5 حروب يخشى الخبراء اندلاعها خلال السنوات الخمس المقبلة

رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)
رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)
TT

5 حروب يخشى الخبراء اندلاعها خلال السنوات الخمس المقبلة

رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)
رجال أمن باكستانيون في حراسة ميناء كراتشي بعد تصعيد عسكري بين بلادهم والهند في مايو الماضي (إ.ب.أ)

يصادف هذا الصيف الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من أن البعض يستبعد وقوع هذا النوع من الحروب الهائلة مرة أخرى، فإن بعض الخبراء يعارضون ذلك، قائلين إن العالم أصبح مؤخراً أقرب مما يعتقد كثيرون إلى اختبار صراعات إقليمية أو حتى عالمية كبيرة.

وذكر موقع «بوليتيكو» الإخباري، بعد إجراء تحليل لتقارير حديثة للاستخبارات الأميركية، بالإضافة إلى مقابلات مع 6 خبراء جيوسياسيين، أنه بالإضافة إلى الصراعات الواقعة فعلاً في الشرق الأوسط، هناك 5 صراعات بارزة وعالية المخاطر، من المحتمل أن تندلع في السنوات الخمس المقبلة، وجميعها قد تكون لها عواقب وخيمة وعميقة، وقد تتسبب في خسائر كبيرة في الأرواح وانقسامات عالمية.

وهذه الصراعات هي:

الهند وباكستان

على مدار 4 أيام في أوائل شهر مايو (أيار)، بدا العالم كأنه على وشك مواجهة أحد أكثر السيناريوهات النووية إثارة للخوف، وهو صراع خطير بين الهند وباكستان، الدولتين اللتين تمتلكان ترسانتين نوويتين يقول الخبراء إنهما لا تخضعان للمراقبة والتأمين اللازمين.

وتصاعدت هذه التوترات في أعقاب هجوم إرهابي وقع أواخر أبريل (نيسان) على الجانب الخاضع لسيطرة الهند في منطقة كشمير المتنازع عليها، ما أدى إلى تبادل إطلاق صواريخ غير نووية لعدة أيام، استهدفت قواعد عسكرية على جانبي الحدود.

وكان هذا أخطر صراع بين البلدين منذ عقود.

وتشير التقديرات إلى أن باكستان تمتلك نحو 170 سلاحاً نووياً، مقابل 180 سلاحاً للهند. ومن الواضح أن أي تبادل نووي في جنوب آسيا ستكون له عواقب بيئية واقتصادية عالمية وخيمة، تتجاوز الخسائر المباشرة في الأرواح، أبرزها الغبار النووي الذي سينتشر في جميع أنحاء المنطقة.

ويقلق قادة الاستخبارات بشأن الهند وباكستان تحديداً؛ لأن «الصراع على وشك الاشتعال» من وجهة نظرهم.

وتقول أفريل هاينز التي شغلت منصب مديرة الاستخبارات الوطنية في عهد الرئيس السابق جو بايدن: «يمكن رؤية إمكانية تصاعد التوتر من الصفر إلى 60 في المائة. ومن الجوانب المثيرة للقلق بشكل خاص الاعتقاد بأن العقيدة العسكرية الباكستانية تتسم بحدود منخفضة لاستخدام القوة النووية ضد الهند، كما أن الضغوط السياسية الداخلية في البلدين قد تعني أن أي تبادل نووي قد يتحول إلى اندفاع لاستخدام عشرات الأسلحة بأسرع ما يمكن، مما يؤدي إلى مئات الهجمات النووية خلال أيام قليلة من الحرب».

ويؤيد كريستوفر كلاري، الزميل غير المقيم في «مركز هنري ستيمسون» والمدير السابق لشؤون جنوب آسيا في «البنتاغون» هذا الرأي، قائلاً: «بمجرد أن تبدأ في إلحاق ضرر بالغ بالقواعد العسكرية للطرف الآخر، فإنك تبدأ في إضعاف شبكات القيادة والسيطرة لديه، وستتراجع قدرته على ضبط رد الفعل».

