قرارات الأمم المتحدة... بين مجلس الأمن والجمعية العامة

صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)
صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)
TT

قرارات الأمم المتحدة... بين مجلس الأمن والجمعية العامة

صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)
صورة تظهر نتائج تصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة على شاشة (أعلى يمين الصورة) تبيّن تبنّي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قراراً يدعو للحفاظ على وحدة أراضي أوكرانيا ودعوة روسيا لسحب جيشها من أوكرانيا، في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، الولايات المتحدة، 23 فبراير 2023 (رويترز)

مع تقديم الأردن، الخميس، نص قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة نيابة عن «المجموعة العربية» في المنظمة يطالب ﺑ«وقف فوري لإطلاق النار» في غزة، مرتقب التصويت عليه بعد ظهر اليوم الجمعة، وبعد فشل مجلس الأمن في الأيام الأخيرة في إقرار مشاريع قرارات بشأن الحرب بين إسرائيل و«حماس»، تتبادر أسئلة عن أهمية القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة بشأن النزاعات، وعما يترتب على الدول الأعضاء في حال الموافقة على قرار في الجمعية العامة من ناحية، وما يترتب على قرار صادر عن مجلس الأمن من ناحية أخرى.

منذ إنشائها في عام 1945، عملت الأمم المتحدة على الحفاظ على السلام والأمن العالميين. ولتحقيق هذا الهدف، سعت إلى تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. وتؤدي الجمعية العامة ومجلس الأمن التابعين للأمم المتحدة، وهما من الأجهزة الرئيسية الستة في هذه المنظمة الدولية، دوراً حيوياً في تحقيق هذه الأهداف.

أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يصوتون خلال اجتماع للمجلس بشأن الصراع بين إسرائيل و«حماس» في مقر الأمم المتحدة بنيويورك - الولايات المتحدة 25 أكتوبر 2023 (رويترز)

قرارات مجلس الأمن

يتألَّف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المكلَّف ضمان السلام والأمن الدوليين، من خمس دول أعضاء دائمة تتمتع بحق النقض (الفيتو) و10 أعضاء غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة للمنظمة الدولية لمدة عامين.

ومن أبرز مهام مجلس الأمن: المحافظة على السلم والأمن الدوليين، والتحقيق في نزاعات الدول التي قد تؤدي إلى نزاع دولي، والتوصية بتسوية المنازعات أو بشروط التسوية، والتخطيط لمواجهة الأخطار التي تهدد السلام، واتخاذ ما يراه المجلس من إجراءات عسكرية ضد المعتدي.

وتُعدّ قرارات مجلس الأمن تعبيرات رسمية عن رأي الأمم المتحدة أو إرادة أجهزتها، وفق الموقع الرسمي لبعثات الأمم المتحدة (unmissions.org).

صورة التُقطت من غرف الصحافيين في قاعة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تظهر اجتماعاً للمجلس في 20 سبتمبر 2022 (الشرق الأوسط)

تأتي قرارات مجلس الأمن في أغلب الأحيان جزءاً من عمل المجلس لضمان التسوية السلمية للنزاعات الدولية والقضاء على التهديدات التي يتعرض لها السلام والأمن الدوليان. وقد تفرض قرارات مجلس الأمن عقوبات تهدف إلى الحفاظ على السلام والأمن. على وجه الخصوص، قد يشمل القرار تدابير عسكرية ضد دولة مخالفة، وينشئ محاكم دولية، ويوافق على إرسال قوات حفظ سلام، ويفرض تدابير تقييدية (تجميد الأصول، وحظر السفر) على الأفراد. وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، فإن جميع الدول الأعضاء ملزمة بالامتثال لقرارات المجلس.

من الناحية النظرية، ليس لصلاحيات مجلس الأمن حدود. وقراراته ملزمة لجميع أعضاء الأمم المتحدة. باختصار، إذا كان مجلس الأمن قد قرر أي شيء - فرض عقوبات على بلد ما أو فرض وقف إطلاق النار في منطقة الصراع - يجب تنفيذ هذا القرار. ولا يمكن لأحد أن يتجاهل الإرادة الجماعية للدول الخمس الكبرى التي تحدد فعلياً قرارات مجلس الأمن. ومع ذلك، غالباً ما يكون من الصعب التوصل إلى هذه الإرادة الجماعية، نظراً إلى أن الأعضاء الدائمين لديهم حق النقض على القرارات وسوف يدلون بصوت سلبي إذا كان القرار المقترح يتعارض مع مصلحتهم الوطنية.

