«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: المؤسسات المتوسطة أكثر انكشافاً أمام مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي الأمنية

سلاسل مهارات خفية وحقن للتعليمات قد تمنح المهاجمين مساراً إلى البيانات والأنظمة الداخلية

خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)
خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)
TT

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: المؤسسات المتوسطة أكثر انكشافاً أمام مخاطر وكلاء الذكاء الاصطناعي الأمنية

خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)
خبراء: يجب مراقبة سير عمل الوكيل كاملاً بما يشمل البيانات وحركة الشبكة والأوامر والملفات التي يصل إليها والمكونات التي ينزّلها (أدوبي)

لم يعد الخطر المرتبط بوكلاء الذكاء الاصطناعي يقتصر على نموذج ينتج إجابة خاطئة أو ينفذ أمراً غير دقيق، بل يمتد إلى منظومة من المهارات والملحقات والخوادم الخارجية والأوامر المتسلسلة التي قد تمنح المهاجم طريقاً إلى البيانات والأنظمة الداخلية. ومع انتقال الشركات من استخدام الذكاء الاصطناعي في مهام محدودة إلى وكلاء قادرين على الوصول إلى البريد الإلكتروني وقواعد البيانات وبيئات التطوير، تصبح مراقبة ما يفعله الوكيل أهم من الاكتفاء بفحص التعليمات التي تلقاها.

يقول سيرجي لوزكين، رئيس فريق البحث والتحليل العالمي في منطقتي آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا لدى «كاسبرسكي» إن التمييز بين السلوك الطبيعي للوكيل والسلوك الناتج عن التلاعب أصبح أكثر تعقيداً. ففي المراحل الأولى، كانت المهارات الخبيثة تتضمن أوامر مباشرة تطلب من الوكيل تجاوز تعليماته السابقة أو تنفيذ أمر ضار، وهو ما جعل اكتشافها أسهل. أما اليوم، فقد انتقلت الهجمات إلى سلاسل متعددة المراحل تبدو فيها كل خطوة منفردة مشروعة، بينما لا يظهر الجزء الخبيث إلا في مرحلة لاحقة.

سيرجي لوزكين رئيس فريق البحث والتحليل العالمي في آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا- «كاسبرسكي» (الشرق الأوسط)

مهارة سليمة تقود إلى أخرى خبيثة

يشرح لوزكين خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «كاسبرسكي للأمن السيبراني» لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، الذي عُقد في تبليسي عاصمة جورجيا أن الموظف أو مسؤول الأمن قد يفتح مهارة جرى تنزيلها لوكيل ذكي ويفحصها من دون أن يجد فيها ما يثير الشك. وقد تكون وظيفتها الظاهرة الاتصال بخدمة سحابية مشروعة لتنزيل مهارة ثانية، ثم تطلب المهارة التالية الانتظار لفترة أو الاتصال بموقع آخر في توقيت محدد، قبل أن تصل السلسلة أخيراً إلى المكون الخبيث.

وتكمن صعوبة هذا النوع من الهجمات في أن المكونات الأولى لا تحتاج إلى احتواء تعليمات ضارة واضحة. فقد تعمل كل واحدة منها بوصفها حلقة في سلسلة، بينما توزّع الوظيفة الخبيثة بين عدة مهارات أو مصادر. ويعد لوزكين أن المخططات أصبحت «أكثر تطوراً»، وإن فحص مهارة واحدة بمعزل عن سياقها لا يكفي للحكم على سلامة العملية بأكملها.

وقد لا يبقى المكون الخبيث متاحاً لفترة طويلة حيث يمكن في بعض السيناريوهات إدخاله إلى السلسلة لبضع ساعات فقط، ثم إزالته أو استبداله قبل أن يبدأ التحقيق. ويصعّب ذلك الاعتماد على الفحص اللاحق للمستودع أو الرابط، لأن النسخة التي يراجعها المحقق قد لا تكون هي نفسها التي تعامل معها الوكيل وقت وقوع الحادث.

ولهذا يضع لوزكين الثقة في مصدر المهارات ضمن أول خطوط الدفاع. فالشركات التي تعتمد مستودعات موثوقة وخوادم «MCP» معروفة، ويفضل أن تكون مقدمة من الشركة المطورة للنظام أو من جهة خضعت للمراجعة، تقلل احتمال إدخال مكونات ضارة إلى بيئتها.

ويقارن لوزكين بين المهارات البرمجية الخاصة بالوكلاء والبرامج التقليدية التي يجري تنزيلها من الإنترنت. ويقول إن الموقف الأمني يجب أن يكون متشابهاً: «إذا كنت تنزل برنامجاً من موقع غير موثوق وتقوم بتشغيله، فقد يحتوي على برمجيات خبيثة. وينبغي التعامل مع مهارات الوكلاء بالطريقة نفسها».

قد تقود مهارة تبدو سليمة إلى مكونات خبيثة مؤقتة ما يجعل فحص كل مهارة منفردة غير كافٍ لاكتشاف الهجوم (شاترستوك)

مراقبة سير العمل كاملاً

لا يرى لوزكين أن حماية الوكلاء يمكن أن تعتمد فقط على تحليل التعليمات النصية أو البحث عن توقيعات معروفة، لأن الهجوم قد يُبنى من خطوات تبدو طبيعية عند النظر إليها منفردة. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى مراقبة دورة عمل الوكيل بالكامل من خلال أدوات خارجية تتابع البيانات التي يرسلها ويستقبلها، والمصادر التي يتصل بها، والأوامر التي ينفذها، والملفات التي يحاول الوصول إليها.

ويذكر أن «كل خطوة، وكل جزء من البيانات، وكل حركة مرور، وكل أمر يُنفذ يجب أن يخضع للمراقبة». ويشبّه هذه الآلية بعمل برامج مكافحة الفيروسات التي تراقب تدفق تنفيذ البرنامج، لكنها تطبق هنا على كامل مسار عمل الوكيل الذكي.

