات، لكنها لا تعالج دائماً جميع التدفقات المرتبطة بالمزايدة الفورية ووسطاء البيانات. ويصف العرض هذا الجانب بأنه «منطقة رمادية»؛ إذ قد يمنح المستخدم موافقته لتطبيق واحد، فيما تنتقل بياناته عبر عدد كبير من الأطراف التي لا يعرفها مباشرة.

ولا يتوقف التحدي عند الشركات الملتزمة بالقوانين، لأن جهات التهديد ووسطاء البيانات غير المنظمين يمكنهم العمل خارج الأطر المعتادة. كما أن الموافقة على جمع البيانات لغرض الإعلان لا تعني الموافقة على استخدامها في المراقبة أو بناء ملفات استخباراتية أو استهداف الأجهزة.

وتزداد صعوبة الرقابة عندما تتم المزايدات في أجزاء من الثانية، وتنتقل الطلبات إلى عدة أطراف. وحتى عندما لا يفوز أحد المشاركين بالمزاد، قد يكون حصل بالفعل على معلومات عن المستخدم وردت في طلب العرض.

دفاع متعدد الطبقات

تبدأ الحماية بمراجعة أذونات التطبيقات وتحديث الأجهزة والبرامج وتقليل التعرض غير الضروري للبنية الإعلانية، إلى جانب استخدام أدوات حظر الإعلانات على أجهزة المؤسسات حيث تسمح بيئة العمل بذلك.

وعلى مستوى المؤسسات، تشمل الإجراءات المطلوبة مراقبة الأجهزة الطرفية، وتحليل حركة الشبكة، والاستفادة من معلومات التهديدات، ومراجعة وصول الموردين والشركاء، ومنحهم الحد الأدنى من الصلاحيات اللازمة.

ويشدّد يموت على ضرورة عدم الثقة العمياء بالموردين أو الخدمات المألوفة، لأن الجهة المهاجمة قد تستخدم حساباً شرعياً أو منصة موثوقة أو شريكاً مخترقاً لإخفاء نشاطها. كما يدعو إلى التعامل مع الاختراق بوصفه احتمالاً قائماً، والتركيز على سرعة اكتشافه وحصره قبل أن يتحول إلى وجود طويل الأمد داخل الشبكة.

وفي هذه البيئة، تصبح بيانات الإعلان وسيلة لاختيار الهدف، فيما تتحول التطبيقات الشرعية والمنصات السحابية والموردون الموثوقون إلى مسارات محتملة للوصول. ولا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان الإعلان نفسه ضاراً، بل يمتد إلى الجهات التي ترى بيانات المستخدم خلال دورة عرضه، وكيف يمكن ربط تلك البيانات، ومن يستطيع تحويلها من أداة تجارية إلى خريطة لعملية استهداف سيبراني.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

التحقيق في حوادث الذكاء الاصطناعي... كيف تميّز المؤسسات بين الهجوم وخلل النموذج؟

خاص معظم المؤسسات لا تستطيع إعادة بناء حادث الذكاء الاصطناعي كاملاً بسبب تشتت الأدلة بين الشبكات والسحابة والتطبيقات والنماذج (أدوبي)

التحقيق في حوادث الذكاء الاصطناعي... كيف تميّز المؤسسات بين الهجوم وخلل النموذج؟

تحتاج المؤسسات إلى أدلة مترابطة لتمييز الهجمات من أخطاء نماذج الذكاء الاصطناعي وإعادة بناء الحوادث وتسريع التحقيق والتعافي وتحديد المسؤولية.

نسيم رمضان (لندن)
خاص خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)

خاص المؤسسات المتوسطة أكثر انكشافاً أمام مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي الأمنية

تحذّر «كاسبرسكي» من سلاسل هجوم تستغل مهارات الوكلاء وصلاحياتهم داعية إلى المراقبة والعزل وتقليل الوصول قبل التوسع المؤسسي الواسع.