الصين وتايوان

يضع الرئيس الصيني شي جينبينغ نصب عينيه غزو تايوان؛ حيث ينظر إليها على أنها جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية.

وتعهدت بكين بإعادة التوحيد مع الجزيرة الديمقراطية التي تحظى بحكم ذاتي، بالقوة إذا لزم الأمر. وتعترض تايوان بشدة على مطالبات الصين بالسيادة عليها.

ويُعتقد أن شي حدد عام 2027 موعداً نهائياً لقواته المسلحة لتكون جاهزة لغزو تايوان. وتشهد البلاد حشداً هائلاً للقوات البرمائية المُحتملة، ويبدو أنها تُجري تدريبات أكثر انتظاماً. ويقول جون فينر، نائب مستشار الأمن القومي السابق في إدارة جو بايدن: «إنهم يتدربون على (سيناريوهات تايوان) طوال الوقت؛ لأن هذا هو أهم شيء قد يُطلب من جيشهم القيام به على الإطلاق».

وعلاوة على ذلك، صوَّر شي نفسه كشخصية محورية في التاريخ الصيني. وتُعدُّ تايوان واحدة من أهم القضايا «غير المُنجَزة» المتبقية له.

ووفقاً للخبراء، تُعتبر تايوان بمنزلة اختبار حاسم يحدد من سيقود النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين: الولايات المتحدة أم الصين؟ ففي حين لا توجد معاهدات دفاع رسمية سارية، لطالما أكدت الولايات المتحدة أنها ستدعم تايوان، ولكن كثيرين يشككون في مدى التزام الرئيس الأميركي دونالد ترمب التام بهذا الوعد كالإدارات السابقة.

ومن غير المُرجَّح أن تصمد مخزونات الأسلحة الأميركية في تايوان طويلاً، في صراعٍ قد يمتد أشهراً مع الصين.

عَلما الصين وتايوان (رويترز)

وإذا استولت الصين على تايوان، فإن هذا العدوان سيُعيد صياغة الجغرافيا السياسية والتحالفات في المحيط الهادئ على الفور؛ حيث تُعيد دول جنوب شرقي آسيا ومنطقة المحيط الهادئ التي لطالما تحالفت مع الولايات المتحدة، النظر في أيٍّ من القوى العظمى قد تُلبي مصالحها الاقتصادية والأمنية على المدى الطويل على نحوٍ أفضل. بل إن الاستيلاء على تايوان قد يُحفِّز الانتشار النووي في دولٍ مثل كوريا الجنوبية واليابان التي قد تُشكّك في وجود الولايات المتحدة إلى جانبها عند الحاجة إليها في المستقبل.

روسيا ودول البلطيق

دول البلطيق الثلاث: إستونيا، لاتفيا، وليتوانيا، صغيرة الحجم، وعدد سكانها قليل، ما يجعلها هدفاً مغرياً لروسيا الساعية إلى إعادة فرض نفوذها على المنطقة.

ويسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر أي توغل في البلطيق إلى هدفين: استعادة أراضٍ يعتقد تاريخياً أنها يجب أن تكون جزءاً من روسيا، ورغبته الشديدة في الإطاحة بالنظام الليبرالي الغربي الذي يُعزى إليه -من وجهة نظره- ضعف روسيا. ولا شيء يُفكك النظام الغربي أسرع من إثبات أن تحالفاته الأمنية مجرد وعد فارغ، من خلال السماح لروسيا بإعادة احتلال إحدى دول البلطيق أو جميعها.

الهند والصين

على غرار نزاعها الحدودي مع باكستان، تعود التوترات الحدودية طويلة الأمد بين الهند والصين إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية؛ حيث استقرت بريطانيا والتبت على حدود مع الهند عام 1914 لم تقبلها الصين قط.

وفي عام 1962، حاولت القوات الصينية احتلال الهضبة التبتية المتنازع عليها مع الهند، ما أدى إلى صراع استمر شهراً، وأسفر عن مقتل بضعة آلاف.

