تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: فتح تطبيق موثوق قد يكفي لبدء هجوم بلا نقر

تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
TT

تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)

لم تعد منظومة الإعلانات الرقمية (AdTech) مجرد قناة لعرض منتجات تتوافق مع اهتمامات المستخدم، بل أصبحت شبكة واسعة من التطبيقات والمواقع ومنصات المزايدة ووسطاء البيانات، تتبادل في أجزاء من الثانية معلومات عن الأجهزة والمواقع التقريبية وعادات التصفح والمحتوى الذي يطالعه الأفراد. وقد صُمّمت هذه البنية لتحديد الإعلان الأنسب لكل مستخدم، إلا أن الآليات نفسها يمكن أن تمنح جهات التهديد وسيلة لتحديد أهداف بعينها وتعقبها والوصول إليها عبر منصات تبدو موثوقة.

خلال مؤتمر «كاسبرسكي للأمن السيبراني» لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، الذي عُقد في تبليسي عاصمة جورجيا، عرض الباحثون كيف انتقلت إساءة استخدام بيانات الإعلان من انتهاك الخصوصية والتأثير في السلوك إلى المراقبة الفعلية والاستغلال السيبراني الموجّه. ويرتكز هذا التحول على تقنيات الإعلان والمزايدة الفورية ومعرّفات الأجهزة وحزم تطوير البرمجيات المدمجة داخل التطبيقات، إلى جانب وسطاء قادرين على جمع أجزاء متناثرة من البيانات وتحويلها إلى ملف رقمي شديد الدقة.

ماهر يموت كبير الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى «كاسبرسكي» (الشركة)

الحمض النووي الرقمي

تبدأ العملية عندما يفتح المستخدم تطبيقاً أو موقعاً يحتوي على مساحة إعلانية. يرسل التطبيق طلباً إلى البنية الإعلانية يتضمّن معلومات تساعد الجهات المهتمة في تحديد قيمة هذا المستخدم بالنسبة إليها، ثم تتنافس شركات متعددة في مزاد فوري لعرض إعلانها، ووفقاً لـ«كاسبرسكي»، قد تكتمل هذه الدورة خلال نحو 100 مللي-ثانية.

ولا يقتصر طلب المزايدة على معلومة عامة تفيد بأن شخصاً مجهولاً فتح تطبيقاً؛ إذ قد يحتوي على معرّف فريد ونوع المتصفح وعنوان بروتوكول الإنترنت واستنتاجات مرتبطة بالموقع الجغرافي، ونوع المحتوى الذي كان المستخدم يقرأه. وتبدو كل معلومة منفردة محدودة القيمة، لكن جمعها وربطها عبر خدمات مختلفة يسمح ببناء ما وصفه العرض بـ«الحمض النووي الرقمي» للمستخدم.

ويصرّح كبير الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى «كاسبرسكي»، ماهر يموت، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، بأن «منظومة الإعلان صُمّمت لتقديم الرسالة والمحتوى المناسبين إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب»، غير أن القدرات نفسها يمكن أن تستغلها جهات متقدمة لأغراض تختلف عن الإعلان. ويضيف أن الأدوات التي أنشئت للاستهداف التجاري يمكن تحويلها إلى وسيلة لجمع المعلومات الاستخباراتية، بما يتيح تحديد الأشخاص ذوي القيمة العالية، وفهم سلوكهم، ثم محاولة الوصول إليهم عبر تطبيقات ومواقع يثقون بها.

وتكمن إحدى المشكلات في أن بيانات طلب المزايدة قد تُبث إلى أطراف متعددة مهتمة بشراء المساحة الإعلانية، وليس إلى الجهة التي تفوز بالمزاد فقط. وهذا يعني أن المعلومات قد تنتقل إلى عدد من المشاركين قبل أن يظهر الإعلان على شاشة المستخدم، وهو ما يوسع دائرة الوصول إلى البيانات ويجعل تتبع مسارها أكثر تعقيداً.

فُتات رقمي مترابط

تدخل البيانات إلى هذه المنظومة عبر قنوات متعددة، من بينها حزم تطوير البرمجيات المعروفة اختصاراً بـ«SDK»، التي يضيفها مطورو التطبيقات لتوفير وظائف جاهزة أو تشغيل أدوات التحليل أو تحقيق الإيرادات من الإعلانات. وقد ترث هذه الحزم الأذونات نفسها الممنوحة للتطبيق، مما يمنحها القدرة على الوصول إلى بيانات لا يدرك المستخدم دائماً أنها تغادر الجهاز أو تُشارك مع جهات أخرى.

ولا يعني ذلك أن كل حزمة تطوير خبيثة؛ إذ تستخدمها التطبيقات لأغراض مشروعة وضرورية. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل البيانات بين عدة شركات، ويصبح من الصعب على المستخدم أو المؤسسة معرفة جميع الأطراف التي حصلت عليها، وكيف جرى دمجها، وإلى متى ستظل محفوظة.

وتشمل المصادر أيضاً وحدات تتبع صغيرة قد تكون صورة غير مرئية بقياس بكسل واحد داخل بريد إلكتروني أو صفحة ويب. وعند تحميلها، يمكن أن تكشف عن عنوان بروتوكول الإنترنت، ونوع الجهاز، والمتصفح أو البرنامج المستخدم. ومع إضافة الموقع التقريبي وبيانات التطبيق وسجل التفاعل، تتحول هذه الإشارات إلى سلسلة مترابطة تكشف عن أنماط الحركة والعادات والأوقات والأماكن التي يتكرر فيها وجود المستخدم.

وفي هذا السياق، لا تأتي الخطورة من معلومة منفردة، بل من القدرة على ربطها بمعرّف موحد يلاحق الجهاز عبر تطبيقات وخدمات مختلفة. ويعرض يموت هذه العملية بوصفها انتقالاً من «فتات رقمي» متناثر إلى هوية يمكن تمييزها عن ملايين المستخدمين الآخرين.