نسيم رمضان (تبليسي - جورجيا)
تكنولوجيا يطلب النظام من المستخدم تسجيل فيديو للوجه وتنفيذ حركات محددة للتحقق من أن التسجيل مباشر وليس صورة ثابتة (أدوبي)

«غوغل» تختبر فيديو «سيلفي» لاستعادة الوصول إلى الحسابات

تضيف «غوغل» فيديو «سيلفي» لاستعادة الحساب عند فقدان الهاتف مع التحقق من الهوية والتشفير ومواجهة الانتحال والتزييف العميق بصورة آمنة.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا مقر للسفارة الروسية في لاهاي بهولندا (أرشيفية - أ.ف.ب)

هولندا تستدعي سفير موسكو عقب هجمات إلكترونية روسية

قال وزير الخارجية الهولندي، الاثنين، لـ«وكالة الأنباء الهولندية (إيه إن بي)» إن الوزارة استدعت السفير الروسي في أمستردام عقب هجمات إلكترونية روسية...

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
أوروبا عناصر من الشرطة الألمانية في شوارع برلين (د.ب.أ)

برلين تستدعي السفير الروسي على خلفية «حملة سيبرانية» منسوبة لموسكو

أعلنت وزارة الخارجية الألمانية، الاثنين، أنها استدعت السفير الروسي للاحتجاج على هجمات إلكترونية منسوبة لموسكو استهدفت «الاتحاد الأوروبي»...

«الشرق الأوسط» (برلين)

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)

​مع توسع سوق اللياقة البدنية في السعودية، يتجه استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريب الشخصي إلى ما هو أبعد من كتابة البرامج الرياضية أو أتمتة الحجوزات. فالقيمة الأهم -حسب طارق منير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنهانس فتنس» (Enhance Fitness)- تكمن في قدرة التقنية على قراءة السلوك مبكراً، ورصد تراجع التزام العميل قبل أن ينسحب فعلياً، ثم تنبيه المدرب للتدخل في الوقت المناسب.

ويقول منير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن الذكاء الاصطناعي سرَّع بالفعل تصميم البرامج وتخصيصها؛ إذ إن ما كان يستغرق ساعات من المدرب يمكن اليوم صياغة مسودته في دقائق وتعديله بشكل مستمر. ولكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المدرب يبقى المسؤول عن فهم ما يحتاج إليه العميل فعلياً، وهو أمر يختلف كثيراً عما يطلبه أو يعتقد أنه يريده عند بداية العلاقة.

ويصف منير هذا التقسيم بوضوح: «الذكاء الاصطناعي يسرِّع إنشاء البرامج وأتمتتها، بينما يظل المدرب مسؤولاً عن العلاقة». وحسب هذا التصور، تتولى التقنية «طبقة الإنتاج»، بينما يبقى الجزء الذي يدفع العميل من أجله في جوهره إنسانياً.

طارق منير المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Enhance Fitness» (الشركة)

بيانات سلوكية أكثر من كونها طبية

لا تعتمد «Enhance Fitness» في رؤيتها الحالية على جمع كميات واسعة من البيانات الصحية الحساسة؛ بل تركز بدرجة أكبر على السلوك الفعلي للعميل داخل رحلة التدريب.

ويقول منير إن الشركة تتابع مؤشرات، مثل: الحضور، وتكرار الجلسات، والإلغاءات، وتقييمات العملاء للمدربين، وكيف يتغير إيقاع التدريب مع مرور الوقت. أما بيانات تركيب الجسم والتفاصيل الصحية ومعلومات الأجهزة القابلة للارتداء، فلا يتم جمعها ولا مشاركتها افتراضياً.

ويرى أن هذه المؤشرات السلوكية أكثر فائدة للتخصيص في كثير من الحالات؛ لأنها تكشف جودة العلاقة بين العميل والمدرب ومدى احتمالية استمرارها، وهو العامل الذي يؤثر مباشرة في طول فترة الالتزام، ومن ثم في فرص تحقيق النتائج.

الانسحاب يبدأ كتراجع تدريجي

من أبرز الأنماط التي تكشفها البيانات واسعة النطاق -حسب منير- أن انسحاب العميل من التدريب لا يحدث عادة كقرار مفاجئ؛ بل يبدأ على شكل تراجع تدريجي في السلوك.

