هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

الهويات المصطنعة... التهديد الذي ينمو بصمت

الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)
الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)
TT

هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)
الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)

لم يعد الاحتيال الرقمي يستهدف الأنظمة التقنية بقدر ما يستهدف الإنسان نفسه. هذا التحول لا يقتصر على تطور في الأساليب، بل يعكس تغييراً أعمق في طبيعة الهجوم، حيث أصبحت الثقة البشرية هي نقطة الاختراق الأساسية. وفي ظل تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي، يطرح هذا الواقع أسئلة جديدة حول قدرة المؤسسات على مواكبة التهديدات، وحول ما إذا كانت أدوات الحماية الحالية لا تزال صالحة.

يوضح عبد حمَندي كبير مديري قسم الاستشارات لمكافحة الاحتيال والاستخبارات الأمنية في شركة «ساس» (SAS) أن ما نشهده اليوم «ليس تغييراً دورياً، بل هو تغيير هيكلي، لأن وحدة الهجوم قد تغيرت». ويشير حمندي خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن المحتالين لم يعودوا يركزون على استغلال الثغرات التقنية، بل على «التلاعب بالسلوك البشري»، حيث يصبح العميل نفسه جزءاً من تنفيذ عملية الاحتيال.

عبد حمَندي كبير مديري قسم الاستشارات لمكافحة الاحتيال والاستخبارات الأمنية في شركة «ساس» (ساس)

نهاية كفاية الأنظمة التقليدية

على مدى سنوات، استثمرت المؤسسات المالية بشكل كبير في أنظمة مراقبة المعاملات التي تعتمد على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية. لكن هذه المقاربة، رغم أهميتها، لم تعد كافية بمفردها. فعمليات الاحتيال الحديثة باتت تُصمَّم لتبدو طبيعية تماماً، من حيث الجهاز المستخدم، وسلوك العميل، وبياناته.

ويشرح حمندي أن هذه الأنظمة «لا تزال لها قيمة، لكنها لا ترى إلا ما ينحرف عن المسار المعتاد»، في حين أن الاحتيال المعاصر يتعمّد الاندماج داخل هذا المسار. وهذا يعني أن المؤسسات قد تبدو كأنها تحسّن أدواتها باستمرار، لكنها في الواقع «تدافع عن جزء محدود من نطاق المعركة»، بينما يتحرك التهديد الحقيقي في مساحة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالسلوك والنية.

هذا التحول يفرض إعادة تعريف جوهرية لمفهوم الاحتيال نفسه. فبدلاً من التركيز على ما إذا كانت المعاملة صحيحة تقنياً، يصبح السؤال: هل تم اتخاذ القرار بحرية ووعي؟

في كثير من الحالات الحديثة، يصرّح الضحايا بأنهم نفذوا العمليات بأنفسهم، لكن تحت ضغط، أو تضليل. هنا، يشير حمندي إلى ضرورة الانتقال من اعتبار التفويض دليلاً على النية، إلى اعتباره «موافقة مشروطة بالسياق»، حيث قد تكون الموافقة شكلية، لكنها لا تعكس إرادة حقيقية. هذا التغيير لا يتعلق فقط بالتقنية، بل يفتح الباب أمام إعادة النظر في حدود المسؤولية بين المؤسسات والعملاء، ويعزز الحاجة إلى آليات تدخل استباقية بدلاً من الاكتفاء بالتعويض بعد وقوع الضرر.

أساليب كشف الاحتيال التقليدية لم تعد كافية لأن العمليات الحديثة تُصمَّم لتبدو طبيعية تماماً (رويترز)

الهويات المصطنعة المتطورة

من أبرز التحديات التي تعكس هذا التحول، انتشار ما يُعرف بـ«الهويات المصطنعة»، وهي هويات تُبنى تدريجياً لتبدو حقيقية تماماً قبل أن تُستخدم في الاحتيال. في هذا السياق، لم يعد التحقق من الهوية (KYC) عملية تُجرى مرة واحدة عند فتح الحساب، بل يجب أن يتحول إلى عملية مستمرة. ويؤكد حمندي أن الهدف لم يعد التحقق من صحة المستندات فقط، بل تقييم ما إذا كانت الهوية «تُظهر نمطاً سلوكياً يتطور بمرور الوقت كما يفعل شخص حقيقي».

