موسكو تجدد عرضها للوساطة وتدعو واشنطن لعدم التدخل عسكرياً

حذرت من مخاطر «كارثة نووية» بسبب استمرار الحرب

بوتين مترئساً اجتماعاً اقتصادياً في سان بطرسبورغ 18 يونيو (أ.ف.ب)
بوتين مترئساً اجتماعاً اقتصادياً في سان بطرسبورغ 18 يونيو (أ.ف.ب)
TT

موسكو تجدد عرضها للوساطة وتدعو واشنطن لعدم التدخل عسكرياً

بوتين مترئساً اجتماعاً اقتصادياً في سان بطرسبورغ 18 يونيو (أ.ف.ب)
بوتين مترئساً اجتماعاً اقتصادياً في سان بطرسبورغ 18 يونيو (أ.ف.ب)

جدّدت روسيا عرضها بالوساطة بين إيران وإسرائيل، وحثّت الولايات المتحدة على تجنّب تقديم التدخل عسكرياً في الحرب المتصاعدة.

وأكّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أنه طرح موضوع الوساطة الروسية خلال اتصالات أجراها مع قادة عدة بلدان.

وأكّد الجانبان، خلال الاتصال، وفق وكالة أنباء الإمارات، «ضرورة ضبط النفس والاحتكام إلى الحوار لتفادي تعريض الأمن الإقليمي والعالمي إلى مزيد من التهديدات». كما شدّد الرئيسان على دعم كل ما من شأنه تحقيق التهدئة عبر الوسائل الدبلوماسية، بحسب الوكالة الإماراتية.

وأشار الكرملين إلى أن بوتين ناقش مع نظيره الإماراتي الجوانب المختلفة المتعلقة بالتصعيد في المنطقة، وأعرب عن استعداد موسكو لمساعدة الأطراف المعنية في إيجاد حلول دبلوماسية للأزمة الحالية. وجدّد بوتين خلال المكالمة التأكيد على استعداد روسيا لتقديم مساعي وساطة لدفع الحوار بين أطراف النزاع، وقال بيان الكرملين إنه أبلغ الرئيس الإماراتي بنتائج الاتصالات التي أجراها في هذا الصدد مع عدد من القادة الأجانب.

ترمب لبوتين: توسط لنفسك أولاً

ورفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت لاحق، عرض بوتين التوسط لإنهاء النزاع بين إسرائيل وإيران، معتبراً أن على بوتين أن ينهي أولا حربه في أوكرانيا. وصرح للصحافيين في البيت الأبيض: «لقد عرض القيام بوساطة، فطلبت منه أن يسدي لي خدمة ويقوم بوساطة لنفسه. فلنهتم أولا بواسطة من أجل روسيا»، وأضاف مخاطباً بوتين «يمكنك أن تهتم بذلك (النزاع في الشرق الأوسط) لاحقاً».

وساطة روسية

في سياق متصل، حثّت روسيا الولايات المتحدة على تجنّب تقديم دعم عسكري مباشر لإسرائيل. وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، لوكالة أنباء «إنترفاكس»، إن احتمال تدخّل الولايات المتحدة مباشرة في النزاع الإسرائيلي - الإيراني في الشرق الأوسط «خطير للغاية». وأوضح أن «الولايات المتحدة دائماً تكون في صميم جميع التطورات، والحديث عن أنها لم تتدخّل سابقاً لكنها قد تتدخل الآن، أمر غير صحيح». وأضاف: «لكن الأمر المختلف هو كيف ينظرون لأنفسهم فيما يتعلق بمسألة تقديم مساعدة عسكرية مباشرة لإسرائيل. نحن نحذّر واشنطن من خطورة هذه الخطوة، وحتى مجرّد إطلاق تهديدات افتراضية من هذا النوع يشكل نوعاً خطيراً من الاستفزاز. التدخل المباشر عسكرياً سيكون خطوة شديدة التدمير لاستقرار الوضع بأكمله».