ويشرح بأن العميل يبدأ في الحضور بشكل أقل قليلاً، ثم تظهر بعض الإلغاءات، وتتكرر الأعذار أو الفجوات بين الجلسات. وعندما يصل الأمر إلى الإلغاء الرسمي أو التوقف الكامل، تكون الإشارات قد بدأت قبل ذلك بأسابيع. ويرى أن فهم هذا «التلاشي» هو ربما أهم ما تكشفه معالجة أعداد كبيرة من الجلسات؛ لأن البيانات تسمح برؤية كيف يبدأ التراجع، وكيف يتسارع، وما الأنماط التي تسبقه.

تنبيه المدرب لا مخاطبة العميل

في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف إشارات فقدان الاهتمام في وقت مبكر، وربطها باحتمالية الانسحاب. ولكن منير يضع حداً واضحاً لدور النظام. ويصرح: «نستخدم التنبؤ لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق، ولا شيء أكثر من ذلك. الذكاء الاصطناعي لا يتصل بالعميل ولا يؤَتمت العلاقة».

ويضيف أن الهدف من الإشارة هو التأكد من أن شخصاً حقيقياً يتدخل في اللحظة المناسبة، وباهتمام فعلي وليس من خلال محادثة بيعية. وحسب منير، فإن تراجع الالتزام هو في جوهره ضعف في العلاقة، ولذلك فإن إصلاحه يتطلب تدخلاً بشرياً.

تُستخدم تنبيهات الذكاء الاصطناعي لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق بينما تبقى العلاقة والتواصل مع العميل مسؤولية بشرية بالكامل (أدوبي)

ما الذي يبقى للإنسان؟

يرى منير أن الذكاء الاصطناعي مناسب للجانب الهيكلي من العمل، مثل: اقتراح البرامج، وإدارة منطق التقدم، واستخراج الأنماط من البيانات، وتقليل الأعمال الإدارية التي تستهلك وقت المدرب.

لكن القرارات التي تمس تجربة العميل مباشرة تبقى بشرية. ويقول: «عندما يدفع شخص مقابل تدريب شخصي في عصر الذكاء الاصطناعي، فهو لا يشتري برنامجاً فعلياً، فالبرامج أصبحت متاحة مجاناً. ما يشتريه هو المساءلة والموثوقية والسلامة والثقة والعلاقة مع شخص يعرفه ويقف إلى جانبه». ولهذا تعتمد المنصة على مبدأ واضح: الذكاء الاصطناعي يوصي، والمدرب يقرر وينفذ.

الأمان عبر «بوابة بشرية»

يؤكد منير أن الشركة لا تعتمد بالكامل على توصيات يولدها الذكاء الاصطناعي، ليس بسبب قصور تقني مؤقت؛ بل لأنه يعتبر أن وجود الإنسان جزء من التصميم نفسه. ويشير إلى أن النماذج تحسنت كثيراً خلال عام أو عامين، ولكن الدقة وحدها ليست العامل الحاسم. فالمدرب يستطيع قراءة أشياء لا تظهر بالضرورة في البيانات، مثل: التعب، وانخفاض الدافعية، ومحاولة العميل التقليل من شأن ألم يشعر به.

ويقول إن هذه «البوابة البشرية» هي آلية الأمان الأساسية في النظام، ولا يتوقع إزالتها.

ويظهر المنطق نفسه عند التعامل مع البيانات الناقصة أو الرديئة. فإذا كانت البيانات محدودة، يمكن للنظام أن ينتج اقتراحاً غير مناسب، ولكن الاقتراح لا يصل مباشرة إلى العميل؛ لأن مدرباً مؤهلاً يقف بين النموذج والجلسة.

الأجهزة القابلة للارتداء والخصوصية

من الناحية التقنية، يمكن دمج بيانات أجهزة تتبُّع النوم والساعات الرياضية ومؤشرات تركيب الجسم، ولكن «Enhance Fitness» تتعامل مع هذا الجانب بتحفُّظ.

ويفيد منير بأن هذه البيانات لا تُجمع مباشرة إلا إذا اختار العميل صراحة مشاركتها مع مدربه. وعندما توجد بيانات على مستوى المنصة، يتم التعامل معها بصورة مجمَّعة ومجهولة الهوية.

