موقف أميركي «خجول» من قرارات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
TT

موقف أميركي «خجول» من قرارات إسرائيل الجديدة في الضفة الغربية

آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)
آليات إسرائيلية تجرف الأرض تمهيداً لبناء مستوطنات قرب جنين بالضفة الغربية المحتلة... 23 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

قبل أيام من زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى واشنطن، اتخذت حكومته خطوة تبدو للوهلة الأولى «إجرائية» لكنها تحمل مضموناً سيادياً ثقيلاً: قرارات صادرة عن المجلس الوزاري الأمني تُسهّل على الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة الغربية، وتوسّع أدوات الإنفاذ الإسرائيلي داخل مناطق تُدار رسمياً من السلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو.

وبينما أعاد مسؤول في البيت الأبيض تأكيد معارضة الرئيس، دونالد ترمب، لضم الضفة الغربية، فإن ردّ واشنطن جاء بلا «أسنان» سياسية: موقف منسوب لمسؤول مجهول لا يواكبه أي إجراء رادع، ما فتح باب التكهنات بأن الأمر قد يكون غضّ طرفٍ محسوباً أكثر منه اعتراضاً فعلياً.

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

هذا بالضبط ما حدث عشية وصول نتنياهو إلى واشنطن، حيث نقلت «رويترز» عن مصدر في البيت الأبيض، تأكيده أن الرئيس ترمب ما زال يعارض ضم إسرائيل للضفة، ويعتبر أن «استقرار» الضفة يتسق مع هدف السلام وأمن إسرائيل. لكن طريقة إخراج هذا الموقف، فتحت الباب أمام قراءة مختلفة: ليس السؤال هل ترفض واشنطن الضم «كعبارة»، بل هل ترفضه «كسلوك» وتبعات وخطوات تراكمية تقود إليه.

الخطوة الإسرائيلية في جوهرها ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقة ضمن هندسة سياسية معروفة: تغييرٌ تدريجي في قواعد اللعبة داخل الضفة يخلق حقائق جديدة، ثم يُطالب العالم بالتعامل معها كأمر واقع. وهنا يكمن المعنى الأثقل: حتى مع «رفض» الضم رسمياً، يمكن تمرير سياسات تُنتج الضم فعلياً من دون الإعلان عنه. وهذا ما سمّاه بعض المراقبين «الضم بالتقسيط»: تجنب الكلمة المحرِّجة دولياً، مع السير في اتجاهها عملياً.

رد خجول

اقتصار الرد على تسريب أو تصريح بلا هوية رسمية يشي بمحاولة إدارة التوازن بين رسائل متناقضة: طمأنة أطراف عربية ودولية بأن واشنطن لم تغيّر موقفها، وفي الوقت نفسه عدم فتح مواجهة مع نتنياهو، قبيل اللقاء في واشنطن. هذا النوع من «الدبلوماسية الخافتة» ليس تفصيلاً بروتوكولياً: إنه إشارة بأن الاعتراض الأميركي يمكن استيعابه عبر إدارة الضجيج، لا عبر تغيير المسار.

فلسطينيون يتظاهرون أمام جنود إسرائيليين أغلقوا مدخل مخيم نور شمس في الضفة الغربية يوم الاثنين (أ.ف.ب)

والأهم أن الموقف الأميركي، حتى عندما يكون واضحاً لغوياً، يفقد جزءاً كبيراً من مفعوله إذا لم يُترجم إلى تكلفة سياسية. في العادة، الدول لا تغيّر سياساتها بسبب جُمل، بل بسبب معادلة حوافز وعقوبات أو على الأقل رسائل علنية قاطعة. لذلك، فإن «الاعتراض بلا إجراءات» يتحول في الحسابات الإسرائيلية إلى هامش للمناورة، لا إلى خط أحمر.

التوقيت هنا يوحي برسالتين متزامنتين: إلى الداخل الإسرائيلي، بأن الحكومة ماضية في أجندة ترضي قاعدتها اليمينية وتيارات المستوطنين؛ وإلى واشنطن، بأن المجال المتاح لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء يتقلص سريعاً. منطق «التثبيت قبل التفاوض» معروف: خلق حقائق جديدة قبل أي مسار سياسي محتمل، ودخول إلى طاولة تفاوض لاحقة مع أوراق محسومة على الأرض.