المفارقة هنا أن السلوك «المثالي» قد يكون في حد ذاته مؤشراً على الاحتيال، إذ إن البشر بطبيعتهم غير متسقين تماماً، بينما تميل الأنظمة المصطنعة إلى تقديم صورة أكثر انتظاماً.

ورغم التطور التقني، لا تكمن المشكلة فقط في الأدوات أو البيانات، بل في غياب التنسيق بين الجهات المختلفة. فالمؤسسات غالباً ما ترى جزءاً محدوداً من سلوك المستخدم، وهو ما تستغله الهويات المصطنعة.

ويشير حمندي إلى أن التحدي الأكبر يكمن في «تنسيق النظام البيئي»، حيث تحتاج المؤسسات إلى تبادل البيانات بشكل آمن، وتطوير أطر مشتركة للاستخبارات، إضافة إلى وضوح تنظيمي يسمح بتكوين صورة شاملة.

سباق غير متكافئ

مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في هذا المجال، يبدو أن المحتالين في كثير من الأحيان يتحركون بسرعة أكبر من المؤسسات. ويرجع ذلك إلى أنهم يعملون خارج القيود التنظيمية، ومن دون إرث تقني معقد، ما يمنحهم مرونة أكبر في التجريب. ومع ذلك، لا يرى حمندي أن المؤسسات في موقع ضعف مطلق، بل يشير إلى أنها تمتلك مزايا مهمة، مثل الثقة، وحجم البيانات، لكن المشكلة تكمن في «بطء التبني، وصعوبة دمج الأنظمة»، وليس في نقص القدرات.

وفي ظل تقنيات مثل استنساخ الصوت، والتزييف العميق، أصبحت وسائل المصادقة التقليدية أكثر عرضة للاختراق. وفي بعض الحالات، يشير حمندي إلى أن هذه التقنيات «قد سبق أن تجاوزت بالفعل» هذه الأساليب.

البديل الذي يبرز هنا هو مفهوم «المصادقة المستمرة»، حيث لا يتم التحقق من هوية المستخدم في نقطة واحدة فقط، بل يتم تقييم مستوى الثقة بشكل ديناميكي بناءً على السلوك والسياق. غير أن تطبيق هذا النموذج يتطلب توازناً دقيقاً بين الحماية وتجربة المستخدم.

التحقق من الهوية لم يعد إجراءً لمرة واحدة بل عملية مستمرة تعتمد على تحليل السلوك مع مرور الوقت (شاترستوك)

بين الحماية والمراقبة

الاعتماد على السلوك كمؤشر رئيس يطرح بدوره تساؤلات أخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالخصوصية. لكن حمندي يوضح أن المسألة لا تتعلق بالمراقبة، بل بـ«الملاءمة»، حيث يركز التحليل السلوكي على مؤشرات مرتبطة بالمخاطر، مثل التغيرات المفاجئة، أو التردد، وليس على المعتقدات الشخصية. الحد الفاصل هنا، بحسب رأيه، يكمن في النية والمساءلة. فالحماية تكون مشروعة عندما تكون قابلة للتفسير، ومتناسبة مع الهدف، بينما يتحول الأمر إلى تنميط غير أخلاقي إذا أصبح غامضاً، أو تمييزياً.

ورغم إدراك الجهات التنظيمية لطبيعة التهديدات الجديدة، لا تزال بعض الأطر التنظيمية تعكس تصوراً قديماً للاحتيال باعتباره مشكلة تقنية، وليس سلوكاً ديناميكياً. ومع ذلك، هناك مؤشرات على تحول تدريجي نحو نماذج أكثر مرونة تعتمد على الحوار، والتجريب، لكن التحدي يبقى في تسريع التنسيق بين الابتكار والسياسات.

مخاطر تتجاوز المال

إذا لم تتمكن المؤسسات من تحديث أنظمتها، فإن المخاطر لن تقتصر على الخسائر المالية. يحذر حمندي من احتمال «تآكل الثقة في الخدمات المصرفية الرقمية، وأنظمة المدفوعات، بل وحتى في مفهوم الهوية الرقمية ذاته». كما أن الفئات الأكثر ضعفاً ستكون الأكثر تضرراً، ما يضيف بُعداً اجتماعياً للأزمة، ويجعل من مكافحة الاحتيال مسؤولية تتجاوز الجانب التقني لتصبح قضية تتعلق بالثقة، والاستقرار.

يعكس هذا التحول مساراً أوسع في عالم التكنولوجيا، حيث لم يعد التحدي فيما يمكن للأنظمة أن تفعله، بل في كيفية استخدامها، ولصالح من.