وتستطيع أدوات أمن الشبكات والنقاط الطرفية والذاكرة الموجودة حالياً رصد جانب من السلوك الخبيث، بحسب لوزكين، حتى لو لم تكن مصممة في الأصل للوكلاء. لكنها تحتاج إلى تعديل إعداداتها ونطاق رؤيتها حتى تفهم العلاقات بين الأدوات التي يستخدمها الوكيل، والمهارات التي يستدعيها، والبيانات التي يتبادلها مع وكلاء آخرين.

ويرى أن تكييف الأدوات الحالية لمراقبة الوكلاء ليس تحولاً تقنياً مستحيلاً أو إعادة بناء كاملة للبنية الأمنية، بل تطوير لنطاق الرؤية والقواعد المستخدمة. فالسلوك الخبيث يظل قابلاً للرصد عندما يحاول الوكيل الوصول إلى ملفات غير معتادة، أو قراءة بيانات اعتماد، أو إرسال معلومات إلى وجهة خارجية.

ومع ذلك، يصبح الحل الأكثر فاعلية هو تخصيص طبقة المراقبة لتتبع السلوك الوكيلي بوصفه سلسلة مترابطة، لا مجموعة عمليات منفصلة. كما يتطلب التعامل مع المكونات قصيرة العمر الاحتفاظ بسجلات دقيقة للنسخ التي جرى تنزيلها، ومصدرها، وتوقيت تشغيلها، والتغيرات التي طرأت عليها.

تطورت هجمات وكلاء الذكاء الاصطناعي من تعليمات خبيثة مباشرة إلى سلاسل متعددة المراحل لا يظهر ضررها إلا في مرحلة متأخرة (أدوبي)

العزل بدلاً من الموافقة

يثير انتشار الوكلاء المستقلين سؤالاً عملياً: هل يجب أن يوافق الموظف على كل مهارة أو أمر قبل تشغيله؟ يشرح لوزكين أن هذا النموذج يصعب تطبيقه عندما تعمل عشرات الوكلاء في وقت واحد، وتتبادل البيانات وتكتب الشيفرات وتنفذ المهام بسرعة تفوق قدرة الإنسان على مراجعة كل خطوة.

وفي بيئات التطوير الآلية، قد يعمل عدد كبير من الوكلاء بصورة متزامنة، فيبني أحدهم الشيفرة، ويختبرها آخر، ويتولى ثالث الوصول إلى أدوات أو بيانات إضافية. ويقول لوزكين إن إجبار الموظف على مراجعة كل أمر والضغط المتكرر على زر الموافقة سيبطئ العملية إلى درجة تلغي جانباً كبيراً من الفائدة التي توفرها الأتمتة.

ولهذا تصبح بيئة التشغيل المعزولة أكثر واقعية من الرقابة اليدوية المستمرة. ويقترح تشغيل الوكلاء، خصوصاً في مجالات مثل تطوير البرمجيات، داخل بيئات معزولة أو صناديق رملية لا تمنحهم إلا وصولاً محدوداً إلى الذاكرة والملفات والأنظمة.

وحتى إذا تعرض الوكيل للاختراق، يبقى محصوراً داخل ما وصفه لوزكين بـ«فقاعة معزولة»، فلا يستطيع الانتقال إلى بقية الشبكة أو جمع كامل البيانات الموجودة على الجهاز. ولا يحل العزل محل المراقبة، لكنه يقلل حجم الضرر المحتمل، لأن البيئة تُبنى على احتمال تعرض الوكيل للتلاعب، لا على افتراض بقائه آمناً دائماً.

صلاحيات أقل

تبدأ حماية الوكيل، وفق لوزكين، من سياسة واضحة للبيانات، وليس فقط من أداة تقنية. ويتعين على كل مؤسسة تحديد المعلومات التي يمكن للوكيل الوصول إليها، والبيانات التي لا ينبغي مشاركتها معه تحت أي ظرف. ويقدم مثالاً من بيئات تطوير البرمجيات، حيث قد تسمح الشركة للوكيل بالوصول إلى أجزاء محددة من الشيفرة، لكنها تمنعه من الاطلاع على المكونات الأكثر حساسية أو على المستودع بالكامل. ويقول إن المؤسسة يجب أن تسأل نفسها مسبقاً: ما المعلومات التي تستطيع تحمل تسربها، وما المعلومات التي يجب ألا تتسرب مطلقاً؟

ويضيف: «إذا كنت لا أريد لهذه المعلومات أن تتسرب أبداً، فلا ينبغي أن أسمح للوكيل بالوصول إليها». ويعني ذلك أن تطبيق مبدأ أقل قدر من الصلاحيات يصبح أكثر تشدداً عند التعامل مع الوكلاء، لأن الوكيل قد يجمع بين مصادر متعددة ويعيد تركيبها أو يرسلها إلى خدمة خارجية.

ويشير لوزكين إلى أن «كاسبرسكي» تطبق هذا الأسلوب عند استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوات الداخلية. فالوكيل الذي يمتلك اتصالاً خارجياً لا يُمنح وصولاً عاماً إلى جميع الرسائل أو المواعيد أو الشيفرات، بل إلى نطاق محدد من البيانات اللازمة للمهمة.

تواجه المؤسسات المتوسطة مخاطر أكبر لأنها تجمع بين امتلاك بيانات وأنظمة مهمة وسرعة تبني الوكلاء وموارد أمنية أقل من الشركات الكبرى (الشركة)

التسميم عبر البريد والوثائق

لا يحتاج المهاجم دائماً إلى اختراق النموذج الأساسي أو جهاز المستخدم مباشرة. فقد يستطيع التأثير في الوكيل من خلال بريد إلكتروني أو مستند أو محتوى يحتوي على تعليمات خفية أو مضللة.

