كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي في مجال اللغات والترجمة؟

أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة (رويترز)
أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة (رويترز)
TT

كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي في مجال اللغات والترجمة؟

أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة (رويترز)
أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة (رويترز)

شهد مجال اللغات والترجمة تطورات ثورية في السنوات الأخيرة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد أصبح بإمكان الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات ترجمة النصوص بين عشرات اللغات بدقة متزايدة، بل وتجاوز ذلك إلى ترجمة الكلام مباشرة بين لغات مختلفة بشكل يكاد يكون آنياً. كما دخل الذكاء الاصطناعي ميادين تعليم اللغات، فبات بمقدور المتعلمين الاستفادة من تطبيقات وخوارزميات ذكية لتسريع وتيرة اكتسابهم للغة جديدة.

كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في الترجمة الفورية بين اللغات؟

الترجمة الصوتية الفورية

لم تعد الترجمة الآلية مقتصرة على النصوص المكتوبة، بل امتدت لتشمل الترجمة الصوتية الفورية بين اللغات. تطوّرت خوارزميات الترجمة بالذكاء الاصطناعي لتقترب من حلم «المترجم الشامل» الذي ينقل الكلام بين أي لغتين بشكل لحظي.

نموذج ميتا للترجمة الشفهية

على سبيل المثال، كشفت شركة «ميتا» (Meta) عن نموذج ذكاء اصطناعي جديد قادر على ترجمة الكلام شفهياً بين أكثر من 100 لغة بشكل مباشر. يمثل هذا النموذج خطوة باتجاه الترجمة اللحظية (أو الآنية) حيث تُترجم الكلمات لحظة نطقها تقريباً، ما يتيح حواراً شبه آني بين متحدثين بلغات مختلفة، بحسب موقع «سي دي أو تايمز» المتخصص في الشؤون الرقمية.

ورغم أن النماذج السابقة كانت تعتمد عدة مراحل (تحويل الكلام إلى نص ثم ترجمته ثم توليد كلام جديد)، باتت النماذج الأحدث تُنجز الترجمة من صوت إلى صوت بصورة أكثر مباشرة وكفاءة.

كشفت شركة «ميتا» (Meta) عن نموذج ذكاء اصطناعي جديد قادر على ترجمة الكلام شفهياً بين أكثر من 100 لغة بشكل مباشر (رويترز)

خدمة «ديب إل فويس» للترجمة الفورية

هذه التقنيات خرجت من نطاق المختبر إلى تطبيقات يستخدمها الناس يومياً. فعلى سبيل المثال، طوّرت شركة «ديب إل» DeepL خدمة ترجمة صوتية فورية تحمل اسم «ديب إل فويس» DeepL Voice تتيح للمستخدم الاستماع إلى شخص يتحدث بلغة ما والحصول فوراً على ترجمة نصية إلى لغة أخرى، وفق منصة «تك كرانش» Techcrunch الأميركية التي تغطي أخبار الشركات الناشئة والتقنيات الحديثة.

يمكن استخدام خاصية «ديب إل فويس» في المحادثات المباشرة أو اجتماعات الفيديو، حيث يظهر النص المترجَم على الشاشة كلما تكلّم الطرف الآخر بلغة مختلفة.

وقد بدأت بالفعل منصات اجتماعات رقمية شهيرة مثل خدمة «غوغل مِيت» Google Meet بإضافة ترجمة فورية للنصوص المنطوقة أثناء مكالمات الفيديو، ما يسمح للمشاركين من جنسيات مختلفة بفهم بعضهم في اللحظة نفسها.

تطبيقات مختلفة للترجمة اللحظية

وإلى جانب عمالقة التقنية، هناك العديد من الشركات الناشئة التي تتنافس في تطوير أجهزة وتطبيقات للترجمة الصوتية اللحظية بالذكاء الاصطناعي، بعضها يستخدم أصواتاً اصطناعية شبيهة بصوت البشر لنقل الترجمة بطريقة طبيعية.

