700 مليون يعانون الجوع حول العالم

عدد الجوعى يزداد والتمويل يجف... وأفريقيا جنوب الصحراء الأكثر معاناة

سيندي ماكين تتحدث عبر الفيديو مع أعضاء مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)
سيندي ماكين تتحدث عبر الفيديو مع أعضاء مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)
TT

700 مليون يعانون الجوع حول العالم

سيندي ماكين تتحدث عبر الفيديو مع أعضاء مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)
سيندي ماكين تتحدث عبر الفيديو مع أعضاء مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

أخبرت المديرة التنفيذية لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، سيندي ماكين، أعضاء مجلس الأمن أن أزمة الجوع العالمية خلّفت أكثر من 700 مليون شخص لا يعرفون متى سيحصلون على وجبتهم التالية، مؤكدة أن الطلب على الغذاء يزداد باطّراد فيما يجفّ التمويل الإنساني.

وكانت ماكين تتحدث أمام مجلس الأمن، إذ أشارت إلى أحدث تقرير للمنظمة الأممية المعنية بمكافحة المجاعة وانعدام الأمن الغذائي عبر العالم. صدر التقرير رسمياً الجمعة قبل أيام من الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التي تشهد على هامشها مؤتمراً بعنوان «في منتصف الطريق» نحو الموعد النهائي لتحقيق خطة التنمية المستدامة لعام 2030، في ظل عدم حصول تحسن يذكر عالمياً في معظم الأهداف المتعلقة بالأغذية والزراعة.

قبل «كوفيد» وبعده

أورد التقرير أن «الآثار المتبقية لجائحة (كوفيد 19)، إلى جانب الأزمات الأخرى مثل تغير المناخ والنزاعات المسلحة، لها آثار واسعة النطاق»، مضيفاً أن «التقدم الذي أحرز في العقدين الماضيين ظلّ راكداً، بل انعكس في بعض الحالات». وأوضح أن انعدام الأمن الغذائي العالمي زاد بشكل حاد عام 2020 حين عطلت الجائحة أسواق المواد الغذائية وأدت إلى ارتفاع البطالة، لكن الجوع لم يعد إلى مستويات ما قبل «كورونا»، مشيراً إلى أن نحو 29.6 في المائة من سكان العالم، أي 2.4 مليار شخص، عانوا انعدام الأمن الغذائي بشكل معتدل أو حاد عام 2022، ارتفاعاً من 1.75 مليار خلال عام 2015. وأكد أن نقص التغذية هو الأسوأ في جنوب العالم، مع ارتفاع معدلات الجوع بشكل أكبر في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، علماً أن العالم لم يشهد أيضاً أي تحسن نحو هدف خفض هدر الغذاء إلى النصف، الذي ظل عند نحو 13 في المائة منذ عام 2016.

أرقام مخيفة

وأفادت ماكين، أرملة السيناتور الأميركي الراحل جون ماكين، أن نقص التمويل أوجب على المنظمة الأممية خفض حصص الغذاء لملايين الأشخاص، آسفة لأن «مزيداً من التخفيضات في الطريق». وقالت: «نعيش الآن سلسلة من الأزمات المتزامنة والطويلة الأمد التي ستستمر في تأجيج الحاجات الإنسانية العالمية»، معتبرة أن «هذا هو الواقع الجديد للمجتمع الإنساني (...) وسنتعامل مع التداعيات لسنوات مقبلة». ولفتت إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التي تشير إلى أن قرابة 47 مليون شخص في أكثر من 50 دولة «على بعد خطوة واحدة فقط من المجاعة. ويقدر الآن أن هناك 45 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون المجاعة أو سوء التغذية الحاد».

ووفقاً لتقديرات برنامج الأغذية العالمي في 79 دولة، فإن ما يصل إلى 783 مليون شخص، أي واحد من كل 10 من سكان العالم، لا يزالون ينامون جوعى كل ليلة. وأكدت المنظمة أن أكثر من 345 مليون شخص يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي هذا العام، بزيادة قدرها 200 مليون شخص تقريباً عن أوائل عام 2021 قبل جائحة «كوفيد 19»، معتبرة أن السبب الجذري لهذا العدد المرتفع هو «مزيج مميت من النزاعات والصدمات الاقتصادية والظواهر المناخية المتطرفة والارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة».

