«فيجن برو»... تفتقر إلى الصقل والهدف المنشود

سماعة الرأس الأولى «أبل» تحت مجهر الاختبار

«فيجن برو»... تفتقر إلى الصقل والهدف المنشود
TT

«فيجن برو»... تفتقر إلى الصقل والهدف المنشود

«فيجن برو»... تفتقر إلى الصقل والهدف المنشود

قبل نحو 17 عاماً، اعتلى ستيف جوبز المسرح في مركز مؤتمرات في مدينة سان فرنسيسكو. وقال إنه سيقدم 3 منتجات: جهاز «آيبود» ، وهاتف، ومتصفح الإنترنت. وأضاف: «هذه ليست 3 أجهزة منفصلة. هذا جهاز واحد، ونحن نسميه (آيفون iPhone) بسعر 500 دولار».

كان أول هاتف «آيفون» باهظ الثمن نسبياً. كانت هناك عيوب، بما في ذلك سرعات الإنترنت الخلوية البطيئة، لكن الهاتف أوفى بوعوده.

تجربة «فيجن برو»

على مدار الأسبوع الماضي، مررت بتجربة مختلفة تماماً مع منتج جديد من الجيل الأول من شركة «أبل»: فيجن برو، وهي خوذة على شكل سماعة رأس للواقع الافتراضي تشبه زوجاً من نظارات التزلج.

يستخدم هذا الكومبيوتر القابل للارتداء الذي يبلغ ثمنه 3500 دولار، الذي تم طرحه يوم الجمعة الماضي، كاميرات حتى تتمكّن من رؤية العالم الخارجي في أثناء تشغيل التطبيقات ومقاطع الفيديو.

«الكومبيوتر المكاني»

تطلق عليه شركة «Apple» اسم «الكومبيوتر المكاني (spatial computer)» الذي يمزج بين العالمَين المادي والرقمي؛ ليتمكن الأشخاص من العمل ومشاهدة الأفلام وممارسة الألعاب.

رفضت شركة «أبل» تقديم وحدة مراجعة مبكرة لصحيفة «نيويورك تايمز»، لذلك اشتريت «فيجن برو» يوم الجمعة. (تبلغ تكلفتها أكثر من 3500 دولار مع الإضافات التي سيحتاجها عديد من الأشخاص، بما في ذلك حقيبة حمل بثمن 200 دولار، وسماعات (إيربودز AirPods) بثمن 180 دولاراً، وعدسات طبية بقيمة 100 دولار للأشخاص الذين يرتدون النظارات).

ألعاب ليست ممتعة

وأنا غير مقتنع بأن الناس سيحصلون على قيمة كبيرة من هذا الجهاز. يبدو الجهاز أقل تلميعاً من منتجات الجيل الأول السابقة من «أبل»، التي استخدمتها. ليس أداء العمل أفضل من الكومبيوتر، والألعاب التي جربتها حتى الآن ليست ممتعة، مما يجعل من الصعب التوصية بها. وإحدى الميزات المهمة - القدرة على إجراء مكالمات فيديو باستخدام صورة رقمية تشبه الإنسان، تشبه مرتديها - ترعب الأطفال في أثناء مكالمة «FaceTime» العائلية.

عروض فيديو رائعة لذكريات الماضي

تعدّ سماعة الرأس رائعة في الوفاء بأحد وعودها: تشغيل الفيديو، بما في ذلك الأفلام عالية الوضوح، وتسجيلاتك الخاصة ثلاثية الأبعاد التي تتيح لك الانغماس في ذكريات الماضي، وهو أمر غريب ورائع.

في العقد الماضي، كافحت شركات مثل «ميتا»، و«إتش تي سي»، و«سوني» بشدة لبيع سماعات الرأس للمستهلكين العاديين؛ لأن منتجاتها كانت مرهقة عند ارتدائها، وكانت تطبيقاتها محدودة، وبدت غير رائعة.

