«الفار» في كأس العالم... تقنية تحسم اللقطة ولا تُنهي الجدل

جدل مباراة مصر والأرجنتين يعيد سؤال الشفافية في قرارات غرفة الفيديو

مصطفى زيكو لاعب مصر يحتفل بهدفه الثاني في الأرجنتين (رويترز)
مصطفى زيكو لاعب مصر يحتفل بهدفه الثاني في الأرجنتين (رويترز)
TT

«الفار» في كأس العالم... تقنية تحسم اللقطة ولا تُنهي الجدل

مصطفى زيكو لاعب مصر يحتفل بهدفه الثاني في الأرجنتين (رويترز)
مصطفى زيكو لاعب مصر يحتفل بهدفه الثاني في الأرجنتين (رويترز)

أعاد الجدل الذي رافق مباراة الأرجنتين ومصر في دور الـ16 من كأس العالم 2026 تسليط الضوء على موقع تقنية حكم الفيديو المساعد، أو «فار (VAR)»، في كرة القدم الحديثة. لم يكن النقاش مرتبطاً بوجود التقنية فقط، بل بطريقة استخدامها وحدودها، بعدما أُلغي هدف لمصر عقب مراجعة أشارت إلى وجود مخالفة في بناء الهجمة، قبل أن تنتهي المباراة بفوز الأرجنتين 3-2 وسط اعتراضات من الاتحاد المصري على التحكيم واستخدام الـ«فار».

4 حالات

لا يعمل الـ«فار» حكماً بديلاً داخل الملعب، بل بوصفه نظام مراجعة محدوداً للحالات المؤثرة. ووفق قوانين كرة القدم، يتدخل حكم الفيديو في أربع حالات أساسية هي: الهدف وما يسبقه من مخالفة محتملة، وركلات الجزاء، والبطاقات الحمراء المباشرة، والخطأ في تحديد هوية اللاعب المعاقَب. لذلك لا تُراجع كل لقطة أو احتكاك، ولا تتحول المباراة إلى مراقبة كاملة لكل قرار تحكيمي.

في حالة الأهداف، لا تنظر غرفة الـ«فار» إلى لحظة التسديد فقط، بل قد تعود إلى بداية الهجمة التي أدت مباشرة إلى الهدف. هذه النقطة تفسر لماذا يمكن أن يُلغى هدف بسبب مخالفة لم تحدث داخل منطقة الجزاء أو في لحظة التسجيل نفسها، بل في مرحلة سابقة من البناء الهجومي. وهذا ما جعل اللقطة المصرية محل نقاش واسع، إذ دار الجدل حول ما إذا كانت المخالفة السابقة كافية لإلغاء الهدف، لا حول دخول الكرة إلى المرمى فقط.

مصطفى شوبير ومصطفى زيكو خلال مباراة مصر والأرجنتين (إ.ب.أ)

غرفة الفيديو

يتكون نظام الـ«فار» من غرفة مراجعة تضم حكم فيديو ومساعدين ومشغلين تقنيين، يتابعون البث من زوايا متعددة. عندما تقع حالة قابلة للمراجعة، يمكن لغرفة الفيديو تنبيه حكم الساحة إلى وجود خطأ واضح ومؤثر، أو يمكن للحكم نفسه طلب مراجعة عبر الشاشة الموجودة بجانب الملعب.

تختلف طبيعة القرار حسب الحالة. في بعض اللقطات الموضوعية، مثل التسلل أو تجاوز الكرة خط المرمى، يكون دور التقنية أقرب إلى القياس. أما في المخالفات والاحتكاكات، فتبقى مساحة التقدير التحكيمي قائمة، لأن التقنية توفر الزوايا والإعادة البطيئة، لكنها لا تُلغي الحاجة إلى تفسير ما حدث: هل كان الاحتكاك كافياً؟ هل أثّر في استحواذ المنافس؟ هل بدأ منه الهجوم الذي انتهى بالهدف؟

لهذا السبب، لا يعني وجود الـ«فار» أن كل القرارات ستصبح حسابية بالكامل. فالجزء التقني يحدد ما يمكن رؤيته وقياسه، بينما يبقى الجزء التحكيمي مرتبطاً بتطبيق القانون على لقطة قد تحمل أكثر من قراءة.

يعمل الـ«فار» في حالات محددة فقط تشمل الأهداف وركلات الجزاء والبطاقات الحمراء المباشرة والخطأ في هوية اللاعب (رويترز)

التسلل الآلي

في كأس العالم 2026، توسع استخدام تقنية التسلل شبه الآلية، التي تعتمد على تتبع هيكل أجسام اللاعبين والكرة، إلى جانب بيانات من الكرة المتصلة. وتقول «فيفا» إن النظام المطور للبطولة يستخدم بيانات تتبع اللاعبين والكرة وبيانات وحدة قياس داخلية في الكرة، مع نماذج ثلاثية الأبعاد تساعد حكام الفيديو على تحديد حالات التسلل بسرعة ودقة أكبر.

تساعد الكرة المتصلة تحديداً في معرفة لحظة لمس الكرة بدقة، وهي نقطة حاسمة في قرارات التسلل. فالتسلل لا يُقاس عند وصول الكرة إلى اللاعب، بل عند لحظة تمريرها أو لمسها من زميله. لذلك يمكن لفارق زمني صغير في تحديد لحظة التمرير أن يغير نتيجة القرار. ويوضح «فيفا» أن تقنية الكرة المتصلة تدعم أنظمة التسلل شبه الآلية عبر تحديد لحظة الركل أو اللمس بدقة.

لكن هذه التكنولوجيا لا تُستخدم بالطريقة نفسها في كل قرارات الـ«فار». فهي مفيدة بصورة خاصة في التسلل، لكنها لا تجعل قرارات المخالفات أو التدخلات البدنية آلية. ففي المخالفة التي تسبق هدفاً، تبقى المسألة مرتبطة بتقدير الحكم لما إذا كان الالتحام مخالفة وفق القانون، وما إذا كانت جزءاً من الهجمة التي انتهت بالتسجيل.

