البيانات الصحية للأجهزة القابلة للارتداء... هل يهتم الأطباء بها حقاً؟

كثير من مؤشراتها لا يرقى إلى مستوى المعايير الطبية

يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة
يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة
TT

البيانات الصحية للأجهزة القابلة للارتداء... هل يهتم الأطباء بها حقاً؟

يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة
يلجأ بعض المرضى إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة

وصف روبرت ف. كينيدي، الابن، وزير الصحة الأميركي، الأجهزة القابلة للارتداء -مثل الساعات أو الخواتم الذكية- بأنها وسيلة تتيح للأفراد «السيطرة على صحتهم» و«مفتاح» لمبادرة «جعل أميركا صحية مجدداً (Make America Healthy Again)».

استخدام متزايد

يمكن لهذه الأجهزة -التي تُعرف غالباً باسم «الأجهزة القابلة للارتداء» (wearables)- أن توفر تدفقاً مستمراً من البيانات المفيدة، بما في ذلك عدد الخطوات، ومعدل ضربات القلب، ومؤشرات جودة النوم، والسعرات الحرارية المحروقة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي في السنوات القليلة الماضية أن نحو 40 في المائة من الأميركيين يستخدمون نوعاً ما من هذه الأجهزة، وأن معدلات اقتنائها كانت أعلى بين المستهلكين الأصغر سناً والأكثر تمتعاً بالصحة واهتماماً باللياقة البدنية. وقال كينيدي في جلسة استماع بالكونغرس العام الماضي: «تتمثل رؤيتي في أن يرتدي كل أميركي جهازاً قابلاً للارتداء في غضون أربع سنوات».

كثير من المؤشرات لا يرقى إلى المعايير الطبية

غير أن عديداً من الأطباء يُبدون تشككاً أكبر؛ إذ يرون أن بعض المؤشرات التي توفرها هذه الأجهزة فقط هي التي تتمتع بفائدة سريرية، ولا يزالون بصدد تحديد أي منها هو الأهم وفي أي سياق. ويقول الدكتور زاهي فياض، مدير معهد الهندسة الطبية الحيوية والتصوير في مستشفى «ماونت سيناي» بنيويورك، إن هذه الأجهزة يمكن أن تساعد الأطباء على مراقبة المرضى من بُعد والكشف عن العلامات المبكرة للأمراض. لكنه أشار إلى أن عديداً من المؤشرات التي توفرها هذه الأجهزة لا ترقى حالياً إلى المعايير الطبية، كما تتوفر بيانات قليلة تثبت أن استخدامها يؤدي إلى تحسين النتائج الصحية.

ومع ذلك، يلجأ بعض المرضى -بحثاً عن إجابات- إلى عيادات أطبائهم حاملين لقطات شاشة لبيانات أجهزتهم أو أسئلة حول قراءات محيرة. كما بدأ بعض الشركات المصنِّعة لهذه الأجهزة بالسماح للمستخدمين باستشارة إخصائيين طبيين عبر تطبيقاتها.

جعلت الأجهزة القابلة للارتداء مراقبة العمليات الداخلية للجسم أسهل من أي وقت مضى

ما المؤشرات التي تهم الأطباء في الأجهزة القابلة للارتداء؟

* مراقبة الغلوكوز. غالباً ما يصف الأطباء أنواعاً محددة من الأجهزة القابلة للارتداء -مثل أجهزة المراقبة المستمرة لمستوى الغلوكوز- التي تخضع لمعايير طبية صارمة. أما بالنسبة إلى الأجهزة التي يمكن شراؤها عبر الإنترنت، فيميل الأطباء إلى التركيز فقط على عدد قليل من المؤشرات ذات الدلالة الطبية أو الأهمية التشخيصية.

* الرجفان الأذيني. على سبيل المثال، تقول الدكتورة إريكا سباتز، مديرة برنامج صحة القلب والأوعية الدموية الوقائية في كلية الطب بجامعة ييل، إن بعض الأجهزة القابلة للارتداء يمكنها رصد «الرجفان الأذيني atrial fibrillation»، وهو اضطراب في نظم القلب قد ينطوي على مخاطر صحية. وفي دراسة أُجريت على ساعة «أبل»، قارن الباحثون بين التنبيهات المتعلقة بعدم انتظام النبض وبين قراءات متزامنة تم الحصول عليها بواسطة لاصقة طبية متخصصة لتخطيط كهربائية القلب، ووجدوا أن تنبيهات الساعة كانت تتوافق مع حالات الرجفان الأذيني بنسبة 84 في المائة من الحالات.

عدد الخطوات... ومؤشرات النوم

* عدد الخطوات. وهناك مقاييس أخرى، مثل عدد الخطوات، يمكن أن توضح للأطباء مدى نشاطك البدني أو نمط حياتك الخامل. ربطت الدراسات بين قطع نحو 7000 خطوة يومياً وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري من النوع الثاني، والخرف.