المديرة التنفيذية لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة سيندي ماكين (أرشيف - أ.ب)

ولاحظت ماكين خلال اجتماع مجلس الأمن، الذي يركز على المساعدات الإنسانية العامة، أن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الوباء والحرب في أوكرانيا دفعت أسعار المواد الغذائية بعيداً عن متناول ملايين الأشخاص في كل أنحاء العالم، في الوقت نفسه الذي تسبب فيه ارتفاع أسعار الأسمدة في انخفاض إنتاج الذرة والأرز وفول الصويا والقمح. وقالت إن «التحدي الجماعي الذي يواجهنا هو تعزيز الشراكات الطموحة والمتعددة القطاعات التي ستمكننا من معالجة الجوع والفقر بشكل فعال، وخفض الحاجات الإنسانية على المدى الطويل».

دور القطاع الخاص

امرأة تعمل في حديقة خضراوات مشتركة في كواندينجيزي بجنوب أفريقيا (رويترز)

وشارك في اجتماع مجلس الأمن الرئيس التنفيذي لشركة «ماستركارد» مايكل ميباخ، الذي قال لأعضاء المجلس إن «الإغاثة الإنسانية كانت منذ فترة طويلة مجالاً للحكومة ومؤسسات التنمية، وكان يُنظر إلى القطاع الخاص على أنه مصدر للتبرعات المالية»، مضيفاً أنه «لا يزال المال مهماً، لكن الشركات يمكنها تقديم المزيد». وأكد أن «القطاع الخاص على أهبة الاستعداد لمواجهة التحديات المطروحة بالشراكة مع القطاع العام». لكنه شدد على أن «الأعمال التجارية لا يمكن أن تنجح في عالم فاشل»، معترفاً بأن الشركات يمكنها استخدام خبراتها لتعزيز البنية التحتية، ومن أجل «ابتكار أساليب جديدة وتقديم حلول على نطاق واسع» لتحسين العمليات الإنسانية.

أما رئيس الشؤون العالمية في بنك «غولدمان ساكس» جاريد كوهين، فأكد أن إيرادات كثير من الشركات المتعددة الجنسيات تنافس الناتج المحلي الإجمالي لبعض دول مجموعة العشرين لدول الاقتصادات الكبرى. وأضاف أن «الشركات العالمية اليوم تتحمل مسؤوليات تجاه مساهمينا وعملائنا وموظفينا ومجتمعاتنا والنظام الدولي القائم على القواعد، الذي يتيح لنا القيام بالأعمال التجارية». وشدد على أن الشركات يمكنها الوفاء بهذه المسؤوليات أثناء الأزمات؛ أولاً من خلال عدم التدافع «لإعادة اختراع العجلة في كل مرة»، ولكن من خلال الاعتماد على الذاكرة المؤسسية والشراكة مع الشركات الأخرى والقطاع العام. كما تحتاج الشركات أيضاً إلى «التصرف بسرعة والابتكار في الوقت الفعلي، واستخدام الاتصالات المحلية، وتقديم خبراتها في الاستجابة الإنسانية».

ولاحظت المندوبة الإماراتية الدائمة لدى الأمم المتحدة، لانا نسيبة، أن المنظمة الدولية وجّهت نداء لجمع أكثر من 54 مليار دولار هذا العام، مضيفة أنه «حتى الآن، لم نجمع 80 في المائة من هذه الأموال»، ما يدل على «أننا نواجه نظاماً في أزمة». ورأت أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص التي كانت ذات يوم إضافات مفيدة صارت الآن حاسمة للعمل الإنساني.

وقالت نظيرتها الأميركية، ليندا توماس غرينفيلد، إن فجوة التمويل تركت الأشخاص الأكثر ضعفاً في العالم «في لحظة خطر كبير». وأضافت أن الشركات كثّفت جهودها، بما في ذلك في هايتي وأوكرانيا، لمساعدة اللاجئين في الولايات المتحدة، ولكن لفترة طويلة جداً «لجأنا إلى القطاع الخاص حصراً للحصول على التمويل».