بفضل هذه التطورات، أصبح حلم كسر حاجز اللغة أقرب إلى الواقع، حيث يمكن للسائح اليوم استعمال تطبيق على هاتفه لترجمة محادثته فوراً مع سكان بلد أجنبي، كما يمكن للشركات العالمية عقد اجتماعات متعددة اللغات دون الحاجة دائماً إلى مترجم بشري مرافق. ومع ذلك، ورغم الإنجازات المذهلة في مجال الترجمة الآلية الفورية، يبرز سؤال مهم، وهو إذا ما كان بالإمكان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده كترجمة دقيقة وموثوقة.

ظهرت العديد من الشركات الناشئة التي تتنافس في تطوير أجهزة وتطبيقات للترجمة الصوتية اللحظية بالذكاء الاصطناعي (رويترز)

هل يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده في الترجمة؟

على الرغم من القفزات الهائلة التي حققتها الترجمة الآلية بالذكاء الاصطناعي، فإنها لا تخلو من العيوب والثغرات التي تمنعها من أن تكون بديلاً كاملاً للمترجم البشري.

عيوب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة

مشكلة اللهجات والسياقات

من أبرز التحديات التي تواجهها برامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي هي التعامل مع الفوارق الدقيقة في اللغة واللهجات والسياقات الثقافية. على سبيل المثال، قد تفشل الأنظمة أحياناً في فهم لهجات مختلفة للغة نفسها. حدث ذلك مع أحد طالبي اللجوء في الولايات المتحدة الذي كان يتحدث البرتغالية بلكنة محلية؛ استخدمت السلطات أداة ترجمة صوتية تعمل بالذكاء الاصطناعي للتواصل معه، لكن النظام لم يستطع تمييز لهجته المناطقية ولم يفهم كلامه، مما جعله غير قادر على التواصل لستة أشهر داخل مركز الاحتجاز، حسبما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

مثل هذه الحالة تظهر أن الآلة قد لا تلتقط دائماً فروق النطق واللهجة التي يتكلّمها الإنسان.

ترجمة الأسماء والمصطلحات

إلى جانب مشكلة اللهجات، قد تقع الترجمة الآلية في أخطاء تغيّر تماماً المعنى المقصود. فعلى سبيل المثال، تُرجم تعبير إنجليزي مثل «not mandatory» (أي «غير إلزامي») بشكل خاطئ إلى جملة تعني «غير ضروري» باللغة الإسبانية في ترجمة آلية لوثيقة صحية، ما قلب تماماً المقصود في سياق يتعلق بلقاح كورونا، وفق ما نقله موقع «سي دي أو تايمز».

ومثال آخر فاضح حصل عندما قام نظام ترجمة آلي بترجمة اسم مدينة «Belo Horizonte» (وهي مدينة بالبرازيل) ترجمة حرفية إلى عبارة «Beautiful Horizon» بمعنى «الأفق الجميل»، بدلاً من إدراك أنه اسم علم لمدينة، حسب صحيفة «الغارديان».

أخطاء كهذه في فهم الأسماء أو الاصطلاحات يمكن أن تؤدي إلى تراكيب غير مفهومة أو تغيير في المعلومات، خاصة إذا استُخدمت الترجمة الآلية في وثائق رسمية أو إجراءات قانونية.

ضرورة المراجعة البشرية

بسبب هذه التحديات، يُجمع الخبراء على ضرورة وجود تدخّل بشري لمراجعة وتصحيح الترجمة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في السياقات الحساسة أو عالية المخاطر. يؤكد باحثون في مجال اللغة أن المترجمين البشر يظلون عنصراً لا غنى عنه لضمان نقل المعنى الدقيق وروح النص بين اللغات، نظراً لفهمهم السياق الثقافي واللغوي الذي تعجز الآلة حالياً عن استيعابه بالكامل.

وقد حذّر أحد الخبراء العاملين في مجال الترجمة الإنسانية من مغبة الاعتماد الكامل على الترجمة الآلية بقوله إن «أدوات الترجمة بالذكاء الاصطناعي لا يجوز أبداً استخدامها من دون إشراف بشري، ولا ينبغي أن تحلّ محلّ المترجمين الفوريين في المواقف الحساسة أو عالية الأهمية»، وفق «الغارديان».