لا يراجع الـ«فار» لحظة تسجيل الهدف وحدها بل يمكن أن يعود إلى بداية الهجمة التي أدت مباشرةً إلى التسجيل (شاترستوك)

الكرة المتصلة

أصبحت الكرة نفسها جزءاً من بنية التحكيم التقنية. فبعد إدخال الكرة المتصلة في كأس العالم 2022، أصبحت بيانات الحركة داخل الكرة مصدراً إضافياً يساعد غرفة الفيديو على تحديد لحظات اللمس، خصوصاً في حالات التسلل أو اللمسات الدقيقة. وكانت «أديداس» و«فيفا» قد أعلنتا أن كرة كأس العالم 2022 تضمنت تقنية كرة متصلة لدعم التسلل شبه الآلي، بعد سنوات من الاختبار.

في النسخ الأحدث، لم تعد منظومة التحكيم تعتمد على الكاميرات وحدها. هناك مزيج من البث عالي الدقة، وتتبع اللاعبين، وبيانات الكرة، وبرمجيات تولد رسوماً ثلاثية الأبعاد يمكن عرضها للجماهير بعد اتخاذ القرار. الهدف التقني هو تقليل الوقت اللازم للمراجعة وتقليص الأخطاء في الحالات القابلة للقياس.

لكن كلما زادت الأدوات، زادت أيضاً الحاجة إلى شرح القرار. فالمشجع يرى النتيجة النهائية على الشاشة، لكنه قد لا يرى دائماً التسلسل الكامل: من أي زاوية استُخدمت اللقطة؟ هل كان القرار متعلقاً بتسلل أم بمخالفة؟ ما نقطة بداية الهجمة التي تمت مراجعتها؟ وما معيار «الخطأ الواضح» الذي استندت إليه غرفة الفيديو؟

ليونيل ميسي نجم وقائد الأرجنتين يحرز هدف بلاده الثاني في مرمى مصر (د.ب.أ)

حدود التقنية

الجدل في مباراة الأرجنتين ومصر يوضح الفاصل بين التقنية والشفافية. فالمشكلة لا تكون دائماً في عدم وجود صورة أو زاوية، بل في تفسير ما تعنيه تلك الصورة. لذلك انتقلت الاعتراضات من سؤال «هل رأى الحكم اللقطة؟» إلى سؤال آخر: كيف فُسرت اللقطة؟ ولماذا عُدت كافية لتغيير قرار داخل الملعب؟ وذكرت «رويترز» أن الاتحاد المصري انتقد استخدام الـ«فار» وقدم شكوى رسمية إلى «فيفا»، مشيراً إلى قرارات مؤثرة في المباراة، من بينها إلغاء هدف لمصر ورفض مطالبات متأخرة بركلة جزاء.

تستخدم البطولات الكبرى اليوم تقنية أكثر تقدماً من أي وقت سابق، لكن قرارات الـ«فار» لا تنقسم كلها إلى فئة واحدة. هناك قرارات قياسية تعتمد على خطوط وبيانات، مثل التسلل. وهناك قرارات تقديرية تعتمد على قراءة الالتحام والسياق وتأثير المخالفة في الهجمة. في الفئة الأولى، تقل مساحة الجدل حول القياس وتبقى الأسئلة حول دقة النظام. في الفئة الثانية، تبقى التقنية أداة عرض وتحليل، بينما يظل الحكم مسؤولاً عن القرار النهائي.

لا تحوّل التكنولوجيا كل القرارات إلى عمليات حسابية لأن المخالفات والاحتكاكات تبقى مرتبطة بتقدير الحكم وتفسير القانون (شاترستوك)

شرح القرار

ازدادت أهمية شرح قرارات الـ«فار» للجماهير داخل الملاعب وعلى الشاشات، خصوصاً عندما تكون اللقطة حاسمة في مباراة إقصائية. فكل تأخير أو إلغاء هدف أو رفض ركلة جزاء يحتاج إلى رسالة واضحة: ما الحالة التي تمت مراجعتها؟ وما القرار النهائي؟ وما السبب القانوني وراءه؟

تعمل تقنيات التسلل شبه الآلي والكرة المتصلة على جعل بعض القرارات أسرع وأكثر قابلية للعرض، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تواصل تحكيمي أوضح في اللقطات التقديرية. فالمراجعة التقنية تصبح أكثر قبولاً عندما يعرف الجمهور ما الذي تمت مراجعته تحديداً، وما الفرق بين خطأ قابل للتصحيح وخطأ لا يصل إلى مستوى التدخل.

بهذا المعنى، لا تقتصر قصة الـ«فار» في كأس العالم على الكاميرات والحساسات والذكاء الاصطناعي. التقنية أصبحت جزءاً من منظومة أكبر تشمل القانون، والحكم، وغرفة الفيديو، وطريقة إعلان القرار للجمهور. وفي مباريات مثل الأرجنتين ومصر، يظهر أن التحدي لم يعد توفير الزاوية المناسبة فقط، بل تحويل القرار التقني إلى عملية مفهومة يمكن تتبعها منذ بداية المراجعة حتى لحظة الإعلان عنها.


مقالات ذات صلة

هيندرسون يعود إلى معسكر إنجلترا بعد خضوعه لجراحة في ذراعه المكسورة

رياضة عالمية هيندرسون يعود إلى معسكر إنجلترا بعد خضوعه لجراحة في ذراعه (حسابه بإنستغرام)

هيندرسون يعود إلى معسكر إنجلترا بعد خضوعه لجراحة في ذراعه المكسورة

وُصِف جوردان هيندرسون بأنه «نبض القلب» لرحلة إنجلترا في كأس العالم وذلك بعد عودته إلى مقر إقامة المنتخب في مدينة كانساس سيتي عقب خضوعه لعملية جراحية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية أميركا توزع مكافآت المونديال بالتساوي بين الرجال والسيدات (رويترز)

أميركا توزع مكافآت المونديال بالتساوي بين الرجال والسيدات

كرّس الاتحاد الأميركي لكرة القدم سياسة المساواة في المكافآت بين منتخبي الرجال والسيدات، بعدما ضمن المنتخب الأميركي للرجال الحصول على 16 مليون دولار.