تفوق على الأجهزة المماثلة

تتمتع «فيجن برو» بواجهة مستخدم فائقة الجودة، وجودة صورة أفضل، وتطبيقات أكثر، وقدرة حوسبة أعلى من سماعات الرأس الأخرى. ولكنها أثقل قليلاً من سماعات الرأس «Quest» الأرخص من شركة «Meta»، ويتم توصيلها ببطارية خارجية تدوم لمدة ساعتين فقط.

تبدو جمالية نظارات التزلج لمنتج «أبل» أفضل من أقنعة سماعات الرأس البلاستيكية الضخمة في الماضي. لكن مقاطع الفيديو التي نشرها المستخدمون الأوائل وهم يتجولون في الخارج حاملين سماعات الرأس - رجال أسميهم Vision Bros - تؤكد أن الناس ما زالوا يبدون سخفاء، وهم يرتدون نظارات التكنولوجيا، حتى عندما تكون مصممة من قبل شركة «أبل».

واجهة أفضل

تتفوق «فيجن برو» بأميال على سماعات الرأس الأخرى التي اختبرتها في جعل واجهة ثلاثية الأبعاد غامرة سهلة للمستخدمين للتحكم فيها بأعينهم وأيديهم. سمحت لأربعة من زملائي بارتداء سماعة الرأس في المكتب وشاهدتهم جميعاً يتعلمون كيفية استخدامها في ثوانٍ.

وينجم ذلك لأنها جهاز مألوف لأي شخص يمتلك هاتف «آيفون» أو هاتفاً ذكياً مشابهاً. إذ إنك سترى شبكة من أيقونات التطبيقات. والنظر إلى أحد التطبيقات يعادل المرور فوقه باستخدام مؤشر الماوس؛ للنقر عليه، اضغط بإصبعَي الإبهام والسبابة معاً، مما يؤدي إلى الضغط السريع. يمكن أيضاً استخدام إيماءة الضغط للتنقل وتوسيع النوافذ.

تتضمن «فيجن برو» مقبضاً يسمى «Digital Crown» يتيح لك تشغيله عكس اتجاه عقارب الساعة رؤية العالم الحقيقي في الخلفية مع الاحتفاظ بالنوافذ الرقمية لتطبيقاتك في المقدمة. يؤدي تدويره في اتجاه عقارب الساعة إلى إخفاء العالم الحقيقي بخلفية غير شفافة.

الأداء خلال إنجاز الأعمال

عند استخدام سماعة الرأس للعمل، يمكنك إحاطة نفسك بعديد من التطبيقات العائمة - يمكن أن يكون جدول البيانات الخاص بك في المنتصف، وتطبيق الملاحظات على يمينك، والمتصفح على يسارك، على سبيل المثال.

إنها النسخة ثلاثية الأبعاد لنوافذ اللعب على شاشة الكومبيوتر. على الرغم من أن هذا يبدو أنيقاً، فإن الضغط على الشاشات العائمة لا يجعل العمل أكثر كفاءة لأنك تحتاج إلى الاستمرار في تحريك رأسك لرؤيتها.

كان بإمكاني تحمل استخدام تطبيق الملاحظات والمتصفح وتطبيق «مايكروسوفت وورد» لمدة لا تزيد على 15 دقيقة قبل أن أشعر بالغثيان.

الجزء الأقل متعة في «فيجن برو» هو الكتابة باستخدام لوحة المفاتيح العائمة، الأمر الذي يتطلب الضغط على مفتاح واحد في كل مرة. لقد خططت لكتابة هذه المراجعة باستخدام سماعة الرأس قبل أن أدرك أنني لن أتمكّن من تحديد الموعد النهائي لإتمام النص.

هناك خيار لتوصيل لوحة مفاتيح فعلية، ولكن في هذه المرحلة أفضل استخدام جهاز كومبيوتر محمول لا يضيف وزناً إلى وجهي.