ومع انتقال الاحتيال من استهداف الأنظمة إلى استهداف الإنسان، تصبح الحاجة إلى إعادة التفكير في أدوات الحماية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالرهان اليوم لم يعد على اكتشاف الهجمات بعد وقوعها، بل على فهم السلوك البشري قبل أن يتحول إلى نقطة ضعف.


مقالات ذات صلة

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

تُظهر دراسة أن تدريباً بصرياً قصيراً يحسِّن قدرة البشر على كشف الوجوه الاصطناعية، عبر ملاحظة التماثل والجاذبية وتناسق الملامح.

نسيم رمضان (لندن )
تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن تفعيل العديد من الخصائص من خلال الشاشة التي تعمل باللمس

«ساوندكور ليبرتي 5 برو»... تجربة صوتية ذكية

تؤمّن ترجمة فورية بين أكثر من 100 لغة أثناء المحادثات المباشرة وجهاً لوجه

خلدون غسان سعيد (جدة)
تحليل إخباري رسم توضيحي مُولَّد بالذكاء الاصطناعي

تحليل إخباري سباق التسلّح الجديد... أين آليات التحقق والضوابط الإنقاذية؟

يجد العالم نفسه أمام سباق تسلّح جديد يختلف في أدواته عن سباقات القرن العشرين، لكنه لا يقل خطورة عنها...

أنطوان الحاج
تكنولوجيا يجمع النظام بين هيكل خارجي قابل للارتداء وذراع روبوتية تعاونية لتخفيف الأعباء الجسدية على عمال المصانع (الجامعة)

نظام روبوتي قابل للارتداء يقلل الجهد العضلي لعمّال المصانع بـ65 %

يجمع النظام هيكلاً خارجياً بذراع روبوتية لتحديد وزن القطع وضبط الدعم وتقليل الجهد العضلي في المصانع بنسبة 65 في المائة.

نسيم رمضان (لندن)

الصين... بين السيارات ذاتية القيادة و«ماركسية الذكاء الاصطناعي»

نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
TT

الصين... بين السيارات ذاتية القيادة و«ماركسية الذكاء الاصطناعي»

نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني
نظم الذكاء الاصطناعي تزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

إذا كان هناك شيء واحد يخشاه الحزب «الشيوعي» الصيني، فهو طبقة عاملة «بروليتاريا» متململة ومستاءة.

الذكاء الاصطناعي وتململ العاملين

في مدينة ووهان، التي تُعد أكبر مختبر مفتوح في العالم للسيارات ذاتية القيادة، بدأ سائقو سيارات الأجرة، قبل عامين، التذمر من الأسطول المتنامي لسيارات الأجرة الآلية (الروبوتية). فتوالت العرائض، وانتشرت المنشورات والوسوم (الهاشتاغات) على وسائل التواصل الاجتماعي، وتعالت أصوات الاحتجاجات المحلية.

وقد لفت ذلك انتباه قيادة الحزب، التي سارعت إلى فرض رقابة على الاحتجاجات عبر الإنترنت. لكن ذلك أطلق في الوقت نفسه عملية مراجعة أوسع لقضية تؤرق كثيرين في الغرب أيضاً: كيف يمكن تجنب الإحلال الواسع للذكاء الاصطناعي محل البشر في سوق العمل، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية؟

نظام حوسبة من شركة «هواوي» صمم لتدريب وتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي واسعة النطاق في معرض بمدينة شنغهاي

الصين: أكبر خبرة في أتمتة الوظائف

وتتمتع الصين بخبرة تفوق معظم الدول في مجال أتمتة الوظائف؛ إذ يعمل أكثر من مليوني روبوت في مصانعها، وتجوب شاحنات التوصيل ذاتية القيادة شوارع العديد من مدنها، وتخدم الروبوتات الضيوف في الفنادق والمطاعم، وتقوم روبوتات مواقف السيارات باستبدال بطاريات السيارات الكهربائية المستنفدة، كما تُستخدم الطائرات المسيرة لتوصيل وجبات الطعام.

العنصر البشري في صلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي

حتى الآن، اقتصرت التداعيات في الغالب على العمال اليدويين، لكن الذكاء الاصطناعي يُهدد في المقام الأول خريجي الجامعات. وبالنسبة لنظام يخشى عدم الاستقرار السياسي تُعد هذه الفئة تحديداً مجموعة لطالما سببت المتاعب تاريخياً.

