نيجيريا: جدل بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي

تينيبو لجأ إليها لمواجهة ادعاءات «إبادة المسيحيين»

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024  (أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: جدل بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024  (أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

يحتدم الجدل في نيجيريا بعد أن كشفت تقارير عن تعاقد حكومة الرئيس بولا أحمد تينيبو مع مكتب علاقات عامة في واشنطن للضغط من أجل الترويج لسياسات نيجيريا في مجال الأمن، وتفنيد تهمة «إبادة المسيحيين» في البلد الأفريقي الذي يشكل المسيحيون قرابة نصف سكانه.

وكانت نيجيريا التي تواجه منذ 2009 تصاعداً في الهجمات الإرهابية، قد تعرضت مؤخراً لانتقادات واسعة، واتهمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي بالتقاعس عن حماية المسيحيين من الهجمات الإرهابية.

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقالت صحيفة «غارديان» النيجيرية إن وثائق مودعة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي (FARA)، كشفت أن الحكومة النيجيرية تعاقدت مع شركة «DCI Group»، وهي شركة ضغط وعلاقات عامة مقرّها في واشنطن، لمواجهة الضغوط الأميركية المتزايدة على خلفية اتهامات استهداف المسيحيين.

وبحسب نفس المصدر، فإن الحكومة النيجيرية تعاقدت مع الشركة عبر مكتب «Aster Legal» للمحاماة، وذلك يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكان الهدف المعلن في العقد هو «مساعدة حكومة نيجيريا... في إيصال إجراءاتها لحماية المجتمعات المسيحية، والحفاظ على الدعم الأميركي لجهود مكافحة الإرهاب ضد الجماعات الإرهابية في غرب أفريقيا وعناصر أخرى مزعزِعة للاستقرار».

وتشير المصادر إلى أن قيمة العقد وصلت إلى 750 ألف دولار أميركي ستدفعها نيجيريا شهرياً؛ أي 4.5 مليون دولار لفترة أولية من ستة أشهر، مع تجديد تلقائي قد يرفع القيمة الإجمالية إلى 9 ملايين دولار.

وتُظهر سجلات الدفع المرفقة مع الوثائق أن 4.5 مليون دولار سُدّدت في 12 ديسمبر كدفعة مقدّمة، وذلك قبل أسبوعين من القصف الصاروخي الذي نفذه الجيش الأميركي ضد معاقل «داعش» في شمال غربي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر (أ.ف.ب)

شركة مرتبطة بترمب

الصحافة المحلية في نيجيريا قالت إن الشركة التي تعاقدت معها حكومة نيجيريا لديها ارتباطات بمحيط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأشارت صحيفة «غارديان» إلى أن جيم مورفي، الرئيس السابق للشركة، سبق أن شغل منصب المدير السياسي الوطني لحملة ترمب 2016.

وأضافت نفس الصحيفة أن الشريك الإداري جاستن بيترسون، وهو الذي وقع على عقد نيجيريا، سبق أن كان ممثلاً للرئيس الأميركي في مجلس الرقابة المالية لبورتوريكو بين 2020 و2023، وخلصت الصحيفة إلى أن «هذه الروابط تمثل جوهر قيمة الشركة في وقت تواجه فيه نيجيريا بيتاً أبيض معادياً لها في العلن».

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

انتقادات سياسية

مع الكشف عن الوثائق، ثار الجدل وأخذ أبعاداً سياسية في البلد الذي يستعد العام المقبل لتنظيم انتخابات رئاسية، أعلن الرئيس بولا أحمد تينيبو ترشحه لها، في حين تحاول المعارضة أن تقلب الطاولة عليه، وتتخذ من الملف الأمني أهم سلاح لمواجهته.

حزب المؤتمر الديمقراطي الأفريقي، أهم أحزاب المعارضة في نيجيريا، وصف الحكومة بالفاشلة؛ لأنها «تحاول تلميع صورتها في الخارج وسط تفاقم انعدام الأمن والضائقة الاقتصادية في الداخل».