«كارثة نووية»

في الإطار ذاته، حذّرت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، من «كارثة نووية تحيط بالمنطقة في حال استمر تصعيد الصراع القائم».

وقالت، خلال إفادة صحافية الأربعاء، إن «التهديد النووي في منطقة الشرق الأوسط ليس مجرّد تهديد افتراضي، بل يحمل في طياته بعداً عملياً». وزادت أن «الوضع خطير للغاية».

وأوضحت الدبلوماسية الروسية أن الضربات على المنشآت النووية تضع المنطقة أمام احتمالات بالغة الخطورة، وزادت: «كل هذا لا يؤدي فقط إلى التصعيد، بل إلى تهديد مباشر للمنطقة والعالم، نظراً لأن الضربات توجه ضد منشآت نووية أو ذرية سلمية. التهديد النووي ليس افتراضياً، بل بات له بعد عملي».

برنامج إيران النووي

وفي وقت لاحق الأربعاء، قالت زاخاروفا، خلال حديث مع الصحافيين على هامش منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي: «أصدرنا بياناً عشية هذه الأحداث، وأكدنا استعدادنا لبذل جهود الوساطة، خاصة فيما يتعلق بالحوار حول البرنامج النووي الإيراني السلمي». وشدّدت زاخاروفا على أن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني قد تم تأكيده من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمنظمة نفسها، قائلة: «لقد أثبتنا جدارتنا في هذا المجال عندما ساهمنا في التوصل إلى اتفاقية البرنامج النووي الإيراني».

مشاركون في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي يتابعون كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 7 يونيو 2024 (أ.ف.ب)

وأشارت إلى أن روسيا تمتلك خبرة واسعة في تقديم المساعي الحميدة، وأنها تحافظ على اتصالها مع جميع دول المنطقة. وتابعت: «نحن نهدف حقاً إلى تحقيق نتائج إيجابية عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية عندما نتدخل كوسيط أو طرف محايد. لدينا الخبرة الكافية، وليس لدينا أي أجندات خفية أو رغبة في التصعيد أو التلاعب بالوضع».

وفي سياق متصل، كشفت زاخاروفا عن أن موسكو ما زالت تنتظر مقترحات من الجانب الأميركي بشأن المواعيد والترتيبات اللوجيستية لاستئناف جولة جديدة من المحادثات الثنائية لتسوية الملفات الخلافية العالقة بين موسكو وواشنطن.

في غضون ذلك، أعلن مدير جهاز الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين أن «الوضع في المنطقة في ضوء الصراع المتواصل بين إسرائيل وإيران وصل إلى مرحلة حرجة للغاية». وكشف عن أن روسيا على اتصال دائم مع ممثلي أجهزة الاستخبارات المعنية في كلا البلدين؛ إيران وإسرائيل، بشأن التطورات الجارية بينهما، وزاد: «نحن على اتصال مع ممثلي طرفي النزاع - ممثلي أجهزة الاستخبارات المختصة ونعمل على مراقبة التطورات من كثب».

وفي سياق متصل، أوصت السفارة الروسية في إسرائيل مجدداً المواطنين الروس بمغادرة إسرائيل عبر المعابر الحدودية مع مصر والأردن حتى عودة الأوضاع إلى طبيعتها.


مقالات ذات صلة

طهران ترد على ترمب: تكرار التجارب الفاشلة لا يغير المآلات

شؤون إقليمية السيناتور الأميركي ليندسي غراهام ينشر صورة تجمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يحمل قبعة كُتب عليها «لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى» الاثنين

طهران ترد على ترمب: تكرار التجارب الفاشلة لا يغير المآلات

وصفت طهران تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنها «حرب نفسية»، بينما رفعت تل أبيب سقف تهديداتها حيال البرنامج الصاروخي الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي (الخارجية الإيرانية)

إيران تتهم إسرائيل بالسعي لتقويض وحدتها الداخلية

اتهمت إيران إسرائيل بالسعي إلى «تقويض وحدتها الوطنية» بعد تصريحات بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن تضامن بلاده «مع تطلعات الشعب الإيراني للحرية».

