لقاء ترمب وزيلينسكي... دفء سياسي بلا انقلاب استراتيجي

مجلس الشيوخ يُقرُّ عقوبات واسعة على عائدات الطاقة الروسية

زيلينسكي يتحدث مع صحافيين عقب لقائه مع أعضاء في مجلس الشيوخ يوم 28 يوليو 2026 (أ.ب)
زيلينسكي يتحدث مع صحافيين عقب لقائه مع أعضاء في مجلس الشيوخ يوم 28 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

لقاء ترمب وزيلينسكي... دفء سياسي بلا انقلاب استراتيجي

زيلينسكي يتحدث مع صحافيين عقب لقائه مع أعضاء في مجلس الشيوخ يوم 28 يوليو 2026 (أ.ب)
زيلينسكي يتحدث مع صحافيين عقب لقائه مع أعضاء في مجلس الشيوخ يوم 28 يوليو 2026 (أ.ب)

​لم يكن أبرز ما في لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض حفاوة الاستقبال؛ بل غياب المشهد الصدامي الذي طبع اجتماعهما في فبراير (شباط) 2025. فاللقاء المغلق الذي استمر نحو ساعة ووصفه الطرفان بالإيجابي، نقل العلاقة من الاتهامات العلنية إلى حوار عملي شمل إنتاج صواريخ «باتريوت»، والتعاون في المُسيَّرات، وإحياء المسار الدبلوماسي مع روسيا.

جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وبعد الاجتماع، أعلن زيلينسكي أن ترمب وافق على منح أوكرانيا التراخيص اللازمة للإنتاج المشترك لصواريخ «باتريوت» الاعتراضية؛ مشيراً إلى أنه التقى لاحقاً ممثلين لشركات عسكرية أميركية كبرى لبحث تنفيذ المشروع.

ومع ذلك، لا يُثبت هذا الدفء أن ترمب غيَّر جوهر سياسته القائمة على رفض «المساعدات المفتوحة»، ودفع الأوروبيين إلى تحمل حصة أكبر من أعباء الحرب، ومواصلة الرهان على قدرته الشخصية على التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ما تغير بصورة أوضح هو تقييمه لقدرات أوكرانيا وزيلينسكي، بعدما لم تعد كييف تبدو في نظره طرفاً خاسراً ينتظر «إنقاذاً أميركياً».

أوراق أوكرانية جديدة

استفاد زيلينسكي من تحسن موقع بلاده الميداني، ليعيد تقديم أوكرانيا أمام ترمب على أنها دولة قادرة على القتال والإنتاج والابتكار، وليست مجرد طرف يطلب المال والسلاح.

زيلينسكي وصف لقاءه مع ترمب في البيت الأبيض بـ«الجيد» يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

فقد أبطأت القوات الأوكرانية التقدم الروسي على جبهات عدة، واستعادت بعض الأراضي، بينما نقلت حرب المُسيَّرات والصواريخ إلى العمق الروسي، مستهدفة منشآت للطاقة وخطوط إمداد ومواقع عسكرية. وفي مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» عقب لقائه ترمب، قال زيلينسكي إن «زمام المبادرة لم يعد في يدي بوتين»، مقدّراً أن روسيا تخسر نحو 30 ألف جندي شهرياً، ومعتبراً أن هذه التكلفة الباهظة لم تدفع الرئيس الروسي حتى الآن إلى وقف الحرب.

ويقول جون هاردي، نائب مدير برنامج روسيا في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن أوكرانيا «استعادت بعض الزخم خلال الأشهر الأخيرة»، بعدما كادت توقف التقدم الروسي، واستردت أراضي، ووجهت ضربات متلاحقة إلى العمق الروسي بواسطة المُسيَّرات والصواريخ. ويرى أن هذا الأداء أثار إعجاب ترمب، الذي «يحب المنتصرين»، وجعله يدرك أن أوكرانيا تمتلك «أوراقاً» أكثر مما كان يفترض، عندما قال سابقاً إن كييف لا تملك الأدوات اللازمة لمواصلة الحرب.

