بلينكن يتعهد بالعمل مع آسيان ضد «الإكراه» وإندونيسيا تريد تجنب التوتر

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال المؤتمر الوزاري لرابطة «آسيان» مع الولايات المتحدة في جاكرتا بإندونيسيا، الجمعة، 14 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال المؤتمر الوزاري لرابطة «آسيان» مع الولايات المتحدة في جاكرتا بإندونيسيا، الجمعة، 14 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
TT

بلينكن يتعهد بالعمل مع آسيان ضد «الإكراه» وإندونيسيا تريد تجنب التوتر

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال المؤتمر الوزاري لرابطة «آسيان» مع الولايات المتحدة في جاكرتا بإندونيسيا، الجمعة، 14 يوليو 2023 (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال المؤتمر الوزاري لرابطة «آسيان» مع الولايات المتحدة في جاكرتا بإندونيسيا، الجمعة، 14 يوليو 2023 (إ.ب.أ)

تعهد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الجمعة، بالعمل مع دول جنوب شرقي آسيا ضد «الإكراه»، في إشارة بالكاد تكون مبطنة إلى الصين، بينما حذرت إندونيسيا المضيفة لاجتماع رابطة آسيان من تحويل المنطقة إلى ساحة للخصومات العالمية، حسبما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.

والتقى بلينكن وزراء خارجية رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في جاكرتا في اجتماع ضم كبير دبلوماسيي الصين وروسيا، أكبر خصمين للولايات المتحدة.

وغداة محادثاته الأخيرة مع الصين بشأن إدارة الخلافات بين القوتين، أطلق بلينكن إشارة تكاد لا تكون مبطنة إلى المخاوف المشتركة مع كثيرين في المنطقة بشأن بكين.

وقال بلينكن لوزراء خارجية دول الرابطة: «نتشارك رؤية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ تكون حرة ومنفتحة ومزدهرة وآمنة ومتصلة ومرنة».

وأضاف: «هذا يعني منطقة تكون فيها للبلدان الحرية في اختيار مساراتها الخاصة وشركائها، ويتم التعامل فيها مع المشكلات بانفتاح، وليس من خلال الإكراه».

وأكد الوزير الأميركي ضرورة «الحفاظ على حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي والشرقي والحفاظ على السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان».

وتصاعدت الخلافات منذ سنوات بين بكين ودول جنوب شرقي آسيا، ولا سيما فيتنام والفلبين بسبب مطالبة الصين بالجزء الأكبر من بحر الصين الجنوبي.

وتزايدت الحوادث البحرية والتوتر بشأن تايوان الجزيرة الديموقراطية التي تتمتع بحكم ذاتي وتعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من أراضي الصين ولا تستبعد السيطرة عليها بالقوة إذا احتاج الأمر.

لكن إندونيسيا الدولة المضيفة للاجتماع حذرت من أن الرابطة لا يمكن أن تصبح ساحة معارك مع تصاعد التوتر، ليس فقط بين الولايات المتحدة والصين، بل بسبب غزو روسيا لأوكرانيا أيضاً.

وقالت وزيرة الخارجية الإندونيسية، ريتنو مارسودي، لوزراء خارجية الرابطة، التي تضم 18 دولة، ويجتمعون بحضور الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب اليابان والهند وأستراليا: «يجب ألا تكون منطقة المحيطين الهندي والهادئ ساحة معركة أخرى».

وأضافت: «يجب أن تبقى منطقتنا مستقرة ونعتزم الحفاظ عليها على هذا النحو».

إدارة التوتر

وتشهد الاجتماعات عادة مناقشات حادة بين القوى الكبرى. لكن الولايات المتحدة والصين تعملان على منع الخلافات من الخروج عن السيطرة.

والتقى بلينكن مساء الخميس لأكثر من ساعة ونصف الساعة رئيس السياسة الخارجية الصيني وانغ يي، بعد أقل من شهر على زيارة نادرة قام بها وزير الخارجية الأميركي لبكين.

وقال مسؤول أميركي إن بلينكن أبلغ وانغ أن واشنطن ستحاسب القراصنة، بعدما حمّل مسؤولون أميركيون جهات تدعمها بكين باختراق حسابات البريد الإلكتروني لعدد من مؤسسات الحكومة الأميركية.