شوق الغامدي (الرياض)
رياضة عالمية تقنية الخطوة المتقطعة في تنفيذ ركلات الجزاء تفرض نفسها (رويترز)

تقنية الخطوة المتقطعة في تنفيذ ركلات الجزاء تفرض نفسها على نجوم المونديال

فرضت ركلة الجزاء بتقنية الخطوة المتقطعة نفسها بقوة بهذه النسخة من كأس العالم لكرة القدم في ظل اعتماد عدد كبير من النجوم عليها مثل ليونيل ميسي وكيليان مبابي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
رياضة عالمية قدمت مدينة برامبتون عناصر أساسية في تشكيلة المنتخب الكندي (رويترز)

النادي الذي يقدم نجوم كرة القدم في كندا يواجه شكوكاً حول مستقبله

قدمت مدينة برامبتون في أونتاريو عناصر أساسية في تشكيلة المنتخب الكندي للرجال المشارك في كأس العالم لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تورونتو (كندا))
رياضة عالمية قائد منتخب إنجلترا هاري كين وزملاؤه يحتفلون بالتأهل إلى الدور ربع النهائي (رويترز)

بريطانيا تستعد لإعلان عطلة رسمية إذا تُوّجت إنجلترا بطلة للعالم

تستعد الحكومة البريطانية للإعلان عن عطلة رسمية في حال فوز منتخب إنجلترا بلقب «كأس العالم 2026»...

«الشرق الأوسط» (لندن)

«باي»: تطبيق للصداقات باختبارات نفسية لتحديد توافق الشخصيات

«باي»: تطبيق للصداقات باختبارات نفسية لتحديد توافق الشخصيات
TT

«باي»: تطبيق للصداقات باختبارات نفسية لتحديد توافق الشخصيات

«باي»: تطبيق للصداقات باختبارات نفسية لتحديد توافق الشخصيات

تشهد الولايات المتحدة الأميركية تفشّياً حاداً لوباء الوحدة؛ إذ يشعر أكثر من خُمس السكان بالعزلة. كما أظهر استطلاع أجرته جامعة هارفارد عام 2024 أن 73 في المائة من المشاركين يرون أن التكنولوجيا جزء من المشكلة... فهل يمكن أن تكون التكنولوجيا هي الحل؟

تطبيق «باي» للصداقات

ويأمل آندي دان تحقيق ذلك. ودان، المعروف بتأسيسه علامة «بونوبوس» للأزياء الرجالية، التي بيعت إلى شركة «وول مارت» مقابل 310 ملايين دولار عام 2017، حوّل اهتمامه إلى مشكلة أكثر تعقيداً: الصداقة. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، عمل على تطوير تطبيق يساعد الناس على بناء صداقات في الواقع. وفي عام 2024، تجسدت هذه الفكرة في تطبيق «باي» (Pie)، الذي يتيح للمستخدمين العثور على فعاليات محلية، ويستخدم خوارزمية لترشيح الأشخاص الذين يُرجَّح أن ينسجموا معهم.

وكان دان يختبر التطبيق في شيكاغو وأوستن، ولكنه يعتقد الآن أنه جاهز للانطلاق على مستوى البلاد. ويجري طرح التطبيق تدريجياً في مدن مختلفة في جميع أنحاء البلاد.

300 ألف مستخدم نشط

ويضم التطبيق حالياً 300 ألف مستخدم نشط. ويقول دان: «لقد كنا نبني تطبيق (باي) بزخم كبير على مدار عامين. الآن، نحتاج إلى إطلاق حركة واستقطاب مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين يؤمنون بأهمية التواصل بين الناس».

ويعتقد دان أن المستهلكين اليوم مشغولون بقضايا اجتماعية، مثل اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، والتهديد الوشيك للذكاء الاصطناعي على مساراتهم المهنية والشعور بالوحدة.

تكنولوجيا من أجل الصداقة

واكتشف دان حديثاً، من واقع تجربته الشخصية، صعوبة تكوين صداقات في مرحلة البلوغ. ويرجع جزء من ذلك إلى آليات تكوين الصداقات. عندما قرأ كتاب الدكتورة ماريسا فرانكو «الصداقة الأفلاطونية»، اكتشف فكرة أن الصداقات لا تنشأ إلا عندما يلتقي الناس مراراً وتكراراً. فخلال ما بين 5 و10 لقاءات، يميل الناس إلى الانفتاح على بعضهم. ويصعب تحقيق ذلك في عالمنا المعاصر الذي يفتقر إلى المؤسسات التي تجمع الناس، لكن دان يعتقد أن التكنولوجيا قادرة على المساعدة في هذا الأمر. ويقول: «لقد تحمستُ كثيراً لفكرة ابتكار منتج يُشجع على التفاعل الاجتماعي».

تطبيقات المواعدة

تطبيق «باي» ليس الأول من نوعه الذي يتناول مشكلة تكوين الصداقات. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك تطبيق «Bumble BFF»، وهو تطبيق مواعدة يهدف إلى مساعدة المستخدمين على تكوين صداقات، وقد أُطلق عام 2023، ثم دُمج لاحقاً في تطبيق جديد. وهناك عدد من المنصات بما في ذلك «Geneva» و«Discord» و«Mighty Networks».

الصداقة لا تشبه المواعدة

ويرى دان أن مشكلة هذه التطبيقات تكمن في تركيزها على التعارف الفردي، تماماً كما هي الحال في تطبيقات المواعدة، لكن الصداقات لا تسير على منوال المواعدة نفسه. يقول: «تتحول الصداقة إلى حالة من الجمود؛ حيث يتردد كلا الطرفين في المبادرة. اللقاءات الفردية بين الأصدقاء تكون متوترة نوعاً ما».

يجمع التطبيق 6 أشخاص متوافقين في دردشة جماعية

اختبار نفسي لتحديد توافق الشخصيات

لذا انتقل إلى صيغة جديدة في عام 2024: عرضٌ للفعاليات المحلية، مثل مجموعات الجري والنوادي التي تناسب اهتمامات متنوعة. لكن ما يُميز هذه الصيغة عن منصات الفعاليات الأخرى مثل «Meetup» أو «Eventbrite» هو أنها تتيح للمشاركين إجراء اختبار نفسي لتحديد مدى توافقهم مع أشخاص آخرين سيحضرون الفعالية. بعد ذلك، يجمع التطبيق 6 أشخاص متوافقين في دردشة جماعية. هذه الأداة البسيطة تُمكّن الناس من بناء علاقات مع المقربين منهم، ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى صداقات متينة.

