صالة المنزل... رهان «ميتا» الكبير التالي في عالم الواقع الافتراضي

خوذ بكاميرات مدمجة تولد أجواء سحرية

خوذة "ميتا كويست 3 أس"
خوذة "ميتا كويست 3 أس"
TT

صالة المنزل... رهان «ميتا» الكبير التالي في عالم الواقع الافتراضي

خوذة "ميتا كويست 3 أس"
خوذة "ميتا كويست 3 أس"

انسَ العوالم الافتراضية السحرية؛ ففي سعيها لتوسيع نطاق جمهور الواقع الافتراضي، تتبنى شركة «ميتا» الآن بيئات أكثر ألفة: سوف يتمكن مالكو خوذة «كويست في آر» (Quest VR) من «ميتا»، قريباً، إنشاء نسخ رقمية لأي غرفة في منازلهم، ثم دعوة الآخرين «لزيارتهم» في تلك الأماكن.

تخيّل، على سبيل المثال، عقد اجتماع عائلي عفوي في نسخة متعددة الأبعاد من صالة منزلك، ربما حتى مع صورة رمزية تشبهك تماماً، بدلاً من شخصية هاربة من لعبة فيديو.

ويقول فيشال شاه، نائب رئيس قسم المتعدد الأبعاد في «ميتا»: «هناك شيء سحري للغاية في مسح مساحة تعرفها، وإحضار شخص آخر يعرف تلك المساحة إليها، والشعور بأنكما هناك معاً».

ويمكن أن يساعد هذا السحر «ميتا» على تحويل رؤيتها للعالم الافتراضي ثلاثي الأبعاد، كعالم اجتماعي ثلاثي الأبعاد، إلى حقيقة واقعة ملموسة، وهو ما كلّف الشركة ما يقرب من 70 مليار دولار حتى الآن.

خوذة الرأس.. بكاميرا أيضاً

عرضت «ميتا» النسخة الأولى من هذه النسخ الرقمية باستخدام تطبيق يسمى «هايبرسكيب» (Hyperscape) في مؤتمر «كونيكت» للمطورين العام الماضي. وفي أحدث إصدار من التطبيق، يمكن للأشخاص استكشاف لقطات ثلاثية الأبعاد عالية الدقة لعدد من الأماكن، بما في ذلك مطبخ منزل الشيف الشهير «غوردون رامزي»، واستوديو تسجيل مغني الراب «تشانس».

تبدو الصور الممسوحة تفصيلية وواقعية لدرجة أنك تشعر بالجوع عند معاينة اللحم المقدد على منضدة مطبخ رامزي. حتى إن ميتا شعرت بالحاجة إلى إضافة تحذير بعدم الاتكاء على أي من الأثاث في هذه الغرف الافتراضية.

غير أن طموحات «ميتا» في «هايبرسكيب» لا تتوقف عند هذا الحد؛ إذ ومع تحديث نظام التشغيل الوشيك، سوف تمتلك خوذة «كويست 3» ومالكوها أيضا القدرة على مسح غرفهم الخاصة باستخدام الكاميرات المدمجة في الخوذة. ويقول مايكل روبوف، خبير تقنية التصوير ثلاثي الأبعاد: «كانت فكرتي الأولى أنهم ربما استخدموا كاميرا باهظة الثمن لالتقاط هذه المجموعات من البيانات لأنها تبدو حقيقية فعلاً». ثم يضيف: «إن التقاط جميع المشاهد باستخدام جهاز (كويست) فقط لهو أمر مذهل للغاية». يُعد التقاط الصور لغرفة باستخدام سماعة رأس «كويست في آر» عملية بسيطة نسبياً.

- أولاً، تغطي السماعة كل شيء في الغرفة بشبكة من الأشكال الجغرافية لتسجيل أبعادها العامة والخطوط العريضة للأثاث والأشياء الأخرى.

- في الخطوة الثانية، تُملأ هذه الأشكال ببيانات ثلاثية الأبعاد، وهي عملية تبدو للعين المجردة وكأنها توليد فسيفساء كاملة من كثير من الصور الصغيرة.