بكلمات أخرى، يجب النظر إلى الترجمة بالذكاء الاصطناعي على أنها أداة مساعدة تسرّع العمل وتنجزه بكلفة أقل، لكنها ليست عصاً سحرية معصومة من الخطأ. وفي الحالات التي قد يترتب على الترجمة الخطأ عواقب جسيمة - كالمعاملات القانونية أو النصائح الطبية - ينبغي أن تمر الترجمة بمراجعة إنسانية للتأكد من صحتها ودقتها.

كيف تساعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تسريع تعلّم اللغات؟

لم يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على كسر حواجز اللغة بين الشعوب فحسب، بل امتد أيضاً إلى تعلّم اللغات نفسها.

تطبيقات التعلم الآلي

ظهرت في السنوات الأخيرة تطبيقات ومنصات تعليمية تستخدم خوارزميات ذكية لتوفير تجربة تعلم تفاعلية وشخصية تساعد الأفراد على اكتساب اللغة الجديدة بسرعة وكفاءة أكبر. تعتمد هذه التطبيقات على تقنيات متنوعة مثل معالجة اللغة الطبيعية والتعلّم الآلي لتقديم تمارين ودروس تتكيف مع مستوى المتعلم، بالإضافة إلى توفير ملاحظات فورية وتدريبات تفاعلية تحاكي استخدام اللغة في الحياة الواقعية.

من الأمثلة البارزة على ذلك تطبيق «ديولينغو» Duolingo الشهير لتعليم اللغات، الذي أطلق مؤخراً خدمة مدفوعة تسمى «ديولينغو ماكس» Duolingo Max مدعومة بتقنية الذكاء الاصطناعي «شات جي بي تي» GPT-4. تتيح إحدى ميزات هذه الخدمة، المسماة «رولبلاي» Roleplay، للمتعلمين إجراء محادثة تفاعلية مع روبوت دردشة ذكي يتقمص شخصيات افتراضية داخل التطبيق من أجل ممارسة اللغة بشكل عملي. على سبيل المثال، يمكن للمستخدم أن يتدرب على طلب القهوة بالفرنسية في مقهى بباريس أو التخطيط لرحلة مع شخصية وهمية، فيقوم الروبوت بالرد عليه كما لو كان شخصاً حقيقياً ويتجاوب مع مدخلاته بذكاء، وفق موقع «تك كرانش».

ظهرت في السنوات الأخيرة تطبيقات ومنصات تعليمية تستخدم خوارزميات ذكية لتوفير تجربة تعلم تفاعلية (د.ب.أ)

بعد انتهاء الحوار، يقدّم التطبيق تغذية راجعة فورية للمستخدم تشمل تقييم دقة إجاباته ومدى صحتها لغوياً، مع نصائح لتحسين المحادثة المستقبلية وتصحيح الأخطاء. ليس هذا فحسب، بل يوفر الذكاء الاصطناعي في التطبيق أيضاً خاصية تشرح للمتعلم لماذا كانت إجابته خاطئة أو صحيحة في التمارين اللغوية («Explain My Answer») مما يساعده على فهم القواعد بشكل أعمق وتفادي تكرار الأخطاء.

ميزة أخرى مهمة للذكاء الاصطناعي في تعلّم اللغات هي قدرته على تقديم تدريب شخصي وفوري لكل متعلم. تستخدم التطبيقات الذكية خوارزميات لتحليل أداء المتعلم وتحديد نقاط ضعفه وقوته، ثم تكييف المحتوى التعليمي ليناسب مستواه واحتياجاته الخاصة. على سبيل المثال، يمكن لتطبيق مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يرصد أن لديك مشكلة في قواعد الزمن الماضي باللغة الإنجليزية، فيكثّف لك التمارين والتدريبات على هذه القاعدة حتى تتقنها. كذلك أصبحت تقنية التعرف على الكلام بالذكاء الاصطناعي مكوّناً أساسياً في كثير من تطبيقات اللغة، حيث يقوم التطبيق بالاستماع لنطق المتعلم وتصحيح النطق له على الفور. توفر هذه التقنيات للمتعلّم تغذية راجعة لحظية حول نطقه للكلمات ونحو الجمل ومفرداتها، مما يُمكّنه من ملاحظة أخطائه وتصحيحها فوراً بدل الانتظار، وبالتالي يُسرّع عملية التعلم، حسبما أفادت مدوّنة «بيرسون» Pearson للتعليم.