ولهذا السبب، أصبح هدف الصين المتمثل في أن تصبح القوة العظمى العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي مقترناً رسمياً بهدف آخر: إبقاء البشر في صلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وقد بدأت الحكومة، خلال العام الماضي اتخاذ خطوات أكثر حزماً لتحقيق ذلك.

الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرات البشر

عندما يريد الحزب «الشيوعي» الصيني إظهار جديته بشأن أمر ما فإنه يدرجه ضمن خطته الخمسية. وفي الصفحة الـ72 من خطتها الخمسية الحالية تتعهد الصين بـ«معالجة شاملة» لتأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف.

وتحدثتُ إلى كايل تشان، الباحث في معهد «بروكينغز» والمتخصص في دراسة سياسة الصين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي؛ فأخبرني أن الصين تريد للذكاء الاصطناعي أن يُعزز قدرات البشر -أي جعلهم أكثر إنتاجية في كل من الصناعات القديمة والجديدة- لا أن يحل محلهم. كما تؤكد الصين أنها تسعى، خلال عملية الانتقال لاقتصاد الذكاء الاصطناعي هذا، إلى تخفيف حدة التأثيرات لتجنب أي تداعيات اجتماعية سلبية.

وكتبت زميلتي كاتي إدموندسون أخيراً عن ملامح هذا المشهد؛ إذ تعد وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي بتقديم «دعم وظيفي موجه للصناعات الرئيسية». وفي الوقت نفسه، يدعو أحد أعضاء المجلس الوطني لنواب الشعب إلى إنشاء «برنامج تأمين ضد البطالة مرتبط بالذكاء الاصطناعي»، ليكون بمثابة شبكة أمان للعمال الذين قد يفقدون وظائفهم.

كما دفع مسؤولو الحزب باتجاه تعزيز التدريب المهني لمساعدة العمال على التكيف مع سوق عمل تتمحور حول الذكاء الاصطناعي.

«الماركسية القائمة على الذكاء الاصطناعي»

هناك باحثون صينيون يعكفون على تطوير مجال يطلقون عليه اسم «الماركسية القائمة على الذكاء الاصطناعي»، محاولين تطبيق المنظور الماركسي على تساؤلات مثل: «من أو ما الذي يخلق القيمة بعد ثورة الذكاء الاصطناعي؟ هل هي الآلة؟ أم الإنسان الذي اخترعها؟ أم الإنسان الذي يشغّلها؟».

ضغط حكومي على الشركات للاحتفاظ بالعاملين

ولعل الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو الضغط الحكومي المكثف على الشركات لتجنب تسريح الموظفين؛ إذ قد يجد أولئك الذين لا يمتثلون لهذه التوجهات أنفسهم في مواجهة إجراءات قضائية. وقد صدرت بالفعل عدة أحكام قضائية بارزة لصالح عمال جرى تسريحهم؛ ففي شهر أبريل (نيسان) الماضي، قضت محكمة بأن إحدى شركات التكنولوجيا قد سرّحت عاملاً بشكل غير قانوني بعد أن استبدلت به برمجيات الذكاء الاصطناعي، وقد حمل هذا الحكم تحذيراً ضمنياً لأصحاب العمل الآخرين.

حماية الحقوق والمصالح المشروعة للعمال

وجاء في حكم محكمة هانغتشو الشعبية المتوسطة: «ينبغي توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحرير القوى العاملة، وتعزيز فرص العمل، وتحسين سبل عيش الناس». وأضافت المحكمة: «يجيز قانون العمل لأصحاب العمل إدخال التغييرات التكنولوجية، وتحديث عملياتهم، شريطة أن يراعوا في الوقت نفسه حماية الحقوق والمصالح المشروعة للعمال».

ويبقى أن نرى كيف سيُطبّق ذلك عملياً، وإلى أي مدى ستذهب الحكومة فعلياً في التعامل مع الشركات غير الممتثلة. غير أن هذه الأحكام تؤكد مدى اهتمام الصين بهذه القضية وتفكيرها العميق فيها.

أميركا والصين... رؤيتان مختلفتان للذكاء الاصطناعي

وتترك الولايات المتحدة لشركات التكنولوجيا زمام المبادرة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث ينصب تركيز «وادي السيليكون» في المقام الأول على هدف واحد: ابتكار آلات فائقة الذكاء قادرة على الحلول محل البشر. ويبدو أن إدارة الرئيس ترمب تؤيد هذا النهج إلى حد كبير، أو على الأقل ليست لديها رغبة في عرقلته.