ويفيد لوزكين بأن هجمات حقن التعليمات نجحت بالفعل في بعض الحالات، لكن النماذج السحابية الكبيرة المقدمة من الشركات الرئيسية أصبحت أكثر قدرة على التعرف على محاولات التلاعب. ومع ذلك، يبقى الخطر أكبر عند استخدام وكلاء محليين أو نماذج أقل تقييداً، حيث قد تستمر أساليب حقن التعليمات في العمل بفاعلية أعلى.

ولا يقتصر الخطر على المحتوى المباشر. فإذا كان الوكيل يقرأ بريداً أو مستنداً ثم يرسل خلاصته إلى وكيل آخر يمتلك صلاحيات تنفيذية، فقد تنتقل التعليمات الخبيثة عبر عدة طبقات قبل أن تظهر النتيجة. ولهذا لا تكفي حماية النموذج وحده، بل يجب مراقبة مصدر البيانات ومسار انتقالها والجهة التي سمحت للوكيل بتنفيذ الأمر.

هجمات سلسلة التوريد

يُعد اختراق سلسلة التوريد من أكثر السيناريوهات تعقيداً، لأن المهاجم لا يحتاج إلى إقناع المؤسسة بتنزيل مهارة مجهولة. وبدلاً من ذلك، قد يستهدف مستودعاً أو مكوناً كانت الشركة تثق به سابقاً، ثم يستبدل المهارة الأصلية بنسخة خبيثة.

وفي هذه الحالة، سيستمر النظام الداخلي في التعامل مع المهارة باعتبارها موثوقة، رغم أن سلوكها تغير. ويلفت لوزكين إلى أن مراقبة تدفق التنفيذ تستطيع كشف هذا التحول عندما يبدأ المكون في تنفيذ إجراءات لم يكن ينفذها من قبل، مثل الوصول إلى ملفات مفاتيح التشفير أو كلمات المرور أو مناطق حساسة في النظام.

ولا تعتمد الحماية هنا على السمعة السابقة للمكون فقط. فالثقة التاريخية لا تضمن سلامة النسخة الحالية، ولذلك يجب أن تخضع المهارات الموثوقة نفسها للمراقبة المستمرة، مع إطلاق تنبيه عند ظهور تغير في نمط عملها. وتزداد صعوبة التحقيق عندما يُفعّل المهاجم النسخة الخبيثة لفترة محدودة، ثم يعيد المستودع إلى حالته السابقة. وهنا تصبح سجلات التنفيذ وحفظ النسخ والتوقيتات أكثر أهمية من فحص المصدر بعد انتهاء الهجوم.

يعد تشغيل الوكلاء داخل بيئات معزولة وتقييد صلاحياتهم أكثر واقعية من مطالبة البشر بالموافقة على كل خطوة ينفذونها (غيتي)

استجابة لا تبدأ من الصفر

لا يعتقد لوزكين أن ظهور الوكلاء يتطلب التخلص من منهجيات الاستجابة للحوادث التي طورتها المؤسسات على مدى سنوات. فالتحقيق الجنائي الرقمي، وتحليل الشبكات، ومراجعة حركة البيانات، وعزل الأنظمة المتأثرة، تظل عناصر أساسية. لكن هذه المنهجيات تحتاج إلى التكيف مع طبيعة سير العمل الوكيلي، بما يشمل تتبع التواصل بين عدة وكلاء، ومعرفة البيانات التي تبادلوها، وتحديد المهارة أو الخادم الخارجي الذي بدأ منه السلوك غير الطبيعي. ويقول إن التغيير المطلوب يتعلق في جانب كبير منه بالسياسات: ما الذي يجب مراقبته؟ وأي أجزاء من سير العمل تحتاج إلى تسجيل؟ ومتى يتحول السلوك إلى حادث يستوجب العزل؟ ومن يملك صلاحية إيقاف الوكيل؟ وفي بيئات التطوير، قد يتطلب التحقيق مراجعة الأوامر التي أنشأها الوكيل، والمصادر التي جلب منها الشيفرة، والمكونات التي أضافها إلى المشروع، وليس فقط فحص الملف التنفيذي النهائي.

الأمن يأتي بعد التوسع

يرى لوزكين أن المؤسسات في السعودية والخليج تتوسع بسرعة في الانتقال من التجارب المحدودة إلى وكلاء متصلين بالأنظمة الداخلية والسحابية، لكن القدرات الأمنية لا تتطور دائماً بالوتيرة نفسها.

ويعتبر أن الشركات تلاحظ الزيادة السريعة في الإنتاجية، فتندفع إلى نشر الوكلاء أولاً، على أن تضيف الحماية في مرحلة لاحقة. ويصف هذا الترتيب بأنه خطر، مؤكداً أن النهج الصحيح يجب أن يبدأ بوضع الضوابط الأمنية قبل الانتقال إلى الاستخدام الواسع.

ويصرح بأن النمط الذي يراه في عدد من المؤسسات هو: «لنبدأ باستخدام الوكلاء، ثم نعود لاحقاً إلى الأمن». ويشير إلى أن هذه الأولوية المعكوسة قد تترك الوكلاء متصلين ببيانات وأنظمة حساسة قبل وضع حدود واضحة لصلاحياتهم أو مراقبة نشاطهم.

وبرأي لوزكين، لا ينطبق مستوى المخاطر بالطريقة نفسها على جميع المؤسسات. فالشركات الكبرى غالباً ما تضع الأمن ضمن المراحل الأولى بسبب طبيعة عملياتها وحجم المخاطر التنظيمية والمالية، بينما قد تكون المؤسسات المتوسطة أكثر تعرضاً.