صورة من داخل قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 سبتمبر 2022 قبل انطلاق أعمال الدورة 77 للجمعية العامة للمنظمة في 13 من الشهر نفسه - نيويورك الولايات المتحدة (الشرق الأوسط)

قرارات الجمعية العامة

الجمعية العامة هي الجمعية التداولية التمثيلية الرئيسية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة، التي تناقش وتصدر القرارات بشأن المسائل ذات الأهمية العالمية. وفي حين أن قرارات الجمعية العامة هي توصيات وليست ملزمة قانوناً لأي دولة، فإن البيانات التي يتم الإدلاء بها في الجمعية العامة تُعد تمثيلية لموقف دولة من قضية ما، حسب تقرير لمؤسسة «أوبسرفر» البحثية (مقرها الهند).

وقد أجازت المادة 10 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحدد مهام وسلطات الجمعية العامة، للجمعية العامة تقديم التوصيات إلى أعضاء الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو كليهما. والقرارات الوحيدة التي يمكن أن تكون ملزمة قانوناً هي تلك التي يتخذها مجلس الأمن.

وتنص المادة 11 من ميثاق الأمم المتحدة على أنه «للجمعية العامة أن تنظر في المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلم والأمن الدوليين»، كما يجوز لها «أن تناقش أي مسائل تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين تعرض عليها من أي دولة عضو في الأمم المتحدة، أو من قبل مجلس الأمن». بينما تمنح المادة 24 من ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن «المسؤولية الأساسية عن صون السلم والأمن الدوليين...».

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمة أمام الدورة 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك - الولايات المتحدة 19 سبتمبر 2023 (رويترز)

ولأن قرار الجمعية العامة ليس ملزماً قانوناً، فإن أفضل طريقة لتشجيع جميع الدول الأعضاء على تنفيذ التوصيات الواردة في القرار هي إقناعها جميعاً بالموافقة على النص المقترح للتصويت. عندما يتم اعتماد قرار بالأغلبية البسيطة، فإن أولئك الذين لم يصوتوا لصالح قرار بشأن بند معين من جدول الأعمال سيكونون أقل ميلاً لتنفيذ الإجراءات الموصى بها في القرار، حسب الموقع الرسمي للأمم المتحدة.

وفي هذا الإطار، يهدف مشروع قرار «الوقف الفوري لإطلاق النار» في غزة بين إسرائيل و«حماس»، الذي قدّمه الأردن نيابة عن المجموعة العربية - وستصوت عليه الجمعية العامة بعد ظهر الجمعة بحسب ما أعلن المندوب الفلسطيني رياض منصور الأربعاء - إلى الحصول على أكبر مقدار ممكن من الأصوات المؤيدة لمحاولة تشكيل ضغط دولي والتوصل إلى حل للأزمة.

ويمكن أيضاً للجمعية العامة أن تتخذ قرارات بالإجماع دون تصويت، تأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر جميع الدول، وتُجرى مفاوضات غالباً ما تؤدي إلى حلول وسط بين وجهات النظر المختلفة.

ونظراً للزيادة الهائلة في عدد الدول الأعضاء مع مرور الوقت، فإن التوصل إلى أوسع اتفاق ممكن حول مشروع قرار في الجمعية العامة أصبح أكثر أهمية اليوم من أي وقت مضى. ونظراً لأن قرارات الجمعية العامة عبارة عن توصيات وغير ملزمة قانوناً للدول الأعضاء؛ فقد أصبح التوصل إلى توافق في الآراء كوسيلة لضمان تنفيذ قرارات الجمعية العامة على أوسع نطاق ممكن بمعنى تطبيقه من أكبر عدد ممكن من الدول المؤيدة له.