- وأخيراً، تطلب السماعة من الأشخاص النظر لأعلى وحولهم لالتقاط معلومات إضافية عن ارتفاع أي غرفة معينة.

جوّ افتراضي منزلي

تستغرق العملية الكاملة لتصوير غرفة متوسطة الحجم أقل من 20 دقيقة، وفقاً لموظفي «ميتا» الذين عملوا في المشروع. بعد ذلك، تُحمل البيانات الأولية الملتقطة إلى خوادم «ميتا»؛ حيث تُعرض النسخة ثلاثية الأبعاد للغرفة في غضون ساعتين. بمجرد أن تصبح جاهزة، سوف تُبث كل مساحة مباشرة من السحابة، من دون الحاجة إلى تنزيلات تستغرق وقتاً طويلاً.

تعمل النسخ الرقمية للغرف من «ميتا» بواسطة تقنية جديدة تُعرف باسم «الترسيب أو الاستخلاص الغاوسي» (Gaussian splatting). باختصار، لا تلتقط تقنية «الاستخلاص الغاوسي» أسطح الأشياء فحسب كما تفعل الكاميرا العادية، بل إنها تفكك كل شيء إلى مجموعة من الكتل ثلاثية الأبعاد، مع معلومات عن مظهر هذه الكتل من زوايا مختلفة، بالإضافة إلى خصائص، مثل الشفافية.

حتى الآن، جرى التقاط أغلب اللقطات الغاوسية باستخدام الهواتف الجوالة. ومع ذلك، فإن تحويل سماعة الرأس الافتراضية نفسها إلى جهاز التقاط له بعض السمات المتميزة. أولاً، تتحكم «ميتا» في الأجهزة، مما يسمح للشركة بتحسين برمجياتها لنوع معين من الكاميرات، بدلاً من الاضطرار إلى العمل مع عدد لا يُحصى من الهواتف الذكية المختلفة. إضافة إلى ذلك، يميل الناس إلى تحريك أيديهم بسرعة كبيرة عند محاولة التقاط شيء ما. ويوضح جان - مايكل فرام، عالم الأبحاث في «ميتا»: «حركة الرأس ليست سريعة مثل الهاتف».

استوديو تسجيل مغني الراب "تشانس"

إضافة الصور الرمزية

عند الإطلاق، ستكون المساحات المنسوخة باستخدام تطبيق «هايبرسكيب» من «ميتا» خاصة ومتاحة فقط للشخص الذي التقطها. وتعمل الشركة على السماح للأشخاص بمشاركة لقطاتهم وتحويلها في النهاية إلى أماكن للتجمعات الاجتماعية.

تعمل لقطات «هايبرسكيب» بالفعل على محرك ألعاب تستخدمه ميتا في عالمها الافتراضي «عوالم هورايزون» (Horizon Worlds). حالياً، يعتبر «عوالم هورايزون» في الأساس مجموعة من الألعاب والمساحات المولدة من رسومات الحاسوب، التي يمكن للأشخاص استكشافها معاً في الواقع الافتراضي. وفي المستقبل، سوف يتمكن مستخدمو «هورايزون» من استيراد غرف «هايبرسكيب» الخاصة بهم إلى «عوالم هورايزون» ودعوة أصدقائهم للانضمام إليهم على نسخة رقمية من أريكة غرفة المعيشة الخاصة بهم. يقول شاه: «أعتقد أن هناك فرصة حقيقية للتواصل البشري هنا؛ حيث تكون البيئة في بعض الحالات بنفس أهمية الأشخاص».

كما أنها فرصة لشركة «ميتا» لتوسيع نطاق الواقع الافتراضي إلى ما وراء جمهورها الحالي. حققت الشركة نجاحاً أكبر مما ينسبه لها بعض النقاد في ترسيخ الواقع الافتراضي كوسيلة للألعاب الإلكترونية والتجارب ذات الصلة بها، بما في ذلك التدريبات الرياضية القائمة على الألعاب. وقد باعت «ميتا» أكثر من 20 مليون خوذ الرأس، وتمكن بعض المطورين من تحويل الألعاب الخاصة بسماعة الرأس «كويست» من ميتا إلى مصادر دخل حقيقية. وحققت 10 تطبيقات في متجر «هورايزون» التابع لشركة «ميتا» إيرادات تجاوزت 50 مليون دولار، بينما التطبيقات التي حققت أكثر من مليون دولار تجاوزت الـ300 تطبيق، وفقاً للبيانات التي شاركها مسؤولو «ميتا»، الشهر الماضي.