* أنماط النوم الأساسية. وتشير الدكتورة شيري ماه -وهي طبيبة مختصة في طب النوم ومحاضرة مشاركة في مركز طب النوم بجامعة ستانفورد- إلى أن أنماط النوم الأساسية (مثل موعد الخلود إلى النوم، وموعد الاستيقاظ، وإجمالي ساعات النوم) تلعب دوراً مماثلاً في الأهمية؛ إذ يُعد كل من انتظام النوم ومدته أمراً جوهرياً. وقد قارن باحثون دقة ثلاثة أجهزة قابلة للارتداء شائعة الاستخدام بنتائج دراسة معيارية دقيقة للنوم (تُعد المرجع الذهبي في هذا المجال)، ووجدوا أن هذه الأجهزة تتطابق مع نتائج الدراسة بنسبة تزيد على 90 في المائة في التمييز بين حالتي النوم واليقظة.

قياسات غير دقيقة

ومع ذلك، توضح سباتز أن بعض المؤشرات -بما في ذلك ضغط الدم، ومستوى الأكسجين في الدم، ومراحل النوم- لا تُقاس بدقة بواسطة الأجهزة القابلة للارتداء. وتضيف أن مؤشرات أخرى، مثل الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO2 max) وتغير معدل ضربات القلب، قد توفر تقديرات تقريبية لمستوى اللياقة البدنية والتعافي، لكنها لا تزال غير صالحة للاستخدام في اتخاذ قرارات طبية.

كما يوفر عديد من الأجهزة القابلة للارتداء «درجات» أو مؤشرات للصحة العامة والعافية، حيث تدمج مصادر بيانات متعددة في رقم بسيط يعبر عن مقاييس مثل العمر البيولوجي، أو مستوى التوتر، أو جودة النوم. ويشير الدكتور جاغ سينغ -الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، والرئيس السابق لقسم أمراض القلب في مستشفى ماساتشوستس العام- إلى أن كل شركة تحسب هذه الدرجات بطريقة مختلفة، مستخدمةً خوارزميات خاصة بها؛ ولذا لا يستطيع الأطباء معرفة ما تقيسه هذه الدرجات فعلياً أو ما إذا كانت تعكس نتائج صحية حقيقية. ويضيف سينغ: «قد تكون هذه الأجهزة مفيدة على المستوى الفردي فيما يتعلق بالعافية، لكنني لا أعتقد أنها مفيدة للطبيب المعالج».

استخدام الأجهزة القابلة للارتداء بشكل صحيح

وقال فياض إن أفضل طريقة لاستخدام الأجهزة القابلة للارتداء هي النظر إلى الاتجاهات طويلة المدى بدلاً من الانشغال المفرط بالتقلبات اليومية. قد يكون للتغير المفاجئ أهمية إذا تزامن مع ظهور أعراض معينة، مثل الشعور بخفقان القلب في أثناء ارتفاع معدل ضربات القلب. ولكن بشكل عام، فإن قراءة واحدة غير معتادة لا تعطي دلالة قوية مقارنةً بتغير مستمر يمتد لأسابيع أو أشهر. وأضاف قائلاً: «لا تكمن قيمة الجهاز القابل للارتداء في الرقم ذاته، بل في المسار أو الاتجاه الذي يظهره».

ازدياد قلق المستخدمين بسبب قراءات الأجهزة

وأشار سينغ إلى أن الحذر نفسه ينطبق عند مقارنة بياناتك ببيانات الآخرين؛ فالأشخاص يختلفون اختلافاً كبيراً في مقاييس مثل «تباين معدل ضربات القلب» (HRV) أو «الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين» (VO2 max)، حتى وإن كانوا يتمتعون بمستويات لياقة بدنية متماثلة. وعادةً ما يكون «المستوى المرجعي» الخاص بك أكثر فائدة من أي معيار خارجي.

وذكر فياض أن الجهاز القابل للارتداء قد يكون مفيداً إذا كان يحفزك على زيادة عدد خطواتك اليومية أو يساعدك على ملاحظة أن تناول الكحول يؤثر سلباً على معدل ضربات القلب في أثناء الراحة. ولكن إذا أدى تتبع البيانات بشكل قهري إلى شعورك بالقلق أو الإحباط، فقد يكون ضرر الجهاز أكبر من نفعه. فعلى سبيل المثال، قد تؤدي هذه الأجهزة أحياناً إلى تدهور جودة النوم، وذلك وفقاً لما ذكره الدكتور إيزكيل جيه. إيمانويل، خبير السياسات الصحية بجامعة بنسلفانيا ومؤلف كتاب «Eat Your Ice Cream» (تناول الآيس كريم).

هوس «غير صحي»

وقد كشف استطلاع حديث عن أن نحو 30 في المائة من الأشخاص الذين يتتبعون بيانات نومهم كانوا عرضة لخطر الإصابة بـ«أورثوسومنيا» (orthosomnia)، وهي حالة من الهوس غير الصحي بالحصول على نوم مثالي. ويرى إيمانويل أن المقياس الأفضل هو مدى شعورك بالنشاط والحيوية في الصباح.

إذا كان القلق الناجم عن بيانات الأجهزة القابلة للارتداء يمثل مشكلة، فقد يكون الحل ببساطة هو التوقف عن تتبع هذه البيانات. ويشير سباتز إلى حل آخر يتمثل في استخدام الجهاز لأغراض محددة وقصيرة المدى -مثل زيادة مستويات النشاط أو تحسين انتظام النوم -ثم التوقف عن استخدامه بعد ذلك.