فبدلاً من أن ينتظر الطالب حصة دراسية أو تصحيح المعلم، بات يستطيع الحصول على تصحيح فوري لنطقه أو كتابته عبر التطبيق الذكي. هذا التسارع في دورة التغذية الراجعة يتيح للمتعلّم وقتاً أطول للممارسة ويحسّن من استيعابه للغة بشكل أسرع.

تعلم اللغات عن طريق الواقع الافتراضي

ويفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة لتعزيز التفاعل والمتعة في تعلم اللغات. فبعض المنصات بدأت تستفيد من تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز مدعومة بالذكاء الاصطناعي لخلق بيئات افتراضية يستطيع المتعلم من خلالها الانغماس في مواقف شبيهة بالحياة الواقعية للتدريب على اللغة.

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أصبح حليفاً قوياً في مجال اللغات والترجمة. فهو يُسخَّر اليوم لترجمة المحادثات فوراً بين مختلف اللغات، ويُستخدم كمدرّس خصوصي ذكي يُسرّع من تعلمنا للغة جديدة. تتطلّب الاستفادة القصوى من هذه التقنيات فهماً لحدودها أيضاً: فالآلة مهما بلغت دقتها ما زالت تحتاج إلى عين الإنسان الخبيرة لضبط المعنى في الترجمة، والمتعلّم رغم اعتماده على التطبيق الذكي يحتاج إلى ممارسة وتواصل حقيقي لا غنى فيه عن البشر.


مقالات ذات صلة

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)

«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

«مايكروسوفت» تطلق «Copilot Cowork» لتنفيذ مهام متعددة الخطوات في تحول نحو ذكاء اصطناعي يشارك فعلياً في إنجاز العمل داخل المؤسسات.

نسيم رمضان (لندن)
علوم بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

التركيز اليوم لا ينصب على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، بل على مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
تكنولوجيا «كلود»... تصميم مطور لـ«شريك ذكي يناقش الأفكار ويطرحها»

«كلود»... تصميم مطور لـ«شريك ذكي يناقش الأفكار ويطرحها»

محاولة لخلق كيان يقاوم ويتحدى قليلاً... ولا يتملق... بل يكون جذاباً حقاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

تدعم نظارات "ميتا" الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

نسيم رمضان (لندن)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
TT

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)
أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

أصبح بالإمكان استخدام «شات جي بي تي» (ChatGPT) داخل نظام «كاربلاي» (CarPlay) من «أبل»، في خطوة تعكس توسع حضور الذكاء الاصطناعي خارج الهاتف نحو بيئات الاستخدام اليومية مثل السيارة. ومع تحديثات «26.4 iOS » الأخيرة، فتحت «أبل» المجال أمام تطبيقات المحادثة الصوتية للعمل داخل «CarPlay»؛ ما يتيح للمستخدمين التفاعل مع أنظمة، مثل «تشات جي بي تي»، أثناء القيادة.

هذه الخطوة تبدو للوهلة الأولى امتداداً طبيعياً لانتشار الذكاء الاصطناعي، لكنها في الواقع تمثل تحولاً أوسع في كيفية استخدام هذه التقنيات، من واجهات تعتمد على الشاشة إلى تفاعل صوتي مستمر ومندمج في السياق اليومي.

تجربة صوتية بالكامل

على عكس استخدام «شات جي بي تي» على الهاتف أو الحاسوب، تقتصر التجربة داخل «كار بلاي» على الصوت. لا توجد واجهة نصية، ولا إمكانية لعرض الإجابات على الشاشة. بدلاً من ذلك، يعتمد التفاعل على طرح الأسئلة واستقبال الإجابات صوتياً، بما يتماشى مع متطلبات السلامة أثناء القيادة.

هذا القيد ليس تقنياً فقط، بل تصميمي أيضاً؛ فبيئة السيارة تفرض نمط استخدام مختلفاً، حيث يجب أن تكون التجربة بسيطة وسريعة ولا تتطلب انتباهاً بصرياً مستمراً. وفي هذا السياق، يصبح الصوت هو الوسيط الأساسي، وليس مجرد خيار إضافي.