في النهاية، أعادت الصين رسم الحدود، وأطلقت عليها اسم «خط السيطرة الفعلية». وأسفر مزيد من القتال عام 1967 عن مقتل عدة مئات من الجنود من كلا الجانبين، وتم تجنب اشتباك آخر بأعجوبة في ثمانينات القرن الماضي، عندما أخطأت الصين في تفسير مناورة عسكرية هندية على أنها هجوم محتمل. منذ ذلك الحين، أصبح جيشا البلدين من بين الأكبر والأكثر تقدماً في العالم.

الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يلتقيان على هامش قمة «بريكس» في قازان بروسيا يوم 23 أكتوبر 2024 (رويترز)

واليوم، لا يزال التوتر عميقاً ومتفجراً لدرجة أنه يُحظر على القوات الصينية والهندية حمل الأسلحة على طول الحدود. في عام 2020، اندلعت مناوشات بين الجيشين المتمركزين في أعالي جبال الهيمالايا بوادي غالوان النائي، غير البعيد عن موقع معركة 1962، في قتال وحشيٍّ، بالأيدي والحجارة وأعمدة السياج، وحتى الهراوات الملفوفة بالأسلاك الشائكة. وقُتل ما لا يقل عن 20 جندياً هندياً، بعضهم سقط من سفح الجبل، وربما وصل عدد القتلى بين الجنود الصينيين إلى 40 جندياً.

وهناك عامل آخر قد يزيد من احتمالية نشوب حرب، وهو افتقار البلدين إلى أي من المعاهدات وقنوات الحوار الاعتيادية التي من شأنها أن تساعد في تهدئة الأزمة. وقد تجنبت الصين بشكل روتيني وصريح إقامة مثل هذه القنوات مع الولايات المتحدة والهند ودول أخرى، معتبرة هذه الحواجز محاولة لتقييد صعودها بشكل غير عادل.

شبه الجزيرة الكورية

بعد 3 أجيال تقريباً من بدايتها، لم تنتهِ الحرب الكورية رسمياً.

ويبلغ طول المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين الشمالية والجنوبية 155 ميلاً، وهي قائمة منذ زمن طويل، نحو 6 عقود. ويُعدُّ المحيط الخارجي للمنطقة منزوعة السلاح من أكثر الأماكن تحصيناً على وجه الأرض؛ حيث تنتشر المدفعية والألغام الأرضية، وتعتبر سيول كلها في مرمى صواريخ الشمال.

وحذَّر الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، أمس (الاثنين)، خلال لقائه ترمب، من أن كوريا الشمالية تعمل على تطوير قدراتها لإنتاج ما بين 10 و20 رأساً نووية في السنة، داعياً إلى خفض التوترات في شبه الجزيرة الكورية.

وحسب معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام، تقدَّر ترسانة بيونغ يانغ النووية بخمسين رأساً، ولديها ما يكفي من المواد الانشطارية لإنتاج ما يصل إلى 40 أخرى.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يُشرف على تجربة إطلاق نوعين جديدين من الصواريخ المضادة للطائرات في موقع غير مُعلن بكوريا الشمالية قبل يومين (وكالة الأنباء المركزية الكورية- أ.ب)

وتعاني كوريا الشمالية من المجاعة، ومن التوترات الداخلية بسبب وحشية الحكومة، ولم تفعل قيادة كيم جونغ أون شيئاً لتغيير مستقبلها. وحسب الخبراء، فإن «سلاح كيم النووي هو الورقة الرابحة التي حمته من مصير كثير من الديكتاتوريين مثل معمر القذافي. وإذا شعر كيم بوجود ثغرة أو ضعف، أو شعر بتهديد وجودي لحكمه من الغرب، فكل شيء ممكن. حينها قد يستخدم سلاحه النووي ضد الجنوب».