يمكن أن تعمل «فيجن برو» أيضاً مع أجهزة كومبيوتر «ماك»، حيث يمكنك عكس الشاشة في سماعة الرأس بوصفها نافذةً افتراضيةً يمكن توسيعها لتبدو كأنها شاشة كبيرة. في اختباراتي، كان هناك تأخير ثابت، حيث استغرقت كل ضغطة على المفتاح جزءاً من الثانية للتسجيل افتراضياً، وكان مؤشر الماوس يتحرك ببطء.

دوار وغثيان

بعد ذلك، جربت سماعة الرأس في المطبخ، وقمت بتحميل وصفة بيتزا في متصفح الويب، بينما كنت أقوم بقياس المكونات. في أثناء تحركي خلال النظر عبر الكاميرا، شعرت بالغثيان مرة أخرى واضطررت إلى إزالة سماعة الرأس. تعدّ «فيجن برو» أكثر راحة للاستخدام خلال الجلوس. تنصح شركة «أبل» الأشخاص بأخذ فترات راحة لتقليل دوار الحركة.

توليد صور شخصية محرجة

أصبحت مكالمات الفيديو الآن جزءاً أساسياً من الحياة المكتبية، وهنا تكون «فيجن برو» ذات أداء أدنى بشكل خاص من الكومبيوتر المحمول المزود بكاميرا. تستخدم سماعة الرأس كاميراتها لالتقاط صور لوجهك يتم دمجها في صورة رمزية ثلاثية الأبعاد تسمى «بيرسونا»، التي صنفتها شركة «أبل» على أنها ميزة «تجريبية» لأنها غير مكتملة.

الشخصيات محرَجة جداً، لدرجة أن الأشخاص سيشعرون بالحرج من استخدامها في مكالمة عمل. وقد أنتج جهاز «فيجن برو» صورة غير مبهجة لي دون عظام الخد، وآذان غير واضحة. في مكالمة عبر تطبيق «FaceTime» مع أهل زوجتي، قالوا إن هذا الضبابية أعادتهم إلى أجواء الاستوديو في الثمانينات.

استدارت إحدى بنات أخي، البالغة من العمر 3 سنوات، وابتعدت عند رؤية الخال براين الافتراضي. أما الأخرى، البالغة من العمر 7 سنوات، فقد اختبأت خلف والدها، وتهمس في أذنه: «شكله مزيف»

هل نشعر بالاستمتاع؟

الفيديو هو المكان الذي تتألق فيه «فيجن برو». عند بث الأفلام عبر تطبيقات مثل «Disney+» و«Max»، يمكنك الضغط على زاوية مقطع الفيديو وسحبه لتوسيعه إلى تلفزيون ضخم عالي الدقة، ويمكن مشاهدة بعض الأفلام، مثل «Avengers: Endgame» و«Avatar 2»، بتقنية ثلاثية الأبعاد.

تبدو الصورة أكثر سطوعاً ووضوحاً من الجودة الموجودة في منتجات «Meta's Quest»، وتعد جودة الصوت في سماعة رأس «أبل» ممتازة، لكن مكبرات الصوت ترسل أصواتاً عالية، لذا ستحتاج إلى «إيربودز» إذا كنت تريد استخدامها في الأماكن العامة.

إن عمر بطارية سماعة الرأس الذي يبلغ ساعتين ليس طويلاً بما يكفي لتستمر خلال معظم الأفلام الطويلة، ولكن من خلال تجربتي، تبين أنني لم أتمكّن من مشاهدة الأفلام لأكثر من 20 إلى 30 دقيقة قبل أن أحتاج إلى الراحة... راحة الرقبة والعينين من السماعة الثقيلة.

لم يتم صنع عديد من الألعاب لسماعات الرأس حتى الآن. لقد قمت بتجربة بعض ألعاب «فيجن برو» الجديدة مثل «Blackbox»، التي تتضمن التحرك في بيئة ثلاثية الأبعاد لتفجير الفقاعات وحل الألغاز. بدا الأمر جميلاً، لكن بعد زوال الحداثة، تلاشى اهتمامي. من الصعب أن نوصي بـ«فيجن برو» لألعاب الواقع الافتراضي عندما تحتوي سماعات الرأس «Quest 2» و«Quest 3» التي تبلغ قيمتها 250 دولاراً و500 دولار من «Meta »على مكتبة أعمق من الألعاب.