من جهته، حثّ وانغ واشنطن على «العمل مع الصين في الاتجاه نفسه» لتحسين العلاقات ووقف التدخل في شؤون الصين، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الصينية الجمعة.

وعقدت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ اجتماعاً مع وانغ، الخميس. وقالت إنها حثت بكين على «الشفافية» بشأن اتفاق أمني مثير للجدل أبرمته الصين مع جزر سليمان.

وصرّحت وونغ للصحافيين، الجمعة: «سنواصل المشاركة في الحوار وسنواصل العمل للتغلب على خلافاتنا بحكمة. قلت إنه يمكننا تنمية علاقاتنا الثنائية مع الحفاظ على مصلحتنا الوطنية».

والتقى وزير الخارجية الياباني يوشيماسا هاياشي، الجمعة، وانغ، وتبادلت طوكيو وبكين الانتقادات اللاذعة بشأن الخطة اليابانية لتصريف المياه المعالجة من محطة فوكوشيما النووية.

الولايات المتحدة تتجنب روسيا

سعت الولايات المتحدة إلى زيادة التواصل مع الصين، لكن بلينكن تجنب أي اتصال مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حتى بالنظر.

وهي المرة الأولى التي يوجد فيها بلينكن ولافروف في قاعة واحدة منذ اجتماع مجموعة العشرين في نيودلهي، في مارس (آذار) الماضي، عندما تبادلا حديثاً قصيراً على هامش اللقاء.

ويرى مسؤولون أميركيون أن روسيا ليست مهتمة فعلياً بالدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفي المقابل تكثف القوى الغربية دعمها العسكري لكييف.

وأثار النهج الأميركي بعض القلق لدى عدد من الدول النامية التي رفض بعضها مثل الهند وجنوب أفريقيا إدانة روسيا.

ودعا بلينكن خلال الاجتماع إلى «سلام عادل ودائم في الحرب العدوانية الروسية» في أوكرانيا.

في المقابل، في حوار مع وسائل إعلام إندونيسية نشر خلال الأسبوع الحالي، قال لافروف إن الحرب في أوكرانيا لن تنتهي حتى تتخلى الدول الغربية عن مساعيها لإنزال «الهزيمة» بروسيا.

الضغط على بورما

هيمنت الأزمة في بورما على محادثات آسيان، فقد رفضت الكتلة دعوة المجموعة العسكرية الحاكمة في البلاد بعدما استولت على السلطة في فبراير (شباط) 2021. وكان مقعد بورما فارغاً حول الطاولة، بينما دعا بلينكن إلى ممارسة مزيد من الضغوط على العسكريين.

وقال بلينكن: «يجب أن نضغط على النظام العسكري لوقف العنف وتنفيذ اتفاق آسيان المكون من 5 نقاط ودعم العودة إلى الحكم الديموقراطي».

وكانت الرابطة توصلت إلى خطة سلام من 5 نقاط قبل عامين مع العسكريين الحاكمين، لكنها لم تنفذ بعد.

لكن تايلاند جارة بورما تحركت بمعزل عن الكتلة عبر التواصل مع المجموعة العسكرية البورمية، وقال وزير خارجيتها إنه تمكن أيضاً من لقاء الزعيمة المدنية المخلوعة أونغ سان سو تشي، الأحد.

وفي ختام الاجتماعات، الجمعة، قال وزير خارجية سنغافورة، فيفيان بالاكريشنان، للصحافيين، إن الدول الأعضاء في آسيان «تدعو إلى فتح جميع قنوات الاتصال».


مقالات ذات صلة

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال إحاطة إعلامية بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 20 يناير 2026 (أ.ف.ب) play-circle

ترمب: يجب السماح للأمم المتحدة بالاستمرار

قال ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، إنه «يجب السماح للأمم المتحدة بالاستمرار»، وذلك ‌رداً ‌على ‌سؤال ⁠عن ​خططه ‌لإنشاء ما يُسمى «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

يلتقي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الأميركي دونالد ترمب في مدينة دافوس السويسرية بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي المبعوث الأميركي توماس براك (رويترز)

برّاك: دور «قسد» كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم «داعش» انتهى

قال المبعوث الأميركي إلى دمشق توم باراك، الثلاثاء، إن وظيفة «قوات سوريا الديمقراطية» كقوة رئيسية في التصدي لتنظيم «داعش» انتهت.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، ​الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
TT