مقالات ذات صلة

أسعار الغذاء العالمية تصل إلى أعلى مستوياتها منذ 3 أعوام

الاقتصاد نساء يتفقدن الأسعار داخل سوبر ماركت في بيروت (رويترز)

أسعار الغذاء العالمية تصل إلى أعلى مستوياتها منذ 3 أعوام

قالت «الفاو» إن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في أبريل إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاث ​سنوات، مع صعود أسعار الزيوت النباتية على وجه الخصوص جراء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج المندوب السعودي الدكتور عبد العزيز الواصل خلال مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك الخميس (رويترز)

السعودية تؤكد في الأمم المتحدة أهمية حماية حرية الملاحة بـ«هرمز»

أكد المندوب السعودي الدائم لدى الأمم المتحدة، الدكتور عبد العزيز الواصل، أن مضيق هرمز يُعدّ من أهم الممرات البحرية الحيوية للتجارة الدولية وأمن الطاقة العالمية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية مندوب واشنطن لدى الأمم المتحدة مايك والتس يتحدث إلى الصحافيين في مقر الأمم المتحدة (رويترز)

توقعات باستخدام الصين وروسيا حق النقض ضد مشروع قرار أميركي بشأن إيران

حضّت ‌الولايات المتحدة، الخميس، الدول الأعضاء في مجلس الأمن على دعم قرارها المقدم إلى الأمم المتحدة الذي يطالب إيران بوقف الهجمات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شمال افريقيا وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم الثلاثاء (سونا)

الخرطوم تحذر الأمم المتحدة من التعامل مع حكومة «الدعم السريع» الموازية

أعلنت الحكومة السودانية، رفضها لأي تعاون أو تنسيق بشأن المساعدات الإنسانية بين وكالات الأمم المتحدة والحكومة الموازية الموالية لــ«قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الاقتصاد خلال توقيع مذكرة النوايا في نيويورك (واس)

السعودية تنشئ مركزاً عالمياً للحكومة الرقمية في الرياض بالشراكة مع الأمم المتحدة

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية إجراء مباحثات مع إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة لإنشاء مركز للحكومة الرقمية يكون مقره في العاصمة الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
TT

شغفه بالطيور كلفه حياته... من هو «المريض صفر» في تفشي «هانتا» على متن السفينة السياحية؟

عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)
عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد (صورة من حسابه على فيسبوك)

كشفت السلطات الأرجنتينية هوية ما يُعرف بـ«المريض صفر» في تفشي فيروس هانتا القاتل على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، وهو عالم الطيور الهولندي ليو شيلبيرورد، الذي يُرجّح أن شغفه بمراقبة الطيور قاده إلى العدوى التي أودت بحياته وحياة زوجته لاحقاً.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد كان شيلبيرورد، البالغ من العمر 70 عاماً، وزوجته ميريام (69 عاماً)، يقومان برحلة استمرت خمسة أشهر في أميركا الجنوبية، بدأت في الأرجنتين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قبل أن يتنقلا بين تشيلي وأوروغواي ثم يعودا مجدداً إلى الأرجنتين في مارس (آذار)، حيث خاضا رحلة لمراقبة الطيور انتهت بمأساة.

وتم التعرف على هوية الزوجين، المتحدرين من قرية هاوليرويك الهولندية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 3000 نسمة، في نعي نُشر في مجلة قريتهما الشهرية.

وعُرف الزوجان بشغفهما الكبير بعالم الطيور، وسبق لهما نشر دراسة علمية عن الإوز ذي الأقدام الوردية نُشرت في مجلة علم الطيور الهولندية «هيت فوغلجار» عام 1984، وانطلقا في رحلات استكشافية حول العالم، من بينها رحلة خاصة لا تُنسى استغرقت 12 يوماً لمراقبة الطيور والحياة البرية في سريلانكا عام 2013، حيث أبدى الزوجان إعجابهما الشديد برؤية بومة سرنديب سكوبس النادرة.

وبحسب السلطات، زار الزوجان في 27 مارس مكب نفايات يقع قرب مدينة أوشوايا الأرجنتينية، وهو مكان يقصده هواة مراقبة الطيور لرؤية طائر نادر يُعرف باسم «الكاراكارا أبيض الحنجرة»، رغم تحذيرات السكان المحليين من خطورته بسبب انتشار القوارض الحاملة لفيروس «هانتا».