لا يزال «سيري» المساعد الأساسي بينما يعمل «شات جي بي تي» بوصفه خياراً مكملاً وليس بديلاً (شاترستوك)

كسر احتكار «سيري»... جزئياً

لفترة طويلة، كان «سيري» المساعد الصوتي الوحيد داخل «كار بلاي». لكن التحديثات الأخيرة تشير إلى بداية انفتاح النظام على خدمات ذكاء اصطناعي خارجية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن «ChatGPT» حل محل «سيري»؛ فلا يزال «سيري» المساعد الافتراضي، ولا يمكن استبداله بالكامل. كما أن استخدام «شات جي بي تي» يتطلب فتح التطبيق بشكل يدوي، ولا يدعم أوامر تنشيط مباشرة مثل «Hey Siri». وهذا يضعه حالياً في موقع مكمل، وليس بديلاً.

رغم أن إدخال «شات جي بي تي» إلى «كاربلاي» يمثل خطوة لافتة، فإن قدراته داخل السيارة لا تزال محدودة. فهو لا يستطيع التحكم بوظائف السيارة، ولا الوصول إلى إعدادات النظام، ولا التفاعل العميق مع تطبيقات أخرى. بمعنى آخر، ما نراه اليوم هو وصول الذكاء الاصطناعي إلى السيارة، وليس اندماجه الكامل فيها.

لكن الأهمية لا تكمن في الوظائف الحالية بقدر ما تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه؛ فوجود «ChatGPT» داخل «CarPlay» يعكس تحول السيارة إلى مساحة جديدة للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الهاتف والحاسوب.

تظل قدرات «شات جي بي تي» داخل السيارة محدودة دون تكامل عميق مع النظام أو وظائف السيارة (أ.ف.ب)

السيارة بوصفها واجهة جديدة للذكاء الاصطناعي

ما يتغير هنا ليس فقط مكان استخدام الذكاء الاصطناعي، بل طبيعته أيضاً. ففي السيارة، لا يكون المستخدم جالساً أمام شاشة، وإنما يصبح منخرطاً في القيادة. وهذا يفرض نمطاً جديداً من التفاعل، يعتمد على الصوت والسياق والاختصار. في هذا النموذج، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه «مرافقاً رقمياً» يمكنه الإجابة عن الأسئلة، وتقديم معلومات، أو حتى المساعدة في مهام بسيطة أثناء التنقل.

وهذا يفتح الباب أمام استخدامات محتملة تتجاوز ما هو متاح حالياً، مثل التفاعل مع أنظمة الملاحة، أو تقديم توصيات سياقية، أو إدارة بعض جوانب الرحلة.

ورغم هذه الإمكانات، لا تزال التجربة في مراحلها الأولى. فغياب التكامل العميق، والاعتماد الكامل على الصوت، وضرورة تشغيل التطبيق يدوياً، كلها عوامل تحد من سهولة الاستخدام.

كما أن هناك تساؤلات أوسع تتعلق بمدى الحاجة الفعلية لمثل هذه الخدمات داخل السيارة. فكثير من المستخدمين يعتمدون بالفعل على أنظمة قائمة مثل «سيري» أو مساعدات الملاحة؛ ما يطرح سؤالاً حول القيمة المضافة التي يقدمها «شات جي بي تي» في هذا السياق.

من الصعب النظر إلى هذه الخطوة بوصفها ميزة منفصلة فقط. فهي تشير إلى تحول تدريجي في دور الذكاء الاصطناعي، من أداة تُستخدم عند الحاجة، إلى جزء من البيئة المحيطة بالمستخدم.

في هذا الإطار، تصبح السيارة واحدة من عدة نقاط اتصال مع الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنزل والمكتب والهاتف. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، قد يتحول هذا التفاعل من تجربة محدودة إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية.


وداعاً لكلمات المرور... جمجمتك قد تفتح حساباتك

يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)
يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)
TT

وداعاً لكلمات المرور... جمجمتك قد تفتح حساباتك

يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)
يعاني الكثير من الأشخاص من عدم إمكانية تذكر كلمات المرور (أرشيفية - رويترز)

في خطوة قد تُنهي معاناة تذكّر كلمات المرور، طوّر باحثون أميركيون نظاماً أمنياً مبتكراً يعتمد على اهتزازات الجمجمة الناتجة عن التنفس ونبضات القلب بوصفها وسيلة فريدة لتسجيل الدخول دون الحاجة إلى كلمات مرور.