أما النهج الصيني فيختلف عن ذلك؛ إذ تعمل الصين على تصور الشكل الذي تريده لاقتصادها ومجتمعها، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في تحقيق ذلك -حسبما يوضح تشان- فهي تسعى لبناء اقتصاد يعتمد على الذات، ولذا فهي تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في كل القطاعات الصناعية -بدءاً من المجالات الجديدة والمبهرة مثل الروبوتات، وصولاً إلى الصناعات التقليدية الأقل بريقاً مثل صناعات الصلب والأسمنت- بهدف تعزيز الإنتاجية بشكل هائل، ضماناً لعدم تعرضها مجدداً لأي نقاط ضعف استراتيجية.

كما تسعى الصين لتحقيق الاستقرار؛ ولذلك فهي تفكر -بالتزامن مع هذه الخطوات- في سبل الحفاظ على فرص العمل للبشر.

المصلحة العامة أم مصلحة الشركات؟

وتتميز الرؤية الصينية للذكاء الاصطناعي بأنها مدفوعة من قِبَل الدولة، وتهدف إلى تحقيق غايات حكومية، في حين أن الرؤية الأميركية تقودها الشركات؛ إذ تسعى شركات مثل «أوبن إيه آي» لتطوير ذكاء فائق؛ لأنه يخدم مصالحها الخاصة، وليس استجابةً لاستراتيجية أميركية شاملة في الوقت الراهن.

ويشير تشان إلى أن الدرس المستفاد من التجربة الصينية لا يكمن في ضرورة أن تحذو الدول الأخرى حذو الصين في نهجها المحدد تجاه الذكاء الاصطناعي والوظائف؛ فالسيطرة على قطاع التكنولوجيا على الطريقة الصينية، على سبيل المثال، ليست أمراً قابلاً للتطبيق في معظم الدول الغربية.

صنّاع السياسات يمتلكون القدرة على توجيه مسار التكنولوجيا

غير أن النموذج الصيني يبرهن على أن صناع السياسات يمتلكون القدرة على توجيه مسار هذه التكنولوجيا؛ إذ يستطيعون التأثير في وجهتها بدلاً من الاكتفاء بتركها تتطور وفق مساراتها الخاصة. ولا تزال الخيارات البشرية تؤدي دوراً حاسماً؛ وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، تبلور رؤيتين متباينتين للغاية لمستقبل الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع.

* خدمة «نيويورك تايمز».


6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)
أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)
TT

6 صفات قد تكشف الوجوه المولَّدة بالذكاء الاصطناعي

أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)
أمثلة على صور وجوه حقيقية واصطناعية مولَّدة باستخدام الشبكات التوليدية الخصومية ونماذج الانتشار (الجامعة)

أظهرت دراسة جديدة أن تدريباً بصرياً قصيراً يمكن أن يحسِّن قدرة الأشخاص على التمييز بين صور الوجوه الحقيقية وتلك التي أنشأها الذكاء الاصطناعي، حتى عندما تبدو الصور الاصطناعية شديدة الواقعية. وركز الباحثون على تعليم المشاركين ملاحظة الصفات العامة للوجه، بدلاً من البحث عن الأخطاء التقنية الواضحة، مثل الأصابع الزائدة أو الأقراط غير المتناسقة. وتحسَّنت دقة جميع المشاركين بعد التدريب، بينما اقترب أصحاب الأداء الأعلى من التمييز الصحيح الكامل.

وجوه يصعب تمييزها

أصبحت أدوات توليد الصور قادرة على إنشاء وجوه تبدو طبيعية، رغم أنها لا تعود إلى أشخاص حقيقيين. ويمكن استخدام هذه الصور لإنشاء حسابات مزيفة، أو دعم عمليات الاحتيال وانتحال الهوية، أو نشر معلومات مضللة عبر الإنترنت. وكانت النصائح السابقة لكشف الصور الاصطناعية تركز غالباً على العيوب التي ترتكبها النماذج، مثل عدم اتساق ملامح الوجه أو الخلفية أو الإكسسوارات. ولكن قيمة هذه العلامات تتراجع مع تحسن تقنيات التوليد، كما يستطيع المحتالون استبعاد الصور التي تحتوي على أخطاء واضحة قبل استخدامها.