مقالات ذات صلة

شركة روسية تؤكد ملكية أصولها في فنزويلا لموسكو

الاقتصاد صهريج لتخزين النفط تابع لشركة «بتروليوس دي فنزويلا» (رويترز)

شركة روسية تؤكد ملكية أصولها في فنزويلا لموسكو

قالت شركة «روسزاروبيجنفت» الروسية، ‌إن جميع أصولها ‌في ‌فنزويلا ⁠مملوكة لموسكو، ​وإنها ‌ستواصل التمسك بالتزاماتها تجاه الشركاء الدوليين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شمال افريقيا أفراد من الصليب الأحمر السوداني يعيدون دفن ضحايا الحرب في مقبرة محلية بالخرطوم يوم الأحد (أ.ب)

معارك عنيفة بالمُسيّرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

شهدت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» مواجهات بطائرات مسيّرة على مدى يومين وسط أنباء عن مقتل وإصابة عشرات من المدنيين والعسكريين.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا واجهة متحف السودان القومي ومدخله (الشرق الأوسط)

آثار سودانية تعود من قلب الحرب

تستعد الحكومة السودانية لفتح صندوق ظل مغلقاً طوال الحرب... حكاية آثار غابت أو «نُهبت» ثم ظهرت.

أحمد يونس (كامبالا)
العالم البابا ليو الرابع عشر يغادر الفاتيكان ويتوجه إلى مقر إقامته بعد اجتماع دام يومين مع الكرادلة يوم 8 يناير 2026 (أ.ف.ب) play-circle

البابا ليو: الحرب عادت وكأنها «موضة العصر»

أجرى البابا ليو الرابع عشر، الجمعة، قراءة متشائمة للسياسة الدولية، مندّداً بازدياد استخدام الدول القوة عبر قوله إن «الحرب رجعت وكأنها موضة العصر».

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلفه وزير الخارجية ماركو روبيو في فلوريدا (أ.ب)

ترمب يرفع «عقيدة دونرو» متوعداً زعماء بمصير مشابه لمادورو

هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب زعماء كوبا وكولومبيا وربما المكسيك، بمصير مماثل لفنزويلا ورئيسها المخلوع نيكولاس مادورو، سعياً الى تكريس ما سماه «عقيدة دونرو».

علي بردى (واشنطن)

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
TT

ترمب أجرى مكالمة «طويلة» مع رئيسة فنزويلا المؤقتة

صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)
صورة مركبة لترمب ورودريغيز (أ.ف.ب)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، أنه أجرى «مكالمة طويلة» مع الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، في أوّل اتّصال بينهما منذ الإطاحة بنيكولاس مادورو.

وقال ترمب لصحافيين في المكتب البيضوي «أجرينا مكالمة ممتازة اليوم، وهي شخص رائع»، مستطردا «ناقشنا أموراً كثيرة وأظنّ أننا نتفاهم جيّداً مع فنزويلا». ومن جانبها قالت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ‌إنها أجرت ‌مكالمة ‌هاتفية ⁠طويلة ​ومثمرة ‌ولائقة مع الرئيس الأميركي ناقشا فيها ⁠خططا ثنائية ‌لصالح ‍البلدين.

تزامناً، خاطب الرئيس الفنزولي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو، مواطنيه من سجن في الولايات المتحدة وحثهم على دعم رودريغيز.

وقال نجل مادورو، نيكولاس مادورو غويرا، بحسب تقرير لوكالة الأنباء الرسمية الفنزويلية (أيه في إن) إن: «الرسالة التي تلقيناها تقول: ثقوا في ديلسي وفريقها، وثقوا بنا». ووصف غويرا، مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنهما متماسكان جدا وقويان، ويتمتعان بضمير حي وثقة بالله والشعب الفنزويلي.

وكانت قوات خاصة أمريكية قد اعتقلت مادورو وفلوريس في كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) ونقلتهما إلى نيويورك، وهناك، من المقرر أن يمثلا للمحاكمة بتهم مزعومة تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وعقب ذلك أدت رودريغيز، التي كانت سابقا نائبة الرئيس في ظل حكم مادورو، اليمين كرئيسة مؤقتة للدولة.