أشخاص خلف شريط مسرح الجريمة في موقع غارة جوية أميركية شمال غربي جابو بنيجيريا يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال الحزب إن الإنفاق على العلاقات العامة والضغط السياسي «يعكس أولويات مختلّة»، في وقت «يكافح فيه كثير من النيجيريين لتأمين أساسيات الحياة، وسقط فيه آلاف القتلى جراء انعدام الأمن».

وخلص الحزب إلى أن «تمويل الضغط في الخارج، في ظل معاناة المواطنين، يُظهر عمًى أخلاقياً»، ويؤكد، حسب الحزب، ما سماه «إقراراً بفشل دبلوماسي؛ إذ تُركت سفارات مهمة شاغرة، واستُبدل بالدبلوماسية مقاولون من جماعات الضغط، ما يُضعف المصداقية المؤسسية».

كما انتقد حزب الشعب الديمقراطي المعارض الحكومة بشدة، وقال إن إدارة تينيبو إذا كانت جادة في العمل على تحسين صورة نيجيريا، فعليها إعطاء الأولوية لأمن الأرواح والممتلكات بدل «التواصل المضلل». وشدد الحزب المعارض على أن «الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن النيجيريين لم يشعروا بهذا القدر من انعدام الأمن حتى خلال الحرب الأهلية».

فراغ دبلوماسي

الرئيس النيجيري سبق أن قرر في سبتمبر (أيلول) 2023 سحب جميع السفراء النيجيريين، بما في ذلك السفير في واشنطن، ولم يعين أي سفير منذ ذلك التاريخ، وهو ما زاد من حدة انتقادات الحكومة وسياساتها الدبلوماسية.

وفي هذا السياق، قال السفير السابق والدبلوماسي النيجيري غاني لاوال، إن اللجوء إلى جماعات الضغط هو «نتيجة إهمال آلة الدبلوماسية»، وأضاف في تصريح لإحدى القنوات المحلية: «هذا ثمن القرارات السيئة. السفراء هم عيون وأنوف وأرجل الدولة حيثما وُجدوا. ترك بعثاتنا بلا سفراء كل هذا الوقت فتح الباب لهذه الثغرات». وأوضح أنه لو روت نيجيريا قصتها عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة، لما اضطرت إلى إنفاق ملايين الدولارات على جماعات ضغط أجنبية.

اتهامات مستمرة

رغم هذا الجدل، ما يزال أعضاء في الكونغرس الأميركي يتهمون نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين؛ إذ زعم عضو الكونغرس الأميركي الممثل لمنطقة جنوب شرقي ولاية ميشيغان، النائب جون جيمس، أن 72 في المائة من المسيحيين الذين قُتلوا على مستوى العالم قُتلوا داخل نيجيريا. وقال عضو الكونغرس في منشور على منصة «إكس»، إن المسيحيين في نيجيريا يتعرضون لما وصفها بأنها «مجازر وإبادة، واضطهاد ممنهج ومتعمّد».

وكتب قائلاً: «لطالما دققت ناقوس الخطر بشأن اضطهاد المسيحيين في نيجيريا منذ سنوات.

والحقائق لا يمكن إنكارها: 72 في المائة من المسيحيين الذين قُتلوا عالمياً قُتلوا في نيجيريا. هذا اضطهاد منظّم ومقصود. وعلى الولايات المتحدة والعالم ألا يديرا النظر».


مقالات ذات صلة

مصادر: الشرع سيحضر قمة مجموعة السبع في فرنسا

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر (أ.ف.ب)

مصادر: الشرع سيحضر قمة مجموعة السبع في فرنسا

قالت ثلاثة مصادر مطلعة إن سوريا ستشارك في قمة مجموعة السبع في ​فرنسا الشهر المقبل بصفة ضيف، وسيمثلها الرئيس أحمد الشرع، وهي أول مشاركة لسوريا في قمة للمجموعة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي بلدة دوما في ريف دمشق استُهدفت بهجوم كيماوي من قبل نظام الأسد عام 2018 (رويترز)