الخلاصة

إن «فيجن برو» هي بداية شيء ما، ولست متأكداً من أي شيء بالضبط. لكن الهدف من مراجعة المنتج هو تقييم الوضع الحالي.

في حالته الحالية، تعد «فيجن برو» منتجاً مثيراً للإعجاب ولكنه غير مكتمل من الجيل الأول ويعاني من مشكلات. وبخلاف كونه تلفزيوناً شخصياً فاخراً، فإنه يفتقر إلى الهدف.

أكثر ما يلفت انتباهي في «فيجن برو» هو مدى صعوبة مشاركة سماعة الرأس مع الآخر، خصوصاً أنها جهاز كومبيوتر باهظ الثمن. يوجد وضع الضيف، ولكن لا توجد إمكانية لإنشاء ملفات تعريف لأفراد العائلة المختلفين لتحميل التطبيقات ومقاطع الفيديو الخاصة بهم.

لذا فإن السماعات هي جهاز كومبيوتر يستخدمه الأشخاص بمفردهم، ويأتي في وقت نسعى فيه إلى إعادة الاتصال بعد سنوات من العزلة المقنعة. قد تكون هذه أكبر نقطة عمياء في «فيجن برو».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الرياضات الافتراضية تخفف الشعور بالوحدة

صحتك الرياضات الافتراضية تعتمد على تقنيات الواقع الافتراضي لتمكين اللاعبين من ممارسة أنشطة رياضية في بيئة رقمية تفاعلية (جامعة دنفر)

الرياضات الافتراضية تخفف الشعور بالوحدة

ممارسة الرياضات الافتراضية يمكن أن تساعد في تحسين الرفاه النفسي وتقليل الشعور بالوحدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تكنولوجيا أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة (رويترز)

كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي في مجال اللغات والترجمة؟

شهد مجال اللغات والترجمة تطورات ثورية في السنوات الأخيرة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك تقنية الواقع الافتراضي يمكن استخدامها للتدرب على مواقف اجتماعية مثيرة للقلق (جامعة ولاية إلينوي)

علاج غير تقليدي للذهان يحقق نتائج واعدة

توصلت دراسة هولندية إلى أن العلاج النفسي باستخدام تقنية الواقع الافتراضي يُعد وسيلة فعّالة وسريعة لتخفيف أعراض الذُّهان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة كيتلين ديفر بطلة مسلسل «Apple Cider Vinegar»... (نتفليكس)

«خلّ التفّاح» القاتل... تجرّعَته الضحية والجلّاد الدجّال

مسلسل «نتفليكس» الجديد يستعيد إحدى كبرى قصص الاحتيال التي هزّت «إنستغرام» والمجتمع الأسترالي. فمَن بيل غيبسون التي كذبت بشأن مرضها وأوهمت الناس أن العلاج بيدها؟

كريستين حبيب (بيروت)
تكنولوجيا نظارات «سبيكتكلز - الجيل الخامس» مزودة بعدسات شفافة بتقنية «الكريستال السائل على السيليكون»... (سناب)

تعرف على نظارات «سبيكتكلز - الجيل الخامس» من «سناب»

أعلنت شركة «سناب» عن الجيل الخامس من نظارات «سبيكتكلز»، وهي نظارات مستقلة تستخدم تقنية الواقع المعزز لتمكين المستخدمين من استكشاف تجارب تفاعلية جديدة مع…

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
TT

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

يشير باحثون إلى أن البعوض يُعد من أخطر الكائنات بسبب قدرته على العثور على البشر ونقل الأمراض. وعلى مدى عقود، حاول العلماء فهم العوامل التي تجذب هذه الحشرات. لكن سؤالاً أساسياً ظل دون إجابة واضحة: كيف تتحرك البعوضة فعلياً في الهواء أثناء بحثها عن ضحية؟

دراسة جديدة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع جهات أخرى تقدّم إجابة تفصيلية. فقد طوّر الفريق إطاراً ثلاثي الأبعاد قادراً على التنبؤ بكيفية طيران البعوض استجابةً لإشارات حسية مختلفة.