لقد جعلت الأجهزة القابلة للارتداء مراقبة العمليات الداخلية للجسم أسهل من أي وقت مضى. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث وأدوات أفضل لدمج هذه الأرقام ووضعها في سياقها الصحيح، وتحديد ما يستحق اهتمام الأطباء واتخاذ إجراء بشأنه.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

خاص ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

توسع «كوالكوم» حضورها في السعودية بالتوازي مع انتقالها نحو الذكاء الاصطناعي الوكيلي عبر مراكز البيانات والأجهزة والسيارات والصناعة.

نسيم رمضان (هاواي - الولايات المتحدة)
خاص تمتد الحوسبة الوكيلية عبر الهواتف والحواسيب والسماعات والنظارات مع اختلاف دور كل جهاز بحسب السياق والقدرات المتاحة (الشركة)

خاص كيف يعيد وكلاء الذكاء الاصطناعي تعريف دور التطبيقات في الهواتف والحواسيب؟

تدفع «كوالكوم» نحو حوسبة وكيلية تنسق بين التطبيقات والخدمات لتنفيذ المهام عبر الهواتف والحواسيب والأجهزة القابلة للارتداء.

نسيم رمضان (هاواي- الولايات المتحدة)
خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

خاص من الهاتف إلى مركز البيانات... «كوالكوم» تعيد توزيع الذكاء الاصطناعي حول المستخدم

تطرح «كوالكوم» نموذجاً لذكاء شخصي يعمل عبر الهاتف والحاسوب والأجهزة القابلة للارتداء والسحابة وفق طبيعة كل مهمة.

نسيم رمضان (هاواي (الولايات المتحدة))
خاص التدخل البشري لا يزال ضرورياً في القرارات الحساسة والقطاعات المنظمة (أدوبي)

خاص التحدي المقبل: كيف نفهم قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي قبل منحهم مزيداً من الصلاحيات؟

تبحث المؤسسات عن توازن بين استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، والمخاطر مع استمرار التدخل البشري، وأهمية الرؤية الكاملة للبيانات.

نسيم رمضان (دنفر - الولايات المتحدة)
الاقتصاد سيارات «فولكسفاغن آي دي 7» الكهربائية في مصنع الشركة بإمدن - ألمانيا (رويترز)

عمال السيارات في ألمانيا يحتجون لحماية الوظائف والمصانع

شهدت ألمانيا، يوم الاثنين، احتجاجات واسعة لعمال قطاع صناعة السيارات، للمطالبة بتحرك حكومي وإداري لحماية الوظائف، والمصانع.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)

«أوبن إيه آي» تقر بتسريب 53 صورة بالخطأ أرسلها مستخدمون عبر «تشات جي بي تي»

شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)
شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)
TT

«أوبن إيه آي» تقر بتسريب 53 صورة بالخطأ أرسلها مستخدمون عبر «تشات جي بي تي»

شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)
شعار «أوبن إيه آي» على هاتف (أ.ب)

أقرت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، بأن أدواتها للذكاء الاصطناعي نشرت على الإنترنت 53 صورة أرسلها مستخدمون عبر منصتها «تشات جي بي تي»، في تسريب جديد يطول هذه المرة بيانات مستخدمي الشركة نفسها.

كما كشفت الشركة العملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي التي تتخذ مقراً في سان فرانسيسكو، أن أدواتها اخترقت مواقع تابعة لوكالات فيدرالية أميركية، مؤكدة بذلك معلومات أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» سابقاً، لكنها أشارت إلى أنها لم تجمع فيها سوى معلومات متاحة للعموم.

وأوضحت «أوبن إيه آي» أن الروابط للصور الـ53 لم تكن متاحة للعلن، ونُشرت عن طريق الخطأ على مواقع استضافة إلكترونية، وأشارت إلى أن معظمها أزيل بمساعدة مقدمي الخدمات المضيفين المعنيين، وأن العمل يجري على إزالة الصور المتبقية، وفق ما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.

وكانت هذه الصور أُرسلت من حسابات وافق أصحابها على استخدام بياناتهم لتطوير نماذج الشركة. ومرت قبل استخدامها عبر مصفاة لخصوصية البيانات الشخصية، وأكدت الشركة أنه لم يعد بالإمكان ربط الصور بالمستخدمين الذين أرسلوها.

ولم توضح «أوبن إيه آي» ما إذا كانت هذه الصور تظهر أشخاصاً يمكن التعرف عليهم أو بيانات حساسة، ولم تكشف المزيد من التفاصيل رداً على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية.

ونُشرت الصور نتيجة سلوك «وكلاء للذكاء الاصطناعي»، وهي برمجيات مصممة بناءً على نماذج ذكاء اصطناعي وقادرة على تنفيذ سلسلة من المهام المتتالية بصورة ذاتية.

وأوضحت الشركة أن أدوات ذكاء اصطناعي وكيلة يجري استخدامها في إطار أبحاثها، نقلت إلى خدمات خارجية بيانات تدريب لم تكن بمعظمها صادرة عن مستخدمين، ولفتت إلى أن عمليات النقل جرت بمعظمها قبل أن تعزز الأمن حول أبحاثها في أغسطس (آب).

وأكدت أنها تجري حالياً عملية مسح شاملة لأنشطة أدواتها الوكيلة السابقة، في عملية ستستغرق عدة أشهر.