ويتقاطع تقدير هاردي مع ما أوردته «وول ستريت جورنال» عن انتقال ترمب من الاعتقاد بأن أوكرانيا تخسر الحرب إلى الإعجاب بصلابة زيلينسكي وصناعة المُسيَّرات الأوكرانية. فقد انتقلت كييف -وفق بيانات حكومية- من إنتاج نحو 5 آلاف مُسيَّرة سنوياً عام 2022 إلى ملايين المُسيَّرات في 2026. ويضيف هاردي أن ترمب ربما بدأ يدرك أن رفض بوتين تقديم تنازلات حقيقية هو العقبة الأساسية أمام السلام، بعدما كان يميل سابقاً إلى الضغط على زيلينسكي بوصفه الطرف الأضعف والأكثر اعتماداً على واشنطن. وعبَّر زيلينسكي عن التقييم نفسه بقوله إن أوكرانيا وترمب والقادة الأوروبيين يريدون إنهاء الحرب؛ «لكن بوتين لا يريد ذلك».

شراكة بدلاً من المساعدات

أجرى زيلينسكي أيضاً تعديلاً محسوباً في خطابه. فبدلاً من المطالبة بالعودة إلى نموذج الدعم العسكري في عهد جو بايدن، ركَّز خلال لقائه ترمب على تراخيص إنتاج صواريخ «باتريوت»، وصفقة الطائرات المُسيَّرة، والعقوبات على روسيا، وإعادة تنشيط الدبلوماسية.

أعضاء من مجلس الشيوخ برفقة زيلينسكي في مبنى الكونغرس يوم 28 يوليو 2026 (أ.ب)

وقال زيلينسكي إن المحادثات بشأن منح أوكرانيا تراخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت» بدأت خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، قبل أن يوافق ترمب عليها في اجتماعهما بواشنطن. وكان الرئيس الأميركي قد أعلن خلال القمة أن كييف ستحصل على ترخيص لإنتاج الصواريخ الاعتراضية الحيوية لصد الضربات الروسية.

وتُحوِّل هذه المقاربة العلاقة من صيغة «مانح ومتلقٍّ» إلى شراكة صناعية وأمنية يمكن تسويقها داخل تيار «أميركا أولاً». فأوكرانيا لا تطلب السلاح فقط؛ بل تعرض خبرة ميدانية في مواجهة المُسيَّرات الإيرانية، وتكنولوجيا قابلة للإنتاج داخل الولايات المتحدة، وقدرات يحتاج إليها الجيش الأميركي وحلفاؤه.

لكن هاردي يحذر من المبالغة في قراءة هذا التحسن، مؤكداً أن «تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية الفعلية تجاه روسيا وأوكرانيا ليس مطروحاً». فمناقشة تراخيص «باتريوت» لا تعني أن خطوط الإنتاج ستبدأ قريباً، كما لا توجد مؤشرات إلى أن ترمب مستعد لاستئناف مستويات المساعدات العسكرية التي قدمتها إدارة بايدن.

وتدعم الوقائع هذا الحذر. فقد أبلغ «البنتاغون» الكونغرس بأنه قد لا يستكمل إنفاق 400 مليون دولار من المساعدات المقررة لأوكرانيا قبل السنة المالية 2029، على الرغم من حاجتها العاجلة إلى الدفاعات الجوية، وفق «رويترز». وهكذا تبقى الفجوة واضحة بين تحسن العلاقة الشخصية وتغير السياسة على أرض الواقع.

إيران تربط الحربين

أضاف الهجوم الأوكراني على سفينة إيرانية في بحر قزوين ورقة أخرى إلى حملة زيلينسكي: تصوير روسيا وإيران كشريكين يتبادلان السلاح والمعلومات والخبرات، وليس كملفين منفصلين.

وتقول كييف إن السفينة المستهدفة كانت تُستخدم لنقل تجهيزات عسكرية بين البلدين، بينما اتهم زيلينسكي موسكو بتزويد طهران بصور فضائية لقواعد ومواقع أميركية في الخليج.

جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وأشار هاردي في حديثه مع «الشرق الأوسط» إلى أن هذه الاتهامات تستند إلى أدلة سابقة على مساعدة موسكو لطهران، وأن روسيا تستفيد من إطالة حرب تستنزف القدرات والاهتمام الأميركيَّين. ومن منظور كييف، يثبت استهداف خط الإمداد في بحر قزوين أن أوكرانيا تستطيع تقديم مساهمة مباشرة في مواجهة محور يهدد المصالح الأميركية.