قد تكشف طلبات المزايدة الإعلانية الفورية عن معرّفات الأجهزة وعناوين الإنترنت والمواقع التقريبية وأنواع المتصفحات (أدوبي)

3 مراحل لإساءة الاستخدام

يقسّم باحثو «كاسبرسكي» تطور إساءة استخدام بيانات المستخدمين إلى 3 مراحل. بدأت الأولى باستخدام المعلومات في التأثير النفسي والتلاعب بالمواقف والسلوك، ثم انتقلت إلى المراقبة والتتبع في العالم الفعلي، قبل أن تصل في صورتها الحديثة إلى الاستغلال السيبراني الموجّه.

وفي المرحلة الأولى، تُستخدم البيانات لمعرفة اهتمامات الأفراد ومخاوفهم وتفضيلاتهم، ثم توجيه الرسائل إليهم بطريقة تزيد احتمال التأثير في قراراتهم. أما المرحلة الثانية فتضيف الموقع والحركة والأنماط اليومية، بما يسمح بتكوين صورة عن الأماكن التي يزورها الشخص والأوقات التي يتحرك فيها.

وتبدأ المرحلة الثالثة عندما تتحول هذه المعلومات من أداة للتأثير أو المراقبة إلى أساس لاختيار الضحية وتنفيذ الهجوم. عندها يمكن استخدام نوع الجهاز والمتصفح والتطبيقات والموقع لتحديد الثغرة المناسبة والمسار الأكثر احتمالاً للنجاح.

مفارقة التطبيق الموثوق

تركز متاجر التطبيقات على مراجعة البرنامج الأساسي قبل السماح بنشره، لكن التطبيق قد يحتوي داخله على شبكات إعلانية ومكونات تحليل تابعة لأطراف أخرى. وهنا تظهر ما سماه يموت «مفارقة الثقة»؛ أي إن المستخدم يحمّل تطبيقاً من متجر رسمي، ويفترض أن جميع مكوناته خضعت للمستوى نفسه من التدقيق، في حين قد تكون المخاطر في النظام الإعلاني المحيط بالتطبيق، لا في التطبيق ذاته.

ويعني ذلك أن فتح تطبيق شرعي قد يكون كافياً لبدء تفاعل مع بنية إعلانية واسعة، من دون الضغط على رابط أو تنزيل ملف مباشر. وتزداد أهمية هذا العامل مع ظهور حملات تعتمد على إعلانات مصممة للوصول إلى شخص محدد، بدلاً من توزيع البرمجيات الخبيثة عشوائياً، وانتظار وقوع أحد المستخدمين في الفخ.

ويشرح الخبراء الأمنيون أنه يمكن للمهاجم أن يبدأ بتكوين ملف عن الهدف باستخدام بيانات الإعلان، ثم يشتري فرصة عرض إعلان لذلك الجهاز بعينه، ويدس حمولة تستغل ثغرة في المتصفح أو مكوناً داخل التطبيق. وفي حالات متقدمة، قد تكون النتيجة تثبيت برنامج تجسس «من دون نقر»، فلا يحتاج الضحية إلى فتح رابط أو الموافقة على تنزيل.

حظرت «كاسبرسكي» في دول الخليج أكثر من 1.6 مليون محاولة لإعادة توجيه المستخدمين إلى محتوى خبيث خلال النصف الأول من 2026 (الشركة)

من التصيد إلى الإعلان

يختلف هذا النموذج عن المسار التقليدي للهجمات، الذي يبدأ برسالة تصيد، ثم تفاعل من المستخدم، ثم تثبيت برمجية خبيثة. أما المسار الجديد فيبدأ بتحديد الهدف عبر بيانات الإعلان، ثم شراء ظهور الإعلان له بصورة دقيقة، قبل محاولة استغلال الجهاز من خلال المحتوى المعروض. ولا يعني ذلك أن الإعلانات الرقمية أصبحت جميعها وسيلة هجوم، بل إن البنية ذاتها يمكن إساءة استخدامها عندما تصل إليها جهات قادرة على شراء البيانات أو التظاهر بأنها من المعلنين أو استغلال وسطاء يعملون داخل السوق.

ويطلق الباحثون على هذا الاستخدام مصطلح «الاستخبارات الإعلانية»، حيث تدخل جهة مراقبة أو تجسس إلى النظام بواجهة تجارية، وتتصرف باعتبارها معلناً يريد الوصول إلى شريحة معينة، في حين تكون غايتها الحقيقية تحديد أفراد بعينهم وتعقبهم أو جمع معلومات عن أجهزتهم.

ويعدّ يموت أن دقة المنصات الإعلانية توسع سطح الهجوم إلى ما يتجاوز رسائل التصيد والتنزيلات الخبيثة التقليدية؛ فالرسالة لم تعد بالضرورة تصل عبر بريد إلكتروني يثير الشك، بل قد تأتي من خلال خدمة يستخدمها الشخص يومياً ولا يتوقع أن تكون جزءاً من عملية استهداف.

1.6 مليون محاولة في الخليج

لا تقتصر المخاطر على حملات التجسس المتقدمة؛ إذ يمكن للبرمجيات الإعلانية نفسها أن تعيد توجيه المستخدمين نحو مواقع تنشر برمجيات خبيثة. وأفادت «كاسبرسكي» بأنها حظرت في دول مجلس التعاون الخليجي خلال النصف الأول من عام 2026، أكثر من 1.6 مليون محاولة لإعادة توجيه المستخدمين إلى محتوى خبيث.

وتشير البيانات المقدمة في العرض إلى ارتفاع أوسع في نشاط البرمجيات الإعلانية التي حُظرت عبر شبكة «كاسبرسكي» الأمنية، من 732 مليوناً و406 آلاف و716 حالة في النصف الأول من 2025، إلى 898 مليوناً و726 ألفاً و497 حالة في الفترة نفسها من 2026، بزيادة بلغت نحو 22 في المائة.