وأدانت رودريغيز بشدة العملية الأميركية واستمرت في الإشارة إلى أن مادورو باعتباره الرئيس الشرعي لفنزويلا، وعرضت أيضا على الولايات المتحدة إجراء محادثات حول تعاون محتمل.

وأفرجت رودريغيز عن عدد من السجناء السياسيين في الأيام الأخيرة، وترغب في الاستمرار بذلك.


هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

هل الاستحواذ على غرينلاند ضروري لـ«القبة الذهبية» الأميركية؟

أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
أشخاص يسيرون في أحد شوارع وسط مدينة نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

تكتسي غرينلاند أهمية حقيقية بالنسبة للدفاع الصاروخي الأميركي، ولكن لدى واشنطن خيارات أخرى لبناء الدرع الصاروخي أو «القبة الذهبية» كما سماها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من دون الحاجة إلى الاستحواذ على الجزيرة القطبية التي أكد أنّها «حيوية» للأمن الأميركي.

ما هي قدرات الدفاع الصاروخي الأميركي؟

يتألّف نظام الدفاع الصاروخي الباليستي الأميركي من أقمار صناعية وشبكة رادارات إنذار مبكر لرصد الصواريخ وتتبعها. وتتموضع هذه الأنظمة، في مواقع تشمل جزر الوشيان (المحيط الهادئ) وألاسكا وبريطانيا العظمى وغرينلاند.

ويمكن للولايات المتحدة أيضاً الاعتماد على رادارات سفن إيجيس المجهّزة بقدرات مضادة للصواريخ. كما يمكنها الاعتماد على الرادارات الموجودة في ديفيسيلو في رومانيا، وريدزيكوفو في بولندا.

وتملك واشنطن أنواعاً عديدة من الصواريخ الاعتراضية، بما في ذلك 44 صاروخاً من طراز «جي بي آي» (GBI) المنتشرة في كاليفورنيا وألاسكا.

ووفقاً لإتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية (FRS)، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال نشر هذه الصواريخ إلى «مواجهة أي تهديد قادم من القارة الآسيوية»، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ «صوامع صواريخ (جي بي آي) ليست في وضع جيد لاعتراض أي تهديد قادم من روسيا».

وأوضح ماركوز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنّ نشر صواريخ «جي بي آي» لن يكون مرجّحاً في مواجهة تهديد من الشرق، إذ يمكن نشرها بدلاً من ذلك في شمال شرقي الولايات المتحدة.

ورأى أنّه إذا كان هدف ترمب وضع رادارات وصواريخ اعتراضية «في المكان المناسب»، فإنّ السبب المعلن وراء ضم غرينلاند ليس إلا «ذريعة»، موضحاً أنّ «هناك بعضاً من هذه الصواريخ في بولندا ورومانيا، لذا فإنّ هذه الحجة غير مقنعة».

فضلاً عن ذلك، تملك الولايات المتحدة على متن مدمّرتها من طراز «إيجيس»، وأيضاً في بولندا ورومانيا، صواريخ «إس إم-3» (SM-3) المصمّمة لاعتراض الرؤوس الحربية النووية في الفضاء بمجرّد انفصالها عن الصاروخ، بينما يمكن لنظام «ثاد» الأميركي اعتراض الرؤوس الحربية خلال المرحلة النهائية في طبقات الغلاف الجوي المرتفعة.

ما هو مشروع القبة الذهبية؟

فور توليّه منصبه، أعلن الرئيس ترمب عن مشروع القبة الذهبية، الذي يهدف إلى حماية الأراضي الأميركية من جميع أنواع الصواريخ. ويعتزم الرئيس الأميركي تخصيص 175 مليار دولار لإنشاء نظام تشغيلي بحلول نهاية ولايته، وهو طموح يعدّه العديد من الخبراء غير واقعي في غضون هذه الفترة الزمنية.

ووفقاً لتقديرات تود هاريسون من معهد «أميركان إنتربرايز» (American Enterprise Institute)، سيكلّف المشروع نحو تريليون دولار على مدى 20 عاماً وما يصل إلى 3.6 تريليون دولار لدرع أكثر فاعلية.