وأقر الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، الجمعة، بأنه «لم نكن بالسرعة التي كنا نتمناها» في عمليات المراجعة والكشف عن الحوادث، مبرراً ذلك بالحجم الهائل من البيانات الواجب تحليلها.

وقال متحدث باسم «أوبن إيه آي» لوكالة الصحافة الفرنسية إن «غالبية الأنشطة التي خضعت للتدقيق حتى الآن كانت من ضمن مهام البحث الاعتيادية، كالوصول إلى محتويات متاحة للعموم على الإنترنت للإجابة عن أسئلة».

وأضاف أن «بعض هذه الأنشطة شملت مواقع حكومية، إذ غالباً ما تلجأ نماذجنا إليها باعتبارها مصادر مرجعية للمعلومات العامة».

وبذلك أكدت الشركة أن نماذجها وصلت إلى معلومات عامة على مواقع هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، الجهة الناظمة للأسواق المالية، قبل أن تنشر جزءاً منها على صفحة أخرى على الإنترنت، مشددةً على أنها لم تجد أي أثر للنفاذ إلى معلومات غير متاحة للعموم.


رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)
ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)
TT

رئيس «كوالكوم» لـ«الشرق الأوسط»: نوسّع استثماراتنا في السعودية ونراهن على اقتصاد الذكاء الاصطناعي

ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)
ترى «كوالكوم» أن الذكاء الاصطناعي الوكيلي سيغير طريقة تصميم الأجهزة (الشركة)

لم تبدأ رحلة «كوالكوم» إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مع إحدى شركات الحوسبة السحابية الكبرى في الولايات المتحدة، بل مع شركة سعودية؛ هذا ما كشفه كريستيانو آمون الرئيس التنفيذي لـ«كوالكوم»، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «Snapdragon Summit 2026» في مدينة هاواي الأميركية، قائلاً إن شركة «هيوماين» كانت أول عميل للشركة عندما بدأت تطوير رؤيتها ومنتجاتها للدخول إلى سوق مراكز البيانات.

لكن العلاقة التي يصفها آمون لا تتوقف عند هذا المشروع؛ بل تمتد اليوم إلى أجهزة الكمبيوتر المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي الصناعي مع «أرامكو»، والهندسة المحلية والسيارات، بينما يرى فرصاً مستقبلية في الروبوتات ومجالات أخرى لم تدخلها الشركة تقليدياً بالعمق نفسه.

وذكر آمون أن المشروعات الحالية للشركة في السعودية «مجرد بداية»، مشيراً إلى «تقاطعات كثيرة» بين ما تحاول «كوالكوم» بناءه، وتوجه المملكة إلى تبني تقنيات جديدة والاستثمار مبكراً في الاتجاهات التي تعيد تشكيل أسواق الحوسبة.

الشراكة مع المملكة بلا حدود

يريد آمون أن يتجاوز الحضور السعودي للشركة مفهوم السوق الذي تبيع فيه التكنولوجيا إلى دور أوسع في بناء القدرات؛ فبعد افتتاح مركزها الهندسي في الرياض وتوسيع حضور البحث والتطوير، تجعل «كوالكوم» المملكة مركزاً يخدم المنطقة، مع البحث عن مهندسين في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمنصات الحاسوبية الحديثة.

وأضاف آمون أن نطاق الفرص لا يقتصر على المشروعات الحالية في مراكز البيانات وأجهزة الكمبيوتر والقطاع الصناعي، معتبراً أن الروبوتات والسيارات مجالان إضافيان، وأنه لا يرى «حداً» لفرص الشراكة مع المملكة.

وتأتي هذه الخطوات ضمن شبكة تعاون أوسع تشمل «هيوماين» و«أرامكو» و«كاوست» وشركاء سعوديين آخرين، بما يعكس انتقال علاقة الشركة بالمملكة إلى أكثر من طبقة من سلسلة القيمة التقنية؛ من البحث والهندسة إلى البنية التحتية والأجهزة والتطبيقات الصناعية.

كريستيانو آمون الرئيس التنفيذي لشركة «كوالكوم» (الشركة)

من اللغة إلى العالم المادي

أحد أكثر المجالات التي يعتقد آمون أنها ستقود المرحلة المقبلة هو ما يسميه «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»؛ فعلى عكس النماذج التي تركز بصورة أساسية على اللغة، تتعامل هذه الأنظمة مع العالم المادي عبر بيانات الحساسات والصور والإشارات الصادرة عن المعدات والبيئات الصناعية، ما يتيح استخدامها في المصانع والطاقة والروبوتات والمركبات.

ومن هنا يربط آمون التعاون مع «أرامكو» بـ«الذكاء الاصطناعي على الحافة»، حيث تُحلل البيانات بالقرب من المكان الذي تُنتج فيه بدلاً من الاعتماد الدائم على مركز بيانات بعيد. ويشير أيضاً إلى استخدامات مرتبطة بوزارة الداخلية السعودية والمدن الذكية والرؤية الحاسوبية، إضافة إلى تعاون مع «أرامكو» على شبكات جيل خامس خاصة للبيئات الصناعية.

