كيف تحوّل السعودية الأمن السيبراني من درع دفاعية إلى محرك للنمو الاقتصادي؟

رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)
رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)
TT

كيف تحوّل السعودية الأمن السيبراني من درع دفاعية إلى محرك للنمو الاقتصادي؟

رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)
رأس المال البشري أصبح ركيزة النضج السيبراني مع تركيز متزايد على التدريب ومراكز التميز (شاترستوك)

لم يعد الأمن السيبراني مجرد وسيلة للحماية، بل أصبح محركاً استراتيجياً للنمو، يعزز الابتكار، وينمّي الكفاءات، ويعزز التنافسية على المستوى العالمي.

ووفقاً لبيانات شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) الشرق الأوسط، تتصدر السعودية المنطقة في نضج واستعداد الأمن السيبراني، إذ تخطط 87 في المائة من الشركات لاعتماد الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) في الدفاع السيبراني خلال السنوات المقبلة. يضع هذا التحول المملكة في موقع ريادي نحو اقتصاد رقمي آمن، ومتقدم.

يقول سامر عمر، مدير قسم الأمن السيبراني والثقة الرقمية في «بي دبليو سي» الشرق الأوسط: «إن السعودية أصبحت واحدة من أبرز الأسواق عالمياً من حيث الجاهزية والنضج السيبراني». ويشيد خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» باستثمار المملكة المتواصل في الحلول المبتكرة، والتقنيات الناشئة، ومن بينها استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الدفاع السيبراني.

سامر عمر مدير قسم الأمن السيبراني والثقة الرقمية في «بي دبليو سي» الشرق الأوسط (بي دبليو سي)

الأمن الذكي ونمو الشركات الوطنية

يشير عمر إلى أن شركة الذكاء الاصطناعي «هيوماين» (HUMAIN) وغيرها تسهم في بناء قدرات وطنية متقدمة من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في حلول الأمن السيبراني. ويضيف أن الجيل الجديد من الاستخدامات يشمل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لاستبدال محللي الأمن في المستويين الأول والثاني في مراكز الدفاع، أو لأتمتة عمليات تقييم الالتزام بمعايير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA) دون تدخل بشري كبير. ويقول: «لقد بدأت الشركات الوطنية فعلاً في تطوير حلول أمنية جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي ضمن بنيتها. هذه الابتكارات ستساعد المملكة على ترسيخ مكانتها باعتبار أنها مركز عالمي للأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي.»

ومع ذلك، ينوه عمر إلى أن انتشار الذكاء الاصطناعي يرافقه تحدٍ متزايد. إذ يرى ثلث قادة الشركات في الشرق الأوسط أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وسّع من نطاق الهجمات المحتملة، ما يستدعي بناء حوكمة واضحة، وتنمية وعي مؤسسي حول الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتقنيات. ويؤكد أنه «يجب على المؤسسات تعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي، ووضع أطر حوكمة تضمن الاستخدام المسؤول له، بالتوازي مع تطوير التشريعات التي تُحمّل الأفراد والمنظمات المسؤولية عن ممارساتهم».

من الرقابة إلى بناء الثقة الرقمية

أظهرت دراسة شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) الشرق الأوسط أن 63 في المائة من مجالس إدارات الشركات في الشرق الأوسط تُعد فعالة في الإشراف على قضايا الأمن السيبراني، لكن نسبة السرعة في الاستجابة للحوادث لا تتجاوز 27 في المائة. ويرى عمر أن سد هذه الفجوة يبدأ من وعي القيادة التنفيذية. ويوضح أنه «على مديري الأمن المعلوماتي (CISOs) أن يرتقوا بدورهم ليصبحوا مستشارين موثوقين لدى مجالس الإدارة، وأن يتحدثوا بلغة الأعمال لا بلغة التقنية. كما يُتوقع منهم أن يصبحوا سفراء للثقة الرقمية داخل مؤسساتهم.»

ويتابع أن تطور أدوات قياس المخاطر السيبرانية آلياً التي تستخدمها أكثر من نصف الشركات في المنطقة سيمكن مجالس الإدارة السعودية من تحويل الأرقام إلى قرارات استثمارية أكثر دقة، عبر بناء نماذج واضحة للعائد على الاستثمار في الأمن السيبراني. ويصرح بأن «ذلك قد يؤدي مستقبلاً إلى ظهور نماذج تجارية جديدة تُربط فيها رسوم مقدمي خدمات الأمن بأدائهم في منع الاختراقات، أو الحد من الخسائر الناتجة عنها».