وترى الباحثة الرئيسية إيمي داويل، الأستاذة المشاركة في الجامعة الأسترالية الوطنية، أن الاعتماد على هذه التفاصيل وحدها لم يحقق نجاحاً كبيراً؛ لأن النماذج باتت تنتج صوراً أكثر إقناعاً، ولأن الجهات التي تستخدمها بصورة احتيالية قد تختار بعناية الصور الخالية من العيوب الظاهرة.

صورة مصنَّعة بتقنية الذكاء الاصطناعي (بيكساباي)

​6 صفات بصرية

صمم الفريق تدريباً يوجه الانتباه إلى 6 خصائص إدراكية عامة، هي: التميز، وسهولة التذكر، وتناسق النسب، والتماثل، والجاذبية، والقدرة على التعبير. وتختلف هذه الطريقة عن محاولة اكتشاف عيب منفرد داخل الصورة؛ لأنها تركز على الانطباع الكلي الذي يصنعه الوجه.

وحسب داويل، تميل الوجوه الاصطناعية إلى أن تكون أكثر تماثلاً وتناسباً وجاذبية من الوجوه البشرية. ولكن الأشخاص غير المدربين قد يفسرون هذه الصفات على أنها أدلة على واقعية الصورة، بينما يمكن بعد التدريب استخدامها مؤشرات تدعو إلى مزيد من الحذر. ويرتبط ذلك بطريقة تدريب أنظمة توليد الصور على مجموعات كبيرة من الوجوه. فالنموذج يتعلم الخصائص المتكررة والشائعة، وقد ينتج وجوهاً تجمع نسباً وملامح أقرب إلى المتوسط، وأكثر انتظاماً من التنوع الموجود طبيعياً لدى البشر.

تحسن واضح بعد التدريب

اختبر الباحثون قدرة المشاركين على تصنيف صور الوجوه قبل تلقي التدريب وبعده. وأظهرت النتائج ارتفاع دقة جميع المشاركين، بينما حقق بعضهم أداءً اقترب من المستوى الكامل. وتشير النتيجة إلى أن ضعف قدرة البشر على اكتشاف الصور الاصطناعية ليس ثابتاً بالضرورة، وأن توجيه الانتباه إلى مؤشرات مناسبة قد يساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر دقة.

وقالت الباحثة تانيا جورج، التي تولَّت تدريب المشاركين في التجربة الرئيسية، إن حتى الجلسات القصيرة نسبياً حسَّنت القدرة على اكتشاف الوجوه التي أنشأها الذكاء الاصطناعي. وترى أن ذلك يفتح المجال أمام تطوير أدوات تعليمية عملية يمكن تقديمها للمستخدمين دون الحاجة إلى خبرة تقنية متخصصة. ولا يقتصر الهدف على تحويل الأفراد إلى خبراء في تحليل الصور؛ بل منحهم مجموعة واضحة من الأسئلة التي يمكن طرحها عند رؤية وجه مجهول في حساب أو رسالة أو إعلان.

يعتمد التدريب على ملاحظة صفات عامة مثل التماثل والجاذبية وتناسق الملامح بدلاً من البحث عن أخطاء تقنية واضحة (شاترستوك)

تكرار التجربة في كندا

أعاد فريق من جامعة فيكتوريا الكندية تنفيذ الدراسة على مجموعة جديدة من المشاركين، وحقق تحسناً مشابهاً بعد التدريب. ويكتسب تكرار النتيجة أهمية؛ لأن نجاح تجربة واحدة قد يرتبط بخصائص العينة أو بطريقة تنفيذ الاختبار. أما الحصول على نمط قريب في بلد مختلف فيدعم إمكانية تطبيق التدريب خارج البيئة التي طُوِّر فيها. كما نُفذ التدريب عبر الإنترنت، ما يعني أنه لا يحتاج بالضرورة إلى مختبرات أو تجهيزات معقدة.

ويرى الباحثون أن هذه الصيغة تسمح بتوسيعه بتكلفة محدودة ليصل إلى مجموعات كبيرة، مثل الموظفين و الطلاب والعاملين في المؤسسات المعرضة لمحاولات الاحتيال الرقمي.