ويرى أن وجود الذكاء محلياً يكتسب أهمية خاصة في العمليات الصناعية المنتشرة عبر مواقع نائية، حيث تصبح الاعتمادية وسرعة الاستجابة جزءاً من متطلبات النظام، وليس مجرد تحسين في الأداء.

واعتبر أن الأتمتة الصناعية والروبوتات ستكونان من أبرز محركات نمو «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»، ما يضع القطاع الصناعي إلى جانب الأسواق الاستهلاكية ضمن مجالات النمو التي تستهدفها الشركة.

السيارة منصة حوسبة أخرى

يتقاطع هذا الاتجاه مع قطاع السيارات، الذي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من استراتيجية «كوالكوم». ولفت آمون إلى «سير»؛ شركة السيارات الكهربائية السعودية التي تستخدم تقنيات من «كوالكوم»، ضمن رؤيته لتحول السيارة إلى «كمبيوتر متصل على عجلات».

فالحوسبة داخل المركبة لم تعد تقتصر على الترفيه أو الملاحة، بل تمتد إلى المقصورة الرقمية، والتحكم بوظائف السيارة، والمركبات المعرفة بالبرمجيات، وأنظمة مساعدة السائق والاستقلالية. وأوضح أن «كوالكوم» في طريقها لأن تصبح أكبر مزود لتقنيات أشباه الموصلات لصناعة السيارات، مشيراً إلى عملها مع شركات السيارات عبر فئات متعددة.

ويعتقد أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يناسبون السيارة بصورة خاصة؛ إذ يستطيع السائق التفاعل معهم صوتياً، بينما تستفيد الأنظمة من الكاميرات والحساسات والسياق اللحظي لفهم ما يجري داخل المركبة وحولها. وهكذا تصبح السيارة، في رؤية آمون، امتداداً للفكرة نفسها التي تجمع الهاتف والكمبيوتر والنظارات والسماعات: عدة أجهزة مختلفة، لكن الذكاء الشخصي يستطيع التحرك عبرها بحسب السياق.

لماذا تغيرت أهمية الشرق الأوسط؟

عندما سألت «الشرق الأوسط» عن سبب تحول الشرق الأوسط إلى منطقة أكثر أهمية لـ«كوالكوم» مما كان عليه قبل عدة أعوام، أشار آمون إلى رغبة السعودية في التحول إلى مراكز للتكنولوجيا والاستثمار بقطاعات المستقبل وتنويع الاقتصادات. وأكد أن ذلك يتقاطع مع مسار «كوالكوم» نفسها، التي كانت أعمالها أكثر تركيزاً على سوق الهواتف قبل أن تبدأ التوسع إلى أسواق جديدة.

وفي السعودية تحديداً، ربط آمون العلاقة باستعداد المملكة للمراهنة مبكراً على توجه «كوالكوم» الجديد. واستشهد مرة أخرى بكون «هيوماين» أول عميل للشركة في مشروع مراكز البيانات، معتبراً أن ذلك أثمر عن «رابطة ثقة» ورغبة في السير معاً في هذه الرحلة. وأضاف أن هذه العلاقة كانت من أسباب قرار الشركة زيادة الموارد والتركيز على المنطقة.

توسع الشركة مفهوم الحوسبة الشخصية ليشمل الهاتف والكمبيوتر والسماعات والنظارات والسيارة (الشركة)

عندما يبدأ الهاتف بالعمل من دونك

في قمة «سنابدراغون»، انتقل الجزء الآخر من النقاش من الأسواق إلى الجهاز نفسه. ويشرح آمون التحول إلى «هاتف الذكاء الاصطناعي» بفكرة بسيطة: في السابق، عندما لا يستخدم الشخص هاتفه، كان الجهاز ينتظر. أما في عصر الوكلاء، فقد يستمر الهاتف في العمل حتى عندما لا تكون الشاشة أمام المستخدم، لأن وكيلاً قد ينفذ مهمة أو يبحث أو يتفاعل مع تطبيقات نيابة عنه.

وهذا يعني أن الهاتف أصبح مطالباً بخدمة طرفين في الوقت نفسه؛ المستخدم، ووكلاء الذكاء الاصطناعي الذين فوضهم المستخدم لتنفيذ مهام. ويقول آمون إن هذا يفرض تغييرات جوهرية على تصميم المعالج وحجم القدرة الحاسوبية والذاكرة والطاقة المطلوبة.

ومن بين ما أعلنته الشركة هذا العام معالجات تصل سرعتها القصوى إلى 5 غيغاهرتز، وهي سرعة قال آمون إنها تتحقق مع الحفاظ على عمر بطارية يمتد طوال اليوم، إضافة إلى قدرة الفئة الأعلى على تشغيل نماذج تتجاوز 30 مليار معلمة على الجهاز.

وتشير «كوالكوم» إلى أن «Snapdragon 8 Elite Extreme Gen 6» يدعم نماذج من نوع «Mixture of Experts» بأكثر من 30 مليار معلمة، مع ذاكرة مشتركة أكبر بنسبة 50 في المائة. كما طرحت الشركة هذا العام منصتين في الفئة الممتازة للمرة الأولى بدلاً من الاكتفاء بخيار واحد.