«الشرق الأوسط» (طهران)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء مؤتمر صحافي مشترك في بالم بيتش بفلوريدا في اللقاء الخامس بينهما الثلاثاء الماضي (رويترز) play-circle

تحليل إخباري اختطاف مادورو بعيون إسرائيلية: هل يخدمنا مع إيران؟

لم تكتف إسرائيل بالترحيب بالهجمات الأميركية ضد فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، بل إن الملابسات كلها فتحت أعين وشهية تل أبيب لما بعد هذه الهجمات وتبعاتها.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة نشرتها رئاسة الوزراء الإسرائيلية لنتنياهو في مجلس الوزراء اليوم

نتنياهو يصف تحركات الشارع الإيراني بأنها «مفصلية»

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأحد، إن إسرائيل تقف «متضامنة» مع الشعب الإيراني، في وقت هزّت فيه الاحتجاجات عدة مدن إيرانية خلال الأسبوع الحالي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية احتجاجات في لردغان بمحافظة جهار محال وبختياري غرب البلاد (فارس) play-circle

احتجاجات إيران تمتد إلى مدن صغيرة... وسقوط 6 قتلى

دخلت الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الخامس مع اتساعها إلى مدن أصغر وعودة التحركات الليلية، وسط تصعيد أمني وسقوط قتلى وتوسع الاعتقالات.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

ماكرون: أميركا «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء... و«تتجاهل القواعد الدولية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

ماكرون: أميركا «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء... و«تتجاهل القواعد الدولية»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)

أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، عن أسفه لأن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء لها، و«تتجاهل القواعد الدولية»، متحدثاً عن «عدوانية استعمارية جديدة» متنامية في العلاقات الدبلوماسية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

جاءت تصريحات ماكرون في خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه، في حين تسعى القوى الأوروبية جاهدةً للتوصل إلى رد منسّق على السياسة الخارجية الأميركية في نصف الكرة الغربي، وذلك عقب اعتقال واشنطن الرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو، وعزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.

وقال الرئيس الفرنسي إن «الولايات المتحدة قوة راسخة، لكنها تتخلى تدريجياً عن بعض حلفائها وتتجاهل القواعد الدولية التي كانت لا تزال تُروّج لها حتى وقت قريب».

وأضاف أن «أداء المؤسسات متعددة الأطراف يتراجع بشكل مطّرد. نحن نعيش في عالم قوى عظمى لها رغبة حقيقية لتقاسم العالم فيما بينها».

كما أعرب إيمانويل ماكرون عن رفضه «الاستعمار الجديد» للقوى العظمى، وكذلك «الانهزامية» في مواجهة التطورات الأخيرة في العالم.

وقال: «نحن نرفض الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، لكننا نرفض أيضاً التبعية والانهزامية». وتابع: «ما تمكّنا من تحقيقه لفرنسا وأوروبا يسير في الاتجاه الصحيح. مزيد من الاستقلال الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين».

وحثّ ماكرون أوروبا على حماية مصالحها وتعزيز القوانين الأوروبية المنظمة لقطاع التكنولوجيا.

وشدد على أهمية حماية الاستقلالية الأكاديمية، وأشاد بـ«إمكانية وجود مساحة معلومات خاضعة للإشراف، حيث يمكن تبادل الآراء بحرية تامة، لكن حيث لا تُتّخذ الخيارات بواسطة خوارزميات قلة من الناس».

اعتمدت بروكسل ترسانة قانونية قوية تهدف إلى كبح جماح عمالقة التكنولوجيا، وتحديداً من خلال قانون الأسواق الرقمية (دي إم إيه) الذي يغطي المنافسة وقانون الخدمات الرقمية (دي إس إيه) بشأن الإشراف على المحتوى.