رفات بشري في مدرسة بمدينة دوما قرب دمشق

اكتُشف رفات بشري في مدينة دوما بريف دمشق ‏خلال أعمال حفر أساس ضمن موقع داخل مدرسة تعرَّضت لقصف سابق من قوات نظام الأسد.‏

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد رجل يعمل في هيئة النقل السعودية يراقب إحدى الشاحنات (هيئة النقل)

قوافل الصحراء تُنقذ الاقتصاد العالمي وتكسر حصار «هرمز»

في مشهد يذكّر برحلات القوافل التي شكلت عصب التجارة العربية القديمة، تحوّلت رمال الصحراء اليوم إلى «صمام أمان» للاقتصاد العالمي، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث خلال مؤتمر صحافي مع رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين في «البنتاغون» (رويترز)

واشنطن تحذّر طهران من ردّ «مدمّر» في حال مهاجمة سفن

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى مواجهة» مع إيران في مضيق هرمز، مؤكداً أن وقف إطلاق النار «لم ينتهِ».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
أوروبا رجال الإطفاء يعملون في موقع منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي في إقليم بولتافا تعرضت لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ روسية (رويترز)

زيلينسكي: عرض روسيا وقف النار ثم شنها هجمات يظهر «استخفافاً تاماً»

قتل 5 أشخاص، بينهم أفراد من فرق الإنقاذ، فضلاً عن إصابة العشرات، في ضربات روسية استهدفت منطقتين بأوكرانيا، بحسب ما أعلن مسؤولون محليون اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (كييف)

رفع مستوى خطر تفشي «إيبولا» في الكونغو

موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)
موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)
TT

رفع مستوى خطر تفشي «إيبولا» في الكونغو

موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)
موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)

رفعت منظمة الصحة العالمية، أمس، مستوى خطر تفشّي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية من «مرتفع» إلى «مرتفع جداً» على الصعيد الوطني. وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن مستوى الخطر لا يزال «مرتفعاً» على المستوى الإقليمي و«منخفضاً» عالمياً.

وأكّد غيبريسوس: «حتى الآن، تم تأكيد 82 حالة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينها سبع وفيات مؤكدة. لكننا نعلم أن حجم الانتشار في جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر بكثير. هناك الآن ما يقارب 750 حالة مشتبهاً بها و177 وفاة مشتبهاً بها». وأشار تيدروس إلى أن «الوضع في أوغندا مستقر، مع تأكيد إصابتين لأشخاص قدموا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينهما وفاة واحدة».

في غضون ذلك، أضرم محتجّون النار بخيام تابعة لمستشفى في إحدى بؤر تفشّي الفيروس، بعدما أثارت عمليات الدفن السريعة للضحايا غضب الأهالي.


رئيس السنغال يقيل رئيس الوزراء ويحل الحكومة وسط تصاعد التوتر

الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)
الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)
TT

رئيس السنغال يقيل رئيس الوزراء ويحل الحكومة وسط تصاعد التوتر

الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)
الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي (أ.ب)

ذكر بيان بثته هيئة ​الاذاعة والتلفزيون السنغالية، أن الرئيس باسيرو ديوماي فاي، أقال رئيس الوزراء عثمان سونكو وحل ‌الحكومة، ​في ‌خطوة ⁠قد ​تؤدي إلى تفاقم ⁠التوتر السياسي في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من أعباء ديون ⁠ثقيلة.

ويأتي هذا القرار ‌بعد ‌أشهر من ​التوترات ‌المتصاعدة بين ‌الحليفين اللذين تحولا إلى خصمين.

وكان سونكو، الذي يتميز بشخصية جذابة ‌ويحظى بتأييد كبير من الشباب، قد ⁠أيد ⁠فاي في انتخابات عام 2024 بعد أن منعته إدانة بتهمة التشهير من الترشح.

وقال الأمين العام للرئاسة في البيان ​إنه ​تم حل الحكومة.