تقنيات قيد التطوير

وتعمل الشركة أيضاً على تقديم تمثيلات أكثر واقعية للمستخدمين في الواقع الافتراضي من خلال شخصيات مُلتقطة بتقنية ثلاثية الأبعاد تُطلق عليها الشركة مسمى «أفاتار كوديك» (avatars codec). على الرغم من أن هذه التقنية لا تزال قيد التطوير، يعتقد شاه أن تقنية «أفاتار كوديك» يمكن أن تكون المكمل المثالي لتطبيق «هايبرسكيب». ويشرح شاه الفكرة قائلاً: «أنت في بيئة تبدو واقعية. أنت مع أشخاص يبدون واقعيين. بالنسبة لبعض الناس، سيكون هذا أكثر شيء سحري نعرفه في سماعة الرأس».

حتى من دون تلك الصور الرمزية، يمكن أن يصبح التقاط الصور ثلاثية الأبعاد بمثابة كبسولة زمنية مهمة للمستهلكين. يقول روبوف: «بنفس الطريقة التي ساعدنا بها التصوير الفوتوغرافي في الحفاظ على الذاكرة، فإن التصوير ثلاثي الأبعاد يفي أيضاً بهذا الوعد للمستهلكين العاديين. إنه يمنحنا القدرة على العودة حقاً إلى لحظة معينة في الزمن. لقد تمكنا من التقاط العالم بتقنية ثنائية الأبعاد على مدار الـ200 عام الماضية. والآن، أصبح بإمكاننا القيام بنفس الشيء بتقنية ثلاثية الأبعاد».

وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن مبيعات سماعات الرأس «كويست» قد استقرت. كما اشتكى بعض المطورين من انخفاض الإيرادات وسط تدفق المستخدمين الأصغر سناً المهتمين بشكل أساسي بالعناوين المجانية، مثل لعبة الواقع الافتراضي الشهيرة «غوريلا تاغ» (Gorilla Tag).

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»تهدف «ميتا» إلى مواجهة هذه الاتجاهات من خلال توسيع جاذبية الواقع الافتراضي بين المستخدمين الأكبر سناً الذين قد لا يكونون مهتمين بالألعاب. ويشمل ذلك التركيز بشكل أكبر على الترفيه التقليدي، بما في ذلك شراكة مع جيمس كاميرون لإنتاج محتوى ثلاثي الأبعاد لخوذ الرأس «كويست».

وتعكس هذه الخطوة الجهود التي بذلتها شركة «أبل» للترويج لسماعة الرأس «فيجين برو» (Vision Pro)، التي واجهت مجموعة من العقبات الخاصة بها. غير أن ذلك لم يُثبط اهتمام الصناعة الأوسع بخوذ الرأس الافتراضية والتقنيات ثلاثية الأبعاد: من المتوقع أن تطلق شركتي «غوغل» و«سامسونغ» خوذ الرأس الخاصة بهما، التي تحمل الاسم الرمزي «مشروع موهان» Project Moohan، في وقت لاحق. وعلى غرار سماعة «فيجين برو»، فإنها موجهة نحو الترفيه ألغامر وحالات الاستخدام في العمل.


مقالات ذات صلة

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تكنولوجيا تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

دراسة تظهر أن الذكاء الاصطناعي يؤثر في الآراء عبر طريقة عرض المعلومات حتى عندما تكون الحقائق صحيحة وغير مضللة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

خاص من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

قطاع «الفنتك» في السعودية ينتقل من التبنِّي السريع إلى تحديات التنفيذ مع الحاجة لتحديث الأنظمة والبيانات لتعزيز الابتكار والتوسع المستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.