ويقول دان: «ما تعلمناه هو أننا نحتاج بالفعل إلى نظام تشغيل للحياة الاجتماعية ينقلك من التواصل الأولي إلى التفاعلات اللاحقة التي تتحول إلى صداقة حقيقية».

إصلاح ما أفسدته وسائل التواصل الاجتماعي

ويهدف تطبيق «باي» إلى تحقيق وعود وسائل التواصل الاجتماعي. فعندما ظهر «فيسبوك» لأول مرة عام 2005 كان مليئاً بالأدوات المصممة لمساعدة الناس على الحفاظ على صداقاتهم، من مشاركة الأحداث إلى تهنئة الأصدقاء بأعياد ميلادهم وإرسال الرسائل. لكن مع مرور الوقت، امتلأت المنصة بالإعلانات، وتحوَّلت من عرض زمني للمنشورات إلى خوارزميات تعرض منشورات مصممة لجذب انتباهك. كان هذا جزئياً نتيجة نموذج أعمالها، الذي كان يقوم على إبقاء المستخدمين يقضون وقتاً أطول على التطبيق ليتعرضوا لمزيد من الإعلانات.

يقول دان: «يؤدي هذا إلى الرغبة في إدمان المستخدمين، وإثارة الغضب، ومكافأة المحتوى المثير للجدل على حساب المحتوى المفيد». أما ما يُميّز تطبيق «باي» عن «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تيك توك» هو أنه مصمم لتشجيع المشاركة الفعّالة من حضور للفعاليات، إلى إنشائها، والتواصل مع الآخرين. والهدف هنا ليس استهلاك المحتوى بشكل سلبي، كما هي الحال مع منصات «ميتا»، بل السعي لإيجاد عادات جديدة لحضور هذه الفعاليات، ليصبح المستخدمون فاعلين؛ فإذا وجدوا فعالية مميزة يعودون إليها باستمرار، ويبنون علاقات داخل «باي».

ويقول دان: «لا توجد لدينا آلية لتحقيق الربح في الوقت الحالي. تكمن روعة التطبيق الآن في تركيزنا الكامل على تنمية قاعدة مستخدمينا». ويعارض دان بشدة إضافة المعلنين إلى المنصة، وبدلاً من ذلك، يعتقد أنه مع وجود عدد كافٍ من المستخدمين يمكن للتطبيق الانتقال إلى نموذج يسمح للمستخدمين بالانضمام إلى المنصة مجاناً، مع دفع رسوم لاستخدام بعض المميزات.

مليون مستخدم لضمان النجاح

لكن لكي ينجح هذا النموذج، يعتقد دان أن «باي» يحتاج إلى أكثر من مليون مستخدم يومياً، منهم 100 ألف مستخدم يدفعون رسوماً. يقول: «نعتقد أن الموجة المقبلة في وسائل التواصل الاجتماعي الاستهلاكية ستكون نموذجاً مجانياً مع خيارات مدفوعة».

ويعتقد دان في نهاية المطاف أن هذا التطبيق سيجذب شريحة واسعة من الناس، لأن هناك عدداً من المراحل المهمة في الحياة التي يرغب فيها المرء في حياة اجتماعية أكثر ثراءً: عندما يبدأ أصدقاؤهم الزواج أو إنجاب الأطفال، على سبيل المثال، أو عندما ينتقلون للعيش في مكان آخر.

* مجلة «فاست كومباني».


«GPT-Live» نموذج صوتي جديد من «أوبن إيه آي» يستمع ويتحدث في الوقت نفسه

يستطيع النموذج الاستماع والتحدث في الوقت نفسه بدلاً من انتظار انتهاء المستخدم من الكلام قبل الرد (شاترستوك)
يستطيع النموذج الاستماع والتحدث في الوقت نفسه بدلاً من انتظار انتهاء المستخدم من الكلام قبل الرد (شاترستوك)
TT

«GPT-Live» نموذج صوتي جديد من «أوبن إيه آي» يستمع ويتحدث في الوقت نفسه

يستطيع النموذج الاستماع والتحدث في الوقت نفسه بدلاً من انتظار انتهاء المستخدم من الكلام قبل الرد (شاترستوك)
يستطيع النموذج الاستماع والتحدث في الوقت نفسه بدلاً من انتظار انتهاء المستخدم من الكلام قبل الرد (شاترستوك)

أطلقت «أوبن إيه آي» جيلاً جديداً من نماذج الصوت باسم «جي بي تي لايف» (GPT-Live) في خطوة تهدف إلى جعل التحدث مع «تشات جي بي تي» أقرب إلى محادثة بشرية طبيعية، لا تبادل أوامر متقطعة بين المستخدم والنظام. ويبدأ طرح النموذج عالمياً داخل تجربة «ChatGPT Voice» عبر نسختين هما «GPT-Live-1» و«GPT-Live-1 mini» على أن يصل لاحقاً إلى واجهة البرمجة للمطورين والشركات.

الاستماع والتحدث معاً

الفرق الأساسي في النموذج الجديد أنه يعتمد على بنية تعرف باسم «full-duplex» أي أنه يستطيع الاستماع والتحدث في الوقت نفسه. في النماذج الصوتية السابقة، كان النظام ينتظر غالباً انتهاء المستخدم من الكلام قبل أن يبدأ في الرد، مما يجعل الحوار أقرب إلى جولات منفصلة. أما في النموذج الجديد، فيستطيع النظام متابعة الكلام، أو الصمت عندما يحتاج المستخدم إلى التفكير، أو الرد السريع، أو استخدام عبارات قصيرة تدل على أنه يتابع الحديث.

تقول «أوبن إيه آي» إن «GPT-Live» يستطيع اتخاذ قرارات تفاعلية مرات عدة في الثانية، مثل أن يتكلم أو يواصل الاستماع أو يتوقف أو يقاطع أو يستدعي أداة أخرى. هذا التحول مهم لأن كثيراً من الإحباط في تجارب الصوت السابقة كان ناتجاً عن سوء تقدير لحظة انتهاء الكلام، خصوصاً عند وجود توقف قصير أو ضوضاء في الخلفية.