نمو الحوسبة السحابية

تسعى 68 في المائة من الشركات السعودية إلى نقل معظم عملياتها إلى السحابة خلال عام 2025، وهو تحول يتطلب موازنة دقيقة بين تسارع التحول الرقمي، ومتطلبات توطين البيانات والسيادة الرقمية.

يلفت عمر إلى أن «السعودية أصبحت مقراً لأكبر مزودي خدمات الحوسبة السحابية في العالم، ما يعزز مكانتها باعتبار أنها اقتصاد رقمي رائد، مع ضمان سيادة البيانات، وخصوصيتها». وقد تحقق ذلك بفضل التنظيم الصارم من الجهات المختصة، مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني (NCA)، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، وهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية (CST). ويعد أن الشراكات الاستراتيجية مع شركات كبرى مثل «أرامكو» و«إس تي سي» (STC) ساعدت على تطوير الكفاءات المحلية، وتسريع التحول السحابي في مختلف القطاعات.

بحلول 2030 تسعى السعودية لتصدير خبراتها ومنتجاتها السيبرانية لتصبح قوة عالمية في الاقتصاد الرقمي (شاترستوك)

دروس من المشاريع العملاقة

يعتبر عمر أن مشاريع «نيوم» و«البحر الأحمر» و«القدية» تمثل مختبرات حقيقية لتطبيق مفاهيم الأمن السيبراني الحديثة، نظراً لتداخل أنظمة تكنولوجيا المعلومات (IT)، والتشغيل الصناعي (OT)، وإنترنت الأشياء (IoT) فيها. ويوضح أن «هذه المشاريع تتبنّى فلسفة (الأمن بالتصميم)، حيث يتم إشراك خبراء الأمن والخصوصية والمرونة في المراحل الأولى من التصميم، لضمان دمج الضوابط الأمنية ضمن البنية الأساسية، والثقافة المؤسسية. وهذا النهج قلل من المخاطر، وغرس ثقافة مرونة سيبرانية في مستويات القيادة العليا».

حوكمة رشيقة ومعايير عالمية

رغم أن 25 في المائة فقط من الشركات في المنطقة تشعر بثقة عالية في قدرتها على الامتثال للوائح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والمرونة الرقمية، يرى عمر أن السعودية تمثل نموذجاً عالمياً في هذا المجال. ويضيف أن «الجهات التنظيمية في المملكة تتحرك بسرعة ومرونة، فهي تراقب النماذج الناجحة عالمياً، وتبني عليها بما يتلاءم مع احتياجاتها المحلية، كما تقدم دعماً عملياً عبر الأدلة الإرشادية، والتعاون مع الجامعات لإدماج هذه المعايير في المناهج الأكاديمية».

رأس المال البشري والثقة الرقمية

يركز عمر خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» على أن رأس المال البشري هو العنصر الأهم في تعزيز النضج السيبراني الوطني. ومع تسارع تبنّي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، تصبح الشراكات بين القطاعين العام والخاص أكثر إلحاحاً لتأهيل الكفاءات المحلية. ويؤكد أن «العنصر البشري هو الأساس، ولا بد من إنشاء مراكز تميز، ومختبرات محاكاة (Cyber Ranges) تتيح للكوادر السعودية التدريب في بيئات واقعية، واختبار الحلول الأمنية قبل تطبيقها فعلياً». ويؤكد أن 73 في المائة من الشركات في المنطقة تعتبر الأمن السيبراني عنصراً أساسياً لبناء الثقة مع العملاء، ما يحوله من مجرد أداة حماية إلى ميزة تنافسية تعزز السمعة، والإيرادات.

ويقول عمر: «في الاقتصاد الرقمي الثقة هي العملة الأهم. عندما تستثمر المؤسسات في السرية والسلامة والمرونة، فهي لا تحمي بياناتها فحسب، بل تبني سمعتها، وتفتح فرصاً للنمو المستدام».