فهم سلوك الطيران

تعتمد البعوضة على مجموعة من الإشارات البيئية لتحديد موقع الإنسان، تشمل إشارات بصرية مثل شكل الجسم، وإشارات كيميائية مثل ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس. وتُظهر الدراسة أن هذه الإشارات لا تجذب البعوض فقط، بل تؤثر بشكل مباشر في طريقة طيرانه.

ولفهم هذا السلوك، قام العلماء بتتبع حركة البعوض في بيئة تجريبية، حيث جرى تسجيل مسارات الطيران بدقة أثناء استجابة الحشرات لمحفزات مختلفة. وهذا سمح بتحليل كيفية تنقلها في الفضاء، وليس فقط أماكن هبوطها.

سلوك الطيران يتغير حسب نوع الإشارات مع أنماط مختلفة عند توفر إشارات منفردة أو مجتمعة (أ.ف.ب)

أنماط طيران متعددة

حددت الدراسة ثلاثة أنماط رئيسية للطيران تعتمدها البعوضة وفقاً لنوع الإشارات المتاحة. عند توفر الإشارات البصرية فقط، تقترب البعوضة بسرعة قبل أن تنحرف بعيداً، في نمط يُشبه «المرور السريع»، ما يشير إلى أن الرؤية وحدها لا تكفي لتأكيد الهدف.

أما عند توفر الإشارات الكيميائية فقط، مثل ثاني أكسيد الكربون، فإن سلوكها يتغير، حيث تبطئ حركتها وتبدأ بالتحليق ذهاباً وإياباً، محاولةً البقاء قرب مصدر الإشارة. لكن عند الجمع بين الإشارات البصرية والكيميائية، تتبنى البعوضة سلوكاً أكثر تركيزاً، إذ تبدأ بالدوران حول الهدف بشكل منتظم، في حركة تشبه استعداد المفترس للهبوط.

نموذج قائم على البيانات

لبناء هذا النموذج، أجرى الباحثون تجارب باستخدام مجموعات من البعوض داخل بيئة محكومة. وتم استخدام كاميرات لتسجيل حركتها ثلاثية الأبعاد أثناء تعرضها لمحفزات مختلفة. وعبر هذه التجارب، جُمعت عشرات الملايين من نقاط البيانات ومئات الآلاف من مسارات الطيران، ما أتاح بناء نموذج رياضي قادر على التنبؤ بحركة البعوض في ظروف متعددة.

ويتميز النموذج بقدرته على تبسيط سلوك معقد دون فقدان دقته، ما يجعله أداة عملية للأبحاث المستقبلية.

يعتمد البعوض على مزيج من الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان (رويترز)

سلوك غير خطي

من أبرز نتائج الدراسة أن سلوك البعوض لا يمثل مجرد جمع بسيط للاستجابات المختلفة. فعند توفر أكثر من نوع من الإشارات، لا تدمج البعوضة ردود فعلها، بل تعتمد نمطاً جديداً كلياً. وهذا يشير إلى أن الحشرة تعالج المعلومات الحسية بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد، إذ تعدّل سلوكها بشكل ديناميكي بدلاً من اتباع قواعد ثابتة.

تمتد أهمية هذا البحث إلى مجال الصحة العامة. فالبعوض مسؤول عن نقل أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك وفيروس غرب النيل، والتي تتسبب في مئات الآلاف من الوفيات سنوياً.

ومن خلال فهم كيفية حركة البعوض، يمكن تطوير وسائل أكثر فاعلية للحد منه. وتشير الدراسة إلى أن الاعتماد على نوع واحد من الإشارات في المصائد قد لا يكون كافياً، وأن الجمع بين إشارات متعددة قد يعزز فعاليتها.