الإنسان إلى جانب الخوارزميات

توجد أدوات آلية لتحليل الصور واكتشاف المحتوى الاصطناعي، ولكن الدراسة ترى أنها لا تغني عن الدور البشري. فالخوارزميات قد تواجه صعوبة عند اختبارها على صور أنشأتها نماذج لم ترها سابقاً، أو عندما تُضغَط الصور وتُعدَّل قبل نشرها. كما أن طريقة اتخاذها القرار قد لا تكون واضحة للمستخدم، ما يصعب تفسير سبب تصنيف صورة معينة بوصفها مزيفة. وترى داويل أن إبقاء البشر ضمن عملية الكشف ضروري لتطوير وسائل يمكن تفسيرها وفهمها، بدلاً من الاعتماد الكامل على أنظمة تصدر حكماً من دون توضيح أسبابه. وقد يكون النهج الأكثر فاعلية هو الجمع بين الأدوات التقنية والتدريب البشري. تستطيع البرمجيات فحص كميات كبيرة من الصور، بينما يستخدم الشخص مؤشرات مفهومة لتقييم السياق واتخاذ القرار النهائي.

نجحت تجربة مستقلة بكندا في تكرار النتائج ما يدعم إمكانية تطبيق التدريب على نطاق أوسع (رويترز)

نتائج واعدة وحدود قائمة

لا تعني الدراسة أن أي شخص يمكنه بعد تدريب قصير اكتشاف جميع الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. فقد اختُبرت الطريقة على وجوه أنتجتها نماذج «ستايل جان» (StyleGAN)، ولا يزال من الضروري معرفة ما إذا كانت المهارات نفسها تنتقل إلى الصور التي تولدها تقنيات أخرى، ومنها نماذج الانتشار الأحدث. كما يعمل الفريق على تقصير التدريب وتحسينه، وقياس المدة التي تستمر خلالها الفائدة بعد انتهاء الجلسة.

ومع التطور السريع لأدوات توليد الصور، قد تتغير العلامات التي تساعد على اكتشافها. لذلك يحتاج التدريب إلى التحديث المستمر، ولكن النتائج توضح أن البشر ليسوا عاجزين بالكامل أمام الصور الاصطناعية، وأن التعليم المبني على علم إدراك الوجوه قد يصبح جزءاً من الدفاع ضد الاحتيال والتضليل الرقمي.


دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)
يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)
TT

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)
يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

​قد لا يكون ارتفاع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء عبئاً حتمياً على الشبكات، إذا تمكنت هذه المنشآت من نقل جزء من عملياتها الحاسوبية إلى الساعات التي ينخفض فيها الطلب.

هذا ما تشير إليه دراسة جديدة لباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ذاكرة أن مرونة توقيت الاستهلاك قد تخفض تكاليف أنظمة الكهرباء، ولكنها قد تؤدي في بعض المناطق إلى زيادة الانبعاثات، تبعاً لمزيج الطاقة المتاح وطريقة تشغيل الشبكة.

وفي حين تواجه شبكات الكهرباء ضغوطاً متزايدة، مع التوسع في إنشاء مراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، يتركز القلق عادة على كمية الكهرباء التي تستهلكها هذه المنشآت. ولكن الباحثين يرون أن توقيت الاستهلاك لا يقل أهمية عن حجمه.

تقوم الفكرة على نقل جزء من العمليات الحاسوبية من فترات الذروة، مثل ساعات الصباح والمساء، إلى أوقات يتراجع فيها الطلب أو يرتفع فيها إنتاج الطاقة المتجددة.

وحسب الدراسة، قد يؤدي هذا النهج إلى خفض تكاليف الكهرباء بنسبة تصل إلى 5 في المائة في ولاية تكساس، و4 في المائة في منطقة وسط الأطلسي، و2 في المائة في ولايات غرب الولايات المتحدة.

لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب قدرة مراكز البيانات على نقل أكثر من 20 في المائة من استهلاكها إلى ساعات أخرى، وقد ترتفع النسبة المطلوبة في بعض الحالات إلى نحو 50 في المائة.

عمليات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر قابلية للتأجيل من خدمات الاستدلال التي تستجيب لطلبات المستخدمين فوراً (شاترستوك)

توزيع التكاليف على استهلاك أكبر

استخدم الباحثون نموذجاً لمحاكاة شبكة الكهرباء الأميركية على مدار عام كامل، ودرسوا سيناريوهات مختلفة لنمو مراكز البيانات في 3 مناطق، تستضيف مجتمعة معظم الطاقة الاستيعابية المتوقعة لهذه المنشآت في الولايات المتحدة بحلول عام 2030.