كما أظهر توزيع التهديدات في النصف الأول من 2026، أن البرمجيات الإعلانية شكّلت 30.59 في المائة من التصنيفات المرصودة، مقابل 25.46 في المائة لأحصنة طروادة، و21.99 في المائة لأدوات المخاطر، و12.96 في المائة لأدوات التنزيل، و11.68 في المائة لأدوات الاختراق.

ولا تعني هذه النسب أن كل برنامج إعلاني ينفّذ تجسساً متقدماً، لكنها توضح حجم فئة قد تُعامل أحياناً باعتبارها مجرد مصدر إزعاج، رغم احتمال استخدامها لجمع البيانات أو إعادة التوجيه أو إخفاء وظائف أكثر خطورة.

ارتفعت حالات حظر البرمجيات الإعلانية عالمياً بنحو 22 % لتصل إلى نحو 899 مليون حالة في النصف الأول من 2026 (أدوبي)

قناع منخفض الخطورة

يساعد ظهور البرمجية بوصفها أداة إعلانية مزعجة على تقليل مستوى الاهتمام الذي تحصل عليه داخل بعض المؤسسات. فعندما يركز فريق الأمن على برامج الفدية أو سرقة البيانات أو الهجمات التي توقف العمليات، قد تُصنّف النوافذ المنبثقة وإعادة التوجيه بوصفها مشكلة محدودة، ويُكتفى بإزالة البرمجية من الجهاز من دون تحقيق أوسع في كيفية وصولها أو الجهات التي تواصلت معها.

لكن هذا القناع يمكن أن يُخفي قدرات أخرى، تشمل جمع معلومات عن النظام، أو تنزيل برمجيات إضافية، أو سرقة بيانات اعتماد، أو فتح قناة اتصال عن بعد. وقد تستفيد الجهات المتقدمة من هذا التصنيف المنخفض للبقاء مدة أطول أو لتشويش عملية الإسناد، لأن النشاط يبدو في بدايته أقرب إلى برنامج تجاري غير مرغوب فيه منه إلى حملة تجسس موجهة.

منصات موثوقة لإخفاء النشاط

يتقاطع استغلال الإعلانات مع تحول أوسع في سلوك مجموعات التهديدات المتقدمة. ويفيد يموت -خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»- بأن المهاجمين باتوا يستخدمون خدمات موثوقة، مثل «غوغل» و«يوتيوب» و«مايكروسوفت أزور» و«غيت هب» ومنصات التواصل، في قنوات التحكم والاتصال، بدلاً من الاعتماد حصراً على نطاقات وعناوين إنترنت يسهل تصنيفها بوصفها مشبوهة.

ويوضح أن المهاجمين يدرسون التطبيقات التي تعتمد عليها المؤسسة، ثم يحاولون تمرير اتصالاتهم عبرها؛ فإذا كانت الشركة تستخدم «مايكروسوفت تيمز» مثلاً، قد يبدو تبادل البيانات مع الخدمة طبيعياً عند فحص حركة الشبكة، رغم احتمال وجود أوامر موجهة إلى برمجية خبيثة ضمن ذلك الاتصال.

ويقول: «عندما يفحص فريق الأمن حركة الشبكة، قد يرى اتصالاً عادياً مع خدمة موثوقة، لا رابطاً مشبوهاً أو نطاقاً غير معروف». ويمنح هذا الأسلوب المهاجم فرصة للاندماج في النشاط اليومي للشبكة، مثلما تتيح البنية الإعلانية الوصول إلى الضحية عبر تطبيق شرعي.

تستطيع جهات التهديد إيصال برمجيات تجسس «من دون نقر» عبر إعلانات تظهر داخل تطبيقات ومواقع شرعية يثق بها المستخدم (أدوبي)

السعودية والقطاعات الحساسة

ترتبط أهمية هذه التقنيات في السعودية والخليج باتساع الخدمات الرقمية وترابط القطاعات الحكومية والتجارية. ويرى يموت أن زيادة الرقمنة تجعل الأنظمة أكثر جاذبية لمجموعات التجسس، لأنها تحتوي على معلومات شخصية قابلة للتعريف، مثل الأسماء وبيانات جوازات السفر، ويمكن استخدامها لجمع المعلومات أو الانتقال من نظام إلى آخر.

ويلفت إلى أن الجهات الحكومية تظل من الأهداف التقليدية، لكن الاهتمام يمتد بصورة متزايدة إلى الاتصالات والدفاع والطيران. ولا يشمل ذلك الوزارات والمؤسسات الكبرى وحدها، بل المقاولين والموردين والشركات التي توفر مكونات أو خدمات مساندة.

وتكتسب صناعة الطيران قيمة خاصة لدى الجهات التي تبحث عن معلومات استخباراتية، بسبب ما يمكن أن تحتويه أنظمتها من بيانات عن حركة المسافرين ودخول الأشخاص إلى الدولة وخروجهم، إلى جانب الأسماء وبيانات جوازات السفر.

ولا يشترط الوصول إلى المؤسسة الرئيسية مباشرة؛ إذ يمكن استهداف مورد أصغر يمتلك صلاحيات أو اتصالاً موثوقاً، ثم استخدامه مدخلاً إلى بيئة أكبر. ويشير يموت إلى أن الشركة الصغيرة قد تفتقر إلى ميزانية أمنية كافية، لكنها تحتفظ بوصول موثوق إلى أنظمة الجهة الكبرى، ما يجعلها حلقة أضعف في سلسلة التوريد.

مداخل لا تزال فعّالة

رغم تطور أساليب الاستهداف، يقول يموت إن التصيد الموجه لا يزال من أكثر طرق الوصول الأولي فاعلية، يليه استغلال خوادم الويب غير المحدثة، ثم الثغرات التي لم تُعالج أو ثغرات «اليوم صفر»، في حين تمثل هجمات سلسلة التوريد مساراً أكثر تعقيداً.

وقد زاد الذكاء الاصطناعي من قدرة المهاجمين على إعداد رسائل تصيد بلغة طبيعية خالية من الأخطاء الواضحة، كما ساعد في تسريع تطوير البرمجيات الخبيثة وتعديلها بعد اكتشافها. ويستطيع المهاجم إعادة توليد أجزاء من الشفرة أو تغييرها مراراً لمحاولة تجاوز وسائل الكشف.