لكن آمون لا يعتقد أن الحدود الحالية ستكون كافية طويلاً؛ فقد تحدث عن الحاجة مستقبلاً إلى وحدات مساعدة مخصصة للذكاء الاصطناعي وتقنيات أكثر تكاملاً بين الحوسبة والذاكرة، في ظل ارتفاع متطلبات الوكلاء بسرعة.

«هاتف الذكاء الاصطناعي»

اقتصادياً، يرى آمون أن هذه القدرات يمكن أن تخلق دورة ترقية جديدة للأجهزة؛ فبدلاً من شراء هاتف جديد فقط للحصول على كاميرا أفضل أو بطارية أطول أو أداء أعلى، قد يظهر دافع جديد حين تصبح قدرات الذكاء الاصطناعي المتاحة على الأجهزة الجديدة مختلفة بما يكفي عن الأجيال السابقة.

وقال إن الصناعة تنتظر الانتقال من الهواتف الذكية الحالية إلى «هواتف الذكاء الاصطناعي»، متوقعاً أن يخلق ذلك طلباً على فئات وتجارب جديدة. ويرى أن إيقاع سوق الهواتف، الذي اعتادت فيه «كوالكوم» تطوير جيل جديد كل عام، منحها قدرة على التعامل مع السرعة الحالية في تطور الذكاء الاصطناعي، ونقل هذا النمط من الابتكار إلى أسواق أخرى.

ذكاء شخصي لا يرتبط بجهاز واحد

يصل آمون إلى أبعد من الهاتف في تعريف مستقبل الحوسبة الشخصية؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عما إذا كانت «كوالكوم» تريد أن يصبح «سنابدراغون» طبقة الحوسبة التي ينتقل عبرها ذكاء شخصي واحد بين أجهزة المستخدم، رد أن هذه «طريقة جيدة» لوصف الاتجاه. وتسمي الشركة ذلك «الذكاء المتصل في كل مكان»؛ فـ«سنابدراغون» موجود في الهاتف، والنظارات الذكية، والمقصورة الرقمية داخل السيارة، فيما تتوسع المنصة إلى فئات جديدة مثل المعلقات الذكية والمجوهرات والأجهزة الصوتية. وأردف آمون أن مفهوم التنقل في المستقبل لن يتعلق بجهاز واحد، بل بمجموعة أجهزة تتحول كلها إلى نقاط اتصال لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

الخصوصية والأمن والسيطرة على الذاكرة الشخصية أصبحت عناصر أساسية مع الحاجة إلى تحديد ما ينتقل إلى السحابة (الشركة)

الأجهزة الصوتية

يظهر هذا الاتجاه أيضاً في الأجهزة الصوتية؛ فقد كشفت «كوالكوم» خلال القمة عن منصة «Snapdragon Sound Elite Gen 2»، التي صُممت لدفع السماعات والأجهزة القابلة للارتداء نحو دور يتجاوز تشغيل الصوت إلى العمل واجهاتٍ دائمة للذكاء الاصطناعي الشخصي.

وتقول الشركة إن المنصة توفر ما يصل إلى ضعفي قدرات الذكاء الاصطناعي على الجهاز مقارنة بالجيل السابق، مع استهلاك طاقة أقل بما يصل إلى 40 في المائة، وتدعم الاتصال المباشر بالخدمات السحابية عبر «واي فاي» من دون الحاجة دائماً إلى تمرير الاتصال عبر الهاتف. وتشمل الاستخدامات المستهدفة المساعدات الذكية والترجمة والنسخ وفهم السياق، ضمن فئات تمتد من السماعات التقليدية إلى النظارات الصوتية والأجهزة القابلة للارتداء الجديدة.

وتظهر الفكرة نفسها في إعلان «Googlebook»، وهي فئة جديدة من الحواسيب المحمولة تعمل بمنصة «Snapdragon X Elite» ومصممة حول «Gemini Intelligence». وتذكر «كوالكوم» أن أجهزة من «ديل» و«إتش بي» ستكون من أوائل المنتجات في هذه الفئة، مع دعم تطبيقات «أندرويد» الأصلية وتكامل بين الحاسوب والهاتف وقدرات ذكاء اصطناعي على الجهاز.

معادلة الثقة وتقليل الاحتكاك

يحتاج الذكاء الشخصي الذي يتبع المستخدم عبر عدة أجهزة إلى معرفة الكثير عنه، وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية. ويضع آمون نجاح هذه التجربة بين عاملين مترابطين؛ هما الثقة وتقليل الاحتكاك.

فإذا لم يعرف الوكيل سياق المستخدم، فلن يكون مفيداً بما يكفي، وسيجد الشخص أنه من الأسهل تنفيذ المهمة بنفسه. وفي المقابل، لن يمنح المستخدم هذا السياق لوكيل لا يثق في طريقة وصوله إلى البيانات أو تخزينها أو استخدامها.

ويذكر آمون أن المستهلك يجب أن يمتلك خياراً في تحديد المعلومات التي يمكن إرسالها إلى خدمات سحابية، وتلك التي يريد إبقاءها على الجهاز، مع نظام صلاحيات يحدد ما يستطيع الوكيل الوصول إليه. وتعمل «كوالكوم»، بحسب آمون، على بناء هذه الآليات داخل المنصة، بحيث يستطيع المستخدم تحديد مكان تخزين البيانات ومنح الأذونات المناسبة. ويشدد على أن هذه الحاجة إلى الخصوصية والسيطرة، إلى جانب سرعة المعالجة، من الأسباب التي تجعل الذكاء الاصطناعي المحلي على الجهاز مهماً بالتوازي مع السحابة. ولم يقدم آمون الأمر باعتباره مشكلة حُلّت، وقال صراحة: «لا أعتقد أننا نملك كل الإجابات».