ماسك يعرض شراء «رايان إير» للطيران... والشركة تردّ بالسخرية

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» متوقفة في مطار كولونيا بألمانيا (د.ب.أ)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك موجة من التفاعل على منصة «إكس» بعدما لمح، على سبيل المزاح، إلى رغبته في شراء شركة الطيران الأوروبية منخفضة التكلفة «رايان إير»، وتعيين شخص يحمل اسم «رايان» لإدارتها.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك في مركز معارض «بورت دو فرساي» في باريس بفرنسا يوم 16 يونيو 2023 (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التصريحات عقب مناوشة إلكترونية بدأت عندما سخر فريق «رايان إير» على وسائل التواصل الاجتماعي من انقطاع مؤقت في منصة «إكس»، موجّهاً تعليقاً لماسك يتساءل فيه ما إذا كان يحتاج إلى خدمة «واي فاي». وردّ ماسك بطريقة ساخرة، متسائلاً إن كان عليه «شراء رايان إير ووضع شخص اسمه الحقيقي رايان على رأسها».

ولم يكتفِ ماسك بذلك، بل عاد ليسأل الشركة عن تكلفة الاستحواذ عليها، معتبراً أن من «قدرها» أن يملكها شخص يحمل الاسم نفسه. هذا التراشق الساخر سرعان ما استدعى رداً رسمياً من المدير التنفيذي لـ«رايان إير» مايكل أوليري، الذي قال إن ماسك «يعرف عن قوانين ملكية شركات الطيران أقل مما يعرف عن ديناميكا الطيران»، مضيفاً أنه سيتناول الموضوع في مؤتمر صحافي بدبلن، وفق ما نقلته شبكة «يورو نيوز» الإخبارية.

كما أطلقت شركة «رايان إير» تعليقاً ساخراً عبر حسابها الرسمي، معلنة عن عرض خاص على المقاعد تحت عنوان «العظماء الأغبياء»، موجّهة إياه لماسك ولغيره من مستخدمي «إكس».

يُذكر أن أحد مؤسسي هذه الشركة هو رجل الأعمال الآيرلندي توني رايان، الذي لعب دوراً محورياً في إطلاقها خلال ثمانينات القرن الماضي. ورغم وفاته عام 2007، لا تزال عائلته من كبار المساهمين، فيما يتولى أوليري إدارة الشركة منذ سنوات طويلة.

لكن، بعيداً من المزاح، فإن أي محاولة حقيقية من ماسك لشراء «رايان إير» ستصطدم بعقبات قانونية أوروبية. فوفقاً لقوانين الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون شركات الطيران العاملة داخل التكتل مملوكة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة لمواطنين من دول الاتحاد وتحت سيطرتهم الفعلية. وبما أن ماسك أميركي الجنسية، فلن يُسمح له بالاستحواذ على حصة مسيطرة دون تغيير جذري في هيكل الملكية، وهو ما قد يعرّض تراخيص الشركة للخطر.

ورغم كل ذلك، بدا أن ماسك يستمتع بالجدل، إذ حققت هذه السجالات ملايين المشاهدات خلال وقت قصير.


أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
TT

أمين عام سابق لحلف «الناتو»: أزمة غرينلاند تظهر أن وقت تملّق ترمب انتهى

آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)
آندرس فو راسموسن رئيس وزراء الدنمارك الأسبق والأمين العام الأسبق لحلف «الناتو» يتحدث خلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​السنوي في ميونيخ بألمانيا في 16 فبراير 2019 (رويترز)

قال الأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ورئيس الوزراء الدنماركي السابق آندرس فو راسموسن، الثلاثاء، إن وقت تملّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهى، وإنه ينبغي لأوروبا أن ترد بقوة اقتصادياً إذا فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية على أعضاء الحلف الذين أرسلوا قوات إلى غرينلاند، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف راسموسن أن إصرار ترمب على ضرورة أن تصبح ‌غرينلاند جزءاً من ‌الولايات المتحدة يمثّل ‌أكبر ⁠تحدٍّ ​للحلف ‌منذ تأسيسه في عام 1949. وغرينلاند إقليم دنماركي شبه مستقل.

