من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

«سيسكو»: زمن استغلال الثغرات تقلّص من أشهر إلى دقائق

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
TT

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)

في عصر الذكاء الاصطناعي، يتغير أمن البنية التحتية من إدارة دورية للتحديثات إلى سباق مستمر مع ثغرات يمكن اكتشافها واستغلالها بسرعة غير مسبوقة. وترى شركة «سيسكو» أن المؤسسات لم تعد قادرة على التعامل مع الشبكات ومراكز البيانات بمنطق الصيانة المتباعدة أو التحديث السنوي. في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سيسكو لايف 2026» في مدينة لاس فيغاس الأميركية، يقول توم غيليس، نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو»، إن الذكاء الاصطناعي لا يسرّع الهجمات فقط، بل يفرض نموذجاً جديداً لتشغيل البنية التحتية وتأمينها. ويضيف أن البيانات التي ترصدها الشركة أصبحت واضحة في إظهار هذا التحول، موضحاً أن الفترة بين اكتشاف الثغرات واستغلالها «انتقلت من أشهر إلى دقائق». ولا تتوقف المشكلة عند سرعة المهاجمين فقط، بل إن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، كما يقول، باتت تملك قدرة أعلى بكثير على العثور على الثغرات؛ ما يضع المؤسسات أمام عدد أكبر من نقاط الضعف، وزمن أقصر للتعامل معها، وبنية تحتية لا تزال في كثير من الحالات تُدار بإيقاع بطيء.

توم غيليس نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو» (الشركة)

نهاية منطق التحديث السنوي

لعقود، تعاملت المؤسسات مع البنية التحتية بأسلوب يقوم على التصميم ثم التحقق ثم النشر، وبعد ذلك تجنب التغيير لأطول فترة ممكنة. يصف غيليس هذا النموذج بالقول إن الفِرق كانت تبني تصميماً لمركز بيانات أو شبكة، تتحقق منه، تنشره، ثم تحاول «ألا تلمسه لأطول فترة ممكنة». كان هذا المنطق مقبولاً في عالم تظهر فيه بضع ثغرات خلال العام، ويحتاج فيه المهاجمون إلى شهور لاستغلالها.

لكن هذه المعادلة لم تعد قائمة. فإذا كانت المؤسسة تحدّث بنيتها مرة واحدة في السنة، في حين تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي العثور على ثغرات واستغلالها خلال فترة قصيرة، فإن الفجوة بين سرعة الهجوم وسرعة الدفاع تصبح خطرة. المشكلة لا تكمن في وجود الثغرات وحدها، بل في أن نموذج التعامل معها ما زال مبنياً على افتراضات قديمة.

ويدعو غيليس إلى نقل فلسفة التشغيل المعروفة في بيئات السحابة إلى البنية التحتية التقليدية. ففي السحابة، لا تعتمد المؤسسات عادة على تغييرات ضخمة ومتباعدة، بل على تعديلات صغيرة ومتكررة، تُختبر باستمرار ويمكن التراجع عنها بسرعة إذا حدث خلل.

برأي غيليس، يجب ألا يبقى هذا النموذج محصوراً في التطبيقات السحابية؛ لأن الشبكات ومراكز البيانات والفروع والبيئات الموزعة تحتاج إلى المرونة نفسها. ويردف أن التحديث عندما يحدث مرة واحدة في السنة يصبح «خطوة كبيرة» من وضع إلى آخر، وغالباً ما يحمل معه خطر التعطيل. أما التغييرات الصغيرة المتتابعة، فتجعل المؤسسة أكثر قدرة على التكيف، وتسمح بإصلاح أسرع، وتقلل الخوف من التحديثات الكبيرة.

درع مؤقت لا بديل عن التصحيح

ضمن هذا التحول، تطرح «سيسكو» تقنية» (Live Protect) بوصفها أداةً لسد الفجوة بين لحظة الإعلان عن ثغرة حرجة ولحظة تطبيق التصحيح الكامل. ويحرص غيليس على توضيح حدود هذه التقنية بدقة، قائلاً إنها «ليست تصحيحاً» ولا تلغي الحاجة إلى التحديث، بل تعمل بوصفها «درعاً مؤقتاً» أو «تحكماً تعويضياً» يمنع استغلال ثغرة معروفة إلى حين تطبيق الحل النهائي.