استراتيجية متعددة الحواس

يؤكد الباحثون أن مكافحة البعوض تتطلب استهداف أكثر من حاسة في الوقت نفسه. فالمصيدة التي تجمع بين الشكل البصري والجاذبية الكيميائية قد تكون أكثر قدرة على جذب البعوض والاحتفاظ به. ويعكس هذا توجهاً أوسع نحو تطوير حلول تعتمد على فهم السلوك، بدلاً من الأساليب التقليدية.

آفاق البحث المستقبلية

يركز النموذج الحالي على الإشارات البصرية وثاني أكسيد الكربون، لكنه قابل للتطوير ليشمل عوامل أخرى مثل الحرارة والرطوبة والروائح المختلفة، التي تلعب أيضاً دوراً في جذب البعوض. ويمكن لهذا النهج أن يساعد في اختبار استراتيجيات جديدة بشكل أسرع وأكثر كفاءة. تمثل هذه الدراسة خطوة نحو إدارة أكثر دقة وفعالية للبعوض. فمن خلال فهم كيفية تحركه، يمكن تقليل فرص احتكاكه بالبشر.

ومع استمرار تطوير هذا النموذج، قد يسهم في ابتكار أدوات جديدة للحد من انتشار الأمراض التي تنقلها هذه الحشرات، ما يجعله ليس مجرد إنجاز علمي، بل خطوة مهمة في مجال الصحة العامة.


«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
TT

«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)

حذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) من حملة قرصنة منظمة تستهدف مستخدمي تطبيقات المراسلة الشهيرة، ويرتبط منفذوها بأجهزة الاستخبارات الروسية. وتأتي هذه التحذيرات في ظلِّ تنامي الهجمات السيبرانية التي تستهدف أفراداً ذوي أهمية استخباراتية عالية حول العالم، بمَن في ذلك مسؤولون حكوميون، وعسكريون، وشخصيات سياسية وصحافيون.

وفي بيان مشترك مع وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA)، أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم، وفقاً لما نشرته صحيفة «إندبندنت».

وأوضح البيان: «تستهدف هذه الهجمات أفراداً ذوي قيمة استخباراتية عالية، مثل المسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الأميركية، والعسكريين، والشخصيات السياسية، والصحافيين».

وأضاف البيان: «بعد اختراق الحساب، يمكن للمهاجمين الاطلاع على رسائل الضحايا، وقوائم جهات الاتصال الخاصة بهم، وإرسال رسائل نيابة عنهم، وتنفيذ عمليات تصيّد احتيالي إضافية ضد تطبيقات المراسلة التجارية الأخرى».

وأظهرت التحقيقات أن القراصنة كانوا يركزون بشكل خاص على مستخدمي تطبيق «سيغنال»، مع إمكانية تطبيق أساليبهم نفسها على تطبيقات أخرى شائعة مثل «واتساب» و«تلغرام».

وفي رد رسمي، أكدت شركة «سيغنال» أن الهجمات تمَّت عبر حملات تصيّد احتيالية متطورة تهدف إلى خداع المستخدمين لحملهم على مشاركة معلومات حساسة، مثل رموز التحقُّق أو أرقام التعريف الشخصية (PIN).

تعتمد تقنية القراصنة على انتحال صفة حساب الدعم الرسمي للتطبيق؛ لخداع المستخدمين وحملهم على النقر على روابط ضارة، أو مشاركة رموز التحقق الخاصة بهم، ما قد يمنح المهاجمين وصولاً غير مصرَّح به إلى الحساب.

وفي بعض الحالات، قد تؤدي هذه الهجمات إلى مضاعفات أخرى، مثل إصابة جهاز المستخدم ببرامج خبيثة.

وحذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية المستخدمين من رسائل غير متوقعة أو مشبوهة من جهات اتصال مجهولة، داعين إلى توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أي رسائل أو روابط غير مألوفة على تطبيقات المراسلة.