وقد نددت واشنطن بقواعد التكنولوجيا بوصفها محاولة «لإجبار» منصات التواصل الاجتماعي الأميركية على فرض رقابة على وجهات النظر التي تُعارضها أوروبا.

اقرأ أيضاً


«الخارجية» الروسية: إنزال قوات أميركية على متن الناقلة «مارينيرا» انتهاك بالغ للقانون الدولي

صورة تم توزيعها في 7 يناير 2026 تُظهر مسؤولاً من خفر السواحل الأميركي يراقب من خلال منظار الناقلة مارينيرا (رويترز)
صورة تم توزيعها في 7 يناير 2026 تُظهر مسؤولاً من خفر السواحل الأميركي يراقب من خلال منظار الناقلة مارينيرا (رويترز)
TT

«الخارجية» الروسية: إنزال قوات أميركية على متن الناقلة «مارينيرا» انتهاك بالغ للقانون الدولي

صورة تم توزيعها في 7 يناير 2026 تُظهر مسؤولاً من خفر السواحل الأميركي يراقب من خلال منظار الناقلة مارينيرا (رويترز)
صورة تم توزيعها في 7 يناير 2026 تُظهر مسؤولاً من خفر السواحل الأميركي يراقب من خلال منظار الناقلة مارينيرا (رويترز)

عبّرت وزارة الخارجية الروسية، الخميس، عن قلقها البالغ من استخدام أميركا «القوة بشكل غير قانوني» ضد ناقلة النفط «مارينيرا».

ودعت «الخارجية» واشنطن لوقف أعمالها «غير القانونية» ضد «مارينيرا» فوراً، وعدم عرقلة عودة المواطنين الروس الموجودين على متن الناقلة.

وعدّت «الخارجية» الروسية إنزال قوات أميركية على متن الناقلة واحتجاز طاقمها انتهاكاً بالغاً للقانون الدولي البحري.

وسيطرت القوات الأميركية، الأربعاء، على ناقلة النفط «مارينيرا» الخاضعة للعقوبات، والمرتبطة بفنزويلا في شمال المحيط الأطلسي، بعد مطاردة استمرت لأسابيع.

وتحدّث مسؤول أميركي، الأربعاء، لـ«وكالة أسوشييتد برس»، شريطة عدم الكشف عن هويته، لمناقشة عمليات عسكرية حساسة، أن الجيش الأميركي قام بمعاينة السفينة، وتسليمها إلى سلطات إنفاذ القانون.

وصرّح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، بعد إعلان احتجاز ناقلة بشمال الأطلسي: «حصار النفط الفنزويلي الخاضع للعقوبات لا يزال مطبقاً في أي مكان بالعالم».

من جهتها، أعلنت وزيرة العدل الأميركية بام بوندي، في تصريح، الأربعاء، أن طاقم الناقلة يخضع لتحقيق شامل نتيجة عدم امتثالهم لأوامر خفر السواحل.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة نفّذت أمر مصادرة لناقلة النفط «بيلا-1»، والمعروفة الآن باسم مارينيرا؛ لنقلها النفط الخاضع للعقوبات من فنزويلا وإيران، موضحة أن أي شخص على متن أي سفينة لا يمتثل لتعليمات خفر السواحل أو المؤسسات الفيدرالية سيخضع للتحقيق والمحاكمة.

ولفتت بوندي إلى أن وزارة العدل تُراقب عدة سفن أخرى؛ لاتخاذ إجراءات مماثلة لإنفاذ القانون، وقالت إنه سيجري توجيه اتهامات جنائية ضد جميع المتورطين من طاقم الناقلة «بيلا-1».


لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)
قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)
TT

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)
قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب)

يجعل موقع غرينلاند، فوق الدائرة القطبية الشمالية، أكبر جزيرة في العالم عنصراً أساسياً في الاستراتيجيات الأمنية.