أهمية هذا المفهوم أنه يتعامل مع مشكلة عملية تواجه معظم المؤسسات؛ لأن بعض الأنظمة لا يمكن إيقافها بسهولة. تعطيل منصة تجارة إلكترونية، أو خدمة مصرفية، أو شبكة اتصالات، أو بنية حكومية، قد يسبب خسائر أو اضطراباً كبيراً. وفي الوقت نفسه، لم يعد ترك ثغرة حرجة مكشوفة إلى حين توافر نافذة صيانة خياراً آمناً.

يشرح غيليس بأن «Live Protect» يمكن نشره على مكونات مثل المفاتيح والموجّهات والجدران النارية من دون الحاجة إلى إعادة تشغيلها. هذه نقطة جوهرية؛ لأنها تنقل الحماية من إجراء ثقيل ينتظر نافذة صيانة إلى استجابة أسرع، تُستخدم كجسر بين الإعلان عن الثغرة وتطبيق التصحيح الكامل.

ويرى أن هذه القدرة «تحولية» بالنسبة إلى المؤسسات التي لا تستطيع تحمل التوقف، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل الثغرات. ففي عالم تتعرض فيه الثغرات للاستغلال بسرعة أكبر، يصبح المطلوب تقليص الزمن بين معرفة الخطر واحتوائه، حتى لو لم يكن التصحيح النهائي قد طُبق بعد.

في البداية، قد يفضّل العملاء نشر هذه الدروع يدوياً لاختبارها وبناء الثقة بها. لكن التصميم الذي تتجه إليه «سيسكو»، كما يوضح، هو أنه عندما تعلن الشركة عن ثغرة يمكن أن تقدم التصحيح، وفي الحالات المناسبة تقدم الدرع المؤقت، بحيث يصبح نشره فورياً عندما يثق العملاء بهذه الآلية.

وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون تحدياً أمنياً جديداً لأن المؤسسات تحتاج إلى حمايتهم والتحكم فيما يمكنهم فعله داخل الأنظمة (شاترستوك)

من الهجمات على البنية إلى الحماية المستمرة

يشير غيليس إلى أن تفكير «سيسكو» في هذه الضوابط لم يأتِ من فراغ، بل من متابعة هجمات ركزت على البنية التحتية نفسها، ومنها حملات مثل «Volt Typhoon» و«Salt Typhoon». هذه الهجمات، حسب شرحه، استهدفت بيئات مثل مزودي الاتصالات، حيث لا يكون تحديث البنية أمراً سهلاً أو سريعاً.

في مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة فقط في معرفة الثغرة أو امتلاك التصحيح، بل في القدرة على نشره من دون تعطيل خدمات حساسة. لذلك يصبح «التحكم التعويضي» ضرورياً. فهو لا يحل المشكلة من جذورها، لكنه يمنح المؤسسة وقتاً آمناً نسبياً للتحرك. ومع انضغاط الزمن بين اكتشاف الثغرة واستغلالها، يصبح هذا الجسر جزءاً أساسياً من نموذج الدفاع الجديد.

البنية تحتاج إلى مرونة السحابة

اللافت، في طرح غيليس أنه لا يقدم الأمن كطبقة منفصلة تضاف إلى البنية، بل كطريقة جديدة لتشغيلها. فالشبكة أو مركز البيانات لا يمكن أن يبقى نظاماً ثابتاً تخشى المؤسسة لمسه، بينما تتغير التهديدات بسرعة الآلة.

يشير غيليس إلى استخدام «التوأم الرقمي» كنموذج برمجي يراقب سلوك البنية التحتية ويمثلها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعندما تريد المؤسسة تطبيق تغيير في الإعدادات أو تحديث في المكونات التشغيلية، يمكن اختبار هذا التغيير داخل النموذج قبل نقله إلى الواقع.