ويتمثّل الابتكار الرئيسي المخطط له، في نشر أسطول من الأقمار الصناعية الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، معدّة لتخرج من مدارها لتصطدم بالصاروخ المستهدف.

وقال إتيان ماركوز إنّه «في حال الفشل، يجب أن تكون هناك خيارات إطلاق أخرى»، مشيراً إلى أنّ «الولايات المتحدة ستقوم أيضاً بتحسين» قدراتها الصاروخية والاعتراضية براً وبحراً.

لماذا غرينلاند؟

وفيما أوضح أن الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تُطلق على الولايات المتحدة ستمر فوق القطب الشمالي، فقد أشار إلى ضرورة امتلاك رادارات للكشف عنها وقدرات اعتراضية. ويملك الجيش الأميركي حالياً أنظمة رادار في قاعدته في بيتوفيك في شمال غربي غرينلاند.

وفي ما يتعلق بعمليات الرصد، فقد قال ماركوز إنّه «من المفيد دائماً وجود رادارات في غرينلاند» لتتبع الصواريخ في الفضاء، لكنّه أشار إلى أنّ «أهميتها ستتضاءل تدريجياً»، موضحاً أنّ «الولايات المتحدة تنشر حالياً أقماراً صناعية في مدار أرضي منخفض (HBTSS)، خصوصاً لتتبّع الصواريخ خلال تحليقها خارج الغلاف الجوي».

علاوة على ذلك، فإن اتفاقيات الدفاع الحالية بين الولايات المتحدة وغرينلاند والدنمارك تسمح لواشنطن بالقيام بالكثير.

وقالت ميكا بلوجيون ميريد، الباحثة في الجغرافيا السياسية القطبية، لوكالة «فرانس برس»، إنّ «بإمكان الولايات المتحدة وضع موارد تقنية ومادية وبشرية في غرينلاند من دون قيود. بل يمكنها أيضاً أن تعيد تموضع مواردها النووية إذا أرادت. ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية هي ضرورة إبلاغ السلطات في الدنمارك وغرينلاند واستشارتها».

وأضافت: «إذا رفض الدنماركيون مشروعاً بعد استشارتهم، وقامت الولايات المتحدة بتنفيذه من جانب واحد، فقد يُفسر ذلك على أنه انتهاك للسيادة الدنماركية، وسيؤدي إلى تصعيد دبلوماسي وسياسي. لذا، لا تملك الدنمارك حقّ النقض بالمعنى القانوني للكلمة، ولكن في الواقع، فإنّ ما تفعله الولايات المتحدة في غرينلاند يتطلب اتفاقاً سياسياً».


وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند يرفضان تهديدات ترمب

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن (في الوسط) يغادر مبنى أيزنهاور التنفيذي في حرم البيت الأبيض عقب اجتماع مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في العاصمة واشنطن... 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

انتهى الاجتماع الذي عقده نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مع لارس لوك راسموسن وزير خارجية الدنمارك وفيفيان موتزفيلدت وزيرة خارجية غرينلاند، صباح الأربعاء بالبيت الأبيض، دون التوصل إلى اتفاق وسط إصرار من جانب الرئيس دونالد ترمب على الاستيلاء على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي تحت التاج الدنماركي، وإصرار أكثر دبلوماسية من الجانبين الدنماركي والغرينلاندي على حماية السيادة ورفض التهديدات الأميركية والتأكيد أن الجزيرة ليست للبيع وأن سكانها يفضلون البقاء جزءاً من المملكة الدنماركية بدلاً من الانضمام إلى الولايات المتحدة.

وعقب الاجتماع، لمّح الرئيس الأميركي إلى إمكانية التوصّل إلى حلّ بشأن غرينلاند. وقال ترمب في تصريحات للإعلام من المكتب البيضاوي إن «العلاقة جيّدة جدّا مع الدنمارك» التي تتبع لها غرينلاند، وأضاف «أظنّ أننا سنتوصل إلى شيء ما».