وحسب مجلة «نيوزويك»، يحمل النظام، الذي طوره باحثون من جامعة روتجرز، اسم «فايتال آي دي VitalID»، ويعمل من خلال التقاط اهتزازات منخفضة التردد تنتج طبيعياً عن التنفس ودقات القلب، تنتقل عبر الرقبة إلى الجمجمة، حيث تتأثر بشكلها وسمكها، وكذلك بالعضلات والدهون في الوجه، ما يخلق نمطاً فريداً لكل شخص، ويجعلها بصمة حيوية يصعب تقليدها.

وفي حال اعتماد هذه التقنية تجارياً، فستُمكّن التقنية مستخدمي أجهزة الواقع الممتد (XR) من الوصول إلى المنصات المالية والسجلات الطبية وغيرها من الأنظمة دون الحاجة إلى تسجيل الدخول فعلياً.

والواقع الممتدّ (XR) هو مصطلح شامل يدمج العوالم الحقيقية والافتراضية عبر التكنولوجيا، ويضم تقنيات الواقع (المعزز، والافتراضي، والمختلط).

وقالت مؤلفة الدراسة وأستاذة الهندسة يينغ تشين في بيان: «في هذا العمل، نقدم أول نظام تحقق وسهل الاستخدام ومدمج في تقنية الواقع الممتد يعتمد على توافقيات الاهتزازات الناتجة عن العلامات الحيوية للمستخدمين، وهو نظام لا يتطلب أي جهد من المستخدم».

واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات 52 مستخدماً ارتدوا نظارات واقع ممتد على مدار 10 أشهر، حيث أظهرت النتائج قدرة النظام على التعرف على المستخدمين بدقة تتجاوز 95 في المائة.

وتأتي هذه التقنية في وقت يتوسع فيه استخدام تقنيات الواقع الممتد في مجالات متعددة مثل الطب والتعليم والعمل عن بُعد، ما يزيد الحاجة إلى حلول أمنية متطورة.

وتتجاوز أنظمة الواقع الممتد نطاق الألعاب لتشمل قطاعات أخرى متنوعة، مثل التمويل والطب والتعليم والعمل عن بُعد، حيث بات الأمن ذا أهمية بالغة.

وقالت تشين: «سيلعب الواقع الممتد دوراً محورياً في مستقبلنا. وإذا أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، فلا بد أن يكون نظام التحقق آمناً وسهل الاستخدام».


«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)
لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)
TT

«مايكروسوفت» تتيح «كوبايلوت كوورك» زميل عمل رقمياً ضمن «فرونتير»

لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)
لا تزال الميزة في مرحلة تجريبية مع تساؤلات حول الثقة والاعتماد على الأنظمة الذكية في العمل (شاترستوك)

أعلنت شركة «مايكروسوفت» عن إتاحة ميزة «كوبايلوت كوورك» (Copilot Cowork) ضمن برنامج «فرونتير» (Frontier)، في خطوة تعكس تحولاً في دور الذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل من أداة مساعدة إلى نظام قادر على تنفيذ المهام.

وحسبما ورد في مدونة رسمية للشركة، لا تقتصر الميزة الجديدة على توليد النصوص أو تقديم اقتراحات، بل تهدف إلى تحويل «نية المستخدم» إلى سلسلة من الإجراءات الفعلية، فبدلاً من طلب مهمة واحدة، مثل كتابة بريد إلكتروني أو إعداد عرض، يمكن للمستخدم تفويض مهام متعددة الخطوات، ليقوم النظام بتخطيطها وتنفيذها تدريجياً مع إبقاء المستخدم ضمن دائرة المتابعة.

تمثل ميزة «Copilot Cowork» تحولاً من أدوات مساعدة إلى أنظمة قادرة على تنفيذ المهام متعددة الخطوات (شاترستوك)

من المساعدة إلى التنفيذ

لطالما ركّزت أدوات الذكاء الاصطناعي الإنتاجية على دعم المستخدم كتلخيص المحتوى أو اقتراح أفكار. لكن «كوبايلوت كوورك» يمثل تحولاً في هذا النهج. فالميزة الجديدة مصممة للتعامل مع «العمل الممتد»، أي المهام التي تتطلب عدة خطوات مترابطة، مثل إعداد مشروع أو تنسيق اجتماع أو تحليل بيانات عبر أكثر من تطبيق. وفي هذا السياق، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد واجهة للرد على الأسئلة، بل أصبح أقرب إلى «زميل عمل رقمي» يمكنه تنفيذ أجزاء من العمل بشكل مستقل.