«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
TT

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

في أبريل (نيسان) عام 1976، تأسست شركة صغيرة داخل مرآب في كاليفورنيا. حدث لم يكن يوحي آنذاك بحجم التأثير الذي ستتركه لاحقاً على العالم. وبعد خمسين عاماً، أصبحت «أبل» واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا نفوذاً وقيمة، في مسيرة لم تُبْنَ على الابتكار فقط، بل على القدرة المتكررة على إعادة ابتكار الذات في اللحظات الحاسمة.

تاريخ «أبل» تَشكّل بقدر كبير من اللحظات التي كادت تغيّر مسارها بالكامل. فإحدى أبرز هذه اللحظات وقعت في الأيام الأولى للتأسيس، حين باع رونالد واين، الشريك الثالث في الشركة، حصته البالغة 10 في المائة مقابل 800 دولار بعد 12 يوماً فقط. اليوم، تُقدّر قيمة تلك الحصة بنحو 382 مليار دولار. ورغم أن هذه القصة تُستَخدم كثيراً كمثال على الفرص الضائعة، فإنها تعكس حقيقة أعمق وهي أن نجاح «أبل» لم يكن حتمياً.

منزل عائلة ستيف جوبز بولاية كاليفورنيا حيث انطلقت شركة «أبل» عام 1976 في بداياتها الأولى داخل هذا المرآب.

جعلُ الحوسبة شخصية

منذ البداية، سعت «أبل» إلى جعل الحوسبة أقرب إلى الأفراد. وقد تجسد هذا الطموح بوضوح في عام 1984 مع إطلاق جهاز «ماكنتوش». الجهاز جاء بذاكرة 128 كيلوبايت وسعر 2495 دولاراً أي ما يعادل نحو 7810 دولارات اليوم، لكنه قدّم واجهة رسومية غيّرت طريقة تفاعل المستخدمين مع الحاسوب، وأصبحت لاحقاً معياراً في الصناعة.

لم يكن «ماكنتوش» مجرد منتج، بل رؤية لطبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وقد عززت هذه الرؤية حملة «1984» الإعلانية الشهيرة، التي عرضت خلال «السوبر بول»، ورسّخت صورة «أبل» كشركة تتحدى السائد. ومنذ تلك المرحلة، تبنّت «أبل» استراتيجية واضحة: تقديم منتجات متميزة بسعر أعلى، مع التركيز على التجربة الكاملة وليس السعر فقط.

من الإدراج إلى النمو المبكر

طرحت «أبل» أسهمها للاكتتاب العام في ديسمبر (كانون الأول) 1980 بسعر 22 دولاراً للسهم. وبعد احتساب الانقسامات اللاحقة للسهم، بلغ سعره نحو 0.13 دولار في أوائل 1981. هذا الرقم يعكس حجم التحول الذي شهدته الشركة لاحقاً. لكن النمو لم يكن مضموناً. ففي منتصف التسعينات، واجهت «أبل» تحديات كبيرة، مع تراجع موقعها في السوق وازدياد المنافسة.

جهاز «ماكنتوش 128 كيه» الذي أُطلق عام 1984 وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي قدمت واجهة رسومية سهلة الاستخدام

1997... لحظة التحول الحاسمة

بحلول عام 1997، كانت «أبل» على حافة الإفلاس. تعددت منتجاتها دون وضوح في الاستراتيجية، وضعفت قدرتها على المنافسة. ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد إنقاذ، بل إعادة تعريف كاملة. قامت الشركة بتبسيط منتجاتها والتركيز على التصميم وإعادة بناء هويتها حول تجربة المستخدم. هذه المرحلة لم تكن عودة فقط، بل بداية لحقبة جديدة. فقليل من الشركات ينجو من مثل هذه الأزمات، والأقل منها من يتحول بعدها إلى قوة مهيمنة.

إعادة تشكيل الأسواق

انطلاقة «أبل» الجديدة لم تعتمد فقط على طرح منتجات ناجحة، بل على إعادة تعريف أسواق كاملة. جهاز «آي ماك» في 1998 أعاد تقديم «أبل» كشركة تركز على التصميم والبساطة. وفي 2001، غيّر «آي بود» طريقة استهلاك الموسيقى الرقمية، ليس كجهاز فقط، بل كجزء من منظومة متكاملة. هذه المنظومة أو ما يمكن وصفه بـ«النظام البيئي»، أصبحت جوهر استراتيجية «أبل». لم تعد المنتجات مستقلة، بل مترابطة، تعمل معاً لتقديم تجربة موحدة.