تظل أدوات أمن الشبكات والنقاط الطرفية قادرة على رصد السلوك الخبيث لكنها تحتاج إلى التكيف مع طبيعة عمل الوكلاء المترابطة (رويترز)

المؤسسات المتوسطة

يفصل لوزكين بين أوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. فالشركات الصغيرة قد تمتلك عدداً أقل من الأنظمة والبيانات والبنى المعقدة، بينما تملك الشركات الكبرى فرقاً أمنية وإجراءات أكثر صرامة ومراحل موافقة أبطأ قبل نشر التقنيات الجديدة.

أما المؤسسات المتوسطة، فتقع بين الطرفين. فهي تملك أنظمة وبيانات وأصولاً رقمية مهمة، وتستخدم أدوات حماية متعددة، لكنها قد لا تمتلك الحجم نفسه من فرق الأمن والحوكمة الموجودة لدى الشركات الكبرى. وفي الوقت ذاته، تواجه ضغطاً أكبر لتسريع الأعمال وتحقيق نتائج سريعة.

ويقول لوزكين إن هذه المؤسسات تميل إلى وضع «الأعمال أولاً»، ثم معالجة الأمن في مرحلة لاحقة، ما يجعلها أكثر عرضة لاستغلال الوكلاء والمهارات الخبيثة. ولا يعني ذلك أن المؤسسات الكبيرة محصنة أو أن الشركات الصغيرة غير مستهدفة، بل إن الجمع بين حجم الأصول وسرعة التبني ونقص الموارد المتخصصة يرفع مستوى المخاطر لدى الفئة المتوسطة.

وعندما سؤاله عن القطاعات الأكثر تعرضاً، يشير إلى تطوير البرمجيات بوصفه مجالاً بارزاً، لأن الوكلاء فيه قد يحصلون على صلاحيات لكتابة الشيفرات وتشغيل الأوامر والاتصال بالمستودعات والأدوات الخارجية.

السعودية وحماية البيانات الحساسة

يبدي لوزكين ثقة في مستوى الاهتمام الأمني داخل القطاعات السعودية المنظمة، لكنه يؤكد أنه لا يملك تفاصيل عن الضوابط الداخلية، نظراً إلى طبيعتها السرية. ويقول إن السعودية «جيدة جداً في حماية البيانات»، وإن الجهات المسؤولة عن إدخال وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة الحكومية يرجح أنها تدرس الجوانب الأمنية بالتوازي مع الاستخدام. لكنه لا يقدم حكماً تفصيلياً على إجراءات بعينها، مشيراً إلى أن تلك المعلومات لا تكون متاحة علناً. وتبقى القضية الأساسية بالنسبة إلى الجهات الحكومية والشركات المنظمة هي تحديد الحدود قبل منح الوكيل صلاحية الوصول إلى السجلات المالية أو البيانات الحكومية أو الأنظمة الحساسة. ويشمل ذلك العزل، وتقييد الصلاحيات، ومراقبة السلوك، واعتماد مصادر موثوقة للمهارات، ووضع خطة للاستجابة عند ظهور تغير في نشاط الوكيل.

من الاستطلاع إلى التصيد والاختراق

يصف لوزكين سيناريو يمكن فيه لوكيل هجومي تنفيذ مراحل متعددة كانت تحتاج سابقاً إلى فرق مختلفة. فقد يبدأ بجمع معلومات عن الشركة من المصادر المفتوحة، وتحليل حسابات الموظفين على «لينكدإن»، وتحديد الأشخاص المؤثرين في أقسام الموارد البشرية والهندسة والإدارة العليا.

بعد ذلك، يستطيع الوكيل بناء رسائل تصيد مخصصة لكل شخص، أو إنشاء حساب مزيف ينتحل شخصية الرئيس التنفيذي ويوجه تعليمات إلى الموظفين، ثم استخدام البيانات التي يحصل عليها لإطلاق محاولة اختراق أكثر تقدماً. وقد تنتقل النتائج تلقائياً إلى وكيل آخر مخصص لاختبار الاختراق، لينفذ المرحلة التقنية من الهجوم. وهكذا يستطيع المهاجم ربط جمع المعلومات والهندسة الاجتماعية وسرقة بيانات الاعتماد ومحاولة الاختراق داخل سير عمل آلي واحد.

وفي سيناريو آخر، قد يركز المهاجم على المستودعات التي تعتمد عليها الشركة، ثم يستبدل مهارة موثوقة بمهارة ضارة ضمن هجوم على سلسلة التوريد. وهنا لا تبدو نقطة الدخول غريبة للنظام، لأن المكون يأتي من المصدر نفسه الذي اعتاد استخدامه. وتكشف هذه السيناريوهات أن الخطر لا يرتبط بذكاء الوكيل وحده، بل بسرعة جمعه للمعلومات، وقدرته على تنسيق عدة خطوات، والعمل بصورة مستمرة من دون انتظار تدخل بشري. ولهذا تنتقل الحماية من فحص ملف أو رسالة منفردة إلى متابعة سلسلة كاملة من القرارات والاتصالات والصلاحيات.

وفي بيئة ينتشر فيها الوكلاء بصورة متزايدة، يصبح السؤال الأمني الأساسي ليس فقط ما إذا كان الوكيل موثوقاً عند تشغيله، بل ما إذا كانت المؤسسة تستطيع معرفة كل ما فعله، والبيانات التي لمسها، والمكونات التي استدعاها، والحد الذي لا يستطيع تجاوزه حتى إذا تعرض للاختراق.


مقالات ذات صلة

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تكنولوجيا شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

تعهَّدت شركات تكنولوجية رائدة بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

يكشف اختراق «بينانس» كيف قد يتحول وصول داخلي إلى معاملات موقعة عبر محافظ متعددة مع تجميد أصول بمليارات الدولارات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد استراتيجية «احصد الآن وفكّ التشفير لاحقاً» على تخزين البيانات المشفّرة انتظاراً لقدرات حوسبة أقوى مستقبلاً (أدوبي)

خاص خطر مؤجّل: الحوسبة الكمومية قد تفكّ تشفير بيانات مسروقة بعد سنوات

يحذّر خبراء من سرقة بيانات حساسة اليوم والاحتفاظ بها انتظاراً لقدرات كمومية مستقبلية قد تتمكن من فك تشفيرها بعد سنوات.