فكلما زادت ثقة فرق التقنية بأن التغيير سيعمل من دون تعطيل، أصبح التحرك أسرع. ويرى غيليس أن الجمع بين التغييرات الصغيرة، والاختبار المسبق، والتوأم الرقمي، يمكن أن يجعل البنية التحتية «أسهل في الإدارة، وأكثر مرونة، وأكثر ديناميكية»، بما يناسب ما يسميه عالم ما بعد الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يقلّص الوقت بين اكتشاف الثغرات وتحويلها هجماتٍ من أشهر إلى دقائق (شاترستوك)

الوكلاء الأذكياء... مشكلة أمنية باتجاهين

لا يتوقف حديث غيليس عند الثغرات التقليدية، فظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من التعقيد. هذه الأنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يمكنها تنفيذ خطوات، والوصول إلى أدوات وبيانات، والتفاعل مع تطبيقات داخل المؤسسة.

يرى غيليس أن المشكلة تسير في اتجاهين، الأول يتعلق بحماية الوكلاء من العالم الخارجي، أي منع التلاعب بهم أو تسميمهم أو دفعهم إلى تنفيذ أوامر خبيثة. ويشرح أن الوكلاء «قطع برمجية معقدة وذكية»، لكنها لا تمتلك حكماً بشرياً. لذلك؛ يجب حمايتها في مراحل مختلفة: أثناء البناء، وقبل الإطلاق عبر الاختبارات والهجمات التجريبية، وأثناء التشغيل من خلال مراقبة المدخلات والوصول إلى الأدوات والموارد.

ويشبّه غيليس الوكلاء الأذكياء بـ«المراهقين» الذين لديهم نوايا جيدة، لكنهم قد يرتكبون «أخطاء غبية» إذا لم تُوضع حولهم الضوابط المناسبة. هذا التشبيه يوضح طبيعة الخطر، حيث إن الوكيل قد لا يكون خبيثاً، لكنه قد يتصرف بطريقة غير متوقعة أو يسيء فهم الهدف أو يتجاوز حدود المهمة.

أما الاتجاه الآخر والأصعب، فيتعلق بحماية المؤسسة من الوكلاء أنفسهم. فالمؤسسة قد ترغب في أن يصل وكيل ذكي إلى أنظمة داخلية لإنجاز مهمة محددة، لكنها لا تريد منحه صلاحيات مفتوحة. يضرب غيليس مثالاً بوكيل يعالج تقارير المصروفات ويحتاج إلى الوصول إلى نظام السفر، والتقويم، وربما صور الفواتير أو بيانات بطاقة الائتمان لمطابقة النفقات. هذه مهمة مفيدة ومحددة، لكن المؤسسة لا تريد أن يتحول هذا الوصول قدرةً على شراء أشياء لا علاقة لها بالمهمة.

ولتوضيح الفكرة، يستخدم غيليس مثالاً بسيطاً كوكيل طُلب منه ألا يشتري سيارة «بورشه»، قد يختار «فيراري»، وإذا منعته من ذلك قد يبحث عن خيار آخر. المشكلة، كما يوضح، ليست في اسم الشيء المحظور، بل في نية التصرف. لذلك؛ لا تكفي القواعد الثابتة وحدها. تحتاج المؤسسة إلى أنظمة تفهم السياق والنية، وتستطيع التمييز بين وكيل ينهي تقرير مصروفات وآخر يخرج عن غرضه الأصلي.

لماذا يصبح الإنسان أسهل من الوكيل؟

وفي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما يُعدّ أسهل في التحكم به، يعد غيليس أن التحكم في البشر «أسهل بكثير» من التحكم في وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالإنسان يملك حكماً وسياقاً وإدراكاً للعواقب. قد يستطيع موظف ما إساءة استخدام بطاقة أو نظام، لكنه يعرف أن هناك مساءلة وأن شخصاً سيدفع الثمن. أما الوكيل، كما يقول غيليس، «لا يهتم» بهذه العواقب بالطريقة نفسها.