18 منظمة متخصصة

في غضون ذلك، أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن ابتعاد العالم عن مسار تحقيق الأهداف المناخية، يقوض الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الجوع والفقر واعتلال الصحة، والوصول إلى المياه النظيفة والطاقة والجوانب الأخرى للتنمية المستدامة.

ووفقاً لتقرير مشترك، أصدرته 18 منظمة متخصصة بتنسيق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن 15 في المائة فقط من أهداف التنمية المستدامة تسير على الطريق الصحيحة، وأن العلوم المتعلقة بالطقس والمناخ والمياه يمكنها أن تعزز أهدافاً مثل الأمن الغذائي والطاقة النظيفة وتحسين الصحة واستدامة المحيطات والمدن القادرة على الصمود. وأشار إلى أن عام 2023 أظهر بكل وضوح تغير المناخ، حيث أدت درجات الحرارة القياسية إلى احترار الأرض وارتفاع حرارة البحار، علماً أن الطقس المتطرف تسبب في حدوث فوضى في كل أنحاء العالم.

وقال الأمين العام للمنظمة، بيتيري تالاس، إن مجتمع العلوم يقف متحداً في هذه اللحظة المحورية من التاريخ للمشاركة في الجهود المبذولة لتحقيق الرخاء للناس وللكوكب، وإن التقدم العلمي والتكنولوجي الرائد مثل النمذجة المناخية عالية الدقة، والذكاء الاصطناعي، والتنبؤ الآني، يمكن أن يحفز التحول لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مشيراً إلى أن توفير الإنذارات المبكرة للجميع بحلول عام 2027 سيؤدي إلى إنقاذ الأرواح وسبل العيش، وسيساعد في حماية التنمية المستدامة.


مقالات ذات صلة

زيت الزيتون البكر يعزّز الإدراك ويحمي الدماغ مع التقدُّم في العمر

صحتك زيت الزيتون البكر الممتاز يسهم في حماية الوظائف المعرفية (جامعة هارفارد)

زيت الزيتون البكر يعزّز الإدراك ويحمي الدماغ مع التقدُّم في العمر

أظهرت دراسة إسبانية أنّ استهلاك زيت الزيتون البكر يمكن أن يعزّز الوظائف الإدراكية لدى كبار السنّ...

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا شاحنات برنامج الأغذية العالمي تنقل إمدادات غذائية من تشاد إلى مخيم زمزم في دارفور بالسودان 9 نوفمبر 2024 (رويترز)

الأمم المتحدة تنجح في إيصال مساعدات إنسانية إلى كردفان

وصلت قافلة مساعدات نظمتها عدّة وكالات تابعة للأمم المتحدة إلى مدينتين منعزلتين في كردفان حيث تشتدّ وطأة الحرب التي تمزّق السودان منذ ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
صحتك قطع من الدجاج (أ.ب)

أيهما أكثر فائدة لبناء العضلات...الدجاج أم البيض؟

يُعدّ كلٌّ من الدجاج والبيض ممتازاً لبناء العضلات، لكن لكلٍّ منهما فائدة مختلفة قليلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الأطعمة فائقة المعالجة قد تزيد من الالتهاب (أرشيفية - رويترز)

الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الوفاة لدى الناجين من السرطان

ربطت دراسة جديدة أجرتها الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان بين زيادة استهلاك هذه الأطعمة الجاهزة للأكل وزيادة خطر الوفاة.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق صورة واحدة كافية لتغيير مصير مكان كامل (شاترستوك)

مَشاهد صادمة تُغلق مطعماً في ماليزيا 14 يوماً

أغلقت السلطات الماليزية مطعماً بعد انتشار فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يزعم أنّ موظّفيه كانوا يغسلون بقايا الطعام لإعادة استخدامها وبيعها

«الشرق الأوسط» (لندن)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.