من المرونة إلى الريادة

ينهي عمر حديثه برؤية مستقبلية طموحة تفيد بأن «السعودية تتصدر حالياً مجالات التنظيم، والابتكار، والاستثمار في رأس المال البشري، والخطوة التالية ستكون تصدير منتجاتها وخبراتها في مجال الأمن السيبراني لدعم أسواق أخرى، مما سيجعلها قوة سيبرانية عالمية بحلول 2030». وبينما تمضي المملكة قدماً في دمج الثقة الرقمية ضمن استراتيجيتها الاقتصادية، فإنها لا تعيد تعريف كيفية الدفاع عن العالم الرقمي فحسب، بل أيضاً كيف يمكن تحويل الحماية إلى نمو مستدام، وميزة تنافسية طويلة الأمد.


مقالات ذات صلة

هولندا تستدعي سفير موسكو عقب هجمات إلكترونية روسية

أوروبا مقر للسفارة الروسية في لاهاي بهولندا (أرشيفية - أ.ف.ب)

هولندا تستدعي سفير موسكو عقب هجمات إلكترونية روسية

قال وزير الخارجية الهولندي، الاثنين، لـ«وكالة الأنباء الهولندية (إيه إن بي)» إن الوزارة استدعت السفير الروسي في أمستردام عقب هجمات إلكترونية روسية...

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
أوروبا عناصر من الشرطة الألمانية في شوارع برلين (د.ب.أ)

برلين تستدعي السفير الروسي على خلفية «حملة سيبرانية» منسوبة لموسكو

أعلنت وزارة الخارجية الألمانية، الاثنين، أنها استدعت السفير الروسي للاحتجاج على هجمات إلكترونية منسوبة لموسكو استهدفت «الاتحاد الأوروبي»...

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص تحتاج المؤسسات إلى خطط تعافٍ عابرة للحدود وسحابة متعددة وهجينة لتقليل الاعتماد على موقع أو مزود واحد (الشرق الأوسط)

خاص «ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: المنطقة تدخل عصر «الأزمات التقنية المركبة»

ترى «ديلويت» أن سيادة البيانات وحدها لا تكفي للمرونة التقنية مع تصاعد «الأزمات المركبة» والحاجة إلى تعافٍ عابر للحدود.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد الحماية على عدم وجود دليل عام للأسماء ومعرفة الاسم بدقة وإمكانية استخدام مفتاح إضافي لبدء التواصل

أسماء المستخدمين في «واتساب» تفتح جدلاً بين الخصوصية ومخاطر الاحتيال

تمنح أسماء المستخدمين في «واتساب» خصوصية أكبر، لكنها تثير مخاوف من انتحال الهوية والاحتيال؛ خصوصاً عبر الأسماء المشابهة والمضللة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطور «أبل» إطاراً يقيّم احتمال تعرض المستخدم للتوجيه الاحتيالي قبل تنفيذ عمليات حساسة (رويترز)

نظام جديد من «أبل» يرصد مؤشرات الاحتيال قبل المعاملات الحساسة

تطور «أبل» نظاماً يقيّم مؤشرات الخداع قبل الإجراءات الحساسة ويمنح التطبيقات إشارات تساعدها على تحذير المستخدم أو تأخير العملية.

نسيم رمضان (لندن)

29 دولة توقّع اتفاقاً لإنشاء منظمة عالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)
TT

29 دولة توقّع اتفاقاً لإنشاء منظمة عالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي

وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الصيني وانغ يي يصافح أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة قبيل التقاط صورة جماعية للموقّعين على اتفاق إنشاء «المنظمة ​العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (إ.ب.أ)

وقعت 29 دولة، اليوم (الخميس)، اتفاقاً لإنشاء «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي»، وهي هيئة حكومية دولية تقول الصين إنها تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي والحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

ووقَّع ‌ممثلو 29 ‌دولة، ​منها: ‌روسيا وبيلاروسيا وصربيا وكوبا والبرازيل وفنزويلا، بالإضافة إلى 10 دول أفريقية و12 دولة آسيوية، على الاتفاق بصفتهم أعضاء مؤسسين.

وذكرت «وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)» أن مقر ‌المنظمة سيكون ‌في مدينة شنغهاي، وفقاً لوكالة «رويترز».