لكن الهدف يختلف باختلاف دوافع الجهة. ويوضح يموت أن المهاجمين الماليين يبحثون داخل الأنظمة عن المحافظ الرقمية والمفاتيح وبيانات الدفع، في حين تعطي مجموعات التجسس الأولوية للتخفي والبقاء داخل الشبكة أطول مدة ممكنة لجمع أكبر قدر من المعلومات.

تستغل مجموعات متقدمة منصات موثوقة وشركاء مخترقين لإخفاء اتصالاتها ما يستدعي مراقبة الشبكات وتقييد الصلاحيات (غيتي)

منطقة تنظيمية رمادية

تغطي قوانين الخصوصية في أسواق متعددة جوانب الموافقة وجمع البيانات، لكنها لا تعالج دائماً جميع التدفقات المرتبطة بالمزايدة الفورية ووسطاء البيانات. ويصف العرض هذا الجانب بأنه «منطقة رمادية»؛ إذ قد يمنح المستخدم موافقته لتطبيق واحد، فيما تنتقل بياناته عبر عدد كبير من الأطراف التي لا يعرفها مباشرة.

ولا يتوقف التحدي عند الشركات الملتزمة بالقوانين، لأن جهات التهديد ووسطاء البيانات غير المنظمين يمكنهم العمل خارج الأطر المعتادة. كما أن الموافقة على جمع البيانات لغرض الإعلان لا تعني الموافقة على استخدامها في المراقبة أو بناء ملفات استخباراتية أو استهداف الأجهزة.

وتزداد صعوبة الرقابة عندما تتم المزايدات في أجزاء من الثانية، وتنتقل الطلبات إلى عدة أطراف. وحتى عندما لا يفوز أحد المشاركين بالمزاد، قد يكون حصل بالفعل على معلومات عن المستخدم وردت في طلب العرض.

دفاع متعدد الطبقات

تبدأ الحماية بمراجعة أذونات التطبيقات وتحديث الأجهزة والبرامج وتقليل التعرض غير الضروري للبنية الإعلانية، إلى جانب استخدام أدوات حظر الإعلانات على أجهزة المؤسسات حيث تسمح بيئة العمل بذلك.

وعلى مستوى المؤسسات، تشمل الإجراءات المطلوبة مراقبة الأجهزة الطرفية، وتحليل حركة الشبكة، والاستفادة من معلومات التهديدات، ومراجعة وصول الموردين والشركاء، ومنحهم الحد الأدنى من الصلاحيات اللازمة.

ويشدّد يموت على ضرورة عدم الثقة العمياء بالموردين أو الخدمات المألوفة، لأن الجهة المهاجمة قد تستخدم حساباً شرعياً أو منصة موثوقة أو شريكاً مخترقاً لإخفاء نشاطها. كما يدعو إلى التعامل مع الاختراق بوصفه احتمالاً قائماً، والتركيز على سرعة اكتشافه وحصره قبل أن يتحول إلى وجود طويل الأمد داخل الشبكة.

وفي هذه البيئة، تصبح بيانات الإعلان وسيلة لاختيار الهدف، فيما تتحول التطبيقات الشرعية والمنصات السحابية والموردون الموثوقون إلى مسارات محتملة للوصول. ولا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان الإعلان نفسه ضاراً، بل يمتد إلى الجهات التي ترى بيانات المستخدم خلال دورة عرضه، وكيف يمكن ربط تلك البيانات، ومن يستطيع تحويلها من أداة تجارية إلى خريطة لعملية استهداف سيبراني.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

خاص ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

تواجه «ميتا» احتيالاً رقمياً عابراً للمنصات عبر الرصد التقني والتحقق من المعلنين والتوعية بالتعاون مع جهات سعودية وشركاء عالميين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا بعض الرسائل الاحتيالية تصل عبر إشعارات رسمية وتتضمن رموز تحقق لم يطلبها المستخدم (رويترز)

أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الرسمية

رصدت «كاسبرسكي» أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الشرعية لإخفاء روابط تصيد وسرقة بيانات المستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يسرّع استغلال الثغرات ويضاعف أهمية التحديث (مايكروسوفت)

ثغرات تُستغل خلال ساعات... «مايكروسوفت» تحذر من تأخير التحديثات الأمنية

يحذر تقرير «مايكروسوفت» من تسارع استغلال الثغرات خلال ساعات، واتساع الفجوة بين سرعة الهجوم وبطء تثبيت التحديثات الأمنية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
شمال افريقيا عضوات من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة» في موريتانيا بعد زيارة موقوفات (المرصد)

الأمن الموريتاني يواصل حملة لتفكيك شبكة «ابتزاز إلكتروني»

زار وفدان من هيئتين حقوقيتين رسميتين في موريتانيا، خلال الأيام الماضية، عدداً من الموقوفين على ذمة التحقيق في قضية باتت تُعرف إعلامياً بـ«ملف مدوّني الخارج».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في الاجتماع العاشر لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا في بروكسل يوم 5 أكتوبر 
2026 (إ.ب.أ)

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الاثنين)، إن روسيا تشكل خطراً على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)
ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)
TT

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: الاحتيال الرقمي يعبر المنصات ويتطلب تعاوناً أوسع لمواجهته

ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)
ترى «ميتا» أن الاحتيال أصبح عابراً للمنصات ما يجعل التعاون بين المنصات والبنوك والجهات الحكومية ضرورياً (أدوبي)

قد تبدأ محاولة الاحتيال بإعلان على منصة اجتماعية، ثم تنتقل إلى تطبيق للمراسلة، قبل أن تنتهي بعملية دفع أو تحويل مالي عبر جهة أخرى. وبين هذه المراحل، لا تملك أي شركة منفردة رؤية كاملة لكل ما يحدث منذ بداية العملية وحتى نهايتها.