غير أن هذه الورقة محفوفة بالمخاطر؛ إذ توعدت إيران بالرد على الهجوم الذي قالت إنه أصاب سفينة تجارية وقتل أحد بحارتها. وسارع وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إلى الاتصال بنظيره عباس عراقجي لمحاولة احتواء التصعيد، مؤكداً أن عمليات بلاده دفاعية ومرتبطة بالدعم الإيراني للحرب الروسية.

أما رد ترمب بأنه سيسأل بوتين عن الأدلة الأوكرانية على مساعدة روسيا لإيران، فيكشف أن تحسن نظرته إلى زيلينسكي لم يُنهِ ثقته بقناة الاتصال مع الرئيس الروسي، أو استعداده لمنح روايته وزناً كبيراً.

«ماغا» وحدود التحول

ويشرح هاردي أن معظم أوساط «ماغا» تميل إلى تلقي إشاراتها من ترمب؛ ولذلك فإن لهجته الأكثر دفئاً تجاه أوكرانيا تمنح الجمهوريين التقليديين مساحة أوسع للدفع نحو سياسات داعمة لكييف. ولكنه يستبعد تبدل مواقف الانعزاليين المتشددين والمعارضين لأوكرانيا؛ مشيراً إلى أن هؤلاء لن يغيِّروا رؤيتهم لمجرد تحسن العلاقة بين الرئيسين.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى لقائه المؤثرة اليمينية الأميركية لورا لومر لإجراء مقابلة في كييف يوم 23 يوليو (أ.ب)

وتبرز في هذا السياق لورا لومر، التي عادت من كييف معلنة أنها كانت ضحية للدعاية الروسية، ووصفت زيلينسكي بأنه «قائد حرب» و«حليف أساسي». كما أشاد نائب الرئيس جي دي فانس بفاعلية الاستراتيجية الدفاعية الأوكرانية، قائلاً إن ما تستطيع روسيا تحقيقه عبر عملياتها الهجومية أصبح ضئيلاً و«يقترب من الصفر».

لكن هاردي يتحفظ عن تفسير الانقلاب المفاجئ لبعض المؤثرين، ولا يعتبره دليلاً كافياً على تحول تيار «أميركا أولاً» برمته. فما زال نواب جمهوريون بارزون يعارضون تقديم مساعدات إضافية، بينما أفقدت وفاة السيناتور ليندسي غراهام، زيلينسكي، أحد أكثر القادرين على التأثير في ترمب.

وفي موازاة لقائه في البيت الأبيض، اجتمع زيلينسكي بأعضاء في مجلس الشيوخ لبحث عقوبات واسعة تستهدف إيرادات الطاقة الروسية، قبل أن يقرَّ المجلس الحزمة لاحقاً بأغلبية كبيرة. ويمنح التصويت كييف ورقة ضغط إضافية، ولكنه لا يحسم وحده مدى استعداد الإدارة لتطبيق العقوبات بأقصى قوتها.

وقد سمح ترمب للكونغرس بالمضي في مشروع العقوبات الذي حمل اسم «غراهام»، ولكن هاردي يراه «رمزياً في جوهره»؛ لأن فاعليته ستتوقف على استعداد الإدارة لاستخدام الصلاحيات التي يمنحها. ومن ثم، فإن التحول الجاري داخل «ماغا» لا يعني تبني سياسة بايدن؛ بل يعني قبولاً مشروطاً بأوكرانيا عندما تظهر كقوة منتجة ومفيدة للمصالح الأميركية.


مقالات ذات صلة

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

«المنصة الساخنة» تُطيح بحراسها سريعاً... كواليس الإقالات الخاطفة لمتحدثي البيت الأبيض من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي وأسرار مغادرتهم الجناح الغربي.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

أكد مسؤول أميركي كبير أن كاتي زكريا غادرت منصبها بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها متحدثة باسم البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

تحليل إخباري ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ رجل يضع قبعة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» خلال مناسبة انتخابية في مونرو بميشيغان يوم الخميس (أ.ف.ب)

الأميركيون يتطلعون إلى «تغيير جذري» في الانتخابات

أفاد استطلاع أن الأميركيين يرغبون في تغيير جذري خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط اعتقاد بتقصير داخلي وخارجي من الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض
TT

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

لم يكن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض يوماً مجرد وظيفة إدارية عادية، بل هو خط الدفاع الأول عن أدق أسرار وتوجهات الإدارة الأميركية، والموقع الأكثر عرضة لـ«مقاصل» الإقالة السياسية السريعة.