ويتابع: «هناك قيمة حقيقية في السياق الذي توفره هذه البيانات، ولكن هذه القيمة لا تبرر أبداً المساس بسيطرة العميل على معلوماته. الاختيار المسبق والموافقة أولاً، أو لا يتم الأمر».

ويؤكد أن موقف الشركة من ملكية البيانات واضح، رغم وجود مساحة رمادية في القطاع عموماً: «بيانات العميل تخص العميل». ويضيف أن الشركة لا تستخدم المعلومات الصحية الشخصية للعملاء، ولا تقدمها إلى أصحاب العمل ولا لشركات التأمين ولا لأي طرف ثالث.

تكشف البيانات أن انسحاب العميل يحدث غالباً تدريجياً ويمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف مؤشرات التراجع قبل التوقف الفعلي بأسابيع (أدوبي)

توحيد الأساس لا العلاقة

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يساعد على رفع مستوى الجودة، عبر مدن أو نوادٍ ومشغلين مختلفين، ولكن منير يتحفظ على كلمة «التوحيد» عندما يتعلق الأمر بالتدريب الشخصي. ويرى أن من الممكن تطبيق قوالب مشتركة، ومنطق موحد لتصميم البرامج، وأسس جودة ثابتة، وهو ما يساعد الذكاء الاصطناعي على رفع الحد الأدنى من الجودة عبر أماكن متعددة في وقت واحد. ولكن العلاقة نفسها لا ينبغي توحيدها. ويختصر الفكرة بقوله: «وحِّد الأساس، ولا توحِّد العلاقة».

ما الذي يمكن إثباته اليوم؟

فيما يتعلق بقياس أثر الذكاء الاصطناعي، يميز منير بين ما يمكن إثباته اليوم وبين ما قد يصبح ممكناً لاحقاً. ويشير إلى أن الأدلة الحالية ذات طبيعة سلوكية في المقام الأول، مثل استمرار الالتزام، وطول العلاقة مع العميل، وقدرته على الاستمرار في التدريب بمرور الوقت.

أما استخدام الذكاء الاصطناعي لقراءة مؤشرات صحية والتوصية بناءً عليها، فيعتبره مجالاً يحتاج إلى معالجة قانونية وأخلاقية أكثر وضوحاً قبل التوسع فيه. ويقول: «خريطة الطريق ستتجه في النهاية إلى نماذج تستطيع قراءة المؤشرات الصحية والوصف بشكل أفضل، ولكن ما إذا كان ذلك ممكناً قانونياً وأخلاقياً، فلا يزال منطقة رمادية، والموضوع شديد الحساسية بحيث لا يمكن ببساطة تسليمه إلى الذكاء الاصطناعي».

تجربة ممكنة في السعودية لمدة 12 شهراً

يقترح منير تجربة عملية في السعودية لا تختبر ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج برنامج أفضل؛ بل ما إذا كان يستطيع مساعدة المدرب على إبقاء العلاقة مع العميل لفترة أطول.

وتقوم الفكرة على اختيار مجموعة من العملاء الجدد في مدينتين أو 3 مدن سعودية، مع الحفاظ على النوادي والمدربين أنفسهم قدر الإمكان، ثم تقسيم التجربة إلى مجموعتين: تعمل الأولى بالطريقة التقليدية، بينما تستخدم الثانية دعماً من الذكاء الاصطناعي في إعداد البرامج، ورصد العلامات المبكرة لتراجع الالتزام، وتزويد المدرب بمعلومات تساعده في الجانب البشري من عمله.

ويُقاس الأثر على مدى 12 شهراً من خلال مؤشرات، مثل: مدة بقاء العميل، وانتظامه في الحضور، واستمراره في التدريب بعد انتهاء الباقة الرسمية، إلى جانب عدد محدود من المؤشرات الصحية الأساسية في بداية التجربة ونهايتها. ويتوقع طارق منير أن تتفوق المجموعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ ليس لأن برامجها ستكون أكثر ذكاءً بالضرورة؛ بل لأن المدربين سيتمكنون من اكتشاف تراجع الالتزام بشكل أبكر، والحفاظ على العلاقة لفترة أطول. ويرى أن السعودية بيئة مناسبة لمثل هذه الدراسة، بسبب سرعة توسع السوق، ووجود اهتمام متزايد بقياس النتائج بصورة أكثر مصداقية.


كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

هل رأيت يوماً أحد المشاهير البارزين يروج لحبوب جديدة لإنقاص الوزن تحمل اسماً غريباً؟ أو ربما شركة تعرض منتجاً جديداً لم تسمع به من قبل؟

إن الإعلانات الزائفة منتشرة في كل مكان على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سهّل الذكاء الاصطناعي عملية إنشاء موافقات زائفة، وسرقة ملامحك، أو هويتك البصرية، إذ يمكنه التلاعب بصورة الرئيس التنفيذي لشركتك ليظهر وكأنه يروج لعملية احتيال استثماري، أو قد يَظهر رياضي شهير وهو يُروج لمكمل غذائي زائف، أو يبدو أحد المؤثرين وكأنه يُروج لعملة مشفرة لم يسمع بها أحد قط. وبالنسبة لأصحاب الأعمال والقادة، لا يقتصر الأمر على كونه مسألة قانونية فحسب، بل يُشكل خطراً على العلامة التجارية، كما كتب كين ستيرلينغ (*).

حماية الثقة في العلامة التجارية في عصر الذكاء الاصطناعي

تُعد الثقة أهم أصولك؛ فإذا بدأ المستخدمون في افتراض أن كل ما يرونه عبر الإنترنت زائف، فإن الثقة في علامتك التجارية ستتراجع. ولسوء الحظ، فإن محاولة إيقاف المحتوى الزائف تشبه لعبة من دون جدوى؛ فحتى عندما ترسل أنت أو فريقك القانوني إشعاراً للمنصة لإزالة المحتوى، قد تظهر نسخة أخرى من المحتوى نفسه في غضون ساعات.

إجراءات لمواجهة المحتوى الزائف

ولهذا السبب، وبصفتي محامياً متخصصاً في مجالات الإعلام والأعمال والتكنولوجيا في منطقة «سنشري سيتي» Century City) -مع التركيز على التقاطع بين القانون والإعلام والتكنولوجيا - فإنني أقدم المشورة للعلامات التجارية حول كيفية البقاء في الصدارة ومواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي.

وفيما يلي ثلاثة إجراءات يمكنك اتخاذها للاستعداد لمواجهة المحتوى الإعلامي الزائف:

الحد من انكشافك بتقليل المواد المتاحة

* اجعل من الصعب على المحتالين تزييف المحتوى الخاص بك. تتطلب تقنية التزييف العميق بيانات تدريب، وتحديداً تسجيلات صوتية نقية ومقاطع فيديو عالية الدقة للمسؤولين التنفيذيين أو المتحدثين الرسميين باسمك. يمكنك الحد من هذا الانكشاف من خلال تدقيق المحتوى الخاص بك.

* دقق البصمة الرقمية للمسؤولين التنفيذيين: راجع جميع التسجيلات العامة لك ولأعضاء فريقك للحد من انكشاف المعلومات. ويشمل ذلك الكلمات الرئيسية في المؤتمرات، ومكالمات إعلان الأرباح، والمشاركات في البودكاست. وعند الإمكان، قيّد إمكانية الوصول العام إلى أرشيفات الفيديو والصوت.

* استخدم أدوات المراقبة المستمرة للهوية عبر الذكاء الاصطناعي: استخدم أدوات آلية للزحف عبر الويب (web-crawling) مثل BrandShield أو ZeroFox أو Ceartas. إذ تقوم هذه الأدوات بمسح منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإعلانات وسجلات النطاقات بحثاً عن أي استخدام غير مصرح به لوجوه وأصوات المسؤولين التنفيذيين أو العلامات التجارية للشركة. كلما أدركت الأمر مبكراً، قلّ حجم الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية.

حدِّث عقودك للحد من المخاطر القانونية

اطلب من فرق التسويق والشؤون القانونية تحديث جميع العقود المبرمة مع المواهب والوكالات والشخصيات المتعاونة، وذلك لضمان القدرة على التصدي لعمليات الاحتيال الإعلامي القائمة على الذكاء الاصطناعي فور وقوعها.