فالتحدي داخل المؤسسات لم يعد منح صلاحية لمستخدم بشري فقط، بل إدارة كيانات برمجية قادرة على الحركة داخل الأنظمة، واتخاذ خطوات متعددة بسرعة عالية. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى نموذج جديد للهوية والحوكمة والمراقبة، يتعامل مع الوكلاء كفاعلين داخل البيئة الرقمية، لا كأدوات بسيطة.

ويشير غيليس إلى أن مراقبة الوكلاء ستحتاج بدورها إلى ذكاء اصطناعي من حيث التفاعل بين الوكيل والتطبيق، أو بين الوكيل ونموذج لغوي آخر والذي قد يكون معقداً وسريعاً. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى أنظمة قادرة على تحليل السلوك، ورصد الخروج عن النمط، وتقييم النية، لا مجرد البحث عن كلمات أو أوامر محددة.

نموذج التحديث السنوي لم يعد كافياً لحماية الشبكات ومراكز البيانات في بيئة تهديدات سريعة (شاتوستوك)

الجاهزية الكمية قبل وضوح الخطر بالكامل

يتناول غيليس مسألة الحوسبة الكمية وما يعرف بمخاطر «احصد الآن وافك التشفير لاحقاً». الفكرة هنا أن جهات قد تجمع اليوم بيانات مشفرة لا تستطيع فكها حالياً، لكنها تراهن على أن تطور الحوسبة الكمية مستقبلاً قد يجعل فك بعض أنظمة التشفير ممكناً.

لا يقدم غيليس موعداً قاطعاً لحدوث هذا التحول، بل يقول إن الجميع يدرك القلق، لكن «لا أحد يعرف الإطار الزمني» بدقة. قد يكون الخطر قريباً، أو قد يحتاج إلى جيل أو جيلين تقنيين إضافيين. لكن موقف «سيسكو»، كما يشرحه، هو أن المؤسسات لا ينبغي أن تنتظر اليقين الكامل قبل التحرك.

ويضيف أن الشركة تعمل على إدخال خوارزميات آمنة في مواجهة التهديدات الكمية داخل البنية التحتية، بحيث تصبح هذه الحماية جزءاً مدمجاً وخفيفاً من الأنظمة. ويشير إلى أن «سيسكو» تستهدف أن تكون هذه الخوارزميات مدمجة في بنية مراكز البيانات بنهاية العام، مع توسع تدريجي لاحقاً.

أهمية هذا الملف أنه يرتبط بالبيانات طويلة الأمد، خاصة فيما يخص المعلومات الحكومية أو المالية أو الصحية أو الصناعية التي قد تبقى حساسة لسنوات طويلة. وإذا جُمعت اليوم وهي مشفرة بطرق قد تصبح قابلة للكسر مستقبلاً، فإن الخطر لا يتعلق باليوم فقط، بل بعمر البيانات نفسها.

الأمن بوصفه طريقة تشغيل لا طبقة إضافية

ما يقدّمه غيليس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هو تصور أوسع لأمن البنية التحتية في مرحلة ما بعد الذكاء الاصطناعي. لم تعد القضية مجرد شراء أدوات أمنية إضافية، بل تغيير طريقة تشغيل الأنظمة نفسها. فالهجمات أسرع، والثغرات أكثر، والوكلاء الأذكياء يدخلون بيئات العمل، والحوسبة الكمية تفرض استعداداً مبكراً.

في هذا السياق، يصبح الأمن عملية مستمرة، لا مشروعاً دورياً. والتحديثات يجب أن تكون أصغر وأكثر تكراراً. أما الحماية المؤقتة فيجب أن تسد فجوة الخطر من دون تعطيل. والتوأم الرقمي يجب أن يقلل الخوف من التغيير، والوكلاء يجب أن يخضعوا لحوكمة تفهم النية والسلوك، لا الأوامر المباشرة فقط.