ومع التطورات الأخيرة الصادمة في أروقة واشنطن، أعاد سقوط المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد أسبوع فقط من تعيينها، تسليط الضوء على تاريخ هذا المنصب المليء بالإعفاءات العاصفة والوجوه التي لم تكد تحفظ ممرات المبنى البيضاوي حتى أُجبرت على مغادرته.

الأسرع في التاريخ... زلة لسان وأكاذيب قانونية تطيح بزكريا

سجلت كاتي زكريا الرقم القياسي كأقصر المتحدثين الرسميين بقاءً في تاريخ البيت الأبيض بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وجاء سقوطها المدوي إثر مواجهتها لإحاطة صحافية أولى استمرت 14 دقيقة فقط، تخللتها زلات لسان غريبة أثارت سخرية منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تقف الأمور عند حد الارتباك المهني، بل جاء المنعطف الحاسم الذي عجل برحيلها، والذي كان افتضاح أمر مؤهلاتها القانونية، حيث قدّمها الرئيس دونالد ترمب كمحامية محترفة، ليتبين لاحقاً للصحافة الاستقصائية أنها رسبت في اختبار نقابة المحامين ولم تحصل قط على الترخيص، ما دفع ترمب لحثها علناً على الاستقالة قائلاً لها أمام الكاميرات إن عليها إعادة النظر في موقعها.

وبذلك غادرت المعلقة السياسية المحافظة والمستشارة الإعلامية السابقة منصبها قبل أن تبدأ عملياً في ممارسته.

المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

شون سبايسر... حارس بوابة «الحقائق البديلة» الذي دهسته التجاذبات

وفي سياق متصل، حفر شون سبايسر اسمه في ذاكرة الإقالات الخاطفة خلال عهد ترمب الأول عام 2017، حيث أمضى 182 يوماً فقط في منصبه. سبايسر، الذي كان يشغل سابقاً منصب الخبير الاستراتيجي الإعلامي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، دخل في مواجهة طاحنة مع الجسم الصحافي منذ اليوم الأول لتكليفه، عندما أُجبر على تضخيم أرقام الحضور في حفل تنصيب ترمب بما يخالف الصور الجوية الواقعية.

وتآكلت الرصانة المهنية لسبايسر يومياً تحت وطأة ضغوط الإدارة ورغبتها في الهجوم الشرس على وسائل الإعلام، لتأتي نهايته السريعة بالاستقالة احتجاجاً على تعيين ترمب للمستثمر النيويوركي أنتوني سكاراموتشي مديراً للاتصالات.

المتحدث باسم البيت الأبيض السابق شون سبايسر (أ.ف.ب)

مفارقة سكاراموتشي... «الخروج الكبير» في أحد عشر يوماً

وعلى الرغم من أن أنتوني سكاراموتشي لم يشغل تقنياً منصب السكرتير الصحافي بل مدير اتصالات البيت الأبيض، فإن تجربته تظل الأيقونة التاريخية للإقالات الخاطفة في الجناح الغربي بعد أن أمضى 11 يوماً فقط في منصبه في يوليو (تموز) 2017.

وفقد الممول القادم من قطاع وول ستريت وظيفته إثر إجرائه مقابلة صحافية هاتفية مليئة بالألفاظ النابية والشتائم الموجهة لزملائه في الإدارة مثل رينس بريبوس وستيف بانون.

وجاء قرار إبعاده السريع بضغط مباشر من رئيس الموظفين آنذاك، جون كيلي، لفرض الانضباط العسكري داخل الفريق، ما جعل اسم سكاراموتشي يتحول في واشنطن إلى وحدة قياس زمنية تهكمية للمقارنة مع أي مسؤول يقال سريعاً.

مدير اتصالات البيت الأبيض السابق أنتوني سكاراموتشي (رويترز)

وعلّق سكاراموتشي عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» متفاعلاً مع كسر رقمه القياسي السابق، حيث كتب معقباً على تغريدة للإعلامي جو سكاربورو: «الأرقام القياسية وُجدت لتُحطم.. لكنني لا أجد أي متعة في آلام الآخرين».

