بطاقات ائتمان مدعومة بالذكاء الاصطناعي من «فيزا»... تدفع بديلاً عنك!

هل تُصبح بياناتك أذكى منك في الشراء؟

بطاقات الدفع المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستتمكن من التواصل مع أجهزة استشعار وتطبيقات ذكية لإتمام عمليات الشراء دون تدخل بشري (غيتي)
بطاقات الدفع المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستتمكن من التواصل مع أجهزة استشعار وتطبيقات ذكية لإتمام عمليات الشراء دون تدخل بشري (غيتي)
TT

بطاقات ائتمان مدعومة بالذكاء الاصطناعي من «فيزا»... تدفع بديلاً عنك!

بطاقات الدفع المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستتمكن من التواصل مع أجهزة استشعار وتطبيقات ذكية لإتمام عمليات الشراء دون تدخل بشري (غيتي)
بطاقات الدفع المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستتمكن من التواصل مع أجهزة استشعار وتطبيقات ذكية لإتمام عمليات الشراء دون تدخل بشري (غيتي)

تخيَّل أن تدخل إلى متجرك المفضل، تأخذ ما تريد، وتغادر... دون أن تفتح محفظتك، أو تخرج هاتفك، أو تقف في طابور.

الآن، تخيَّل أن يحدث ذلك أيضاً عبر الإنترنت؛ حيث تكون عملية الشراء بسهولة التمرير نفسها. هذا المستقبل الخالي من الاحتكاك المدعوم بالذكاء الاصطناعي الذي لم يعد خيالاً علمياً بل يحدث الآن.

في إعلان كبير بعنوان: «إطلاق منتج جديد» (The Product Drop)، كشفت شركة «فيزا» عن رؤيتها للمرحلة التالية من التجارة. إنها عبارة عن تجارة ذكية ومؤتمتة يقودها الذكاء الاصطناعي، من خلال بطاقات ائتمانية محسّنة بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة ذكية، وخوارزميات تعلم آلي، تهدف «فيزا» إلى إعادة تشكيل الطريقة التي نشتري بها، ونشترك بها، ونتفاعل بها مع العلامات التجارية.

من المعاملة إلى النية

في قلب رؤية «فيزا» للتجارة الذكية، يكمن تحول كبير من المعاملات السلبية إلى التوقعات النشطة، فبدلاً من أن تكون بيانات الدفع مجرد أدوات تُستخدم عند الطلب، تعمل «فيزا» على مستقبل تكون فيه هذه البيانات مثل «وكلاء رقميين»، يفهمون تفضيلاتك، ويتوقعون احتياجاتك، ويكملون عمليات الشراء نيابة عنك.

قال أحد مسؤولي الشركة: «تخيل عالماً تشتري فيه بطاقتك فنجان قهوتك الصباحي قبل أن تطلبه»، وهذا ليس خيالاً؛ بل خطوة منطقية في عالم أصبح فيه 75 في المائة من المستهلكين يتوقعون تجارب مخصصة، وفقاً لدراسة من «ماكنزي». تسعى «فيزا» إلى تجاوز مفاهيم مثل «الدفع التلقائي» أو «الشراء بنقرة واحدة»، وتقديم تجربة تعتمد على لحظات دفع ذكية؛ حيث تلعب البيانات السياقية مثل الموقع، والجدول الزمني، وحتى المقاييس الحيوية، دوراً في اتخاذ القرار.

«فيزا» تطلق رؤية جديدة للتجارة الذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي حيث تقوم الأجهزة والبطاقات باتخاذ قرارات الشراء وتنفيذها تلقائياً (غيتي)

بطاقات مدعومة بالذكاء الاصطناعي

واحدة من المبادرات العملية التي تعمل عليها «فيزا» هي تطوير بطاقات ائتمان مدعومة بالذكاء الاصطناعي، قادرة على التفاعل مع واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بالمتاجر وأجهزة الاستشعار لإتمام عمليات الشراء دون تدخل بشري. على سبيل المثال، تتخيل الشركة سيناريو يقترح فيه نظام السيارة أنك بحاجة إلى الوقود، فيقوم بالبحث عن الأسعار، ويختار الأرخص ويدفع تلقائياً بمجرد وصولك إلى المحطة، وكل ذلك باستخدام بيانات بطاقة «فيزا»، فلا حاجة للسحب أو النقر. وفي المنازل الذكية، يمكن لثلاجتك أن ترصد نقص الحليب، وتقوم بطلبه تلقائياً من المتجر الإلكتروني، وتؤكد الدفع باستخدام بطاقتك الذكية، وهذه ليست مجرد راحة؛ بل نظام دفع ذكي يتفاعل بسرعة الأجهزة وليس بسرعة البشر.

الدفع في كل مكان

لتحقيق هذا التصور، تستثمر «فيزا» في البنية التحتية اللازمة عبر شبكة متنامية من واجهات برمجة التطبيقات وخدمات «التوكن» (Tokenization)، ما يمكّن التجار ومطوري التكنولوجيا من دمج خيارات الدفع بعمق في منصاتهم. وبفضل ذلك، ستتمكن تطبيقات وخدمات متنوعة -من تطبيقات اللياقة البدنية إلى الساعات الذكية- من الوصول إلى شبكة «فيزا»، ما يجعل كل جهاز متصل نقطة بيع محتملة، وكل لحظة للمستخدم فرصة للشراء. وبلغة «فيزا» نفسها، لم تعد المسألة مجرد أن تكون «في كل مكان تريد أن تكون فيه»، بل أن تكون «في كل مكان توجد فيه أجهزتك بالفعل».