(إعداد مروة سلام للنشرة ​العربية)


منظمة الصحة العالمية ترفع خطر تفشّي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
TT

منظمة الصحة العالمية ترفع خطر تفشّي «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)
مدير منظّمة الصحة العالمية يتحدّث مع مسؤول أفريقيا في المنظّمة نفسها خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

رفعت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، مستوى خطر تفشّي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية من «مرتفع» إلى «مرتفع جداً» على الصعيد الوطني.

وقال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحافي، إن مستوى الخطر لا يزال «مرتفعاً» على المستوى الإقليمي، و«منخفضاً» عالمياً.

وأضاف: «يتفشّى فيروس (إيبولا) في جمهورية الكونغو الديمقراطية بسرعة». وتابع: «نقوم الآن بمراجعة تقييم المخاطر إلى (مرتفع جداً) على المستوى الوطني، و(مرتفع) على المستوى الإقليمي، و(منخفض) على المستوى العالمي».

مسؤولو منظّمة الصحة العالمية يتحدّثون للصحافة حول تفشي «إيبولا» خلال مؤتمر صحافي بجنيف يوم 22 مايو (إ.ب.أ)

وأكّد غيبريسوس: «حتى الآن، تم تأكيد 82 حالة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينها سبع وفيات مؤكدة. لكننا نعلم أن حجم الانتشار في جمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر بكثير. هناك الآن ما يقارب 750 حالة مشتبهاً بها، و177 وفاة مشتبهاً بها».

وأشار غيبريسوس إلى أن «الوضع في أوغندا مستقر، مع تأكيد إصابتين لأشخاص قدموا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، بينهما وفاة واحدة». وأكّد أن أعمال العنف وانعدام الأمن يعرقلان جهود الاستجابة للتفشّي.

نشر الجيش

في غضون ذلك، أضرم محتجّون النار في خيام تابعة لمستشفى في إحدى بؤر تفشّي فيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في حين يواجه كثير من الكونغوليين حالة من الخوف والغضب والارتباك إزاء أحدث موجات التفشّي القاتلة.

وأثارت عمليات الدفن السريعة للضحايا الذين يُشتبه في وفاتهم بالحمّى النزفية الفيروسية، شكوكاً في منطقة تعصف بها النزاعات وتعاني أصلاً من انعدام الثقة بالدولة، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». ومع تصاعد التوتر، نُشر الجيش لتأمين مراسم الدفن.

وأُضرمت النار، الخميس، في الخيام المستخدمة لعزل مرضى «إيبولا» في «مستشفى روامبارا»، في إقليم إيتوري شمال شرقي البلاد، الواقع في بؤرة التفشّي، قبل أن تنتهي أعمال الشغب سريعاً بعد تدخل الجيش. ولم يتبقَّ من الخيام سوى هياكلها المتفحّمة. وقال مسؤول في المؤسسة الطبية: «بدأ كل شيء عندما تُوفي شاب يبلغ 24 عاماً، وهو ابن أحد الجنود، داخل المستشفى». وأضاف: «أرادت العائلة أن نسلّمها الجثة حتى تتمكن من دفنها، لكن في ظلّ هذه الظروف، ذلك مستحيل».

عشرات الوفيات

إلى جانب كون «إيبولا» مرضاً شديد الفتك، فإنه ينتقل عبر الاتصال الجسدي المطوّل وسوائل الجسم. ولا يتوافر لقاح أو علاج لسلالة «بونديبوغيو» المسؤولة عن التفشّي السابع عشر لـ«إيبولا» الذي يضرب هذا البلد الواقع في وسط أفريقيا، والذي تعتقد منظمة الصحة العالمية أنه أودى بالفعل بحياة أكثر من 177 شخصاً.

لذلك، تعتمد جهود احتواء التفشّي الأخير أساساً على الإجراءات الوقائية وتعقّب المخالطين بسرعة. لكن في المناطق الريفية من الكونغو الديمقراطية «يرتمي الأقارب على الجثث، ويلمسونها ويلمسون ملابس المتوفين، في حين ينظمون طقوس عزاء تجمع أعداداً كبيرة من الناس»، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن جان ماري إيزادري، وهو أحد قادة المجتمع المدني في إيتوري. وأضاف: «للأسف، هذا يحدث حتى خلال هذا الوباء، ما يفسّر كثرة حالات العدوى».