وجاء هذا التعليق ليعكس المفارقة التاريخية الساخرة التي أصبحت تربط بين اسمه واسم زكاريا كأقصر المسؤولين بقاءً في مناصبهم الإعلامية داخل البيت الأبيض.

ستيفاني غريشام... المتحدثة التي غادرت دون منصة

ومن باب مغاير تماماً، دخلت ستيفاني غريشام التاريخ السياسي الأميركي بصفتها المتحدثة الوحيدة باسم البيت الأبيض التي أمضت كامل فترة خدمتها السريعة، البالغة تسعة أشهر بين عامي 2019 و2020، دون أن تعقد إحاطة صحافية رسمية واحدة في قاعة الصحافة «جيمس برادي».

غريشام، التي امتلكت خلفية كمؤلفة ومسؤولة إعلامية ومساعد إداري مقرب من ميلانيا ترمب، اقتصر دورها على التصريحات المكتوبة والمقابلات التلفزيونية الصديقة للحزب.

وتمثلت أسباب إبعادها السريع في رغبة الإدارة في تغيير الاستراتيجية الاتصالية بالكامل مع بدء أزمة جائحة كورونا (كوفيد - 19) والتحضير للانتخابات، حيث استُبدلت بها كيلي ماكناني، لتتحول غريشام لاحقاً إلى واحدة من أشرس منتقدي ترمب.

ستيفاني غريشام المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (إ.ب.أ)

مقاصل الرؤساء الآخرين... جيرالد فورد وبيل كلينتون نموذجاً

ولم تكن الإقالات والاستقالات السريعة حكراً على عهد ترمب، بل عرفت الإدارات الأميركية السابقة هزات مماثلة، وتبرز في هذا السياق تجربة الصحافي المخضرم جيرالد تيرهورس الذي عينه صديقه القديم الرئيس جيرالد فورد كأول متحدث رسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) فور توليه الرئاسة عام 1974.

جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

تيرهورس، الذي أمضى عقوداً في عالم الصحافة مديراً لمكتب صحيفة «ديترويت نيوز» في واشنطن، وكان يبلغ من العمر آنذاك 52 عاماً عند تكليفه بالمنصب، لم يصمد في موقعه سوى شهر واحد فقط (30 يوماً) وجاء خروجه الخاطف في خطوة وُصفت تاريخياً بـ«موقف ضمير أخلاقي نادر»، بعد أن قدّم استقالته احتجاجاً على قرار فورد المفاجئ بمنح عفو رئاسي كامل وغير مشروط عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في فضيحة «ووترغيت»، ليحل محله سريعاً مراسل شبكة «إن بي سي» رون نيسن.

رسالة استقالة جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

وفي عهد الديمقراطيين، واجهت دي دي مييرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون عام 1993، تهميشاً وإقالة ضمنية مبكرة خلال السنة الثانية من حكم كلينتون، حيث سُحبت منها الصلاحيات تدريجياً بسبب ما وصفه البيت الأبيض بسوء تنسيق الرسالة السياسية للإدارة، وحُرمت لفترة من دخول بعض الاجتماعات الاستراتيجية الحساسة قبل استبدال مايك مكوري كلياً بها.

دي دي مييرز المتحدثة باسم البيت الأبيض السابقة (ويكيبيديا)

وتوضح هذه النماذج التاريخية المتعاقبة طبيعة العمل الحساسة المرتبطة بمنصب المتحدث باسم البيت الأبيض، إذ يظل استمرار المسؤول في موقعه رهناً بدقة الأداء الإعلامي ومدى التوافق الاستراتيجي مع رئيس الإدارة.

وبيّنت التجارب السابقة أن أي تراجع في هذا التنسيق، أو غياب الانسجام في الرؤى السياسية، كفيل بإنهاء المسيرة المهنية للمتحدث رسميّاً في غضون فترة وجيزة، بصرف النظر عن خبراته المهنية السابقة أو درجة ولائه السياسي للرئيس.


المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
TT

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

بعدما لمّح الرئيس الأميركى دونالد ترمب إلى قرب رحيل المتحدثة باسمه، كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها في المنصب، مشيراً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن مستقبلها، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي كبير، اشترط عدم ذكر اسمه، تأكيداً لمغادرة المتحدثة الجديدة باسم ترمب منصبها.