ويقدّم راسموسن منظوراً فريداً للأزمة بصفته زعيماً سابقاً لكل من الدنمارك، التي تولى رئاسة وزرائها من 2001 إلى 2009، وحلف الأطلسي (ناتو)، حيث شغل منصب الأمين العام ⁠من 2009 إلى 2014.

وقال: «مستقبل حلف شمال الأطلسي ‌هو الذي بات على المحك حقاً». وأضاف لوكالة «رويترز» من المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «انتهى وقت التملق؛ فهو لا يجدي نفعاً. والحقيقة أن ترمب لا يحترم إلا القوة والوحدة. وهذا هو بالضبط ما يجب على أوروبا ​أن تظهره الآن».

وأفاد بأنه لا ينتقد قادة مثل الرئيس الحالي لحلف الأطلسي ⁠مارك روته، الذي أغدق المديح على ترمب، لكنه قال إن الوقت حان لاتباع أوروبا نهجاً جديداً.

ولفت إلى أن أداة الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه التي تمنح صلاحيات واسعة للرد على الضغوط الاقتصادية يجب أن تكون مطروحة بعد أن هدد ترمب بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية لحين السماح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند.

ويقول ترمب إن ملكية ‌الولايات المتحدة لغرينلاند أمر حيوي للأمن القومي الأميركي.


أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
TT

أزمة غرينلاند بين واشنطن وأوروبا: فرصة لروسيا أم مصدر قلق؟

سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)
سفينة تابعة للجيش الدنماركي تبحر بالقرب من ميناء نوك القديم في غرينلاند (رويترز)

لطالما قامت استراتيجية الكرملين على إحداث شرخ دائم بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف تقسيم خصومه التقليديين في الغرب وإضعافهم، وذلك حسب تحليل نشره ماثيو تشانس، كبير مراسلي الشؤون العالمية في شبكة «سي إن إن».

وعلى مدى سنوات، شجّعت روسيا التخريب والتضليل لتقويض المؤسسات الغربية، التي تُعدّ عقبات صلبة أمام طموحات موسكو التوسعية ومساعيها لاستعادة مكانتها ونفوذها على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، وفقاً لتشانس.

وأوضح أن «تفكيك حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التحالف العسكري الغربي الأقوى، هدف رئيسي للكرملين، ولا سيما منذ اندلاع حرب أوكرانيا. وقد استغل الكرملين المخاوف من التوسع المحتمل للحلف لتبرير غزوه الشامل والعنيف لأوكرانيا قبل نحو أربع سنوات».

وقال تشانس: «تخيّلوا إذن حجم الفرحة في أروقة الكرملين إزاء احتمال تفكك الوحدة الغربية وانهيار حلف (الناتو)، الذي شكّل على مدى ثمانين عاماً حصناً منيعاً في مواجهة التهديدات الروسية، بسبب قضية غرينلاند غير المتوقعة والمبادرات غير المرحّب بها التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه هذه المنطقة الدنماركية».

وأضاف: «تراقب روسيا بدهشة من بعيد، بينما ينشغل خصومها القدامى بصراعاتهم الداخلية».

قلق أوروبي وفرح روسي مُعلن

علّقت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، في تصريح على منصة «إكس»، عقب تهديد ترمب بفرض تعريفات جمركية استثنائية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين للسيطرة الأميركية على غرينلاند، قائلة: «لا شك أن الصين وروسيا في غاية السعادة».

ورغم أن الصين وروسيا تنفيان بشدة وجود أي مطامع إقليمية لهما في غرينلاند، بل إن الجيش الدنماركي يؤكد عدم وجود تهديد غزو حقيقي من الشرق، فإن المشهد بدا مختلفاً في الداخل الروسي.

ففي التلفزيون الرسمي الروسي، ابتهج المعلّقون الموالون للكرملين بتحركات ترمب بشأن غرينلاند، واصفين إياها بأنها «توجيه ضربة كارثية لحلف (الناتو)»، وأنها «هائلة حقاً بالنسبة لروسيا».

والرأي السائد أن مواجهة حلف «الناتو» لأكبر أزمة له منذ عقود، واحتمال تفكك الوحدة عبر الأطلسي، سيؤديان حتماً إلى تراجع الدعم الغربي للمجهود الحربي الأوكراني، ما يمنح موسكو يداً أقوى في ساحة المعركة. ولسوء حظ كييف، قد يثبت هذا التقييم صحته. ومع ذلك، لم يُبدِ الكرملين حماسة احتفالية حتى الآن.