وتشتبه السلطات الأرجنتينية في أن الزوجين الهولنديين استنشقا في مكب النفايات جزيئات من براز جرذان الأرز القزم طويل الذيل، التي تحمل سلالة الأنديز المخيفة من فيروس هانتا؛ وهي السلالة الوحيدة المعروفة بانتقالها من إنسان إلى آخر.

وفي الأول من أبريل (نيسان)، استقل الزوجان سفينة «إم في هونديوس» من أوشوايا، برفقة 112 شخصاً آخر، كان العديد منهم من هواة مراقبة الطيور أو العلماء.

وفي السادس من أبريل، ظهرت على ليو أعراض خطيرة شملت الحمى والصداع وآلام المعدة والإسهال، قبل أن يتوفى على متن السفينة بعد خمسة أيام.

أما زوجته ميريام، فقد غادرت السفينة مع جثمان زوجها، في 24 أبريل، خلال توقف مقرر في جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، ثم سافرت إلى جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا لاستكمال رحلتها نحو هولندا، إلا أن حالتها الصحية تدهورت بشكل حاد، وتم إنزالها من الطائرة قبل الإقلاع بعدما بدت غير قادرة على السفر، لتنهار في المطار وتفارق الحياة في اليوم التالي.

وأعلنت منظمة ‌الصحة العالمية يوم الجمعة أن ثمانية أشخاص أصيبوا ‌بالمرض، من بينهم ثلاثة توفوا، هما الزوجان الهولنديان ‌ومواطن ألماني.

وأفادت المنظمة بأنه تم تأكيد إصابة ستة من الثمانية بالفيروس، مع وجود حالتين مشتبه فيهما.

وأعلن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن جميع ركاب السفينة السياحية التي شهدت تفشي الفيروس مصنفون على أنهم من المخالطين المعرضين لخطر كبير.

يأتي ذلك فيما رست السفينة اليوم الأحد قبالة جزيرة تينيريفي الإسبانية.

وقال المركز ‌أمس (السبت) إن الركاب ⁠الذين لا تظهر عليهم أعراض ستتم إعادتهم إلى بلدانهم للخضوع للحجر الصحي الذاتي عبر وسائل نقل مرتبة خصيصاً لهذا الغرض، وليس عبر الرحلات الجوية التجارية العادية.


العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
TT

العملات المستقرّة... سلاح جيوسياسي صاعد

واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)
واشنطن تسعى إلى الريادة في قطاع العملات المستقرة (رويترز)

ظهرت فكرة العملات المستقرة تدريجياً مع تطوّر سوق العملات الرقمية، إلا أن انطلاقتها الفعلية حصلت في منتصف العقد الماضي. وكانت Tether أول عملة مستقرة تحظى بانتشار واسع، علماً أنها أُطلقت عام 2014 تحت اسم Realcoin.، ومع توسّع سوق العملات الرقمية، خاصة بعد الانتشار الكبير لـBitcoin، ظهرت مشاريع أخرى مثل Dai في عام 2017، وUSD Coin في عام 2018.

بشكل عام، أصبحت العملات المستقرة واقعاً راسخاً بين 2017 و2019، مع تزايد استخدامها في التداول، ومجالات التمويل اللامركزي، وهو نظام مالي يتيح القيام بتعاملات مباشرة من دون المرور بوسطاء مثل المصارف. وتعود أهمية هذه العملات إلى طبيعة السوق الرقمية نفسها، إذ تعاني عملات مثل Bitcoin وEthereum تقلبات سعرية حادة، بحيث تشهد ارتفاعات أو انخفاضات كبيرة خلال فترات قصيرة. وهذا ما جعل استخدامها في الحياة اليومية أمراً صعباً، إذ لا يمكن الاعتماد عليها باعتبارها وسيلة دفع مستقرة، كما يتردد التجار في قبولها بسبب التغير المستمر لقيمتها، وحتى المتداولون أنفسهم يحتاجون إلى ملاذ آمن في السوق لحماية أموالهم من هذه التقلبات.

عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

من هنا برزت العملات المستقرة على أنها حل عملي، فهي عملات رقمية مصممة للحفاظ على قيمة شبه ثابتة، وغالباً ما تكون مرتبطة بالدولار الأميركي، أو بأصول تقليدية أخرى منها الذهب. وتجمع هذه العملات بين مزايا الاستقرار الذي تتمتع به العملات التقليدية، والمرونة والسرعة اللتين توفرهما العملات الرقمية.

تعتمد العملات المستقرة على عدة آليات للحفاظ على استقرارها. فمنها ما هو مدعوم بعملات تقليدية (Fiat - backed)، فتُغطّى كل وحدة رقمية باحتياط حقيقي من عملة مثل الدولار، ومحفوظ في مؤسسات مالية، كما هو الحال في Tether وUSD Coin. وهناك أيضاً عملات مدعومة بأصول رقمية، أي تضمنها عملات مشفرة أخرى ضمن نظام ضمانات يهدف إلى الحفاظ على استقرار قيمتها، كما في Dai. وثمة عملات، منها Pax Gold، مدعومة بالذهب.

*تعزيز الهيمنة

استناداً إلى التطورات والتحليلات التي شهدتها الفترة 2025-2026، يُنظر إلى العملات المستقرة المقومة بالدولار الأميركي على نطاق واسع بوصفها أداة فعّالة لتعزيز الهيمنة المالية الأميركية في العصر الرقمي. ورغم أنها تجلب مخاطر جديدة إلى النظام المالي، فإنها تُساهم بشكل كبير في ترسيخ دور الدولار ليصبح عملة احتياط عالمية من خلال تعزيز استخدامه في المعاملات الرقمية. فللحفاظ على ربط العملات المستقرة بالدولار، يجب على الجهات المُصدِرة (مثل Tether وCircle) الاحتفاظ باحتياطات من سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل. وبذلك يُضيف نمو العملات المستقرة مليارات الدولارات إلى الطلب على الديون الأميركية، مما يُعزز الدولار، ويُساعد الولايات المتحدة على تمويل عجزها بأسعار فائدة أقل.

المستقبل لعملة Tether وسواها من العملات الرقمية المستقرة؟ (أرشيفية - رويترز)

وفي البلدان التي تشهد تضخماً مرتفعاً (مثل نيجيريا والأرجنتين)، يتزايد إقبال الأفراد على استخدام العملات المستقرة المدعومة بالدولار، والتي غالباً ما يكون الوصول إليها أسهل من الدولار التقليدي. ولا شك في أن هذه الديناميكية توسّع نطاق النفوذ النقدي الأميركي بشكل تلقائي. ومن خلال تبني العملات المستقرة المنظمة والمدعومة بالدولار (بدعم من قانون توجيه وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية GENIUS الذي أُقرّ في عام 2025)، تضمن الولايات المتحدة أن تعتمد التجارة الرقمية العالمية على الدولار في وجه بدائل مثل اليوان الرقمي الصيني الموجود، واليورو الرقمي الموعود (مبدئياً في 2029)، وسواهما.

لكن مقابل الهيمنة المالية الأميركية، تبرز «معضلة تريفين» (واضع النظرية هو الأميركي–البلجيكي روبرت تريفين) التي تعني حصول تضارب جوهري في المصالح بين أهداف الولايات المتحدة الاقتصادية المحلية ومسؤولياتها الدولية بصفتها مُصدر العملة الاحتياطية الرئيسة في العالم. فلكي تؤدي العملة وظيفتها بوصفها عملة احتياطية عالمية، يجب أن تكون متاحة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم. وهذا يُشكل «فخاً» للدولار الأميركي، إذ يجب على الولايات المتحدة تزويد العالم بما يكفي من الدولارات لتسهيل التجارة والاستثمار العالميين، وبالتالي تسجيل عجز تجاري مستمر في ظل الحاجة إلى استيراد واسع من الخارج يفوق التصدير بهدف ضخ الدولارات في النظام المالي العالمي.

مع ذلك، يبقى الهدف من رقمنة الدولار حفاظ الولايات المتحدة على هيمنتها المالية، مع محاولة إعادة بناء قاعدتها الصناعية المحلية.