نسيم رمضان (بالي (إندونيسيا))
صحتك العملية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تستغرق في المستقبل بضعة أيام فقط (رويترز)

لأول مرة... حقن مريض بفيروس صممه الذكاء الاصطناعي لمكافحة عدوى خطيرة

نجح علماء، للمرة الأولى، في إعطاء مريض بشري فيروساً صُمم باستخدام الذكاء الاصطناعي، في محاولة لمكافحة عدوى بكتيرية لم تعد تستجيب للمضادات الحيوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا يمكن للجهاز التقاط الصور ورش الأدوية وأخذ عينات من الأنسجة وإزالة بعض السلائل الصغيرة أثناء الفحص (الجامعة)

مستوحاة من الأفاعي... روبوت مرن قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وعلاجها

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً مرناً مستوحى من الأفاعي قد يسهّل فحص الأمعاء الدقيقة وتشخيص اضطراباتها وتنفيذ بعض الإجراءات العلاجية

نسيم رمضان (لندن)

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
TT

جيش إلكتروني عابر للحدود... ما سر قوة قراصنة كوريا الشمالية؟

خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)
خبراء يشيرون إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي (رويترز)

خلصت ثلاث شركات متخصصة في تحليل بيانات سلاسل الكتل (البلوك تشين) إلى أن عملية الاختراق الأخيرة التي استهدفت منصة «باينانس» كانت من تنفيذ قراصنة مدعومين من الدولة الكورية الشمالية، في وقت لا تزال فيه التحقيقات الرسمية في الحادثة جارية، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

وشهد يوم الخميس سرقة ما لا يقل عن ملياري دولار أميركي من محافظ منصة «باينانس»، في عملية يُعتقد أنها أكبر هجوم إلكتروني يستهدف منصة لتداول العملات الرقمية في العالم.

ورغم أن منصة «باينانس» والجهات الحكومية لم تستكملا تحقيقاتهما بعد، فإن ثلاث جهات متخصصة في أمن سلاسل الكتل، هي «تي آر إم لابس» (TRM Labs) و«تشيناليسيس» (Chainalysis) و«زاك إكس بي تي» (ZachXBT)، أشارت إلى تورط قراصنة مرتبطين ببيونغ يانغ في تنفيذ الهجوم.

وكشفت التحقيقات الأولية أن أحد المخترقين تمكن من إجراء معاملات غير مصرح بها، بعدما وصل إلى حاسوب محمول تعرض للاختراق، ويعود إلى أحد مهندسي منصة «باينانس» (Binance).

وتأتي هذه الحادثة بعد عملية اختراق استهدفت منصة «باي بيت» (Bybit) عام 2025، وتمكن خلالها قراصنة من كوريا الشمالية من سرقة مبلغ قياسي بلغ 1.5 مليار دولار.

ويرى خبراء أن أحد أبرز أسباب نجاح كوريا الشمالية في تنفيذ هجماتها السيبرانية يتمثل في اعتماد بيونغ يانغ، إلى حد كبير، على عناصر تعمل من خارج البلاد.

وذكرت شركة «تي آر إم لابس» في تقرير أصدرته يوم الجمعة أنه يمكن القول «بدرجة عالية من الثقة» إن الهجوم الأخير على منصة «باينانس» نفذته وحدة القرصنة الكورية الشمالية «تريدر ترايتر» (TraderTraitor)، المرتبطة بمجموعة «لازاروس» (Lazarus Group) المعروفة بهجماتها الإلكترونية.

وأوضحت الشركة أن تقييمها يستند إلى «معلومات استخباراتية قوية»، تشمل بيانات مستمدة من المعاملات المسجلة على سلاسل الكتل (On-chain)، إلى جانب معلومات من مصادر خارج هذه السلاسل (Off-chain).

بدوره، قال جوني ليفين، المسؤول في شركة «تشيناليسيس» المتخصصة في أمن سلاسل الكتل، إن عملية الاختراق «على الأرجح من تنفيذ المجموعة الكورية الشمالية (تريدر ترايتر)».

من الهجمات التخريبية إلى سرقة المليارات

يشير خبراء الأمن السيبراني إلى أن نهج كوريا الشمالية في شن الهجمات الإلكترونية شهد تحولاً جذرياً خلال العقد الماضي.

فبعدما كانت عملياتها تركز على التعطيل وإحداث الاضطرابات، كما حدث في الهجوم على شركة «سوني بيكتشرز» عام 2014، تحولت إلى استهداف محافظ العملات المشفرة والبنوك المركزية بهدف سرقة مبالغ مالية ضخمة.

وأظهر القراصنة الكوريون الشماليون قدرات متزايدة على اختراق الأنظمة المالية خارج البلاد، وتحويل الأموال المسروقة لتمويل برنامج بيونغ يانغ للأسلحة النووية.

وحذّرت وزارة الخارجية اليابانية، في تقرير صدر العام الماضي، من أن القدرات السيبرانية لبيونغ يانغ توسعت في ظل حكم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، لتتحول إلى «برنامج وطني متكامل» يتمتع بمستوى عالٍ من التطور، «يقترب من البرامج السيبرانية لكل من الصين وروسيا».

لماذا يعمل قراصنة كوريا الشمالية من الخارج؟

نظراً إلى القيود الشديدة المفروضة على الوصول إلى شبكة الإنترنت العالمية داخل كوريا الشمالية، فإن عمل قراصنتها انطلاقاً من دول مثل الصين وروسيا يتيح لهم الاستفادة من بنية تحتية رقمية أكثر تطوراً.