أشخاص يتظاهرون أمام القنصلية الأميركية في نوك احتجاجاً على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه غرينلاند (أ.ب)

موقف روسي رسمي حذر

على الأقل في البداية، جاء رد الفعل الرسمي في موسكو هادئاً نسبياً، بل اتسم بالنقد. إذ صرّح المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، للصحافيين بأن ترمب «يتصرف في غرينلاند خارج نطاق القانون الدولي»، في موقف لافت من الكرملين.

وقد يُنظر في موسكو إلى سيطرة الولايات المتحدة المحتملة على غرينلاند على أنها تحدٍّ مباشر لهيمنة روسيا في منطقة القطب الشمالي.

إلا أن المخاوف الروسية تبدو أعمق من ذلك، إذ يراقب الكرملين، شأنه شأن بقية العالم، بقلق وريبة إدارة ترمب المتقلبة، وهي تمارس نفوذاً عسكرياً واقتصادياً عالمياً يبدو دون قيود، حسب ما أشار إليه تشانس.

وفي أول خطاب له عن السياسة الخارجية في العام الجديد، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أسفه لحال العالم، قائلاً: «غالباً ما تحل الإجراءات الأحادية والخطيرة محل الدبلوماسية، وجهود التوصل إلى حلول وسط أو إيجاد تسويات ترضي الجميع».

وأضاف في إشارة واضحة إلى التحركات الأميركية على الساحة الدولية، دون إقرار بمسؤولية بلاده: «بدلاً من أن تنخرط الدول في حوار فيما بينها، هناك من يعتمد على مبدأ القوة المطلقة لفرض رواياته الأحادية، ومن يعتقد أنه يستطيع فرض إرادته وإملاء الأوامر على الآخرين».

تحالفات موسكو تتفكك

وفي الوقت نفسه، تشهد شبكة تحالفات موسكو تآكلاً متسارعاً. فقد تضررت بشدة إثر الإطاحة بالرئيس السوري المدعوم من روسيا، بشار الأسد، العام الماضي.

كما تعرّضت إيران، الحليف الروسي القديم، لغارات جوية أميركية وإسرائيلية مؤلمة العام الماضي. وفي أعقاب حملة القمع الوحشية الأخيرة ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة، قد تواجه طهران هجوماً جديداً قريباً.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، شكّل اعتقال القوات الأميركية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، المقرّب من الكرملين، صفعة أخرى لموسكو.

كما أن الحديث الكثير عن كوبا، الحليف التقليدي لروسيا والخصم التاريخي للولايات المتحدة، بوصفها الهدف التالي لواشنطن في مساعيها من أجل تغيير الأنظمة، ينذر بمزيد من الإذلال للسياسة الخارجية الروسية، حسب وصف تشانس.

لافتة كبيرة كُتب عليها «غرينلاند ليست للبيع» تظهر خارج متجر ملابس في نوك (أ.ف.ب)

نظام عالمي يتغيّر

لطالما سخرت موسكو من النظام الدولي القائم على القواعد، الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية، عادّةً إياه أداة غربية مليئة بالمعايير المزدوجة لاحتواء خصومها، وفي مقدمتهم الكرملين نفسه.

وقد تحدّت روسيا علناً ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر تغيير الحدود بالقوة، وسعت باستمرار إلى عالم تُقسَّم فيه مناطق النفوذ بين القوى العظمى.

ويبدو أن واشنطن تتبنى اليوم، بشكل كبير، هذه الرؤية الروسية للعالم، وهو ما قد يُعدّ نظرياً انتصاراً مهماً لموسكو، حسب تشانس. وتابع: «غير أن الاحتفال بهذا الانتصار مؤجّل حالياً، وسط مخاوف كبيرة من طبيعة العالم الجديد والخطير الذي قد ينبثق عنه».

وأضاف: «قد يُشكّل التعامل مع رئيس أميركي يزداد تهوّراً وعدم قابلية للتنبؤ تحدياً حقيقياً للكرملين، الذي اعتاد التعامل مع إدارات أميركية أكثر استقراراً وانضباطاً».