وكان ترمب قد قال للصحافيين على العشب أمام البيت الأبيض، قبيل توجهه إلى ولاية جورجيا، إنه نصح كاتي زكريا بأن «السعادة قد تكون أفضل لها»، لافتاً إلى أنها تتمتع بحياة عائلية جيدة ولا تحتاج إلى الاستمرار في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

ورأى أن كاتي زكريا تعرضت لمعاملة «غير منصفة إطلاقاً» من جانب وسائل الإعلام، مضيفاً أنها واجهت انتقادات وضغوطاً إعلامية شديدة.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيحسم موقفه في وقت لاحق، من دون أن يحدد موعداً لاتخاذ القرار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قُبيل مغادرته واشنطن إلى ولاية جورجيا (أ.ب)

ورداً على سؤال بشأن الشخص الذي قد يخلف كاتي زكريا في حال مغادرتها المنصب، قال ترمب إن هناك كثيرين يرغبون في تولي هذه المهمة.

ومعلوم أن كاتي زكريا حاصلة على شهادة في الحقوق من جامعة بيبرداين عام 2011، لكنها لم تنجح في امتحان نقابة المحامين بولاية كاليفورنيا، معترفةً بأنها لم تُعد التقدم إليه. ولم يُعثر على سجل يثبت حصولها على ترخيص لممارسة المحاماة في أي ولاية أميركية أو في واشنطن العاصمة.

وقالت كاتي زكريا إنها عملت في المجال القانوني في بكين بين عامَي 2011 و2013، ووصفت عملها بأنه متعلق بالتعاملات الدولية، لكن هذا الأمر أثار مزيداً من التساؤلات، إذ إن القانون الصيني يشترط الجنسية الصينية لممارسة المحاماة.

وكانت زكريا قد قالت في مقابلة سابقة، الخميس، مع وسيلة الإعلام المحافظة «ريل أميريكاز فويس»، إنها سُجّلت للخضوع لامتحان النقابة، لكن التحضيرات للانتقال للعيش في الصين مع شريكها «ألهتني وغمرتني» في ما بعد.

وصرّحت: «قلنا: لنأخذ وقتنا، سوف أخضع للامتحان، وأرى النتيجة. والنتائج ليست فعلاً مهمة لأنني علمت أنني لم أكن بحاجة إلى النقابة في الصين. وغادرنا بُعيد ذلك».

وانتقلت كيتي زكريا مع شريكها للعيش في الصين حيث عملت خبيرة قانونية في مكتب محاماة صيني معروف.

وأشارت إلى أنها لم تتقدّم لامتحان النقابة من جديد بعد عودتها إلى الولايات المتحدة؛ لأنها رُزقت «بأربعة أطفال في خلال 6 سنوات».


ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
TT

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

في العقد الأخير، لم يعد الفضاء مجرد ساحة للاستكشاف العلمي أو إطلاق أقمار البث التلفزيوني التقليدية، بل تحول المدار الأرضي المنخفض إلى جبهة القتال الأكثر حيوية في الحروب الحديثة.

خلف هذا التحول المفاجئ تقف منظومتان غيّرتا مفاهيم الاتصالات العسكرية والمدنية على حد سواء: «ستارلينك» (Starlink) و«ستارشيلد» (Starshield). هاتان الشبكتان، اللتان خرجتا من عباءة شركة «سبيس إكس» (SpaceX) المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، تحولتا من مشروع تجاري لتوفير الإنترنت للمناطق النائية إلى عصب الحروب السيبرانية والفضائية التي تشكل ملامح الصراع الدولي الراهن في عام 2026.

وبينما يظن الكثيرون أن المنظومتين وجهان لعملة واحدة، فإن التفاصيل الدقيقة تكشف عن تباين عميق في العقيدة التشغيلية، والسرية، والتحالفات الجيوسياسية التي تحكم كلاً منهما.

شاشة تُظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

النشأة والتطور: من فكرة طموحة إلى أساطيل مدارية

بدأت الحكاية في عام 2015 عندما أعلن ماسك رسمياً عن مشروع «ستارلينك»؛ بهدف خلق شبكة إنترنت فضائي عالمية تغطي كوكب الأرض بالكامل عبر آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة.