«مرض وهمي»

بعد أعمال الشغب في «مستشفى روامبارا»، انتظرت عائلات بقلق دفن ثلاثة مرضى يُشتبه في وفاتهم بالفيروس، رغم أن بعضهم شكّك في وجود المرض أساساً.

وقال جيريمي أروامبارا (22 عاماً): «أخي لم يمت بسبب (إيبولا)، إنه مرض وهمي!». وصرخ إزيكييل شامبويي قائلاً: «لماذا يرفضون تسليمنا الجثث؟! إنه أخي الأكبر، لا يمكن أن أخاف منه».

موظفو صحّة ينقلون مواد مطهّرة إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)

وتفرّق الحشد بعد أن أطلق الجنود المنتشرون حول المستشفى أعيرة تحذيرية. كما أُصيبت ممرضة بجروح جراء الحجارة التي رشقها المحتجون. وداخل المستشفى، كان العاملون في القطاع الصحي يستعدّون لعمليات الدفن، مرتدين معدات الوقاية الكاملة، ثم خرجوا يحملون ثلاثة توابيت بالأبيض والأسود، وُضعت على عربة ثلاثية العجلات.

وفي أحد التوابيت كان يرقد والد موسى أموري، الذي حضر لتوديع والده على عجل. وقال الشاب: «سيدفنون والدنا من دون أن نراه، هذا يحطم قلبي!».

وانطلق موكب الجنازة نحو مقبرة روامبارا، ترافقه ثلاث سيارات «جيب» تُقلّ جنوداً وعناصر من الشرطة. وتواجه قوات الأمن الكونغولية، المعروفة بسوء الانضباط، اتهامات في تفشّيات سابقة لـ«إيبولا» بتأجيج انعدام الثقة تجاه الطواقم الطبية.

ووفق مصدر في المستشفى، فإن بعض المشاركين في أعمال الشغب في روامبارا كانوا جنوداً أيضاً، ومن المقربين لأحد الضحايا، وقد هدّدوا العاملين في القطاع الصحي.

ترنيمة جنائزية

ومع حلول الغسق على التلال الخضراء المحيطة بروامبارا، بدأت مراسم الدفن في المقبرة الواقعة خارج البلدة. وبعد رشّ التوابيت بالمطهّرات، أُنزلت سريعاً إلى القبور على أيدي رجال يرتدون بذلات الوقاية الكاملة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وانفجر ذوو الضحايا في البكاء أثناء متابعتهم المراسم. وبدأ أحدهم ينشد ترنيمة بصوت خافت، في حين تلا قسّ عدة آيات من الإنجيل. ومن بين المشيّعين، رفضت مامان ليوني تصديق أن شقيقها قضى بسبب «إيبولا». وقالت متوسّلة: «لقد كان مريضاً فقط، فلتأتِ الحكومة لمساعدتنا!».

موظفو صحّة ينقلون مصاباً بـ«إيبولا» إلى «مستشفى روامبارا» بالكونغو في 21 مايو (أ.ف.ب)

وظلّت خدمات الدولة شبه غائبة لعقود في المناطق الريفية من إيتوري. وبات السكان، الذين يعانون أصلاً من المجازر المتكررة التي ترتكبها الجماعات المسلحة المنتشرة في الإقليم المضطرب، يحمّلون الحكومة الكونغولية بشكل متزايد مسؤولية بطء الاستجابة للتفشّي.

وقال مسؤول في المستشفى إنه خلال الأيام الأخيرة في بلدة مونغبالو «أدرك السكان حجم الوضع، وأصبحوا يعلمون أنه يجب عدم لمس الجثث». لكنه أضاف أن السكان يشعرون بالقلق؛ لأن «مناطق العزل وفرز الحالات لم تُنشأ بعد». وأوضح أن «الحالات المشتبه بها تختلط مع المرضى الآخرين داخل أجنحة المستشفى، ما يرفع خطر العدوى بشكل كبير».