هذا هو التحدي الذي تضعه شركة «ميتا» في صلب مقاربتها لمكافحة الاحتيال، رغم قولها إنها أزالت أكثر من 159 مليون إعلان احتيالي حول العالم خلال 2025، وحذفت 92 في المائة منها قبل أن يبلغ عنها المستخدمون. كما ألغت الشركة 10.9 مليون حساب على «فيسبوك» و«إنستغرام» مرتبطة بمراكز احتيال إجرامية، وخفّضت معدل الإبلاغ عن الإعلانات الاحتيالية لكل مشاهدة بأكثر من 55 في المائة.

ورغم هذا الحجم من الرصد، تقول الشركة إن المشكلة لا تزال تتطور لأن المحتالين يغيرون أساليبهم باستمرار، ويعملون عبر أكثر من منصة وخدمة، بما يجعل اكتشاف العملية وتعطيلها أصعب على أي جهة تعمل منفردة.

الاحتيال كرحلة متعددة المراحل

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يوضح أنس متولي، رئيس السياسات العامة بدول مجلس التعاون الخليجي في «ميتا»، أن المنصات قد ترى كيف يحاول المحتال الوصول إلى المستخدم، فيما تكون لدى المؤسسات المالية رؤية أكبر عند تنفيذ عملية الدفع أو التحويل. ومن هنا، تصبح مشاركة المعلومات بين المنصات والجهات الحكومية والمؤسسات المالية وأجهزة إنفاذ القانون جزءاً أساسياً من المواجهة.

وفي مارس (آذار) 2026، وقّعت «ميتا» «اتفاق القطاع لمكافحة الاحتيال والنصب عبر الإنترنت» خلال قمة عالمية في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى جانب 10 شركات أخرى، في إطار محاولة ربط الجهات التي ترى أجزاء مختلفة من رحلة الاحتيال.

أنس متولي رئيس السياسات العامة بدول مجلس التعاون الخليجي في «ميتا» (الشركة)

في السعودية: «شيّك قبل تتفاعل»

في السوق السعودية، تقول «ميتا» إن الأنماط التي تراها تعكس التحدي العالمي الأوسع، مع أساليب تشمل انتحال الهوية، والعروض الوهمية، والرسائل التي تدعي الفوز بجوائز، والفرص التي تعد بعوائد مالية غير واقعية. ولا تقدم الشركة أرقاماً منفصلة عن حجم هذه الأنشطة داخل المملكة، لكنها تربط إطلاق حملة «شيّك» بالحاجة إلى رفع قدرة المستخدمين على التعرف إلى العلامات التحذيرية والتوقف للتحقق قبل التفاعل.

وأطلقت «ميتا» الحملة بالتعاون مع الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، بهدف مساعدة المستخدمين في السعودية على التعرف إلى محاولات الاحتيال وتجنبها والإبلاغ عنها. ويرتكز الشعار على سلوك بسيط: «شيّك قبل تتفاعل»، أي التريث والتحقق قبل الضغط على رابط أو مشاركة محتوى أو إرسال معلومات. وخلال فترة الحملة، يشارك 10 صناع محتوى سعوديين في تقديم قصص ونصائح عملية باللغة العربية، في محاولة لجعل التوعية أقرب إلى التجارب اليومية للمستخدمين.

مسؤولية المنصة ووعي المستخدم

لا ترى «ميتا» أن حماية المستخدم تقع بين خياري التقنية أو الوعي. ووفق متولي، تستثمر الشركة في تقنيات الرصد المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحماية الحسابات، وإجراءات الإنفاذ، لكنها تعتبر الوعي طبقة إضافية لأن كثيراً من عمليات الاحتيال تعتمد في النهاية على خلق الإلحاح، واستغلال الثقة، ودفع المستخدم إلى التصرف قبل التحقق.

كما تؤكد الشركة أن تقارير المستخدمين لا تؤدي فقط إلى الإبلاغ عن حالة فردية، بل تساعدها أيضاً على التعرف إلى أساليب احتيال جديدة، ورصد فجوات محتملة في وسائل الحماية، وفهم كيفية تغير تكتيكات المحتالين بشكل أسرع، بما يمكن أن يدعم تحديث أنظمة الحماية والاستجابة.

أدوات حماية داخل التطبيقات

تشمل أدوات الحماية التي تشير إليها «ميتا» تحذيرات «فيسبوك» عند النقر على روابط مصنفة على أنها غير آمنة، وتنبيهات «واتساب» عند محاولة تسجيل الدخول من جهاز غير معروف، وخيار كتم المكالمات من أرقام غير محفوظة. وتشمل الأدوات أيضاً المصادقة الثنائية، ومفاتيح المرور، وفحص الخصوصية، وفحص أمان الحساب، إلى جانب «مركز الحماية من الاحتيال»، الذي يجمع الإبلاغ عن عمليات الاحتيال وإرشادات السلامة.

توسّع «ميتا» التحقق من المعلنين وتستهدف أن يأتي 90 % من إيرادات الإعلانات من معلنين خضعوا للتحقق (أدوبي)

 

كيف سيُقاس نجاح «شيّك»؟

ولم يحدد متولي هدفاً رقمياً معلناً للحملة في رده عن مؤشرات سعودية محددة، مثل انخفاض التعرض لمحاولات الاحتيال أو تراجع الحسابات الاحتيالية أو تغير أنماط الإبلاغ. وذكر أن الهدف الأساسي هو أن يصبح المستخدمون أكثر معرفة بالعلامات التحذيرية، وأكثر ميلاً إلى التوقف والتحقق قبل التفاعل، وأكثر دراية بأدوات السلامة والإبلاغ. وتصف الشركة هذا المسار بأنه جهد طويل الأمد لتعزيز الثقافة الرقمية الآمنة في السعودية.