جاء «آيفون» في 2007 ليشكل نقطة التحول الأبرز. لم يكن مجرد هاتف، بل منصة جديدة للحوسبة الشخصية، غيّرت شكل الصناعة بالكامل. ثم توسعت «أبل» لاحقاً مع «آيباد» في 2010 و«أبل ووتش» في 2015 و«إيربودز» في 2016. وفي كل مرة، لم تكتفِ الشركة بالمشاركة في السوق، بل أعادت تشكيله.

التصميم كاستراتيجية

أحد الثوابت في مسيرة «أبل» هو اعتبار التصميم جزءاً من الاستراتيجية، وليس مجرد عنصر جمالي. البساطة وسهولة الاستخدام والتكامل أصبحت عناصر أساسية في تميّز الشركة. كما أن بناء نظام بيئي مترابط منح «أبل» ميزة تنافسية قوية. فالقيمة لم تعد في جهاز واحد، بل في كيفية تفاعل الأجهزة والخدمات معاً. بعبارة أخرى، لم يكن الابتكار في المنتج فقط، بل في العلاقة بين المنتجات.

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك في إحدى المناسبات بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

من الرؤية إلى التنفيذ

ارتبط اسم «أبل» طويلاً بستيف جوبز، الذي قاد العديد من ابتكاراتها. وبعد وفاته في 2011، تولى تيم كوك القيادة. جوبز عُرف برؤيته للمنتجات، بينما ركّز كوك على توسيع العمليات وتعزيز الكفاءة. ورغم اختلاف الأسلوب، حافظت الشركة على مسار النمو والتوسع.

ومع مرور الوقت، أصبحت «أبل» أكثر من شركة تقنية. فشعار «التفاحة المقضومة» أصبح من أكثر الرموز شهرة في العالم، إلى جانب علامات مثل «نايكي» و«ماكدونالدز». ومن اللافت أن الاسم نفسه لم يُختر لأسباب تقنية، بل لأن ستيف جوبز كان يحب التفاح، واسم «ماكنتوش» مستمد من نوع منه. لكن عبر الزمن، تحولت العلامة إلى رمز للابتكار والبساطة ونمط تفكير معين.

أجهزة مختلفة لشركة «أبل» (رويترز)

البقاء عبر عصور متعددة

ما يميز «أبل» هو قدرتها على البقاء ذات صلة عبر تحولات تكنولوجية متتالية، من الحواسيب الشخصية إلى الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، فالأجهزة القابلة للارتداء. في حين اختفت شركات كانت رائدة في إحدى هذه المراحل، استطاعت «أبل» أن تعيد تموضعها باستمرار. تعكس رحلة «أبل» نمواً مالياً كبيراً، لكنها في جوهرها قصة قدرة على التغيير. أزمة 1997 تبقى لحظة، ومن دونها ربما لم تظهر العديد من الابتكارات التي أصبحت اليوم جزءاً من الحياة اليومية.

المستقبل.. اختبار جديد

في عامها الخمسين، تقف «أبل» في موقع قوة. لكن التحدي المقبل ليس تكرار الماضي، بل إعادة تعريف نفسها مرة أخرى. خلال خمسة عقود، نجحت الشركة في توقع التحولات التكنولوجية والمساهمة في تشكيلها. والسؤال الآن: هل يمكنها أن تفعل ذلك مجدداً في بيئة أكثر تعقيداً؟

ما تؤكده التجربة هو أن قوة «أبل» لم تكن في منتج واحد، بل في قدرتها على التطور. فمن مرآب صغير إلى شركة عالمية، تبقى قصتها درساً في أن الابتكار وحده لا يكفي بل إن القدرة على إعادة الابتكار هي ما تصنع الفارق.

Your Premium trial has ended