يمكن للنموذج الاستعانة بنماذج أقوى في الخلفية عند الحاجة إلى تحليل أعمق أو تنفيذ مهام أكثر تعقيداً (رويترز)

تفاعل مستمر

توضح الشركة أن أجيالاً سابقة من أنظمة الصوت اعتمدت على سلسلة من النماذج المتتابعة أي نموذج يحول الكلام إلى نص، ثم نموذج لغوي ينتج الإجابة، ثم نموذج آخر يحول النص إلى صوت. هذه الطريقة فتحت الباب أمام المحادثة الصوتية مع نماذج متقدمة، لكنها كانت بطيئة نسبياً، وقد تفقد بعض المعلومات أثناء انتقالها بين النماذج.

أما «Advanced Voice Mode» فاختصر بعض هذه الخطوات عبر معالجة الصوت وإنتاجه داخل نموذج واحد، لكنه ظل قائماً على مبدأ الأدوار المنفصلة بين المستخدم والنظام. لذلك لم يكن الحوار دائماً بالمرونة نفسها التي تحدث في المحادثات البشرية، حيث يمكن للشخصين المقاطعة والتوضيح والتوقف والمتابعة بصورة طبيعية.

يحاول «GPT-Live» تجاوز هذا القيد عبر معالجة مستمرة للمدخلات الصوتية أثناء توليد الرد، مما يسمح بتدفق أكثر مرونة. وتقول الشركة إن ذلك يدعم أيضاً استخدامات مثل الترجمة المباشرة، لأن النظام لا يحتاج إلى انتظار انتهاء مقطع طويل قبل أن يبدأ في التعامل معه.

عقل أعمق في الخلفية

لا يقتصر التغيير على أسلوب الحوار حيث إن النموذج الجديد يفصل بين طبقة التفاعل الصوتي السريع والمهام التي تحتاج إلى تفكير أعمق أو بحث أو تنفيذ خطوات أكثر تعقيداً. عند الحاجة، يمكن لـ«GPT-Live» أن يحيل المهمة إلى نموذج أكثر تقدماً في الخلفية، مثل «GPT-5.5» عند الإطلاق، ثم يعيد النتيجة إلى المحادثة عندما تصبح جاهزة.

هذا التصميم يعالج مشكلة عملية في واجهات الصوت. فالمستخدم لا يريد أن تتحول كل مهمة صعبة إلى صمت طويل، ولا يريد في الوقت نفسه إجابة سطحية لمجرد الحفاظ على سرعة الحوار. لذلك يحاول النظام الجمع بين الاستجابة الصوتية السريعة والقدرة على الاستعانة بنموذج أقوى للبحث أو التحليل أو تنفيذ مهام أكثر تعقيداً.

وتشير «أوبن إيه آي» إلى أن هذا النهج قد يفتح لاحقاً المجال أمام استخدام الصوت في أعمال أطول وأكثر تعقيداً وذات طابع وكيل، حيث لا يكتفي النموذج بالرد، بل يساعد في إنجاز مهام متعددة أثناء استمرار المحادثة.

يهدف «GPT-Live» إلى تحسين سلاسة الحوار الصوتي خصوصاً عند المقاطعة أو التوقف أو وجود ضوضاء في الخلفية (رويترز)

تجربة جديدة داخل «تشات جي بي تي»

مع الطرح الجديد، يصبح «GPT-Live» المحرك الافتراضي لتجربة الصوت في «تشات جي بي تي». وستحصل خطط «Go» و«Plus» و«Pro» على: «GPT-Live-1» بينما تعتمد الخطة المجانية على «GPT-Live-1 mini». وتقول الشركة إن أكثر من 150 مليون شخص يستخدمون أسبوعياً ميزات مثل الصوت والإملاء داخل «تشات جي بي تي»، سواء للمساعدة اليومية من دون استخدام اليدين، أو ممارسة اللغات، أو المحادثة أثناء التنقل.

وتتضمن التجربة الجديدة قدرة أفضل على الاستماع في ظروف أقل مثالية، مثل وجود ضوضاء في الطريق أو محادثات قريبة، إضافة إلى إمكانية أن يطلب المستخدم من النظام أن ينتظر أو يصمت أو يبطئ إيقاعه. كما أعادت الشركة تحسين الأصوات التسعة المتاحة في «تشات جي بي تي» لتناسب النموذج الجديد.

وتضيف «أوبن إيه آي» أن الصوت سيستمر في دعم البحث والذاكرة والصور ورفع الملفات، مع إمكانية عرض بطاقات مرئية لبعض الإجابات، مثل الطقس أو الأسهم أو الرياضة، أثناء استمرار المحادثة الصوتية.

السلامة في محادثة فورية

لأن الصوت أكثر قرباً وحساسية من النص، خصصت الشركة جانباً من الإعلان لإجراءات السلامة. فقد وسّعت اختبارات النموذج لتشمل تقييمات صوتية مرتبطة بمخاطر مثل إيذاء النفس، والاعتماد العاطفي على الذكاء الاصطناعي، والعنف، والمحتوى الجنسي. كما تقول إن النظام يملك آليات يمكن أن تتدخل أثناء الكلام إذا رصدت مخرجات غير آمنة، إما بتوجيه الرد نحو مسار أكثر أماناً، أو عرض موارد دعم، أو إنهاء المحادثة في الحالات الأعلى خطراً.

وتقول الشركة أيضاً إن «GPT-Live» مصمم للمحادثة لا لتقليد أصوات أشخاص حقيقيين، ويستخدم مجموعة محددة مسبقاً من الأصوات داخل «تشات جي بي تي»، مع ضوابط تمنع انتحال الأصوات.

حدود الإطلاق

رغم الطرح الواسع، لا تزال هناك حدود واضحة. فالنموذج لا يدعم عند الإطلاق استخدام الصوت مع الفيديو أو مشاركة الشاشة داخل «تشات جي بي تي»، مع أن الشركة تقول إنها تعمل على إضافة هذه القدرات لاحقاً. كما تشير إلى أن النموذج محسن لبعض اللغات الأكثر استخداماً في «تشات جي بي تي»، وأن بعض اللغات قد تظهر فيها لكنة غير أصلية أو فجوات في الطلاقة.

يمثل «GPT-Live» محاولة لنقل الذكاء الاصطناعي الصوتي من مرحلة الأوامر المتبادلة إلى واجهة أكثر استمرارية، تستطيع الاستماع والتحدث والانتظار والاستعانة بنماذج أقوى في الخلفية. وإذا نجح هذا الاتجاه، فقد يصبح الصوت واجهة رئيسية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي، ليس فقط للسؤال والجواب، بل للتعاون على مهام يومية أطول وأكثر تعقيداً.