العمل عبر تطبيقات متعددة

أحد العناصر الأساسية في هذا التوجه هو التكامل داخل منظومة «Microsoft 365». فالميزة تعمل عبر تطبيقات مثل «Word» و«Excel» و«Outlook» و«Teams»، ما يسمح بتنفيذ المهام داخل السياق الفعلي للعمل، بدلاً من الانتقال بين أدوات مختلفة.

وتشير المدونة إلى أن النظام يعتمد على ما تسميه «مايكروسوفت» بـ«Work IQ»، وهي طبقة تهدف إلى فهم سياق العمل بشكل أوسع، من خلال ربط الملفات والاجتماعات والمحادثات والبيانات ذات الصلة. هذا الفهم السياقي يمكّن «Copilot» من اتخاذ قرارات أكثر دقة أثناء تنفيذ المهام، بدلاً من الاعتماد على مدخلات محدودة.

يتيح النظام تحويل نية المستخدم إلى سلسلة من الإجراءات داخل تطبيقات «Microsoft 365» (شاترستوك)

نماذج متعددة بدل نموذج واحد

من الجوانب اللافتة أيضاً اعتماد «Copilot Cowork» على نماذج ذكاء اصطناعي متعددة، بدلاً من نموذج واحد، فالنظام يمكنه الاستفادة من تقنيات مختلفة، واختيار النموذج الأنسب لكل مهمة.

هذا التوجه يعكس تحولاً أوسع في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ حيث لم يعد الهدف بناء نموذج واحد شامل، بل دمج قدرات متعددة ضمن نظام واحد قادر على التكيف مع طبيعة العمل.

ورغم هذه القدرات، لا تزال الميزة في مراحل الوصول المبكر عبر برنامج «Frontier»، ما يعني أنها تُختبر حالياً مع مجموعة محدودة من المستخدمين قبل التوسع في إتاحتها. وهذا يضعها في إطار تجريبي، لكنه يشير أيضاً إلى الانتقال من أدوات تعتمد على التفاعل اللحظي، إلى أنظمة قادرة على إدارة العمل بشكل مستمر.

إعادة تعريف العلاقة مع الذكاء الاصطناعي

ما تعكسه هذه الخطوة يتجاوز إضافة ميزة جديدة، فهي تُعيد صياغة العلاقة بين المستخدم والذكاء الاصطناعي داخل بيئة العمل. فبدلاً من أن يكون المستخدم هو مَن يقود كل خطوة، يمكنه الآن تحديد الهدف وترك النظام ليتولى التنفيذ، مع الحفاظ على دور إشرافي. هذا النموذج يقترب من مفهوم «العمل التعاوني» بين الإنسان والآلة؛ حيث يتم توزيع المهام بدلاً من تنفيذها بالكامل من طرف واحد.

مع ذلك، يطرح هذا التحول تساؤلات حول حدود الاعتماد على الأنظمة الذكية في بيئات العمل. فتنفيذ المهام بشكل مستقل يتطلب درجة عالية من الثقة، إضافة إلى آليات واضحة للرقابة والتصحيح. كما أن نجاح هذا النموذج يعتمد على جودة البيانات والسياق الذي يعمل ضمنه النظام، فكلما كان الفهم السياقي أدق، كانت النتائج أكثر موثوقية.

في المجمل، يشير إطلاق «كوبايلوت كوورك» إلى مرحلة جديدة في تطور أدوات الإنتاجية، فبدلاً من التركيز على تسريع العمل فقط، تتجه الشركات إلى إعادة تصميم كيفية إنجازه. وفي حين لا تزال هذه المقاربة في مراحلها الأولى، فإنها تعكس توجهاً أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي، أي الانتقال من المساعدة إلى التنفيذ، ومن التفاعل إلى المشاركة الفعلية في العمل.