وحاول كل من فانس وروبيو عرض خيارات متنوعة بما في ذلك استثمارات اقتصادية، فيما كرر مسؤولا الدنمارك وغرينلاند رفضهما لهذه الإغراءات الأميركية. وتجنباً للتصعيد قدم الجانب الدنماركي مقترحات بتعزيز التعاون وإنشاء مجموعة عمل بين كافة الأطراف بما يمنع انفجار أزمة داخل حلف الناتو.

وصرحت فيفيان موتزفيلدت، وزيرة خارجية غرينلاند، للصحافيين بعد الاجتماع بأن الوفد أظهر «الحدود الواضحة للسيادة»، مضيفة أن «من مصلحة الجميع العثور على الطريق الصحيح». وشددت موتزفيلدت على رفض نوك (عاصمة غرينلاند) أي تنازل عن سيادتها كإقليم ذاتي الحكم تابع للدنمارك، مؤكدة أن الاجتماع كان خطوة لتجنب التصعيد.

تهدئة التصعيد

من جانبه قال لوك راسموسن وزير الخارجية الدنماركي للصحافيين، إنه يأمل أن يساعد الاجتماع بشأن غرينلاند في البيت الأبيض حكومات الدول الثلاث على تهدئة حدة الحوار الدبلوماسي بعد تبادل الانتقادات اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: «هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الجلوس على مستوى سياسي رفيع لمناقشة الأمر، ونأمل في خفض درجة الحرارة الدبلوماسية بعد تبادل الاتهامات على وسائل التواصل».

وأضاف أن سبب طلب الدنمارك وغرينلاند عقد الاجتماع هو إضفاء مزيد من الدقة على المناقشة، وقال: «من المفيد بدء المناقشات على مستوى عالٍ»، واصفاً الاجتماع بأنه «صريح وبناء»، وأقر بوجود «خلاف أساسي وقال: «اتفقنا ألا نتفق».

وأشار لوك راسموسن إلى أن الولايات المتحدة قلصت وجودها العسكري في غرينلاند بعد الحرب الباردة، عندما كانت تمتلك عدة قواعد وآلاف الجنود في الجزيرة. الآن، لا تملك الولايات المتحدة سوى قاعدة واحدة هناك. كما أشار إلى اتفاقية تعود إلى حقبة الحرب الباردة تمنح الجيش الأميركي حق الوصول الواسع إلى غرينلاند، والتي قال إنها ستسمح للولايات المتحدة بتحقيق جميع أهدافها العسكرية.

متظاهرون خلال مظاهرة تحت شعار «غرينلاند ملك لشعب غرينلاند» في نوك... غرينلاند في 15 مارس 2025. وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن في 14 يناير 2026 إن الوقت الحالي «ليس مناسباً» للحديث عن استقلال الجزيرة القطبية الشمالية في المستقبل وتعريض حقها في تقرير المصير للخطر... في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي ترمب بالسيطرة عليها (أ.ف.ب)

وفي إجابته عن أسئلة الصحافيين حول الأوضاع الأمنية ومطامع روسيا والصين التي يحذر منها الرئيس ترمب قال راسموسن: «نتشارك معه، إلى حد ما، في مخاوفه. هناك بالتأكيد وضع أمني جديد في القطب الشمالي والشمال الأقصى». لكنه رفض أي فكرة لبيع الجزيرة.

وأوضح وزير الخارجية الدنماركي أن الاتفاقية المبرمة بين بلاده والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية تمنح الجيش الأميركي «وصولاً واسعاً» لجزيرة غرينلاند، قائلاً إنها كافية لتحقيق جميع الأهداف العسكرية. وأوضح أنه اقترح تشكيل «مجموعة عمل عالية المستوى» لمناقشة أمن غرينلاند – قد تجتمع في أسابيع – يمكن أن يكون بوابة لتفادي الأزمة.

وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت تتحدث في مؤتمر صحافي عُقد في سفارة الدنمارك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2026 في واشنطن (أ.ب)

كاريكاتير البيت الأبيض

ونشر البيت الأبيض كاريكاتيراً على منصة «إكس» أثناء الاجتماع، يظهر زلاجتي كلاب تحملان علم غرينلاند أمام طريقين في تل ثلجي. طريق يؤدي إلى علم أميركي يغطي الشمس فوق البيت الأبيض، والآخر إلى برق خلف أعلام روسية وصينية. لا وجود لطريق يؤدي إلى الدنمارك! في إشارة إلى موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب واستراتيجيته في تصوير مستقبل غرينلاند كخيار بين «الأمان الأميركي» و«التهديد الشرقي»، في حملة نفسية من واشنطن لتصوير الدنمارك كـ«غائبة» عن المعادلة، مما يضغط على غرينلاند للانفصال عن كوبنهاغن.

غير مقبول

واستبق الرئيس ترمب هذا الاجتماع ونشر في وقت مبكر صباح الأربعاء تغريدة على منصة «تروث سوشيال» قال فيها إن أي شيء أقل من سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون «غير مقبول».

وأضاف ترمب: «تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها حيوية لمشروع القبة الذهبية الذي نبنيه. يجب أن يقود حلف الناتو الطريق لنا للحصول عليها. إذا لم نفعل ذلك، فستفعل روسيا أو الصين، وهذا لن يحدث!». وتابع: «عسكرياً، من دون القوة الهائلة للولايات المتحدة، التي بنيتُ جزءاً كبيراً منها خلال فترة ولايتي الأولى، وأعمل الآن على رفعها إلى مستوى جديد وأعلى، لن يكون حلف الناتو قوة فعالة أو رادعة - على الإطلاق! إنهم يعرفون ذلك، وأنا أيضاً أعرف ذلك». وشدد موجهاً حديثه لدول حلف الناتو: «حلف الناتو يصبح أكثر قوة وفعالية بكثير مع وجود غرينلاند في أيدي الولايات المتحدة، وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول».

تحركات عسكرية أوروبية

وقد حشد حلفاء الدنمارك في حلف الناتو - الدول الأوروبية الكبرى بالإضافة إلى كندا - دعمهم لها هذا الأسبوع ببيانات تؤكد مجدداً أن «الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران بشأن المسائل المتعلقة بعلاقاتهما»، وشددوا على أنهم حريصون مثل الولايات المتحدة على أمن القطب الشمالي، وقالوا إنه يجب تحقيق ذلك بشكل جماعي من قبل الحلفاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما دعوا إلى «التمسك بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود».

غادر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض بعد اجتماع مع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت في واشنطن العاصمة في 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وحذر مفوض الدفاع الأوروبي أندريا كوبيليوس من أن «الاستيلاء العسكري الأميركي على غرينلاند سيكون نهاية الناتو»، واقترح تعزيز الدعم الأوروبي لغرينلاند، بما في ذلك نشر قوات وبنية تحتية عسكرية مثل سفن حربية وأنظمة مضادة للطائرات من دون طيار، إذا طلبت الدنمارك ذلك. فيما أعلنت السويد إرسال ضباط عسكريين إلى غرينلاند، كجزء من تعزيز الوجود العسكري في الجزيرة التابعة للدنمارك، واكد رئيس الوزراء السويدي اولوف كريسترسون أن الضباط السويديين وصلوا إلى غرينلاند كجزء من مجموعة من عدة دول حليفة للمشاركة في تمارين عملية القطب الشمالي بناءً على طلب رسمي من كوبنهاغن.

ويقول المحللون إن السويد، كعضو جديد في الناتو، وبهذه التحركات ترسل رسالة واضحة للإدارة الأميركية بأن أوروبا لن تترك الدنمارك وحدها، وأن منطقة القطب الشمالي ليست ملعباً أميركياً حصرياً، على أمل أن يدفع ذلك الرئيس ترمب إلى إعادة حساباته.