كيف يدعم الذكاء الاصطناعي تشغيل المطارات والموانئ السعودية بقرارات لحظية؟

تحتاج المطارات والموانئ إلى طبقة ذكاء تشغيلي تربط البيانات والعمليات والموارد لاتخاذ قرارات أفضل عند الاضطرابات (أدوبي)
تحتاج المطارات والموانئ إلى طبقة ذكاء تشغيلي تربط البيانات والعمليات والموارد لاتخاذ قرارات أفضل عند الاضطرابات (أدوبي)
TT

كيف يدعم الذكاء الاصطناعي تشغيل المطارات والموانئ السعودية بقرارات لحظية؟

تحتاج المطارات والموانئ إلى طبقة ذكاء تشغيلي تربط البيانات والعمليات والموارد لاتخاذ قرارات أفضل عند الاضطرابات (أدوبي)
تحتاج المطارات والموانئ إلى طبقة ذكاء تشغيلي تربط البيانات والعمليات والموارد لاتخاذ قرارات أفضل عند الاضطرابات (أدوبي)

تدخل استثمارات البنية التحتية في السعودية مرحلة جديدة لا تُقاس فقط بما أُنجز من مطارات وموانئ وممرات لوجستية وأنظمة طاقة وبنية رقمية، بل بقدرة هذه الأصول على العمل بوصفها منظومة واحدة. فالقيمة المقبلة لن تأتي من رفع الطاقة الاستيعابية وحدها، بل من تحسين القرارات التي تُحدد كيف تتحرك الطائرات والسفن والبضائع والطاقة والبيانات لحظة بلحظة. في هذه المرحلة، يُصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من سؤال التشغيل نفسه: كيف يمكن تحويل الأصول الكبيرة إلى عمليات أكثر كفاءة وموثوقية وقدرة على التعامل مع الاضطرابات؟

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يرى بلال أبو غزالة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «1001»، وهي شركة ناشئة لتطوير الذكاء الاصطناعي السيادي، جمعت 30 مليون دولار في جولة تمويل من الفئة «Series A»، أن الفارق بين بناء الأصول وتشغيلها بكفاءة هو الفارق بين القدرة والأداء. ويقول إن «بناء المطار أو الميناء أو الممر يمنحك القدرة، لكنه لا يمنحك تلقائياً أفضل استخدام لها»، مضيفاً أن «الأصل الأكبر لا يُدير نفسه بكفاءة، بل يُوجِد عدداً أكبر من القرارات التي يجب اتخاذها بصورة صحيحة».

بلال أبو غزالة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «1001» (الشركة)

ذكاء منذ التصميم

وتبدو هذه الفكرة جوهرية في قراءة المرحلة المقبلة من التحول السعودي. فكل أصل جديد لا يُضيف مساحة أو طاقة تشغيلية فقط، بل يُضيف شبكة جديدة من العلاقات والاعتمادات المتبادلة. فمحطة جديدة في مطار أو رصيف جديد في ميناء أو ممر لوجستي جديد لا يعمل بمعزل عن بقية المنظومة. كما أن تأخر طائرة أو سفينة واحدة قد يُغيّر خطة البوابات أو الأرصفة، ثم ينعكس على حركة الشاحنات والجمارك والمخازن ومواعيد التسليم والموارد البشرية.

ويشرح أبو غزالة أن إضافة محطة أو رصيف أو ممر جديد تعني أيضاً «إضافة آلاف الروابط الجديدة بين أشياء يؤثر بعضها في بعض». وعلى مستوى السرعة والحجم الذي تتحرك به السعودية، لا تستطيع أي فرق بشرية، مهما بلغت خبرتها، أن تحتفظ بكل هذه العلاقات في ذهنها وتتخذ القرار الأفضل في كل مرة، وفي الوقت الحقيقي على حد تعبيره.

لكن هذه الصعوبة تحمل في داخلها فرصة، فالدول التي تملك بنية تحتية قديمة تضطر غالباً إلى إدخال الذكاء الاصطناعي لاحقاً فوق أنظمة تراكمت على مدى عقود، في حين تستطيع السعودية، في مشروعات جديدة مثل مطار الملك سلمان الدولي أو الموانئ والسكك الجديدة، أن تُدخل طبقة الذكاء التشغيلي منذ مرحلة التصميم لا بعد سنوات من التشغيل. ويُعد أبو غزالة أن «معظم دول العالم عالقة في محاولة تركيب الذكاء الاصطناعي فوق أنظمة قديمة»، في حين تستطيع المملكة تصميم الذكاء داخل الأصل منذ البداية.

حل المشكلات المعقدة

وفي المطارات والموانئ، لا تكون أعقد المشكلات دائماً نقصاً في القدرة، بل خلل في التنسيق؛ لذلك لا يكفي بناء مزيد من المنشآت أو توظيف مزيد من العاملين أو إضافة برنامج تقليدي جديد. فحين تتأخر سفينة في ميناء بحجم «ميناء جدة الإسلامي» على سبيل المثال، أو يحدث اضطراب في مطار ضخم، تبدأ سلسلة من القرارات المتتابعة: أي رصيف يستخدم؟ كيف تُعاد جدولة الرافعات؟ ماذا يحدث للشاحنات والقطارات؟ كيف تُعاد ترتيبات الساحة والمستودعات والموارد؟

ويصرح أبو غزالة بأن «أصعب المشكلات في المطارات والموانئ ليست مشكلات قدرة، بل مشكلات تنسيق»، مؤكداً أنه لا يمكن حلها بصب مزيد من الخرسانة أو زيادة عدد العاملين. فإضافة الأشخاص قد تزيد عبء التنسيق، ولا تمنح بالضرورة رؤية موحدة لكل المتغيرات المتداخلة.

كما أن البرمجيات التقليدية لا تُعالج الفجوة بالكامل، لأن المشكلة الأساسية تكمن في تشتت البيانات بين أنظمة مختلفة؛ نظام للنقل، وآخر للمستودعات، وثالث لتخطيط الموارد، ورابع للجمارك أو الصيانة. كل نظام يؤدي وظيفة محددة داخل نطاقه، لكنه لا يرى العملية كاملة. لذلك يُصبح التحدي في بناء نموذج حي للعملية؛ يوحّد البيانات والعلاقات والقواعد، ويجعل اتخاذ القرار مبنياً على رؤية واحدة للمنظومة.