وفي مايو (أيار) من عام 2019، نجحت «سبيس إكس» في إطلاق أولى المجموعات التشغيلية المكونة من ستين قمراً اصطناعياً. ومع تسارع وتيرة الإطلاقات باستخدام صواريخ «فالكون 9» القابلة لإعادة الاستخدام، نمت الشبكة بشكل أسي ليقترب عدد أقمارها في الربع الأخير من عام 2026 من عتبة 11 ألف قمر اصطناعي نشط في الفضاء.

هذا النجاح التجاري الباهر والقدرة العالية على الصمود في ظروف التشويش العسكري جذبا أنظار وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون).

صورة ظِلّية لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار «ستارلينك» (رويترز)

وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2022، أعلنت شركة «سبيس إكس» رسمياً عن تأسيس وحدة أعمال جديدة ومستقلة تماماً تُدعى «ستارشيلد».

لم تكن هذه الوحدة مجرد تحديث للنظام التجاري، بل كانت استجابة مباشرة لطلب وكالات الاستخبارات والأمن القومي الأميركي لبناء شبكة مخصصة للأغراض العسكرية، ومحاطة بجدار سميك من السرية الحكومية؛ ما جعلها الذراع الفضائية الضاربة للولايات المتحدة وحلفائها.

إعلان لخدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك يظهر على شاشة في ساحة تايمز سكوير بنيويورك (أ.ف.ب)

الهندسة الدقيقة: كيف تتدفق البيانات بين الفضاء والأرض؟

تعتمد منظومة «ستارلينك» المدنية على معمارية معقدة من الأقمار الاصطناعية التي تحلّق في المدار الأرضي المنخفض، على ارتفاعات تتراوح بين 540 و550 كيلومتراً فوق سطح الأرض.

هذا الارتفاع المنخفض يمنح المنظومة ميزة حاسمة تتفوق بها على الأقمار الاصطناعية التقليدية المستقرة في المدار الجغرافي الثابت (على ارتفاع 36 ألف كيلومتر)، حيث يتقلص زمن استجابة الإشارة (الكمون) من 600 مللي ثانية إلى أقل من 25 مللي ثانية.

وتتواصل هذه الأقمار فيما بينها عبر روابط ليزرية فضائية متطورة؛ ما يسمح بنقل البيانات بسرعة هائلة دون الحاجة إلى المرور بمحطات أرضية في كل خطوة. ويستقبل المستخدم النهائي الإشارة عبر هوائي صغير يوجّه نفسه آلياً نحو السماء.

على الجانب الآخر، تعمل منظومة «ستارشيلد» بالفلسفة المدارية ذاتها، لكن مع تعديلات هندسية جذرية ترفع من كفاءتها القتالية.

لا تقتصر أقمار «ستارشيلد» على بث البيانات، بل تُدمج في هياكلها حمولات عسكرية مخصصة تشمل أجهزة استشعار بصرية ورإدارية عالية الدقة لمراقبة الأرض والاستطلاع المستمر، وأنظمة إنذار مبكر لرصد الصواريخ الباليستية والمجنحة الفرط صوتية.

الميزة الأهم في تصميم «ستارشيلد» هي قدرتها على «استضافة الحمولات»، بمعنى أن الحكومات الحليفة يمكنها وضع أجهزتها العسكرية وشفراتها الخاصة مباشرة على متن ناقل الأقمار الاصطناعية الذي تصنعه «سبيس إكس»، مع فصل تام لتدفق البيانات العسكرية عن أي شبكات مدنية.

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)

تشفير السيبرانية وسوق الأسعار: من المجاني إلى مليارات العقود

تخضع منظومة «ستارلينك» لتشفير تجاري قوي يحمي بيانات المستخدمين، وتُباع خدماتها في السوق العالمية بأسعار متاحة للأفراد والشركات.

وتبدأ تكلفة المعدات الأرضية الأساسية للمستخدم المنزلي من نحو 599 دولاراً أميركياً، مع اشتراك شهري يتراوح بين 120 و150 دولاراً، حسب الدولة. وتوفر الشركة باقات مخصصة لقطاعات الطيران، والسفن البحرية، والرحلات البرية بأسعار أعلى تتناسب مع حجم الاستهلاك المرتفع للبيانات.

في المقابل، تدخل «ستارشيلد» في منطقة سعرية وتنظيمية مختلفة كلياً، حيث تحكمها عقود حكومية سرية تُقدر بمليارات الدولارات.