لا يغير الذكاء الاصطناعي شكل الهجوم فقط، بل يغيّر إيقاع الدفاع. والمؤسسات التي تواصل إدارة بنيتها بمنطق الثبات الطويل قد تجد نفسها أمام تهديدات تتحرك أسرع من قدرتها على الاستجابة. أما المؤسسات التي تتجه إلى نموذج أكثر ديناميكية، قائم على التغيير المستمر والاختبار المسبق والحماية المؤقتة والحوكمة الذكية، فقد تكون أقرب إلى متطلبات المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، لا يبدو مستقبل أمن البنية التحتية مرتبطاً بتحديث أكبر أو أداة واحدة أكثر تقدماً، بل بنموذج تشغيل جديد يعامل الشبكات ومراكز البيانات والأنظمة الموزعة كبيئات حية تتغير باستمرار، وتحتاج إلى دفاع قادر على الحركة بالسرعة نفسها.


مقالات ذات صلة

هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تكنولوجيا تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

بات الذكاء الاصطناعي يضطلع يوماً بعد آخر بدور متزايد في إنجاز مجموعة واسعة من المهام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق شعار شركة «ميتا» على أحد مختبراتها في لوس أنجليس (رويترز)

اتهامات لـ«ميتا» باستخدام الذكاء الاصطناعي لتسريح ذوي إعاقة وحاصلين على إجازات مرضية

رفع 26 موظفاً في شركة «ميتا بلاتفورمز» دعوى قضائية، تتهم الشركة باستخدام برمجيات ذكاء اصطناعي استهدفت أشخاصاً ذوي إعاقة أو حاصلين على إجازات مرضية لتسريحهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق تهدف الخطوة إلى تعزيز توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي ودعم الابتكار (وزارة الثقافة)

وزارة الثقافة السعودية تتجه لإطلاق برامج مبتكرة بالذكاء الاصطناعي لدعم المبدعين والمنشآت

يلوح في أفق المشهد الثقافي في السعودية، جيل جديد من البرامج الثقافية المعززة بالذكاء الاصطناعي، بهدف إعادة صياغة مستقبل الابتكار، ورفع كفاءة المنشآت الإبداعية.

عمر البدوي (الرياض)
تكنولوجيا تصميم أنيق ومريح لجميع أحجام وأشكال الأذن

«سوني لينكبدز كليب أوبين» تُعيد تعريف الصوتيات الشخصية

تتحدى عزل الضوضاء التقليدي بدعم لتقنيات الذكاء الاصطناعي

خلدون غسان سعيد (جدة)
خاص رجل يمر أمام مقر البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في بكين (أ.ف.ب)

خاص البنك الآسيوي لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعيد رسم خريطة تمويل البنية التحتية

قال مسؤول في البنك الآسيوي للاستثمار إن الذكاء الاصطناعي والصناديق السيادية سيقودان تمويل البنية التحتية المستقبلية وتعزيز التنمية المستدامة.

عبير حمدي (الرياض)

هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
TT

هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

بات الذكاء الاصطناعي يضطلع يوماً بعد آخر بدور متزايد في إنجاز مجموعة واسعة من المهام، بدءاً من كتابة الرسائل الإلكترونية والبرمجة وصولاً إلى الترجمة وتنظيم الرحلات، ما يثير تساؤلات بشأن احتمال تراجع القدرات المعرفية لدى البشر على المدى البعيد.

أحدث ظهور روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل «تشات جي بي تي»، والقادرة على إنشاء شتى أنواع المحتويات استجابة لطلبات بسيطة بلغة يومية، تحوّلاً في أنماط الاستخدام داخل المدارس وأماكن العمل وكذلك في الحياة اليومية.

وأظهرت أبحاث علمية حديثة شملت أعداداً محدودة أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتولي بعض المهام قد تكون له تداعيات سلبية على الذاكرة، والقدرة على اتخاذ قرارات، والتفكير النقدي.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

في أبريل (نيسان)، توصّلت دراسة أميركية بريطانية لا تزال تخضع لمراجعة إلى أنّ استخدام هذه الأدوات لحل مسائل حسابية أو إنجاز تمارين مرتبطة بفهم النصوص المقروءة حسّن أداء المشاركين على المدى القصير، لكنه أثّر سلباً على أدائهم على المدى البعيد وقدرتهم على المثابرة عند وقف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.