*أضف بنوداً صريحة تتعلق باستخدام «المحتوى المُولَّد اصطناعياً» (synthetic media). حدِّد بوضوح الجهة التي تمتلك حقوق إنشاء أو تدريب أو توزيع الصوت والصورة (أو الملامح) الخاصة بالمتحدث الرسمي أو المسؤول التنفيذي.

*أدرج التزاماً بالإبلاغ. ألزم شركاء العلامة التجارية والمؤثرين بإخطار شركتك فوراً في حال وجود أدلة على قيام أي طرف بإساءة استخدام صورهم أو ملامحهم فيما يتعلق بعلامتك التجارية.

أعِدَّ خطة استجابة سريعة

كن مستعداً للتحرك بسرعة عند استهداف علامتك التجارية بمحتوى زائف؛ فكلما كانت استجابتك أسرع، قلّ الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية جراء هذا المحتوى.

*جهِّز مسودات بيانات للتعامل مع الحوادث مسبقاً. أعدَّ نماذج لاتصالات الطوارئ لاستخدامها من قبلك أو من قبل فرق العلاقات العامة لدحض المحتوى الزائف قبل انتشار حالة من الذعر في السوق أو بين المستهلكين.

*حدِّد جهات اتصال مباشرة. أنشئ قوائم اتصال بفرق الشؤون القانونية في منصات التواصل الاجتماعي لتتمكن من إزالة المحتوى الزائف فور علمك بوجوده.

إن المحتوى الزائف ينتشر في كل مكان، ولكن يمكنك الحد من تأثيره على ثقة المستهلكين وقيمة علامتك التجارية. فالشركات التي تستعد الآن ستكون في وضع أفضل لحماية علامتها التجارية.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
TT

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

وضعت شركة «أنثروبيك» نظاماً جديداً لتمييز المحتوى الذي تنتجه نماذج «كلود» «Claude» بعلامات قابلة للقراءة آلياً، بحيث تحمل النصوص بصمة مائية غير محسوسة، فيما تحصل الملفات المدعومة على بيانات رقمية موقعة توضح مصدرها. وتقول الشركة إن نماذج «Claude» التي تُطلق ابتداء من 2 أغسطس (آب) 2026 تدعم هذه العلامات منذ إطلاقها، بينما تعمل على إضافة الخاصية إلى النماذج الأقدم خلال الفترة الانتقالية.

وتأتي الخطوة بعد توقيع «أنثروبيك» على مدونة الممارسات المرتبطة بالمادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، التي تركز على شفافية المحتوى المولد أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من ارتباط النظام بالمتطلبات الأوروبية، تقول الشركة إن العلامات ستطبق على مخرجات النماذج المدعومة في جميع المناطق التي يتوافر فيها «كلود» «Claude»، وليس داخل أوروبا فقط.

بصمة داخل النص نفسه

تختلف الآلية التي تعتمدها «أنثروبيك» للنصوص عن الملصقات المرئية التي قد تظهر بجانب الصور أو المنشورات. فعندما يولد نموذج مدعوم نصاً، يدمج داخله علامة مائية تقول الشركة إنها غير محسوسة ولا تغير المعنى أو جودة الكتابة أو قابلية القراءة.

وبما أن العلامة تصبح جزءاً من النص نفسه، فإنها تنتقل معه عند النسخ واللصق إلى تطبيق أو موقع آخر، وقد تبقى موجودة بعد بعض عمليات التحرير. كما يجري تطبيقها على مستوى النموذج، ما يعني أنها لا ترتبط بواجهة واحدة.

وتشمل الخطة مخرجات النماذج المدعومة عبر «Claude» و«Claude Code» و«Claude Cowork» و«Claude Tag» وواجهة «Claude Platform» البرمجية، كما تنطبق العلامة النصية عند الوصول إلى النماذج المدعومة من خلال «AWS» و«Google Cloud» و«Microsoft Foundry».