حدود التعاون الحالي

ورغم أن «ميتا» تعمل عالمياً مع حكومات ومؤسسات مالية وأجهزة إنفاذ القانون وشركاء من القطاع لمواجهة شبكات الاحتيال، فإن حملة «شيّك» في السعودية لا تزال، وفق «ميتا»، مركزة على التوعية والثقافة الرقمية. كما لم تعلن الشركة حتى الآن عن توسيع المبادرة محلياً إلى آليات تشغيلية مباشرة مع البنوك أو شركات الاتصالات أو أجهزة إنفاذ القانون، لكنها تشير إلى أن التعاون عبر المنظومة الأوسع يظل ضرورياً لأن كل جهة ترى مرحلة مختلفة من عملية الاحتيال.

وهنا يبقى التحدي الأهم: إذا كانت محاولة الاحتيال تستطيع الانتقال من إعلان إلى رسالة ثم إلى معاملة مالية في خدمة أخرى، فإن نجاح المواجهة لن يعتمد فقط على قدرة منصة واحدة على حذف إعلان أو إغلاق حساب، بل على سرعة ربط الإشارات بين الجهات المختلفة قبل اكتمال مسار الاحتيال ووصول الخسارة إلى المستخدم.


اليابان تطلق صاروخاً لاستكشاف قمر المريخ

المريخ  (رويترز)
المريخ (رويترز)
TT

اليابان تطلق صاروخاً لاستكشاف قمر المريخ

المريخ  (رويترز)
المريخ (رويترز)

أطلق علماء يابانيون مركبة فضائية غير مأهولة الثلاثاء، في إطار مهمة هي الأولى من نوعها لجمع عينات من أحد أقمار المريخ، مما قد يساعد في كشف أصول النظام الشمسي والحياة على الأرض.

وانطلق الصاروخ الرئيسي H3 الذي يحمل مسبار استكشاف أقمار المريخ غير المأهول (MMX) من مركز تانيغاشيما الفضائي في الساعة 4.41 صباحاً (19.41 بتوقيت غرينتش الاثنين)، وفقاً لبث مباشر من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية.


تحسين محركات البحث التوليدية لمواكبة مستقبل الظهور الرقمي

قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين
قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين
TT

تحسين محركات البحث التوليدية لمواكبة مستقبل الظهور الرقمي

قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين
قد تصبح الشركات التي لا تراعي «تحسين محركات البحث التوليدية» خارج اهتمامات المستخدمين

يشهد المشهد الرقمي العالمي تحولاً تاريخياً وعميقاً في طريقة وصول المستخدمين إلى المعلومات، متجاوزاً بذلك محركات البحث التقليدية التي اعتمدت لعقود على عرض قائمة من الروابط التقليدية. وفي قلب هذا التغيير الجذري يبرز مفهوم جديد كلياً يُعرف بـ«تحسين محركات البحث التوليدية» Generative Engine Optimization GEO الذي يعيد صياغة قواعد تفاعل العلامات التجارية والشركات مع الجمهور المستهدف عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنظمة الذكية المتطورة التي باتت تقود قطاع التقنية.

ويُقصد بـ«تحسين محركات البحث التوليدية» مجموعة الاستراتيجيات والتقنيات المتقدمة الهادفة إلى ضمان ظهور العلامات التجارية والمنتجات والمحتوى الخاص بالشركات داخل الإجابات المباشرة والملخصات الذكية التي تولدها نظم الذكاء الاصطناعي ومحركات البحث المدعومة بالنماذج اللغوية الكبيرة. وبدلاً من توجيه المستخدم لزيارة مواقع متعددة لمقارنة الخيارات والبحث اليدوي، تقوم هذه النظم الحديثة باستخلاص الإجابات الشافية وتقديمها في قالب سردي متكامل ودقيق في رأس نتائج البحث، مما يجعل الوجود ضمن هذا النطاق التوليدي أمراً مصيرياً للمؤسسات الطموحة.

أدوات عديدة لتتبع أداء الشركات ضمن البيئة التوليدية الجديدة

من سباق الترتيب إلى دقة الإجابة

وتكمن الفروقات الجوهرية بين «تحسين محركات البحث» التقليدية Search Engine Optimization SEO و«تحسين محركات البحث التوليدية» في التحول الجذري من الترتيب إلى الإجابة المباشرة؛ فبينما كان التركيز في السابق ينصب حصراً على الكلمات المفتاحية وبناء الروابط الخلفية Backlinks، واستهداف ظهور الموقع في النتائج الأولى لزيادة عدد النقرات والزيارات، يعتمد النهج الحديث على الموثوقية السياقية والعمق المعرفي والقدرة على تقديم إجابات دقيقة تستوعبها خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقتبسها كمرجع موثوق داخل ردودها النهائية للمستخدمين. (Backlinks) روابط تشعبية موجودة في مواقع إلكترونية خارجية تُشير إلى موقع الشركة أو المقال. وتُعد الروابط الخلفية بمثابة شهادة ثقة أو تزكية رقمية من موقع إلى آخر؛ فعندما تقوم مواقع كبرى وموثوقة بالربط مع محتوى شركة ما، تفسر محركات البحث ونظم الذكاء الاصطناعي ذلك على أن المحتوى ذو قيمة عالية وموثوق من قبل المختصين. وفي سياق تحسين محركات البحث التقليدية والتوليدية على حد سواء، تُسهم هذه الروابط في رفع سلطة ومكانة الموقع وتعزيز فرص استشهاد الذكاء الاصطناعي بمصادره).

لماذا تواجه الشركات غير المتوافقة تراجعاً ملحوظاً؟

وتتأثر الشركات والمؤسسات التي تهمل هذا التحول الرقمي الجديد بشكل بالغ، حيث تواجه تراجعاً ملحوظاً ومستمراً بمعدلات الزيارات الطبيعية القادمة من محركات البحث. وعندما يعتاد المستخدمون على الحصول على إجابات شافية ومباشرة ومختصرة من مساعد الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتصفح المواقع الإلكترونية التقليدية، فستفقد الشركات والعلامات التجارية غير الظاهرة ضمن تلك الملخصات الذكية تدريجياً حصتها السوقية لصالح المنافسين الأكثر استباقية وتوافقاً مع المعايير الحديثة.