وكتب معدّو الدراسة التي أُجريت على 1222 شخصاً إنّ «هذه النتائج تثير قلقاً كبيراً، لأن المثابرة عنصر أساسي في اكتساب المهارات وأحد أفضل المؤشرات إلى التعلم على المدى البعيد».

في حديث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، أوضحت المعدّة الرئيسية للدراسة غريس ليو أنّ الذكاء الاصطناعي الذي يُشاد به لسرعته في العمليات الحسابية، يُعوّد الناس على توقع إجابة فورية، وهو ما «يسلبهم فرصاً للتعلّم».

وأضافت: «المقلق هو أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أداء مهمة بعينها، بل يمكن توظيفه في مختلف الأنشطة الفكرية التي تعتمد على التحليل والاستنتاج»، على عكس الآلة الحاسبة التي تُساعد في حل المعادلات الحسابية، لكنها تترك عملية التفكير للمستخدم.

«توفير الجهد»

أظهرت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2025 أن التلاميذ الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة موضوعات إنشائية هم أقلّ قدرة على التفكير النقدي.

وتدعم دراسات أخرى هذه النتيجة، مُسلطة الضوء على ظاهرة تُعرف باسم «التفويض المعرفي»، أو حتى «تراجع الانخراط الذهني».

وقال يوهان شوفالير، الباحث في مختبر علم النفس الاجتماعي والمعرفي التابع للمركز الفرنسي للبحوث العلمية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ «البشر يميلون بشدة إلى توفير الجهد».

وأضاف: «في حياتنا اليومية، غالباً ما نستخدم استراتيجيات تُوصلنا إلى الهدف بسرعة أكبر، من دون الخوض بالضرورة في المعلومات المُراد معالجتها، وهو أمر يتطلب جهداً معرفياً كبيراً»، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُعزز هذا الميل.

وتابع: «إذا كانت هناك أنشطة لا يمارسها الشخص مطلقاً، فإن دماغه الذي يعمل على أساس توفير الطاقة، لن يُكلّف نفسه عناء الحفاظ على روابط عصبية لا تُستخدم».

تطبيقات للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

تحفيز التفكير

ولتقليل هذه الآثار والحد من الانتقادات، ابتكرت الشركات المتخصصة في نماذج الذكاء الاصطناعي أدوات تعليمية تقوم على النهج السقراطي، وتستهدف خصوصاً التلاميذ.

لا تُولّد روبوتات المحادثة إجابات تلقائية، بل تُقدّم تلميحات وتطرح أسئلة لتحفيز التفكير، مثل خاصية «دراسة» في «تشات جي بي تي» أو خاصية «التعلم الموجّه» في «جيميناي».

وأفادت شركة «مايكروسوفت» بأنها أضافت تنبيهات بشأن احتمال وقوع أخطاء، وتذكيرات بالتحقق من المعلومات، وتدابير متنوعة لتشجيع المستخدمين على المشاركة الفعّالة والنقدية في الإجابات التي تولدها الأداة.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» (أ.ف.ب)

وأشارت «مايكروسوفت» إلى أنّ «خطر الاعتماد المفرط على التفويض المعرفي قائم، خصوصاً عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام التي تساعد بدورها في تطوير المهارات»، مشددة على أهمية تدريب المستخدمين على التعامل مع هذه الأدوات.

لا تزال ثمة حاجة إلى دراسات واسعة النطاق وطويلة الأمد لمعرفة التأثير الفعلي لهذه التكنولوجيا الجديدة على أدمغة البشر، على ما أكد باحثون.

وقال شوفالير: «يقع على عاتقنا استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء»، حتى وإن تطلب ذلك جهداً، مضيفاً: «سنتكيّف مع هذه الثورة التكنولوجية كما تكيّفنا مع الثورات السابقة».