يستطيع الذكاء الاصطناعي تحسين قرارات إعادة جدولة الأرصفة والرافعات والشاحنات عند تأخر سفينة أو طائرة (شاترستوك)

دور الذكاء التشغيلي

ويُشدد أبو غزالة على أن نقطة البداية ليست واحدة في كل قطاع، فالمنفعة الأكبر للذكاء الاصطناعي قد تكون في استخدام القدرة الاستيعابية لدى شركة طيران، أو إدارة الاضطرابات في ميناء، أو تحسين تدفقات البضائع في مجموعة لوجستية، أو خفض استهلاك الطاقة في أصل آخر. لذلك، كما يقول، «لا نبدأ بالتخمين»، بل بفهم العملية من داخلها.

وتعتمد منهجية شركة «1001»، حسب أبو غزالة، على وضع مهندسين داخل فرق العملاء لفهم كيفية عمل المؤسسة فعلياً، لا كما تظهر في المخططات أو العروض. هؤلاء المهندسون يرسمون سير العمل والبيانات والمشكلات الأعلى قيمة، ثم يُحددون مع فرق التشغيل أول حالة استخدام يمكن أن تحقق أثراً واضحاً. بعد ذلك يُبنى «نموذج حي للعملية»، يمكن تشبيهه بخريطة رقمية عاملة توضّح الأصول والعمليات والقواعد والعلاقات بينها، وتُحدَّث في الوقت الحقيقي.

الأهمية هنا أن القيمة لا تأتي من حالة استخدام واحدة فقط. فبمجرد بناء هذا الأساس، تصبح الحالات التالية أسرع. ويشير أبو غزالة إلى أن الحالة الأولى تستغرق غالباً أطول وقت، لكن الثانية والثالثة تستفيد من النموذج نفسه، إلى أن يُصبح ما كان يحتاج إلى 16 أسبوعاً قابلاً للتنفيذ في نحو 4 أسابيع. ويُضيف أن العائد قد يكون كبيراً، إذ يمكن لحالة استخدام واحدة أن تحقق أكثر من 100 مليون دولار من القيمة في السنة الأولى.

حين تتأخر سفينة

ولشرح الفارق بين الأتمتة والذكاء، يستخدم أبو غزالة مثال سفينة تصل متأخرة عدة ساعات. هذا الحدث لا يُغيّر موعداً واحداً فقط، بل يكسر الخطة الأصلية. الرصيف المخصص لها قد يصبح مطلوباً لسفينة أخرى، والرافعات والفرق التي كانت بانتظارها تصبح غير مستغلة، والحاويات التي تحملها مرتبطة بشاحنات وقطارات ومواعيد تسليم لم تعد مناسبة، في حين تكون الساحة قد رُتبت وفق جدول الوصول القديم.

وتستطيع الأتمتة التعامل مع بعض الإجراءات الروتينية، مثل إرسال تنبيه أو تحديث جدول أو إعادة تخصيص خانة وفق قواعد ثابتة. لكن عندما يخرج الواقع عن الخطة، لا يكفي تنفيذ قاعدة محددة. المطلوب هو إعادة التفكير في العملية كلها، وتحديد أفضل خطة تعافٍ عبر آلاف المتغيرات في دقائق.

ويصرح أبو غزالة بأن هذا هو النوع من القرارات التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تحسينها، لأنه «يرى العملية كاملة في وقت واحد»، ويستطيع إعادة التخطيط بسرعة، كأي رصيف تختار السفينة المتأخرة، وكيف يُعاد ترتيب الرافعات والساحة، وكيف تُعاد جدولة الشاحنات والقطارات معاً وفق القيود الفعلية؟ ومع ذلك، لا يعني ذلك إلغاء دور الإنسان، إذ تُعرض الخطة على المشغل مع أسبابها، ويبقى القرار النهائي تحت سيطرته.

يتطلب استخدام الذكاء الاصطناعي في البنية الحرجة تحكماً بشرياً وقابلية للتفسير والتدقيق وتسجيل كل قرار (شاترستوك)

الذكاء جزء من العملية

وتختلف المخاطر عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من التحليل إلى التوصية أو التنفيذ. ففي مرحلة التحليل يبقى النظام استشارياً، فإذا أخطأ، يمكن للإنسان أن يلاحظ الخطأ قبل وقوع ضرر. أما عندما يبدأ تقديم توصيات تؤثر في تشغيل مطار أو ميناء أو أصل طاقة، فإنه يصبح جزءاً من العملية نفسها.

ويوضح أبو غزالة أن «الفشل في هذه البيئات ليس تقرير خطأ برمجياً، بل أزمة»؛ ولذلك يرتفع معيار الثقة بصورة كبيرة. ويُحدد 3 شروط أساسية، هي الاعتمادية في كل مرة، والقدرة على تفسير سبب التوصية أو الإجراء، وتسجيل كل خطوة بحيث تكون قابلة للمراجعة والعكس عند الحاجة.

ويضيف أن النظام يجب أن يُحكم ولا يُمنح الثقة بشكل مطلق، وأن الإنسان يجب أن يبقى مسيطراً، في حين يكتسب النظام استقلالية أكبر تدريجياً «قراراً بعد قرار».

وهذه النقطة تُفسر سبب تعثر كثير من مشروعات الذكاء الاصطناعي عند انتقالها من مرحلة التجربة إلى مرحلة التشغيل الفعلي. فالفجوة ليست تقنية فحسب، بل هي أيضاً تشغيلية ومؤسسية. وهناك فرق كبير بين عرض تجريبي مقنع، ونظام يثق مشغّلٌ في تشغيله بالقرب من مدرج طائرات أو على رصيف ميناء. لذلك، تصبح السيطرة على النظام، وقابلية تدقيقه، واستمرارية تشغيله، شروطاً أساسية لدخول عالم البنية التحتية الحرجة، لا مزايا إضافية يمكن تأجيلها إلى مرحلة لاحقة.