ويمتد التأثير السلبي لغياب استراتيجيات «تحسين محركات البحث التوليدية» إلى إضعاف الثقة بالعلامة التجارية وتآكل مكانتها الريادية داخل القطاع الصناعي أو التجاري الذي تعمل فيه. ويعطي عدم ظهور اسم الشركة كمرجع أساسي موثوق عند استفسار العملاء المحتملين عن حلول أو خدمات أو منتجات معينة انطباعاً ضمنياً بعدم مواكبة العصر أو غياب الفعالية والابتكار، مما يدفع المستخدمين تلقائياً نحو الخيارات البديلة التي يوصي بها الذكاء الاصطناعي بثقة واطمئنان مطلق.

تسببت نتائج البحث بالذكاء الاصطناعي بظهور مفهوم «تحسين محركات البحث التوليدية»

متطلبات التوافق مع النماذج اللغوية الكبيرة

ويتطلب التكيف الناجح والفعَّال مع تحسين محركات البحث التوليدية إعادة هندسة شاملة واستراتيجية لاستراتيجيات المحتوى الرقمي لتتوافق تماماً مع طبيعة وآليات عمل النماذج اللغوية الكبيرة. ولا يكفي اليوم نشر مقالات تقليدية تحتوي على تكرار نمطي للكلمات المفتاحية، بل يجب التركيز باهتمام بالغ على تقديم محتوى غني بالبيانات الموثوقة والتحليلات المعمقة والإجابات المباشرة والواضحة على الأسئلة المعقدة التي يطرحها المستخدمون عادة بصيغ استفسارية طبيعية وحوارية.

وتحتاج الشركات والمؤسسات إلى تبني هيكلة دقيقة ومتطورة للبيانات وتوفير معلومات واضحة ومهيكلة يسهل على خوارزميات الذكاء الاصطناعي قراءتها وفهم سياقها ودلالاتها بدقة متناهية. ويشمل ذلك استخدام العلامات الدلالية المتقدمة Schema Markup (نصوص برمجية وتوجيهية تضاف إلى الهيكل البرمجي لمواقع الإنترنت لمساعدة محركات البحث ونظم الذكاء الاصطناعي على فهم المعنى السياقي الحقيقي للمحتوى وليس فقط قراءة الكلمات المجردة. ومن خلال هذه العلامات، يمكن للموقع إخبار النظم الذكية بوضوح أن نصاً معيناً يمثل اسم منتج أو تقييماً لعميل أو عنوان شركة أو تاريخ فعالية أو سؤالاً شائعاً مع إجابته. ويُسهّل هذا الفهم الهيكلي الدقيق على النماذج اللغوية الكبيرة استخلاص المعلومات بدقة وعرضها مباشرة للمستخدمين ضمن الإجابات التوليدية) وتنظيم المعلومات المعقدة في جداول وخطوات منطقية متسلسلة وتقديم تعاريف صريحة ومباشرة للمنتجات والخدمات تتيح لأنظمة البحث استخلاصها وإعادة صياغتها بكل سهولة وموثوقية عالية.

وتعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي ومحوري على مصادر متعددة ومتنوعة للتحقق من صحة وقوة المعلومات قبل تقديمها للمستخدم النهائي، مما يجعل بناء شبكة قوية من الإشارات الرقمية الخارجية أمراً بالغ الأهمية. ويعزز وجود الشركة ومنتجاتها وتقييمات عملائها الحقيقيين موزعة بانتظام عبر منصات موثوقة ومواقع إخبارية ومنتديات متخصصة بشكل مضاعف من فرصة استشهاد نظم الذكاء الاصطناعي بها كمصدر أساسي وحصري للإجابة.

وتُعد المصداقية والشفافية والخبرة المباشرة عناصر محورية وأساسية في نجاح استراتيجيات «تحسين محركات البحث التوليدية»، حيث تفضل النماذج اللغوية الكبيرة دائماً المصادر التي يقف خلفها خبراء معتمدون ومتخصصون حقيقيون في مجالاتهم. وينبغي على الشركات إبراز هويات كُتّاب المحتوى والمراجعين والمتخصصين وربط المحتوى الرقمي بسجلات مهنية وأكاديمية واضحة لضمان تصنيف المواد المقدمة ضمن الفئات ذات الموثوقية العالية التي تثق بها خوارزميات البحث التوليدي ثقة عمياء.

قياس الأداء وتسهيل مهام روبوتات الفهرسة الذكيةويستدعي التعامل مع هذا التحول التقني الهائل مراقبة مستمرة ودورية لأداء العلامة التجارية داخل بيئات البحث التوليدي المختلفة، نظراً لاختلاف معايير وطرق عمل وتفضيلات كل نموذج ذكاء اصطناعي عن الآخر. ويتطلب ذلك تطوير أدوات تحليل بيانات متقدمة تقيس بدقة معدل الظهور والدقة السياقية والنبرة الإيجابية التي تُذكر بها الشركة، مما يتيح للفرق المعنية تعديل استراتيجيات المحتوى وتصحيح أي فجوات معرفية أو قصور تسويقي باستمرار.

ولتجربة المستخدم العامة وسرعة وسهولة الوصول إلى المعلومات دور غير مباشر، ولكنه حاسم وفعَّال في دعم جهود تحسين محركات البحث التوليدية؛ فعندما تقوم روبوتات الفهرسة التابعة للذكاء الاصطناعي بمسح المواقع الإلكترونية، فإن الهيكل البرمجي النظيف وسرعة التحميل الفائقة والتصميم المتوافق كلياً مع الأجهزة الذكية يسهل عملية استهلاك البيانات وفهمها وإعادة إنتاجها بكفاءة عالية ضمن النتائج النهائية المقدمة للجمهور.