فقد وضعت التوترات الدولية المتزايدة، والاحتباس الحراري، والتحولات في الاقتصاد العالمي، غرينلاند في قلب النقاش حول التجارة العالمية والأمن. ويسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ضمان سيطرة بلاده على الجزيرة الغنية بالمعادن، التي تشكّل بوابة حيوية لحماية الممرات المؤدية عبر القطب الشمالي وشمال الأطلسي إلى أميركا الشمالية.

غرينلاند إقليم يتمتع بحكم ذاتي تابع للدنمارك، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، وقد رفضت كوبنهاغن هذه المساعي الأميركية. كما تعارض حكومة غرينلاند نفسها أي خطط أميركية للجزيرة، مؤكدة أن شعب غرينلاند هو من يقرر مستقبله.

وتقع نحو 80 في المائة من مساحة الجزيرة فوق الدائرة القطبية الشمالية، ويقطنها قرابة 56 ألف نسمة، معظمهم من الإينويت، ظلوا إلى حدّ كبير خارج اهتمام العالم حتى وقت قريب.

في ما يلي أسباب الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند بالنسبة لأمن القطب الشمالي، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

الموقع الجغرافي الحاسم

تقع غرينلاند قبالة الساحل الشمالي الشرقي لكندا، ويقع أكثر من ثلثي أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية. وقد جعلها ذلك عنصراً أساسياً في الدفاع عن أميركا الشمالية منذ الحرب العالمية الثانية، حين احتلتها الولايات المتحدة لمنع سقوطها بيد ألمانيا النازية ولحماية ممرات الشحن الحيوية في شمال الأطلسي.

وبعد الحرب الباردة، كان القطب الشمالي إلى حدّ كبير منطقة تعاون دولي. لكن تغيّر المناخ أدى إلى ذوبان الجليد، ما بشّر بفتح ممر شمالي غربي للتجارة الدولية، وأعاد إشعال التنافس مع روسيا والصين ودول أخرى على الوصول إلى الموارد المعدنية في المنطقة.

قطع الجليد تتحرّك عبر البحر في جزيرة كورنوك بالقرب من مدينة نوك بغرينلاند 17 فبراير 2025 (أ.ب)

التهديدات الأمنية

في عام 2018، أعلنت الصين نفسها «دولة قريبة من القطب الشمالي» في مسعى لزيادة نفوذها في المنطقة. كما كشفت عن خطط لإنشاء «طريق حرير قطبي» ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، التي تربطها اقتصادياً بدول حول العالم.

لكن وزير الخارجية الأميركي آنذاك، مايك بومبيو، رفض هذا التوجه، متسائلاً: «هل نريد للمحيط المتجمد الشمالي أن يتحول إلى بحر صيني جنوبي جديد، مليء بالعسكرة والنزاعات على السيادة؟».

في المقابل، سعت روسيا إلى ترسيخ نفوذها على مساحات واسعة من القطب الشمالي، في منافسة مع الولايات المتحدة وكندا والدنمارك والنرويج. كما عززت وجودها العسكري في المنطقة القطبية، التي تضم أسطولها الشمالي ومواقع شهدت تجارب نووية سوفياتية سابقة. وقد أعلن مسؤولون عسكريون روس أن هذه المواقع جاهزة لاستئناف التجارب عند الضرورة.

ومنذ عام 2014، أعادت روسيا تأهيل بنى تحتية سوفياتية قديمة وبنت منشآت جديدة، وافتتحت عدة قواعد عسكرية وأعادت بناء مطارات في المنطقة القطبية.

وتزايدت مخاوف القادة الأوروبيين منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022. وفي العام الماضي، أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قلق موسكو من أنشطة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في القطب الشمالي، مؤكداً أن بلاده سترد بتعزيز قدرات قواتها المسلحة هناك، مع الإبقاء على باب التعاون الدولي مفتوحاً.

الوجود العسكري الأميركي

تشغّل وزارة الدفاع الأميركية قاعدة «بيتوفيك» الفضائية النائية في شمال غربي غرينلاند، التي أُنشئت بعد توقيع معاهدة الدفاع عن غرينلاند بين الولايات المتحدة والدنمارك عام 1951. وتدعم القاعدة عمليات الإنذار المبكر من الصواريخ، والدفاع الصاروخي، ومراقبة الفضاء لصالح الولايات المتحدة وحلف «الناتو».