كما يوفر لهم استخدام عناوين بروتوكول إنترنت (IP) أجنبية غطاءً يساعد على إخفاء مواقعهم الحقيقية، ويجعل تعقب مصدر الهجمات السيبرانية أكثر صعوبة.

وذكرت وزارة الخارجية اليابانية، في أحد تقاريرها، أن عمليات القرصنة التي تنفذها كوريا الشمالية على مستوى العالم غالباً ما تُسهَّل عبر «شبكات تضم مواطنين كوريين شماليين في الخارج ومتواطئين أجانب».

ولا تقتصر أهمية وجود هؤلاء القراصنة خارج البلاد على تسهيل تنفيذ الهجمات وإخفاء مصادرها، بل تمتد إلى تمكينهم من التعاون مع شبكات مالية أجنبية لتحويل العملات المشفرة المسروقة إلى أموال نقدية تقليدية.

شعار منصة «باينانس» (رويترز)

جنوب شرق آسيا... هدف وقاعدة للعمليات السيبرانية

يحذر خبراء من أن منطقة جنوب شرق آسيا أصبحت ركيزة أساسية في الشبكة السيبرانية التابعة لنظام كيم جونغ أون، إذ تؤدي دوراً مزدوجاً، بوصفها هدفاً للهجمات وقاعدة تنطلق منها عمليات بيونغ يانغ الإلكترونية.

ووفقاً لتقرير صادر عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، نشرت كوريا الشمالية برمجيات خبيثة وأدوات تتيح الوصول غير المصرح به إلى البنية التحتية الرقمية لدول من بينها كمبوديا وتايلاند وإندونيسيا.

وقد أتاح لها ذلك مواصلة إخفاء عملياتها السيبرانية التي تنفذها على نطاق عالمي.

آلاف العملاء السيبرانيين بهويات زائفة

أشار تقرير صدر عام 2020 عن «مركز الأمن الأميركي الجديد» (Centre for a New American Security)، تناول الشبكة السيبرانية الخارجية لكوريا الشمالية، إلى أن الهند كانت من بين الدول التي ينشط فيها عملاء سيبرانيون كوريون شماليون.

وتفيد تقارير بأن العدد الإجمالي لهؤلاء العملاء المنتشرين حول العالم قد يصل إلى 6 آلاف عميل، يعملون في دول من بينها الصين والهند وروسيا وبيلاروسيا وماليزيا.

ويلجأ هؤلاء الأفراد إلى انتحال هويات مزيفة، مدّعين أنهم مواطنون من دول أخرى، بهدف الحصول على وظائف داخل شركات أجنبية.

ويخضع هؤلاء العملاء لبرامج إعداد وتدريب تبدأ منذ سن مبكرة، بإشراف من بيونغ يانغ، بهدف تأهيلهم للمشاركة في أجندة الحرب السيبرانية التي تتبناها كوريا الشمالية.


عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يتعهدون بآلية موحدة لمنع استخراج محتوى المواقع الإلكترونية

شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار «أوبن إيه آي» (رويترز)

تعهَّدت شركات «أوبن إيه آي» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أنثروبيك» أمس (الجمعة)، بتوفير آلية موحَّدة لوسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية الأخرى لمنع استخراج محتواها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وذلك وسط ازدياد الانتقادات والمعارك القانونية من جانب ناشري المواقع الإخبارية.

ويتعيَّن على الناشرين حالياً تطبيق أوامر حظر متعددة لكل روبوت جمع بيانات ينشط على الإنترنت على حدة، لكن الحلَّ المقترح الجديد سيسمح لهم بإدخال تعليمات موحَّدة معترف بها ومعتمدة من قبل أي شركة ذكاء اصطناعي تتبنى البروتوكول. مع ذلك، لن يدخل الحلُّ حيزَ التنفيذ الكامل إلا بعد أشهر، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وستبدأ «مايكروسوفت» بتطبيقه اعتباراً من 1 فبراير (شباط) 2027، و«غوغل» في وقت ما من عام 2027. وقالت «أوبن إيه آي» مطورة «تشات جي بي تي» إنها ستطرحه «في الأشهر المقبلة»، بينما صرَّحت «أنثروبيك»، مطورة «كلود» بأنها «بدأت بالفعل» في طرحه.

ويأتي هذا الإعلان في وقت يواجه فيه الناشرون طفرةً في الروبوتات التي تنسخ منشوراتهم لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي وتدريبها. وقد لجأت بعض الجهات مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى القضاء في هذا الشأن.

ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 2023، رفعت «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت» بتهمة استخدام ملايين المقالات من دون إذن أو مقابل مادي لتدريب نموذج «تشات جي بي تي».

في غضون ذلك، حظرت شركة «كلاودفلير» المزودة لخدمات الإنترنت، بشكل تلقائي، البرمجيات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على مواقع عملائها الجدد منذ يوليو (تموز) 2025، كما أنَّ هناك برنامجاً يحمل اسم «ترخيص بسيط للغاية» يسمح للناشرين بفرض رسوم على الروبوتات التي تزوِّر صفحاتهم وتنسخها.

وأوضحت «مايكروسوفت»، في منشور على مدونتها، أنَّ الإعداد الجديد سيُطبَّق فقط على التدريب المستقبلي للنماذج، ولكنه بخلاف ذلك لا يمنع الروبوتات من الزحف على الإنترنت، وسيُسمح باستخراج المحتوى إلى حين تغيير الناشر لهذا الإعداد.

وأعرب المتحدث باسم شركة «ميتا»، آندي ستون، على منصة «إكس» عن دعمه لهذا الجهد، حيث كتب: «نعتقد أن إنشاء إشارة مشتركة تنقل هذه التفضيلات إلى كثير من مزودي الخدمات في آن واحد خطوة مهمة»، مضيفاً: «نتطلع إلى العمل مع شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى على هذه المعايير وتطبيقها في جميع أنحاء القطاع».


اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
TT

اختراق «بينانس»... كيف قاد وصول داخلي إلى معاملات موقّعة عبر شبكات متعددة؟

تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)
تشير التحقيقات الأولية إلى أن اختراق جهاز موظف ربما فتح مساراً للوصول إلى أنظمة داخلية حساسة في «بينانس» (رويترز)

لم يبدأ أخطر ما في حادثة «بينانس» بإعلان سرقة مفتاح خاص لمحفظة عملات مشفرة، بل من مسار أكثر تعقيداً داخل البنية التقنية للمنصة. فالتحقيق الأولي للشركة يشير إلى أن اختراق حاسوب محمول يعود إلى مهندس عمليات التطوير والتشغيل (DevOps) ربما منح المهاجم وصولاً إلى «حاوية خدمة» (Service Container) داخلية، ومن هناك أصبح بالإمكان إرسال معاملات سحب غير مصرح بها. وتؤكد «بينانس» حتى الآن أنها لم تعثر على دليل يثبت تسرب المفاتيح الخاصة بالمحافظ.

وتقدر المنصة حجم الأثر الإجمالي للحادث بنحو 6.3 مليار دولار، فيما قالت الجمعة إنها تمكنت، بالتعاون مع جهات في منظومة البلوك تشين، من تجميد أصول بقيمة تقارب 3 مليارات دولار على الشبكات. كما تعهدت بتغطية الخسائر من صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين وأموال الشركة، مؤكدة أن أموال العملاء آمنة.

لكن البيانات المسجلة على شبكات البلوك تشين ترسم صورة أوسع للهجوم؛ إذ تشير إلى أن المشكلة لم تقتصر على محفظة واحدة أو شبكة واحدة، بل امتدت إلى «محافظ ساخنة» (Hot Wallets) تابعة لـ«بينانس» عبر عدد من شبكات العملات المشفرة خلال ساعات قليلة.

امتد الهجوم إلى محافظ ساخنة عبر عدة شبكات ما يرجح أن المشكلة تجاوزت سرقة مفتاح خاص واحد (رويترز)

تواصل التحقيقات

تقول «بينانس» إن التحقيق لا يزال أولياً، وإنها ستنشر تقريراً تقنياً كاملاً بعد التحقق من المسار الكامل للهجوم. وقد أوضح ريتشارد تنغ، الرئيس التنفيذي المشارك للشركة، أن الحادث لم يكن ببساطة نتيجة استخدام صلاحيات مهندس واحد أو عملية «بنقرة واحدة»، بل تضمن مساراً أكثر تعقيداً، مع اكتشاف نقاط اختراق إضافية لا تزال قيد التحقيق.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن المحافظ الساخنة لدى منصات التداول تبقى متصلة بالإنترنت وتستخدم بصورة مستمرة لمعالجة عمليات السحب، ولذلك تحتاج إلى أنظمة داخلية قادرة على إنشاء المعاملات والموافقة عليها وتوقيعها بسرعة.

وتظهر بيانات التحليل أن الأموال خرجت من 17 محفظة ساخنة مرتبطة بـ«بينانس» على تسع شبكات بين الساعة 20:04 و23:56 بالتوقيت العالمي في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين توصلت تحليلات أخرى إلى تتبع أصول عبر عشر شبكات، وهو اختلاف يعكس نطاق الرصد والتصنيف بين جهات التحليل في الساعات الأولى للحادث. وتشمل الشبكات التي رُصدت «إيثيريوم» و«بيتكوين» و«ترون» و«دفتر XRP» و«سولانا» و«أربيتروم» و«أفالانش» و«أوبتيميزم» و«بيس» و«بوليغون».

معاملات صحيحة... لكن غير مصرح بها

من الناحية التقنية، تحمل هذه النقطة دلالة مهمة، وهي أن شبكة البلوك تشين لم ترفض المعاملات، لأنها ظهرت على الشبكات بتوقيعات صالحة صادرة من محافظ «بينانس». ويشير أحد التحليلات إلى أن 16 من أصل 17 محفظة أرسلت تحويلات عادية موقعة إلى عناوين المهاجم، رغم أن أنماط بعضها اختلفت عن عمليات السحب المعتادة للمنصة.

وهذا يتوافق مع تقييم تقني بأن المهاجم قد يكون حصل على قدرة تجعل بنية توقيع المحافظ (Wallet Signing Infrastructure) الساخنة في «بينانس» توافق على معاملات يحددها هو، بدلاً من أن تكون المشكلة مجرد الحصول على مفتاح خاص واحد. وتبقى هذه فرضية فنية من جهات تحليل خارجية وليست نتيجة نهائية أعلنتها «بينانس».

وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن المحافظ المتضررة تعمل على شبكات تستخدم أنواع مفاتيح وآليات توقيع مختلفة، ومع ذلك ظهرت معاملات صحيحة عبر عدة شبكات خلال فترة زمنية متقاربة.

بدأت التحضيرات للهجوم قبل التنفيذ الفعلي بساعات مع اختبارات وتحويلات صغيرة سبقت عملية السحب الرئيسية (أ.ف.ب)

طبقة جديدة للهجوم

على شبكة «إيثيريوم»، اتخذ الهجوم مساراً أكثر تعقيداً باستخدام ميزة تعرف باسم اقتراح تحسين إيثيريوم رقم «7702 (EIP-7702)»، أضيفت إلى الشبكة ضمن تحديث «بيكترا». وتسمح هذه الميزة للمحفظة التقليدية بتفويض تنفيذ سلوكها إلى عقد ذكي (Smart Contract) بعد توقيع تفويض مناسب.