وتتميز هذه الشبكة بمستويات تشفير عسكرية فائقة الأمان ومقاومة للتشويش الإلكتروني النبضي، تلبي الصرامة التي تطلبها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ووكالة الأمن القومي.

وتدير هذه الأقمار قنوات اتصال آمنة ومغلقة تماماً، مخصصة لنقل المعلومات الاستخباراتية المصنفة «سرية للغاية»، ولا يمكن لأي مستخدم مدني الوصول إليها أو كشف تردداتها.

نيران المعارك: خطوط التماس والصدام الأوكراني المفاجئ

لطالما سعت شركة «سبيس إكس» إلى الحفاظ على الطابع المدني لمنظومة «ستارلينك»، مؤكدة في شروط استخدامها أنها مخصصة للأغراض الإنسانية والاتصالات الدفاعية البحتة، ويُحظر توظيفها في توجيه الضربات الهجومية أو إدارة الطائرات المسيرة الانتحارية.

وتسبب هذا الخط الفاصل في أزمات دبلوماسية متكررة بين ماسك والحكومة الأوكرانية، لا سيما عندما قرر الملياردير الأميركي في محطات سابقة تقييد التغطية الفضائية لمنع هجمات أوكرانية خاطفة ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود؛ تفادياً لانزلاق الصراع نحو حرب عالمية ثالثة.

أحد أجهزة «ستارلينك» (رويترز)

لكن المشهد في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2026 شهد تحولاً دراماتيكياً بعد تداخل صلاحيات النظامين. فقد أصدرت الإدارة الأميركية أمراً تنظيمياً لشركة «سبيس إكس» بفرض قيود جغرافية وتقنية مشددة على وحدات «ستارشيلد» الممنوحة للجيش الأوكراني، تقضي بتعطيل الاتصال الفضائي فوراً في حال تحركت الآليات أو الطائرات المسيَّرة بسرعة تتجاوز 160 كيلومتراً في الساعة.

هذا التقييد الصارم أدى إلى إصابة سلاح المسيَّرات الهجومية ومنظومات التوجيه الأوكرانية بشلل شبه كامل على خطوط التماس؛ ما دفع بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للدخول في مواجهة كلامية حادة مع واشنطن، في حين أكد ماسك أن شركته لا تملك خياراً سوى الامتثال للقرارات السيادية الصادرة عن البيت الأبيض؛ كون «ستارشيلد» خاضعة لإشراف البنتاغون الكامل.

أبعاد الملكية والرقابة التنظيمية في قطاع الاتصالات الفضائية

تطرح هذه التطورات المدارية تساؤلات قانونية وتنظيمية في الأوساط الدولية بشأن طبيعة العلاقة بين الشركات التكنولوجية والمؤسسات الحكومية في إدارة العقود الأمنية.

فمن منظور القانون الدولي، تظل شركة «سبيس إكس» المشغل الفعلي للبنية التحتية لشبكة «ستارلينك»؛ ما يضع قطاع الاستثمار الخاص في موقع المؤثر ضمن ترتيبات النقل الفضائي العالمي، وهو ما دفع أطرافاً دولية عدة للمطالبة بوضع أطر تنظيمية تضمن عدم تداخل المصالح التجارية مع السياسات الخارجية للدول.

«ستارلينك» تعتمد على شبكة من الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض ما يتيح اتصالاً سريعاً وكموناً منخفضاً في أصعب البيئات (أدوبي ستوك)

أما فيما يتعلق بمنظومة «ستارشيلد»، فإن طبيعة العقود المبرمة مع وزارة الدفاع الأميركية تخضع لآليات رقابة حكومية صارمة. وبموجب هذه الاتفاقيات، تلتزم الشركة بالقرارات السيادية والتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية في واشنطن، والتي تملك الصلاحية الحصرية في تحديد نطاقات البث والقيود الجغرافية والسرعات المتاحة للمستخدمين.

ويعكس هذا التمايز التشغيلي السياق التنظيمي المعاصر الذي تسعى فيه الحكومات إلى الاستفادة من القدرات التقنية للقطاع الخاص، مع الحفاظ على التزاماتها القانونية والأمنية تحت الإشراف الحكومي المباشر والمنظم.