من الذاكرة الشخصية إلى السيادة

يقود ذلك إلى مفهوم أوسع للذكاء الاصطناعي السيادي. ولا يرى كريستيانو آمون السيادة مرتبطة فقط بالطريقة التي تدير بها الدول أنظمة الدفاع أو الخدمات المالية أو الوظائف الحكومية، بل يمكن أن تمتد أيضاً إلى بيانات المواطنين ومدى قدرتهم على التحكم في الأجزاء التي يرغبون في إتاحتها لوكلاء الذكاء الاصطناعي. وبرأيه فإن هذه الأسئلة توفر فرصاً أكبر للنماذج السيادية التي تجمع قدرات محلية في مراكز البيانات مع ذكاء يعمل على الأجهزة، وهو السياق الذي يضع فيه أيضاً تعاون الشركة مع «هيوماين».

جهاز «HUMAIN Horizon Ultra» من شركة «هيوماين» الذي يعمل بمنصة «Snapdragon X2 Elite» (الشرق الأوسط)

عندما يتصرف الوكيل باسم المستخدم

تصبح المشكلة الأمنية أكثر تعقيداً عندما لا يكتفي الوكيل بمعرفة المعلومات، بل يبدأ باستخدام بيانات اعتماد المستخدم والتفاعل مع خدمات خارجية نيابة عنه. ويرى آمون أن هذا يستدعي مستويات جديدة من المصادقة المستمرة للتأكد من أن الوكيل يعمل فعلاً لصالح الشخص المخول، مع دور أكبر للقياسات الحيوية وتخزين بيانات الاعتماد والمعلومات الحساسة داخل مناطق آمنة. ويشمل ذلك أيضاً ما وصفه بـ«خريطة الذاكرة الشخصية» للمستخدم، التي تحتاج بدورها إلى حماية. ويشدد على أن جزءاً مهماً من هذه الضمانات يجب أن يكون مدعوماً على مستوى العتاد نفسه، لا أن يظل مجرد طبقة برمجية تضاف فوق النظام، وهو ما يربطه بالآليات الأمنية الموجودة داخل منصات «سنابدراغون».

الجهاز والسحابة ينموان معاً

رغم تركيز «كوالكوم» على الذكاء الاصطناعي المحلي، لا يتوقع آمون أن يحل الجهاز محل السحابة. ويضرب مثالاً بتطبيقات الهاتف الحالية: المستخدم لا يعرف غالباً، ولا يحتاج إلى معرفة، أي جزء من التطبيق يعمل على الجهاز وأي جزء يعمل في مركز البيانات.

ويتوقع أن يعمل الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها؛ بحيث تنتقل المهام بسلاسة بين الجهاز والسحابة وفق الخدمة المطلوبة، والأداء، والخصوصية، والصلاحيات التي حددها المستخدم.

وأضاف أنه يرغب في مستقبل يمنح المستخدم صلاحية واضحة على هذه الاختيارات، حتى لو أصبحت عملية توزيع الأحمال نفسها شفافة بالنسبة إليه. ويرفض آمون أيضاً فرضية أن زيادة الحوسبة على الأجهزة ستخفض الطلب على مراكز البيانات. ويقول إن الاثنين «ينموان معاً»؛ فهناك وظائف يجب أن تحدث محلياً، بينما تحتاج مهام أخرى إلى قدرات السحابة الأكبر. ومع ازدياد عدد الوكلاء وتكرار استخدامها طوال اليوم، قد يرتفع إجمالي الطلب على الحوسبة في الطرفين بدلاً من أن ينتقل الحمل ببساطة من مكان إلى آخر.

سقف الحوسبة لم يتحدد بعد

يفسر هذا أيضاً قرار «كوالكوم» تقديم منصتين في قمة فئة «Snapdragon 8 Elite» للمرة الأولى؛ فالهاتف الرائد التقليدي لا يزال مطالباً بتقديم كاميرا أفضل وأداء أعلى وبطارية أطول وتجارب ألعاب متقدمة، لكن بعض الاستخدامات الوكيلية بدأت تضيف مستوى جديداً من الطلب على الحوسبة.

وذكر آمون أن الصناعة تمر الآن بمرحلة انتقال من «الهواتف الذكية» إلى «هواتف الذكاء الاصطناعي»، ولا تعرف بعد أين يوجد الحد الأعلى للقدرة التي ستحتاج إليها التطبيقات الجديدة. وتابع أن شركات الذكاء الاصطناعي والمستخدمين «يريدون مزيداً من الحوسبة»، ولذلك ما زالت الشركة تختبر إلى أي مدى يمكن لهذا الطلب أن يمتد.