تحدي البيانات الناقصة

وتواجه العمليات الكبرى غالباً مشكلة البيانات المجزأة أو غير المكتملة، خصوصاً عندما تعتمد على أنظمة قديمة. لكن أبو غزالة يعتقد أن الحل ليس في انتظار بيانات مثالية، بل بناء التكامل وسلسلة النسب. ويقول: «لن تحصل مطلقاً على بيانات نقية من أنظمة قديمة عمرها عقود، ولا تحتاج إلى ذلك». المطلوب هو جمع المصادر المتفرقة في نموذج متناسق للعملية، مع القدرة على تتبع كل توصية إلى البيانات والمنطق والبدائل التي اعتمدت عليها.

ويُضيف أن البيانات وحدها لا تلتقط كل ما يحدث في العملية؛ حيث أن جزءاً مهماً من المعرفة يعيش في عقول الأشخاص الذين يديرونها يومياً، ولا يوجد في أي قاعدة بيانات. لذلك تستخدم «1001»، حسب أبو غزالة، وكلاء ذكاء اصطناعي يلتقطون هذا السياق من الفرق ويدمجونه في النموذج، إلى جانب بيانات الأنظمة. وعندما تظهر فجوة في البيانات أو تعارض بين المصادر، يجب أن يظهر ذلك للمشغل بدلاً من إخفائه، وأن يُصعّد القرار إلى الإنسان بدلاً من أن يخمن النظام.

لا تكفي زيادة البنية التحتية أو عدد العاملين أو إضافة برمجيات تقليدية لمعالجة مشكلات التنسيق المعقدة (شاترستوك)

السيادة ليست كافية

وتبقى السيادة جزءاً من النقاش، خصوصاً في البنية التحتية الحيوية. غير أن أبو غزالة يُحذر من اختزال المرونة في النشر المحلي فقط، معتبراً أن «النشر المحلي لا يعني تلقائياً المرونة»، لأن هناك مشكلتين منفصلتين، الأولى هي خطر السيطرة الأجنبية، والثانية هي الاعتماد على مكوّن واحد أو منشأة واحدة أو مورد واحد داخل السوق المحلية نفسها.

من هذا المنظور، تُعالج السيادة خطر «مفتاح الإيقاف» الخارجي، عندما تكون البيانات والنماذج والبنية التحتية تحت ولاية أجنبية. لكن المرونة تتطلب أيضاً تصميماً غير مقفل على نموذج أو مزود أو موقع واحد؛ لذلك يُشير بلال أبو غزالة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية البنية المحايدة تجاه النماذج والموردين، والقادرة على العمل عبر السحابة والبنية المحلية، وتقسيم المنظومة إلى أجزاء محددة، بحيث لا يؤدي تعطل مكوّن واحد إلى إسقاط العملية كلها. ويختصر هذه المعادلة بقوله إن «السيطرة المحلية من دون تكرار وبدائل هشة، والتكرار من دون سيطرة مكشوف»، ولذلك يحتاج التشغيل الوطني الذكي إلى سيادة تُقلل التعرض للخارج، وتصميم مرن يحد من نقاط الفشل المحلية.

مهارات الحسم بعد بناء الحوسبة

في السنوات الأخيرة، انشغل كثير من الدول ببناء مراكز البيانات وقدرات الحوسبة. لكن أبو غزالة يلفت إلى أن القيادة في الذكاء الاصطناعي لن تُحسم بالحوسبة وحدها، بل بالذكاء الاصطناعي التطبيقي، أي إدخال الذكاء إلى العمليات الحقيقية. ويتابع أن «الذكاء الاصطناعي التطبيقي لا يُكسب في المختبر، بل داخل أصعب العمليات الحية».

وهنا تمتلك السعودية، حسب رأيه، عوامل مساعدة بوصفها بنية تحتية ضخمة في الطيران والموانئ والطاقة واللوجستيات. كذلك قدرة على التحرك السريع عند وجود توافق مؤسسي ومشروعات جديدة يُمكن إدخال الذكاء فيها منذ البداية، إضافة إلى القدرة على الاستثمار على نطاق واسع. لكن تحويل هذه العوامل إلى أداء قابل للقياس يتطلب 3 قدرات، هي أساس بيانات يحوّل الأنظمة المتفرقة إلى أصل لاتخاذ القرار، ومهندسين يجمعون بين فهم البرمجيات وفهم التشغيل، وإرادة مؤسسية تقبل إعادة تصميم طريقة اتخاذ القرار مع وجود الحوكمة والأمن وقابلية التدقيق.

إذا تحققت هذه القدرات، تصبح الحوسبة استثماراً منتجاً، وإذا غابت، تتحول إلى قدرة مكلفة غير مستغلة. وكما يقول أبو غزالة، فإن الخطأ في هذه العناصر يجعل الاستثمار «طاقة خاملة باهظة الثمن».

مؤشرات النجاح المقبلة

ويرى أبو غزالة أن نجاح السعودية سيظهر في الانتقال من بناء بنية الذكاء الاصطناعي إلى استخدامها في العمليات الوطنية، من خلال مؤشرات عملية، لا عبر عدد التجارب أو العروض. أول هذه المؤشرات أن يعمل الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية للموانئ والمطارات والطاقة، لا أن يبقى عالقاً في المشروعات التجريبية. ويفيد بأن «95 في المائة من الذكاء الاصطناعي يموت قبل الإنتاج»؛ ولذلك فإن الإشارة الحقيقية هي أن يظهر الاستخدام اليومي في الأرقام: الإنتاجية، والالتزام بالمواعيد، ووقت التشغيل، والتكلفة.

المؤشر الثاني هو السيادة عبر البيانات والحوسبة والنماذج، فعندما تعمل الأنظمة الحرجة بذكاء مبني على بيانات المملكة ونماذجها، يُصبح هذا الذكاء أصلاً يتراكم مع كل قرار، لا خدمة يمكن تسعيرها أو خنقها أو إيقافها من الخارج. أما المؤشر الثالث فهو بقاء المعرفة داخل السوق، عبر مهندسين سعوديين وخبرات تطبيقية تتراكم مع كل نشر حقيقي.

بهذا المعنى، لا تكون المرحلة المقبلة مجرد إضافة الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية قائمة، بل اختبار لقدرة المنظومة على تحويل الأصول الكبيرة إلى عمليات أكثر ذكاءً.