وفي هذا السياق، يمكن العودة إلى تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي يدافع فيها بقوة عن قطاع العملات المشفرة، معلناً نيته جعل الولايات المتحدة عاصمة هذه العملات في العالم. وفي إطار هذا المسعى، أقرت الولايات المتحدة في يوليو (تموز) 2025 قانون «جينيوس»، بهدف إنشاء بيئة تنظيمية للعملات المستقرة، وضمان تطورها السليم.

*القيمة السوقية

بلغة الأرقام، بلغت القيمة السوقية الإجمالية للعملات المستقرة حتى نهاية مايو (أيار) الماضي نحو 230 مليار دولار، إلا أن هذه السوق تعد شبه احتكارية، إذ تستحوذ عملتان مستقرتان، هما Tether وUSD Coin، على معظم هذه القيمة (نحو 80 في المائة). والعملتان تصدَران في الولايات المتحدة، وتعتمد احتياطاتهما على الدولار الأميركي، أو سندات الخزانة الأميركية.

والواضح أن إدارة ترمب تسعى إلى استثمار هذه الهيمنة لجعل العملات المستقرة المقومة بالدولار معياراً عالمياً لإصدار العملات المشفّرة، وتداولها، وبالتالي الحفاظ على مكانة الدولار لتكون عملة احتياط عالمية بحكم الواقع. وبذلك تؤدي العملات المستقرة دوراً شبيهاً بدور الدولار في تجارة الطاقة العالمية منذ التخلي عن التغطية الذهبية للعملة الأميركية (نظام بريتون وودز) في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971.

متجر في شنغهاي الصينية يقبل اليوان الرقمي (رويترز)

من المؤكد أن التحكم في السيولة يجعل العملات المستقرة أداة لاستهداف تدفقات الأموال لجهات معينة، مثل محاولات تجفيف السيولة في مناطق الصراع لمنع تمويل حركات مسلحة، أو كيانات سياسية «معادية». ولكن في المقابل، قد تسمح هذه الأداة نفسها بتجاوز العقوبات عبر الالتفاف على القيود المالية الدولية، مما يحولها إلى سلاح جيوسياسي في الصراعات الدولية.

بطبيعة الحال، العمل جارٍ لتحصين هذه العملات، واستخدامها على نحو لا يفيد إلا القائمين عليها، وهذه طبعاً مهمة شاقة، لأن تأطير التكنولوجيا وسدّ الثغرات ومعالجة نقاط الضعف ليست أموراً سهلة على الإطلاق.

*بين أميركا والصين

المهم أنه مع إعادة تشكّل الاقتصاد العالمي بفعل التفتّت الجيوسياسي، بدأت العملات المستقرة تكتسب مستوى جديداً من الأهمية. فهي لا تزال جزءاً من عالم الأصول الرقمية، لكن دورها لم يعد محصوراً داخل أسواق العملات المشفرة، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

هكذا أصبحت هذه العملات تؤثر بشكل متزايد في المدفوعات عبر الحدود، وفي الدور الدولي للدولار، وفي متانة البنية التحتية المالية، وكذلك في قدرة الدول على صَون استقلال سياساتها النقدية. هذا التداخل جعل منها قضية ذات أبعاد جيوسياسية، إذ باتت تقع عند نقطة التقاء التكنولوجيا، والمال، والنفوذ.

لا بد من التسليم بالريادة الأميركية في هذا المجال، لكن الأمر قد يتغير إذا نجحت الصين في تسويق اليوان الرقمي على نطاق واسع، لأنها ستبدأ في هذه الحالة تقويض هيمنة الدولار الأميركي، خاصة في آسيا، وأفريقيا، وأسواق «مبادرة الحزام والطريق» التي تسمح للصين بالسيطرة على قسط وافر من تدفقات التجارة. وسيغيّر تقديم بكين بديلاً رقمياً ناجحاً خاضعاً لسيطرة الدولة ومصمماً لترسيخ النفوذ داخل البنية التحتية المالية هيكل النظام المالي العالمي في شكله القائم منذ عقود.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلى يساره وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال لقاء في لاس فيغاس حول السياسة الضريبية (رويترز)

في هذا السيناريو المستقبلي تستطيع بكين أن تشنّ هجوماً مضاداً استراتيجياً عبر تموضع هونغ كونغ باعتبار أنها مركز عالمي للتكنولوجيا المالية، وإطلاق عملات مستقرة متنوّعة مرتبطة باليوان -إلى جانب اليوان الرقمي الموجود حالياً- ومُحسِّنة للتسويات عبر الحدود في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية. وقد تنجح أيضاً في إنشاء شبكة مالية بديلة بعيداً عن النفوذ الأميركي.