وتوصلت المحاكاة إلى نتيجة قد تبدو غير متوقعة، وهي أن إضافة مراكز بيانات جديدة قد تخفض متوسط تكاليف الكهرباء في بعض السيناريوهات. ويرجع ذلك إلى أن جزءاً كبيراً من تكاليف الشبكة ثابت، مثل خطوط النقل والبنية التحتية. وعندما يرتفع حجم الكهرباء المبيعة من دون زيادة مماثلة في ذروة الطلب، يمكن توزيع هذه التكاليف الثابتة على كمية أكبر من الاستهلاك. ولكن هذا الأثر يعتمد على ألا يؤدي تشغيل مراكز البيانات إلى رفع الطلب في الساعات الأعلى تكلفة، وإلا فقد تحتاج الشبكة إلى استثمارات إضافية في التوليد والنقل.

التدريب أكثر مرونة من الاستدلال

لا تتمتع جميع أعمال الذكاء الاصطناعي بالقدر نفسه من المرونة. فمراكز البيانات المستخدمة في تدريب النماذج تستهلك الطاقة غالباً بصورة منتظمة، ما قد يسمح بتأجيل بعض المهام أو نقلها زمنياً.

أما عمليات الاستدلال التي تستجيب مباشرة لطلبات المستخدمين، مثل البحث أو تشغيل الخدمات الرقمية، فتتبع أنماط الاستخدام الفعلية، ولذلك يصعب تأخيرها من دون التأثير في سرعة الخدمة. كما تعتمد مرونة مركز البيانات على نسبة الأحمال التي يمكن نقلها، وعدد الساعات التي يمكن تقديم العمليات أو تأخيرها خلالها.

قد تصل وفورات التكلفة إلى 5 % في بعض المناطق إذا امتلكت المراكز مرونة كافية في توقيت الاستهلاك (رويترز)

انخفاض التكلفة لا يعني انخفاض الانبعاثات

تُظهر الدراسة أن مرونة الاستهلاك لا تؤدي دائماً إلى نتيجة بيئية واحدة. فقد تساعد في بعض المناطق على الاستفادة من الطاقة المتجددة، بينما قد تطيل في مناطق أخرى تشغيل محطات الوقود الأحفوري.

وقدَّرت المحاكاة أن نمو مراكز البيانات المتوقع بحلول عام 2030، مقارنة بسيناريو لا يشهد نمواً، قد يرفع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 58 في المائة في تكساس، و20 في المائة في منطقة وسط الأطلسي، و24 في المائة في الغرب الأميركي.

لكن أثر المرونة يختلف باختلاف مصادر الكهرباء، ففي تكساس؛ حيث تؤدي طاقة الرياح دوراً كبيراً في الشبكة، قد يساعد نقل الاستهلاك إلى الساعات المناسبة على زيادة استخدام الكهرباء المنتَجة من الرياح، بما يخفض الانبعاثات المرتبطة بنمو مراكز البيانات. وفي المقابل، أظهرت المحاكاة أن مرونة الأحمال في منطقة وسط الأطلسي قد ترفع الانبعاثات الإجمالية بنحو 3 في المائة؛ لأن بعض العمليات قد تنتقل إلى ساعات يتراجع فيها إنتاج الشمس والرياح، ما يسمح لمحطات الفحم بالبقاء قيد التشغيل مدة أطول.

ربط أسرع مقابل مرونة أكبر

تشرح الدراسة أن الشركات قد لا تقدم هذه المرونة طوعاً؛ خصوصاً إذا خشيت فقدان ميزة تنافسية أمام شركات أخرى لا تخفض استهلاكها عند ارتفاع الطلب. ومن الخيارات المقترحة منح مراكز البيانات اتصالاً أسرع بالشبكة مقابل موافقتها على تقليل أو تأجيل بعض الأحمال خلال الفترات الحرجة. وقد يكون هذا الحافز مهماً للشركات التي تواجه فترات انتظار طويلة قبل ربط منشآتها الجديدة بالكهرباء. فالحصول على الطاقة قبل عام، مقابل خفض مؤقت لبعض العمليات في ساعات محددة، قد يكون أكثر جاذبية من انتظار اكتمال توسعات الشبكة.

وتخلص النتائج إلى أن أثر مراكز البيانات لا يتحدد بحجم استهلاكها وحده؛ بل بكيفية توزيع هذا الاستهلاك زمنياً، وبمصادر الكهرباء المتاحة في كل منطقة، وبالسياسات التي تنظم علاقتها بالشبكة.