نجاج الرهان

لا يقيس الرئيس التنفيذي لـ«كوالكوم» نجاح الرهان على عصر الوكلاء بسرعة معالج، أو بعدد النماذج التي يمكن تشغيلها؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عما سيعتبره دليلاً على نجاح الاستراتيجية في السنوات الثلاث المقبلة حدد 3 مؤشرات؛ الأول: انتقال الاستخدام اليومي من نموذج يتمحور حول التطبيقات إلى نموذج يعتمد فيه الناس بصورة أكبر على الوكلاء لإنجاز المهام. والثاني أن تتوزع تجربة الحوسبة الشخصية على مزيد من الأجهزة، مع انتشار النظارات والساعات والمعلقات وغيرها من فئات الذكاء الشخصي. أما الثالث فهو ظهور دورة ترقية واضحة يبدأ فيها المستهلك بالقول إنه يحتاج إلى «هاتف ذكاء اصطناعي» جديد، بالطريقة نفسها التي دفعت فيها التحولات التقنية السابقة المستخدمين إلى أجيال جديدة من الأجهزة.

لكن نجاح هذه الرؤية سيعتمد في النهاية على معادلة لم تُحسم بعد: كلما عرف الوكيل أكثر عن المستخدم، أصبح أكثر فائدة، وكلما مُنح صلاحيات أكبر، أصبحت الأسئلة حول الخصوصية والأمن والسيطرة أكثر حساسية. وبين الرغبة في جعل الذكاء الاصطناعي يعمل باستمرار في الخلفية، والحاجة إلى إبقاء القرار والبيانات تحت سيطرة المستخدم، يرى آمون أن الصناعة لا تزال في بداية تحديد الحدود التي سيقبل بها الناس فعلياً.


عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
TT

عدسة لاصقة ذكية تقيس التوتر عبر الدموع

العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)
العدسة الجديدة تلتقط مؤشرات التوتر من الدموع (معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي)

طوّر باحثون في معهد تيراساكي للابتكار الطبي الحيوي بالولايات المتحدة عدسة لاصقة ذكية وناعمة قابلة لإعادة الاستخدام، يمكنها قياس مستويات السيروتونين مباشرة من الدموع.

وأوضح الباحثون أن هذه الخطوة قد تمهد لتطوير وسائل غير جراحية لمتابعة بعض التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر مع مرور الوقت، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية (Science Translational Medicine).

ويُعد التوتر استجابة طبيعية للضغوط والمواقف الصعبة، إذ يطلق سلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تساعد الجسم على التعامل معها. لكن استمرار التوتر أو تكراره لفترات طويلة قد يرتبط بتغيرات في النوم والمزاج وصحة القلب والمناعة والتمثيل الغذائي. وتحتاج متابعة المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر عادةً إلى عينات أو فحوص مخبرية، ما يدفع الباحثين إلى تطوير وسائل أسهل وأقل تدخلاً.

ويؤدي جزيء السيروتونين أدواراً متعددة في الجسم، من بينها المشاركة في تنظيم المزاج وبعض العمليات المرتبطة بالاستجابة للتوتر، كما يوجد في الدموع؛ لذلك بحث الفريق إمكانية قياس تغير مستوياته باستخدام جهاز يُرتدى على سطح العين، ضمن مشروع أوسع لدراسة الدموع كمصدر للمعلومات الكيميائية الحيوية عن الجسم.

ودمج الباحثون مستشعراً رقيقاً ومرناً داخل عدسة لاصقة ناعمة تقليدية. ويعتمد المستشعر على مركب «الفيروسين» (Ferrocene)، الذي يتفاعل كيميائياً مع السيروتونين، مولداً إشارة كهربائية صغيرة يمكن قياسها وتحويلها إلى قراءة لتركيزه.

وأظهرت الاختبارات قدرة المستشعر على اكتشاف السيروتونين بتركيزات منخفضة للغاية، بما يكفي لرصد تغيرات صغيرة في مستوياته.

واختبر الفريق العدسة أولاً على فئران تجارب تعرضت لتوتر مزمن، فلاحظ انخفاض مستويات السيروتونين في الدموع، بالتزامن مع ارتفاع الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط باستجابة الجسم للتوتر، في الدم والدموع.

وفي تجربة بشرية أولية شملت 10 متطوعين، جُمعت عينات من الدموع خلال اختبار موحد لإحداث حالة من التوتر. وأظهرت النتائج نمطاً مشابهاً؛ إذ انخفضت مستويات السيروتونين في أثناء المهمة، قبل أن تبدأ في العودة نحو مستويات خط الأساس بعد انتهائها.

ومن أبرز نتائج الدراسة أن العدسة حافظت على دقة القياسات خلال ما يصل إلى 400 استخدام على مدى عدة أيام، ما يشير إلى إمكانية تصميمها للاستخدام المتكرر.

لكن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تعني أن العدسة أصبحت أداة لتشخيص التوتر أو الاضطرابات النفسية، إذ كانت التجربة البشرية صغيرة ومحدودة، ولا يزال من الضروري إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد العلاقة بين السيروتونين في الدموع والتوتر والصحة النفسية، كما أن النظام الحالي لا يمثل جهازاً طبياً مستقلاً؛ فهو يعتمد على مكونات خارجية لجمع القياسات وتحليلها. ويعمل الفريق على تطوير نسخة أكثر تكاملاً مزودة بمكونات لاسلكية تتيح جمع البيانات ونقلها في الوقت الفعلي في أثناء ارتداء العدسة.