و​جرت ‌مراسم التوقيع في شنغهاي، ‌عشية انطلاق المؤتمر العالمي السنوي للذكاء الاصطناعي؛ حيث من المتوقَّع أن يعرض الرئيس الصيني ‌شي جينبينغ رؤية بكين لدورها في صياغة قواعد الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وطرحت الصين فكرة إنشاء «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي»، خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر، لكن لم تعلن أي دولة رسمياً عن انضمامها إلى المنظمة حتى الآن.


هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
TT

هل يهدد الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي قدرات البشر؟

تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)
تطبيقات الذكاء الاصطناعي على شاشة هاتف ذكي (د.ب.أ)

بات الذكاء الاصطناعي يضطلع يوماً بعد آخر بدور متزايد في إنجاز مجموعة واسعة من المهام، بدءاً من كتابة الرسائل الإلكترونية والبرمجة وصولاً إلى الترجمة وتنظيم الرحلات، ما يثير تساؤلات بشأن احتمال تراجع القدرات المعرفية لدى البشر على المدى البعيد.

أحدث ظهور روبوتات المحادثة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل «تشات جي بي تي»، والقادرة على إنشاء شتى أنواع المحتويات استجابة لطلبات بسيطة بلغة يومية، تحوّلاً في أنماط الاستخدام داخل المدارس وأماكن العمل وكذلك في الحياة اليومية.

وأظهرت أبحاث علمية حديثة شملت أعداداً محدودة أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتولي بعض المهام قد تكون له تداعيات سلبية على الذاكرة، والقدرة على اتخاذ قرارات، والتفكير النقدي.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

في أبريل (نيسان)، توصّلت دراسة أميركية بريطانية لا تزال تخضع لمراجعة إلى أنّ استخدام هذه الأدوات لحل مسائل حسابية أو إنجاز تمارين مرتبطة بفهم النصوص المقروءة حسّن أداء المشاركين على المدى القصير، لكنه أثّر سلباً على أدائهم على المدى البعيد وقدرتهم على المثابرة عند وقف الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.

وكتب معدّو الدراسة التي أُجريت على 1222 شخصاً إنّ «هذه النتائج تثير قلقاً كبيراً، لأن المثابرة عنصر أساسي في اكتساب المهارات وأحد أفضل المؤشرات إلى التعلم على المدى البعيد».

في حديث إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، أوضحت المعدّة الرئيسية للدراسة غريس ليو أنّ الذكاء الاصطناعي الذي يُشاد به لسرعته في العمليات الحسابية، يُعوّد الناس على توقع إجابة فورية، وهو ما «يسلبهم فرصاً للتعلّم».

وأضافت: «المقلق هو أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على أداء مهمة بعينها، بل يمكن توظيفه في مختلف الأنشطة الفكرية التي تعتمد على التحليل والاستنتاج»، على عكس الآلة الحاسبة التي تُساعد في حل المعادلات الحسابية، لكنها تترك عملية التفكير للمستخدم.

«توفير الجهد»

أظهرت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2025 أن التلاميذ الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لكتابة موضوعات إنشائية هم أقلّ قدرة على التفكير النقدي.

وتدعم دراسات أخرى هذه النتيجة، مُسلطة الضوء على ظاهرة تُعرف باسم «التفويض المعرفي»، أو حتى «تراجع الانخراط الذهني».

وقال يوهان شوفالير، الباحث في مختبر علم النفس الاجتماعي والمعرفي التابع للمركز الفرنسي للبحوث العلمية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ «البشر يميلون بشدة إلى توفير الجهد».

وأضاف: «في حياتنا اليومية، غالباً ما نستخدم استراتيجيات تُوصلنا إلى الهدف بسرعة أكبر، من دون الخوض بالضرورة في المعلومات المُراد معالجتها، وهو أمر يتطلب جهداً معرفياً كبيراً»، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُعزز هذا الميل.

وتابع: «إذا كانت هناك أنشطة لا يمارسها الشخص مطلقاً، فإن دماغه الذي يعمل على أساس توفير الطاقة، لن يُكلّف نفسه عناء الحفاظ على روابط عصبية لا تُستخدم».

تطبيقات للذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

تحفيز التفكير

ولتقليل هذه الآثار والحد من الانتقادات، ابتكرت الشركات المتخصصة في نماذج الذكاء الاصطناعي أدوات تعليمية تقوم على النهج السقراطي، وتستهدف خصوصاً التلاميذ.