غياب العلامة لا يثبت أن المحتوى بشري لأن إعادة الصياغة الواسعة أو تحويل الملفات قد تؤدي إلى إضعاف العلامة أو فقدانها (رويترز)

معيار مختلف للملفات

بالنسبة إلى الملفات المدعومة، ومنها صيغ مثل «PNG » و«JPEG» و«SVG»، تستخدم «أنثروبيك» بيانات منشأ رقمية موقعة تعتمد معيار «C2PA»، وهو معيار مفتوح يستخدم لتسجيل معلومات عن مصدر المحتوى وما طرأ عليه من معالجة.

وعند وجود هذه البيانات، يمكن الإشارة إلى أن الملف عولج باستخدام «Claude» والمساعدة في التحقق مما إذا كان قد تعرض لاحقاً للتغيير. إلا أن دعم بيانات المنشأ قد يختلف من منصة إلى أخرى، بحسب أنواع الملفات والخصائص التي توفرها كل خدمة.

العلامة لا تثبت من كتب النص

تؤكد «أنثروبيك» أن اكتشاف بصمة «Claude» لا يمثل دليلاً قاطعاً على أن النموذج أنشأ النص أو الفكرة من البداية. فقد يكتب المستخدم مادة كاملة بنفسه، ثم يستخدم «Claude» للتدقيق أو الترجمة أو التلخيص أو إعادة التنسيق، وعندها يمكن أن يحتوي الناتج على العلامة رغم أن المادة الأصلية جاءت من مصدر بشري. ولهذا تشير العلامة إلى احتمال أن المحتوى عولج بواسطة Claude، وليس بالضرورة إلى أن النموذج هو مؤلفه الأصلي. وفي الاتجاه المقابل، لا يعني غياب علامة قابلة للكشف أن النص بشري. فقد تختفي الإشارة بعد إعادة صياغة واسعة أو ترجمة أو دمج المحتوى مع نصوص أخرى، كما أن المقاطع القصيرة قد لا تحتوي مادة كافية لإنتاج إشارة موثوقة. أما في الملفات، فيمكن أن تضيع بيانات المنشأ بسبب تحويل الصيغة أو إعادة الحفظ أو أخذ لقطة شاشة أو عمليات معالجة أخرى.

تُضاف العلامة في أثناء عملية التوليد نفسها وهو ما يختلف عن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي التي تحلل النص بعد كتابته وتحاول تخمين مصدره (أدوبي)

طرح أدوات الكشف

تعمل «أنثروبيك» أيضاً على توفير وسائل للمستخدمين والأطراف الثالثة لاكتشاف العلامات النصية وبيانات المنشأ، وقالت إنها ستنشر تفاصيل تقنية إضافية حول آليات الكشف لاحقاً. وحتى 12 أغسطس 2026، لم تكشف الشركة علناً عن التفاصيل التقنية الكاملة للطريقة المستخدمة في إنشاء البصمة النصية أو فحصها. ويختلف هذا النهج عن أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تحلل الأسلوب بعد إنتاجه وتحاول تقدير احتمالية أن يكون قد كُتب بواسطة نموذج. ففي حالة «Claude»، تُضاف الإشارة في أثناء عملية التوليد نفسها، ثم يجري البحث عن وجودها لاحقاً.

فترة انتقالية للنماذج السابقة

لا تشمل العلامات جميع إصدارات «Claude» القديمة تلقائياً في الوقت الحالي. وتوضح الشركة أن النماذج التي سبقت 2 أغسطس 2026 تدخل ضمن فترة انتقالية، وأن العمل جارٍ لإضافة دعم العلامات إليها. وتشير قواعد الاتحاد الأوروبي إلى مهلة انتقالية تمتد أربعة أشهر للنماذج والأنظمة السابقة، وهو ما يضع 2 ديسمبر (كانون الأول) 2026 محطة مهمة في تطبيق المتطلبات على المنتجات القديمة.

وبذلك يجمع نظام «أنثروبيك» بين بصمة مدمجة في النص وبيانات منشأ موقعة للملفات، مع تطبيق عالمي على النماذج المدعومة، لكنه يبقى أداة لتقديم إشارة إلى مسار معالجة المحتوى، وليس وسيلة نهائية لإثبات ما إذا كان النص بشرياً أو مولداً بالكامل بالذكاء الاصطناعي.