دُور نشر تقاضي «غوغل» بتهمة استخدام كتب لتدريب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)
TT

دُور نشر تقاضي «غوغل» بتهمة استخدام كتب لتدريب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)

أقامت مجموعة من دُور نشر ومؤلفين دعاوى قضائية على شركة غوغل، الثلاثاء، يتهمونها فيها بانتهاك حقوق النشر عبر استخدام محتوى محميّ لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، ثم إنتاج محتوى ينافس مباشرةً أعمال المؤلفين الأصليين.

جاء في الدعوى أن «حجم وسرعة قدرة نموذج (جيميناي) على إنتاج الكتب ومنافسة الكُتّاب البشر أمر غير مسبوق».

وأقيمت الدعوى أمام محكمة في نيويورك بصيغة دعوى جماعية من جانب دُور النشر «هاشيت بوك غروب» و«سنغيج ليرنينغ» و«إلسيفير»، إضافة إلى الكاتب سكوت تورو وشركته S.C.R.I.B.E للنشر، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتهم المدّعون «غوغل» بأنها «نسخت سراً ملايين الأعمال» التي كانت حصلت عليها عبر خدمة «غوغل بوكس» وخدمات أخرى لأغراض محددة، ثم استخدمت تلك المواد لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي».

كما يؤكدون أن المحتوى الذي يولّده «جيميناي» ينافس، بصورة مباشرة، الأعمال الأصلية التي ألّفها أصحاب الحقوق.

وأضافت الدعوى: «يقوم (جيميناي) حتى بتخصيص مُخرجاته لمحاكاة العناصر التعبيرية والخيارات الإبداعية لمؤلفين محددين».

وتُعد هذه أحدث قضية تتعلق بحقوق النشر تقام على شركات مطوّرة للذكاء الاصطناعي.

وكانت مجموعة من دُور النشر؛ من بينها «هاشيت» و«سنغيج» و«إلسيفير»، بالإضافة إلى سكوت تورو، قد أقامت، في مايو (أيار) الماضي، دعوى مماثلة على شركة «ميتا» أمام محكمة في نيويورك.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، وافق قاض أميركي على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار بين شركة «أنثروبيك» وعدد من المؤلفين الذين اتهموها بنَسخ أعمالهم بصورة غير قانونية لتدريب نموذجها للذكاء الاصطناعي «كلود».

وشكَّل القرار انتصاراً جزئياً لـ«أنثروبيك»، إذ رأى القاضي أن استخدام الكتب لتدريب النموذج يمكن عدُّه «استخداماً عادلاً»، بموجب القانون الأميركي، في حين عدَّ أن استخدامات أخرى لمواد مُقرصنة غير قانونية.


أغلب الأميركيين يؤيدون إعادة ضخ جزء من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الاقتصادي

أغلب الأميركيين يؤيدون إعادة ضخ جزء من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الاقتصادي
TT

أغلب الأميركيين يؤيدون إعادة ضخ جزء من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الاقتصادي

أغلب الأميركيين يؤيدون إعادة ضخ جزء من أرباح شركات الذكاء الاصطناعي إلى القطاع الاقتصادي

تُغير الشركات التي تُطور الذكاء الاصطناعي نمط حياة الأميركيين، ويرغب معظمهم في الاستفادة من هذا التطور، كما كتبت سارة بريغل(*).

إعادة ضخ أرباح الأسهم للاقتصاد

ووفقاً لاستطلاع رأي وطني جديد شمل 1690 بالغاً أجرته شركة الأبحاث «فيراسايت»، قال 69 في المائة منهم إنهم يؤيدون «إجبار» شركات الذكاء الاصطناعي على تحويل نصف أسهمها إلى صندوق ثروة سيادي عام، والذي من شأنه، نظرياً، إعادة ضخ أرباح الذكاء الاصطناعي في قطاعات الاقتصاد، بل وتقديم مدفوعات مباشرة للأميركيين.