لا تُولّد روبوتات المحادثة إجابات تلقائية، بل تُقدّم تلميحات وتطرح أسئلة لتحفيز التفكير، مثل خاصية «دراسة» في «تشات جي بي تي» أو خاصية «التعلم الموجّه» في «جيميناي».

وأفادت شركة «مايكروسوفت» بأنها أضافت تنبيهات بشأن احتمال وقوع أخطاء، وتذكيرات بالتحقق من المعلومات، وتدابير متنوعة لتشجيع المستخدمين على المشاركة الفعّالة والنقدية في الإجابات التي تولدها الأداة.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» (أ.ف.ب)

وأشارت «مايكروسوفت» إلى أنّ «خطر الاعتماد المفرط على التفويض المعرفي قائم، خصوصاً عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام التي تساعد بدورها في تطوير المهارات»، مشددة على أهمية تدريب المستخدمين على التعامل مع هذه الأدوات.

لا تزال ثمة حاجة إلى دراسات واسعة النطاق وطويلة الأمد لمعرفة التأثير الفعلي لهذه التكنولوجيا الجديدة على أدمغة البشر، على ما أكد باحثون.

وقال شوفالير: «يقع على عاتقنا استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء»، حتى وإن تطلب ذلك جهداً، مضيفاً: «سنتكيّف مع هذه الثورة التكنولوجية كما تكيّفنا مع الثورات السابقة».


دُور نشر تقاضي «غوغل» بتهمة استخدام كتب لتدريب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)
TT

دُور نشر تقاضي «غوغل» بتهمة استخدام كتب لتدريب الذكاء الاصطناعي

شعار شركة غوغل (رويترز)
شعار شركة غوغل (رويترز)

أقامت مجموعة من دُور نشر ومؤلفين دعاوى قضائية على شركة غوغل، الثلاثاء، يتهمونها فيها بانتهاك حقوق النشر عبر استخدام محتوى محميّ لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، ثم إنتاج محتوى ينافس مباشرةً أعمال المؤلفين الأصليين.

جاء في الدعوى أن «حجم وسرعة قدرة نموذج (جيميناي) على إنتاج الكتب ومنافسة الكُتّاب البشر أمر غير مسبوق».

وأقيمت الدعوى أمام محكمة في نيويورك بصيغة دعوى جماعية من جانب دُور النشر «هاشيت بوك غروب» و«سنغيج ليرنينغ» و«إلسيفير»، إضافة إلى الكاتب سكوت تورو وشركته S.C.R.I.B.E للنشر، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتهم المدّعون «غوغل» بأنها «نسخت سراً ملايين الأعمال» التي كانت حصلت عليها عبر خدمة «غوغل بوكس» وخدمات أخرى لأغراض محددة، ثم استخدمت تلك المواد لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي «جيميناي».

كما يؤكدون أن المحتوى الذي يولّده «جيميناي» ينافس، بصورة مباشرة، الأعمال الأصلية التي ألّفها أصحاب الحقوق.

وأضافت الدعوى: «يقوم (جيميناي) حتى بتخصيص مُخرجاته لمحاكاة العناصر التعبيرية والخيارات الإبداعية لمؤلفين محددين».

وتُعد هذه أحدث قضية تتعلق بحقوق النشر تقام على شركات مطوّرة للذكاء الاصطناعي.

وكانت مجموعة من دُور النشر؛ من بينها «هاشيت» و«سنغيج» و«إلسيفير»، بالإضافة إلى سكوت تورو، قد أقامت، في مايو (أيار) الماضي، دعوى مماثلة على شركة «ميتا» أمام محكمة في نيويورك.

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، وافق قاض أميركي على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار بين شركة «أنثروبيك» وعدد من المؤلفين الذين اتهموها بنَسخ أعمالهم بصورة غير قانونية لتدريب نموذجها للذكاء الاصطناعي «كلود».

وشكَّل القرار انتصاراً جزئياً لـ«أنثروبيك»، إذ رأى القاضي أن استخدام الكتب لتدريب النموذج يمكن عدُّه «استخداماً عادلاً»، بموجب القانون الأميركي، في حين عدَّ أن استخدامات أخرى لمواد مُقرصنة غير قانونية.