وحسب التحليلات، أرسل المهاجم معاملة تضمنت 50 تفويضاً موقعاً مسبقاً، تغطي أرقاماً متتابعة لما يعرف بالرقم التسلسلي للمعاملة (Nonce)، بهدف ضمان أن يكون واحد منها صالحاً عند تنفيذ العملية الفعلية. وقد تطابق أحد هذه التفويضات مع الحالة الحية لمحفظة «بينانس»، ما سمح بتوجيه سلوكها نحو عقد برمجي يتحكم فيه المهاجم.

وبعد ثلاث دقائق و24 ثانية، جرى تحويل 167 ألفاً و464 وحدة من عملة «إيثر» (ETH) إضافة إلى 63 رمزاً آخر من المحفظة في معاملة واحدة، شملت 1.615 مليار وحدة من عملة «تيثر» (USDT) المستقرة.

ولم ينته الخطر مع خروج الرصيد الأول؛ لأن التفويض ظل فعالاً، ما مكّن المهاجم من سحب أموال جديدة وصلت لاحقاً إلى المحفظة في عمليات متكررة خلال الساعات التالية.

وتشير التحليلات الأمنية إلى أن هذه الخاصية تغيّر طبيعة الخطر في المحافظ الساخنة، لأن التفويض الناجح يمكن أن يمنح المهاجم سيطرة برمجية مستمرة على العنوان إلى أن يتم إلغاء التفويض بصورة صريحة.

هجوم تم التحضير له مسبقاً

تشير تحليلات تتبع البلوك تشين إلى أن التحضير بدأ قبل السرقة بنحو 36 ساعة على الأقل، مع تحويلات صغيرة وتجارب على محافظ يسيطر عليها المهاجم قبل تنفيذ العملية ضد «بينانس».

وتفيد هذه التحليلات بأن المهاجم اختبر تسلسل التفويض والسحب أكثر من مرة قبل نشر العقد الذي استُخدم لاحقاً، ثم نفذ الهجوم الرئيسي مساء 29 أكتوبر.

كما تنسب «TRM Labs» العملية، بدرجة ثقة مرتفعة وفق تقييمها، إلى مجموعة «TraderTraitor» المرتبطة بكوريا الشمالية، استناداً إلى مؤشرات على السلسلة وخارجها وتشابهات مع عمليات سابقة. ولم تعلن «Binance» حتى الآن مسؤولية جهة محددة عن الهجوم؛ لذلك يبقى هذا إسناداً من شركة تحليل بلوك تشين وليس استنتاجاً رسمياً من المنصة.

تمكنت جهات في منظومة البلوك تشين من تجميد مليارات الدولارات فيما لا يزال السبب الجذري الكامل قيد التحقيق (د.ب.أ)

سباق لتجميد مليارات الدولارات

بعد بدء التحويلات، تحركت جهات مصدرة للعملات المستقرة وشبكات بلوك تشين لتجميد أجزاء من الأموال المسروقة. وتقول «بينانس» إن القيمة المجمدة على الشبكات وصلت إلى نحو 3 مليارات دولار في أحدث تحديث رسمي، وهو رقم أعلى من بعض التقديرات المبكرة التي تراوحت حول 2.7 مليار دولار.

وتشير بيانات تتبع الأموال إلى أن «تيثر» و«سيركل» ومجلس أمن «أربيتروم» وجهات أخرى تمكنت من منع حركة أجزاء كبيرة من العملات المستقرة والأصول، فيما سارع المهاجم إلى تحويل مئات الملايين من «USDT» إلى أصول أخرى قبل تنفيذ التجميد.

وامتد أثر الحادث إلى بروتوكولات التمويل اللامركزي (DeFi)؛ إذ قالت «LlamaRisk» إن إحدى المحافظ المرتبطة بالمهاجم أودعت 60 مليون «USDT» في الإصدار الثالث من بروتوكول «آفي» (Aave V3) واقترضت مقابلها 19 ألفاً و762 وحدة من «إيثر المغلف» (WETH) بقيمة تقارب 44.6 مليون دولار آنذاك.

وردت منظومة «Aave» بتجميد إمكانية فتح مراكز إيداع واقتراض جديدة في مئات الأسواق على شبكات متعددة كإجراء احترازي، مع إبقاء السداد والسحب والتصفية متاحة.

لماذا تتجاوز الحادثة «سرقة مفتاح»؟

لا تزال «بينانس» تجمع الأدلة؛ ولذلك لا يمكن اعتبار أي تحليل خارجي وصفاً نهائياً للسبب الجذري قبل صدور التقرير التقني الرسمي. لكن البيانات المتاحة حتى الآن تجعل السؤال الأمني أوسع من مجرد حماية المفتاح الخاص للمحفظة.

فإذا تمكن المهاجم من الوصول إلى مسار داخلي يستطيع طلب توقيع معاملات تبدو صحيحة على الشبكة، تصبح الضوابط التي تسبق التوقيع، وعزل أنظمة الموافقة، ومراقبة ما يُطلب من المحافظ توقيعه، عناصر أساسية بقدر أهمية حماية المفتاح نفسه.

وتقول «بينانس» إنها أوقفت عمليات السحب مؤقتاً، وألغت تفويض العنوان المتأثر، وتعمل مع جهات إنفاذ القانون وشركات تحليل البلوك تشين لتتبع الأموال، على أن تنشر تقريراً فنياً كاملاً وإثبات احتياطيات محدثاً بعد انتهاء المعالجة.

وحتى صدور ذلك التقرير، تبقى النقطة التقنية الأهم غير محسومة بالكامل: كيف انتقل المهاجم من اختراق جهاز داخل بيئة العمل إلى القدرة على الحصول على معاملات صالحة وموقعة عبر عدد كبير من المحافظ والشبكات؟

والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الحادث سيبقى حالة استثنائية في «بينانس»، أم نموذجاً جديداً لتهديد يستهدف البنية التي تقرر ما الذي يسمح للمحفظة بتوقيعه قبل أن تصل المعاملة أصلاً إلى البلوك تشين.