ويأتي هذا الاستطلاع بعد أن حققت شركة «سبايس إكس» التابعة لإيلون ماسك، والمتخصصة في مجال الفضاء والذكاء الاصطناعي، أكبر طرح عام أولي في التاريخ، وفي الوقت الذي تُخطط فيه شركات عملاقة في مجال الذكاء الاصطناعي مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» لطرح أسهمها للاكتتاب العام. وبالمثل، استثمرت شركات التكنولوجيا العملاقة المدرجة في البورصة، مثل «ميتا بلاتفورمز» و«ألفابت» (الشركة الأم لـ«غوغل»)، مبالغ طائلة في تطوير الذكاء الاصطناعي، وشهدت أسهمها ارتفاعاً نتيجة لذلك.

ضوابط صارمة للنظم غير الآمنة

كما يرغب الأميركيون عموماً في وضع ضوابط أكثر صرامة لشركات الذكاء الاصطناعي. ووفقاً للاستطلاع، أيد 89 في المائة منهم إلزام شركات الذكاء الاصطناعي بالكشف عن نتائج جميع اختبارات السلامة الداخلية للجمهور، بينما أيد 81 في المائة منح الحكومة الفيدرالية سلطة حظر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُعتبر غير آمنة.

وقال بن ليف، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «فيراسايت»، في بيان صحافي: «تُظهر نتائج استطلاعنا الأخير حالة نادرة من التوافق بين جمهور الحزبين... يجب ألا يُحسم الأمر في الخفاء». وتأتي فكرة إنشاء صندوق ثروة سيادي عام من السيناتور بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت، الذي قدم الشهر الماضي تشريعاً لإنشاء مثل هذا الصندوق، والذي قال إنه قد يُدرّ 7 تريليونات دولار.

صندوق سيادي

في عرض موجز للمقترح، قال ساندرز إن الصندوق سيحقق ثلاثة أهداف رئيسة:

• إنشاء لجنة مستقلة للذكاء الاصطناعي الديمقراطي لإدارة الصندوق.

• إلزام الشركات بفصل أعمالها في مجال الذكاء الاصطناعي عن أعمالها في المجالات الأخرى.

• إعادة توجيه أرباح الذكاء الاصطناعي إلى الاقتصاد.

وقال ساندرز في المقترح إن «المبدأ بسيط: عندما يُولّد مورد عام ثروة، يجب أن يشارك الجمهور في هذه الثروة». وتابع قائلاً: «يجب ألا يُقرر مستقبل الذكاء الاصطناعي ومصير البشرية خلف الأبواب المغلقة في وادي السيليكون من قِبل مليارديرات يسعون إلى تعظيم سلطتهم، وأرباحهم. بل يجب أن يُقرره العمال، والآباء، والمعلمون، والفنانون، والعلماء، والمجتمعات، والشعب الأميركي».

ومع أن الفكرة جديدة على أميركا، إلا أنها ليست جديدة على مستوى العالم. إذ يوجد لدى أكثر من 100 دولة صناديق ثروة سيادية، وكذلك لدى نحو 20 ولاية أميركية. فعلى سبيل المثال، يُموّل صندوق ألاسكا الدائم من عائدات النفط والتعدين، ويُستخدم جزء من هذه الأموال لدفع أرباح ألاسكا السنوية. وتمتلك ولاية تكساس صندوقاً دائماً للمدارس، ممولاً من حقوق التعدين، وأراضي الولاية، ويدعم نظام التعليم العام في الولاية من الروضة وحتى الصف الثاني عشر.

توجهات حكومية

ومن المثير للاهتمام أنه رغم اختلاف آراء ساندرز مع الرئيس ترمب، فقد أصدر ترمب في فبراير (شباط) الماضي أمراً تنفيذياً يُلزم وزارتي الخزانة والتجارة بوضع خطة لإنشاء صندوق ثروة سيادي. كما صرّح ترمب في الشهر الماضي بأنه يُجري محادثات مع قادة الذكاء الاصطناعي حول كيفية مشاركة الجمهور في التوسع المستمر لهذا المجال. وقال: «هناك مفاهيم يُمكن من خلالها منح أجزاء من هذا الصندوق للجمهور الأميركي، ليصبح بذلك شريكاً فعلياً».

* مجلة «فاست كومباني»