رؤية «فيزا» تُعيد تعريف الدفع من كونه خطوة نهائية إلى كونه عملية مدمجة تبدأ من لحظة نية الشراء تتم بشكل تلقائي وفقاً للسياق والبيانات (غيتي)

الأمان والثقة... أولوية

لكن الدفع المؤتمت بهذا المستوى يأتي مع تحديات، خصوصاً فيما يتعلّق بالخصوصية والموافقة ومنع الاحتيال. أكدت «فيزا» أن التحكم بيد المستخدم أولاً، مع خيارات للإعداد، وتنبيهات لحظية، وإمكانية ضبط حدود الإنفاق. كما تعتمد الشركة على أنظمة ذكاء اصطناعي لرصد الاحتيال، تُساعد بالفعل في مراقبة أكثر من 500 مليون معاملة يومياً. باستخدام خوارزميات متطورة، تهدف إلى حماية التجارة الذكية بقوة تمكينها نفسها.

لكن يبقى السؤال: «على ماذا تراهن (فيزا) بهذا الحجم في مجال الأتمتة والذكاء الاصطناعي؟».

وفقاً لـ«ستاتستا» (Statista)، من المتوقع أن يتجاوز حجم التجارة الإلكترونية العالمي 8 تريليونات دولار بحلول عام 2027، في حين تعالج «فيزا» أكثر من 14 تريليون دولار سنوياً في حجم المدفوعات.

الأمر لا يتعلّق بالحجم فقط بل أيضاً بالتوقعات، فقد كشف استطلاع رأي أجرته «فيزا» أن 64 في المائة من المستهلكين يشعرون بالراحة تجاه السماح للذكاء الاصطناعي بمساعدتهم على اتخاذ قرارات الشراء، خاصة فيما يخص المشتريات المتكررة أو الروتينية، وتزداد هذه النسبة بين جيل «زد» (Z). هذا يُشير إلى تغيُّر في نظرة الناس للمال والتسوق والثقة الرقمية، فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة توصية، بل أصبح مساعداً مالياً، وأداة للتخطيط، وحتى منفّذاً للشراء.

الدفع وفقاً للنية

رؤية «فيزا» للتجارة الذكية ليست مجرد إطلاق منتج جديد، بل هي إعادة تعريف للعلاقة بين المستهلك والبائع. ولم تعد عملية الدفع الخطوة الأخيرة في الشراء؛ بل أصبحت مدمجة منذ البداية مدفوعة بالنية، والسياق، والأتمتة.

ورغم أن تطبيق هذه الرؤية بالكامل سيستغرق وقتاً، وأن الخصوصية والتنظيم سيلعبان دوراً في تشكيل مسارها، فإن شيئاً واحداً بات واضحاً، طوابير الدفع في طريقها للاختفاء، وبدلاً منها، سيظهر عالم تتولّى فيه أجهزتنا الذكية عمليات الشراء نيابة عنا، في الوقت والمكان المناسبين. وإذا كانت «فيزا» ترسم اليوم ملامح هذا المستقبل، فهي لا تسأل فقط عن شكل الدفع التالي، بل عن شيء أعمق: ماذا لو لم تعد بحاجة إلى الدفع بنفسك، لأن عالمك أصبح يدفع عنك؟


مقالات ذات صلة

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

تكنولوجيا منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

يحاول الابتكار إعادة تشكيل مفهوم التسويق الرقمي وإدارة النمو للشركات الناشئة، والمؤسسات التقنية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
علوم الذكاء الاصطناعي يتسوّق لك... و«فيزا» تضمن عدم تعرضك للاحتيال

الذكاء الاصطناعي يتسوّق لك... و«فيزا» تضمن عدم تعرضك للاحتيال

ضرورة وضع أُطر أمنية جديدة تتحقق من هوية كل من الإنسان ووكيل الذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا تمثل أدوات التتبع والشراء المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خطراً إذا كانت غير موثوقة (شاترستوك)

كيف يستغل المحتالون الرقميون الذكاء الاصطناعي في موسم «الجمعة البيضاء»؟

يسرِّع الذكاء الاصطناعي في «الجمعة البيضاء» التسوّق لكنه يرفع مستوى الخداع، سامحاً للمحتالين بتقليد المتاجر بمهارة أكبر، مما يجعل الحذر وفحص الروابط ضرورة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا خبراء: المنصات الاجتماعية باتت جزءاً من البنية التحتية للتجارة الإلكترونية الحديثة حيث يلتقي التسويق بالثقافة الرقمية وسلوك المستهلك المتغير (شاترستوك)

«تيك توك»: 15 % من المشتريات في الخليج تبدأ من مقطع فيديو

تقرير لـ«تيك توك» يُبرز التغير في عادات التسوق من الحملات الموسمية إلى الاكتشاف المستمر والتفاعل مع المحتوى الإبداعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تبني السعودية منظومة ذكاء اصطناعي متكاملة تشمل البنية التحتية والنماذج اللغوية والتنظيم ما يعيد تشكيل كل القطاعات بما فيها التسويق (شاترستوك)

خاص كيف تغيّر السعودية قواعد اللعبة التسويقية عبر الذكاء الاصطناعي؟

تعيد السعودية رسم مشهد التسويق عبر استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، ما يتطلب من المسوقين تبنّي استراتيجيات عربية وأصيلة تعتمد على النماذج اللغوية.

نسيم رمضان (لندن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.