وتتضمن استراتيجيات «تحسين محركات البحث التوليدية» الناجحة والمجربة أيضاً استهداف الكلمات الدلالية طويلة الذيل Long-tail Keywords والأسئلة الحوارية المعقدة التي يميل المستخدمون إلى طرحها عند التعامل المباشر مع المساعدين الذكيين. (الكلمات الدلالية طويلة الذيل: عبارات بحثية أو كلمات مفتاحية تتكون عادة من ثلاث كلمات أو أكثر، تتميز بكونها أكثر تحديداً وتخصصاً مقارنة بالكلمات المفتاحية العامة القصيرة. وعلى سبيل المثال، بدلاً من أن يبحث المستخدم عن كلمة «هاتف»، فإنه قد يكتب عبارة مثل «أفضل هاتف ذكي للتصوير الليلي بسعر مناسب». وعلى الرغم من أن عدد الباحثين باستخدام هذه العبارات الطويلة يكون أقل نسبياً، فإنها تتميز بمعدلات تحويل عالية جداً لأنها تعبر بدقة شديدة عن نية المستخدم وحاجته المحددة، مما يجعل استهدافها أمراً بالغ الأهمية في استراتيجيات المحتوى الحديثة والبحث التوليدي).

وتركز هذه الأسئلة عادة على المقارنات الدقيقة والمعقدة والسيناريوهات المخصصة للاستخدام وتفاصيل الأداء العملي، وهو ما يجب أن تغطيه وتناقشه بانتظام مقالات المدونات المتخصصة ودراسات الحالة المفصلة والتقارير التقنية المعمقة التي تنشرها الشركات. ويتعين على الإدارات التنفيذية وصناع القرار في الشركات إدراك أن الاستثمار المالي والتشغيلي في تحسين محركات البحث التوليدية لم يعد مجرد رفاهية تقنية عابرة، بل أصبح ضرورة تنافسية ملحة تضمن الاستدامة والنمو والبقاء في السوق. ويتطلب الأمر تخصيص ميزانيات كافية وفرق عمل محترفة ومتخصصة تجمع بمهارة بين الخبرة العميقة في التسويق الرقمي وعلوم البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتصميم حملات محتوى متكاملة تستبق توجهات السوق وتلبي تطلعات المستهلكين المعاصرين بدقة.

ويمثل الانتقال المتسارع نحو عصر «تحسين محركات البحث التوليدية» محطة تحول كبرى تعيد رسم ملامح التسويق الرقمي وبناء الوعي بالعلامات التجارية لسنوات قادمة. وستضمن الشركات والمؤسسات التي تبادر اليوم وقبل غيرها إلى تبني هذه المعايير الحديثة وتطوير محتواها المعرفي وتعزيز حضورها السياقي داخل منظومات الذكاء الاصطناعي لنفسها مكانة ريادية مستدامة ومتفوقة، بينما يخاطر المترددون بالبقاء خارج دائرة اهتمام وتوصيات المستهلك الرقمي الحديث.

أبرز أدوات تحسين محركات البحث التوليدية وقدراتهاوتوجد حلول برمجية متخصصة تساعد المؤسسات والشركات على قياس مدى ظهورها وتتبع أدائها ضمن هذه البيئات التوليدية الجديدة. وتوفر هذه المنصات الحديثة رؤى دقيقة وقدرات متقدمة لمراقبة حضور العلامات التجارية وتحسين استراتيجيات المحتوى التوليدي بفاعلية. ونذكر فيما يلي خمس أدوات رائدة وقدراتها الأساسية:

* «بروفاواد إيه آي» Profound AI:

- الوصف والقدرات: صُممت خصيصاً للشركات الناشئة في مجال البرمجيات، حيث تدمج بين مجموعات بيانات تحسين محركات البحث التقليدية وأبحاث المنافسين مع تتبع رؤية الذكاء الاصطناعي عبر محركات متعددة مثل «تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي و«جيمناي» و«كلود».

- الفوائد: تتميز بوجود «مستكشف التحويل» الذي يكشف تلقائياً عن الاستفسارات المهمة استناداً إلى تدقيق كامل للموقع، مما يريح الفرق من إدخال الاستفسارات يدوياً، إلى جانب تقديم استخبارات تنافسية عميقة.

* أداة «سكرانش» Scrunch:

- الوصف والقدرات: منصة تحليلات وتحسين محركات بحث توليدية تركز على كيفية وصف نظم الذكاء الاصطناعي والتوصية بالعلامات التجارية عبر أنظمة مثل «تشات جي بي تي» و«بيربليكسيتي» و«جيمناي».

- الفوائد: تتجاوز التقارير السلبية من خلال دمج المراقبة والرؤى مع توصيات تحسين المحتوى القابلة للتنفيذ ومنصة تجربة الوكلاء لمساعدة فرق النمو الناضجة على تحسين تمركزها.

* «بيك إيه آي» Peec AI:

- الوصف والقدرات: منصة متخصصة مصممة لمساعدة شركات البرمجيات الناشئة على تتبع وتحسين ظهورها داخل منصات النماذج اللغوية الكبيرة.

- الفوائد: توفر سهولة استخدام فورية من خلال الإعداد التلقائي، حيث تُنشئ تقريراً مجانياً لرؤية الذكاء الاصطناعي عند إدخال رابط الموقع وتقدم درجات وضوح واضحة وتحليلات للإشارات ومصفوفات مقارنة المنافسين.

* أداة «سيمروش» Semrush:

- الوصف والقدرات: امتداد للبنية التحتية التقليدية لتحسين محركات البحث تدمج وحدات تتبع بحث ذكي مخصصة لمراقبة أداء محركات البحث التوليدية.

- الفوائد: تتيح للشركات تتبع حصتها في السوق وإشارات العلامة التجارية بشكل مباشر عبر محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى جانب مقاييس البحث التقليدية.

* أداة «أثينا إتش كيو» AthenaHQ:

- الوصف والقدرات: أداة تستهدف تتبع التحسين التوليدي صُممت لمراقبة حضور العلامة التجارية وتكرار الاستشهادات ودقة السرد داخل استجابات البحث المولدة بالذكاء الاصطناعي.

- الفوائد: توفر لفرق النمو والتسويق رؤى دقيقة حول مدى تكرار وفضل الاستشهاد بعلامتهم التجارية عندما تقوم النماذج اللغوية الكبيرة بإعداد الإجابات للمشترين المحتملين.