كما تشرف غرينلاند على جزء مما يُعرف بفجوة GIUK (غرينلاند - آيسلندا - المملكة المتحدة)، حيث يراقب «الناتو» تحركات البحرية الروسية في شمال الأطلسي.

ويرى توماس كروسبي، الأستاذ المشارك المتخصص بالعمليات العسكرية في كلية الدفاع الملكية الدنماركية، أن أي سيطرة أميركية مباشرة على غرينلاند لن تضيف شيئاً إلى الاستراتيجية الأمنية الحالية لواشنطن. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «لن تجني الولايات المتحدة أي فائدة من رفع علمها في نوك بدل العلم الغرينلاندي. فهي تتمتع أصلاً بكل المزايا التي تريدها». وأضاف: «إذا كانت هناك أي احتياجات أمنية محددة، فسيجري تلبيتها بحكم التحالف الوثيق. لذا فالأمر لا يتعلّق بتحسين الأمن القومي الأميركي».

وكان البرلمان الدنماركي قد أقرّ في يونيو (حزيران) الماضي مشروع قانون يتيح إقامة قواعد عسكرية أميركية على الأراضي الدنماركية، موسّعاً اتفاقاً عسكرياً سابقاً وُقّع عام 2023، منح القوات الأميركية وصولاً واسعاً إلى قواعد جوية دنماركية.

وكتب وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكه راسموسن، رداً على أسئلة نواب، أن كوبنهاغن تستطيع إنهاء الاتفاق إذا حاولت الولايات المتحدة ضمّ كل غرينلاند أو جزء منها.

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس والسيدة الثانية أوشا فانس خلال جولة في قاعدة بيتوفيك الفضائية التابعة للجيش الأميركي في غرينلاند 28 مارس 2025 (أ.ب)

القوات الدنماركية في غرينلاند

تتحرك الدنمارك لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند وفي شمال الأطلسي عموماً. فقد أعلنت الحكومة العام الماضي اتفاقاً بقيمة نحو 14.6 مليار كرونة دنماركية (2.3 مليار دولار)، بمشاركة حكومتي غرينلاند وجزر فارو، بهدف «تحسين قدرات المراقبة والحفاظ على السيادة في المنطقة».

وتتضمن الخطة 3 سفن بحرية قطبية جديدة، وطائرتين إضافيتين للمراقبة بعيدة المدى من دون طيار، وقدرات أقمار صناعية.

ويقع مقر القيادة القطبية المشتركة للدنمارك في نوك، وهي مكلّفة «بمراقبة غرينلاند وجزر فارو، وتأكيد السيادة، والدفاع العسكري عنهما». كما تنتشر محطات تابعة لها في أنحاء الجزيرة.

كذلك تتمركز في غرينلاند دورية زلاجات الكلاب «سيريوس»، وهي وحدة نخبوية من البحرية الدنماركية، تتولى الاستطلاع بعيد المدى وفرض السيادة الدنماركية في البرية القطبية.

الثروة المعدنية

تُعدّ غرينلاند أيضاً مصدراً غنياً بما يُعرف بالمعادن النادرة، وهي مكونات أساسية في الهواتف الذكية، وأجهزة الكمبيوتر، والبطاريات، وغيرها من التقنيات المتقدمة التي يُتوقع أن تقود اقتصاد العالم في العقود المقبلة.

وقد أثار ذلك اهتمام الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى تسعى إلى تقليص هيمنة الصين على سوق هذه المعادن الحيوية.

غير أن تطوير الموارد المعدنية في غرينلاند يواجه تحديات كبيرة بسبب المناخ القاسي، إضافة إلى قيود بيئية صارمة شكّلت عائقاً إضافياً أمام المستثمرين المحتملين.