يبدو واضحاً أن السباق المالي بين الولايات المتحدة والصين سوف يستمر، تماماً مثل السباقات الأخرى التي يخوضانها، سواء في حلبة التجارة الدولية، أو حول مصير تايوان، أو توترات بحر الصين الجنوبي، أو النفوذ في أفريقيا، وسوى ذلك... لكن الفريقين يدركان حتماً أن الاستخدام المتزايد للعملات المستقرة في المدفوعات الدولية يهدد بتسريع ظاهرة «الدولرة» في اقتصادات الأسواق الناشئة، وتقويض قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال، وفتح الباب أمام نشاطات إجرامية، وفقاً لتحذيرات مسؤولين كبار في مصارف مركزية.

في هذا الإطار، قال بابلو هيرنانديز دي كوس، المدير العام لبنك التسويات الدولية، إن العملات المستقرة «تولّد مخاطر جدية على نزاهة النظام المالي، ويمكن أن تسهّل التحايل على القوانين التنظيمية». ورأى أن الارتفاع السريع في استخدام العملات المستقرة قد «يسهّل التهرب من ضوابط رأس المال» في الأسواق الناشئة، والدول النامية. وأضاف أن شعبيتها المتزايدة «تفتح آفاقاً جديدة للتهرب الضريبي»، مشيراً إلى تقديرات تفيد بأن «العملات المستقرة باتت تمثل معظم التعاملات غير المشروعة داخل منظومة العملات الرقمية».

الذهب يدعم بعض العملات المستقرة (رويترز)

في 14 و15 مايو يلتقي دونالد ترمب وشي جينبينغ في بكين، فهل سيشمل البحث العملات المستقرة؟ ربما، لكن المؤكد أن الرئيسين سيلعبان بضع أوراق في لعبة المواجهة الناعمة، ويحتفظان بأوراق كثيرة أخرى للمواجهات المقبلة التي لا يُستبعد أن يكون بعضها خشناً.

فلنراقب تطور اليوان الرقمي الذي خرج من مرحلته التجريبية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2026...


كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

كندا: اعتقال مراهق مشتبه بإطلاقه النار أمام كنيس يهودي

عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)
عناصر من الشرطة الكندية (رويترز)

قالت الشرطة الكندية، يوم الجمعة، إنها اعتقلت شاباً (18 عاماً) لصلته بهجومين يشتبه أنهما وقعا بدافع الكراهية ضد الجالية اليهودية في مدينة تورونتو.

وقالت شرطة تورونتو إنه بعد تحقيق أجرته وحدة أمن مكافحة الإرهاب، تم توجيه أربعة اتهامات إلى الشاب بالاعتداء بسلاح وتهمتين بحيازة سلاح لغرض خطير، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويرتبط اعتقال الشاب بحادثتين وقعتا خلال ما يزيد قليلاً عن أسبوع.

ففي 30 أبريل (نيسان)، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «من أفراد الجالية اليهودية الذين يمكن التعرف عليهم بشكل واضح» باستخدام نسخة من سلاح ناري من شخص كان في سيارة بينما كانوا يسيرون في الشارع في منطقة شمال يورك في تورونتو، وفق الشرطة.

وأصيب الضحايا بجروح طفيفة.

وفي حادث آخر وقع في 7 مايو (أيار)، في شمال يورك أيضاً، تم إطلاق النار على ثلاثة أشخاص «يبدو أنهم أعضاء في الجالية اليهودية» بنسخة من سلاح ناري من سيارة بينما كانوا واقفين خارج كنيس يهودي في تورونتو. وأصيب أحد الضحايا بجروح طفيفة.

وقالت الشرطة إنه يجري التحقيق في الحوادث باعتبارها «جرائم كراهية».