كما أن الخطوة تُقرأ ضمن وزن الوزير بتسلئيل سموتريتش داخل الحكومة الإسرائيلية، وإصراره على تفكيك الفكرة العملية للدولة الفلسطينية، حتى لو بقيت كصيغة خطابية. وحين تصير أجندة «تقليص قابلية حل الدولتين» برنامجاً عملياً، تتحول كل تعديلات تقنية إلى رافعة سياسية.

مستوطنون إسرائيليون في جولة أسبوعية بمدينة الخليل بالضفة الغربية في 7 فبراير 2026 (رويترز)

التبعات على حل الدولتين

الضفة الغربية ليست «ملفاً جانبياً» منفصلاً عن غزة؛ هي القلب الجغرافي والسيادي لأي تصور لدولة فلسطينية. لذلك فإن أي خطوة تُضعف القدرة الفلسطينية على إدارة الأرض، أو تغيّر ميزان السلطة داخلها، تُقاس بنتيجة واحدة: هل تجعل الدولة الفلسطينية أقل قابلية للحياة أم أكثر؟ منتقدو الخطوة يرون أنها تسير في الاتجاه الأول، لأنها حتى من دون إعلان ضم، تُسرّع تآكل الفاصل بين سلطة الاحتلال والسلطة المحلية، بما يحولها إلى سلطة إدارة شؤون السكان.

ومن زاوية واشنطن، تظهر مفارقة إضافية: الإدارة التي لا تُبدي حماساً لتبني الإجماع الدولي حول حل الدولتين كحل نهائي، تُسهم عملياً، سواء بقصد أو من دونه، في تقليص البدائل أيضاً. فكلما تراجعت «قابلية الدولتين»، تزداد احتمالات السيناريوهات الصفرية: إدارة أمنية مفتوحة، أو انفجارات دورية، أو واقع دولة واحدة بلا مساواة، وهو ما يجعل «الاستقرار» الذي يتحدث عنه البيت الأبيض هدفاً أصعب، لا أسهل.

ردود الفعل التي نقلتها الصحافة الأميركية، عن إدانات عربية وإسلامية وقلق أممي، تعكس أن الضفة ما زالت خطاً أحمر سياسياً لكثير من العواصم، حتى تلك التي تربطها بإسرائيل قنوات اتصال أو مصالح. كما أن أي شعور بأن واشنطن «تتساهل» سيُحرج حلفاءها ويُضعف قدرتهم على الدفاع عن شراكاتهم أمام الرأي العام.

جرافات عسكرية إسرائيلية تهدم 3 منازل يملكها فلسطينيون في قرية شقبا غرب مدينة رام الله بالضفة الغربية في 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وعلى المستوى الأممي، تكرار تحذيرات المؤسسات الدولية، مثل موقف مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يُعيد تثبيت الإطار القانوني الذي تعتبره إسرائيل مُقيداً وغير عادل، بينما تراه أطراف أخرى أساساً لأي تسوية. هذا التباين ليس جديداً، لكن الجديد هو أن السياسات على الأرض تتقدم أسرع من قدرة الدبلوماسية على اللحاق بها.

وإذا كان المطلوب حقاً «استقرار الضفة»، فالسؤال ليس عن تكرار العبارة، بل عن معنى الاستقرار: هل هو هدوء مؤقت تحت ضغط الأمر الواقع، أم استقرار نابع من أفق سياسي قابل للتطبيق؟ ما يجري يوحي بأن واشنطن، حتى الآن، تميل إلى الخيار الأول، وهذا ما يجعل كل خطوة إسرائيلية جديدة تُقرأ كاختبار لمصداقية «الرفض» الأميركي، لا كحدث منفصل بذاته.


مقالات ذات صلة

كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم التعافي من الهجمات السيبرانية في السعودية؟

خاص توسّع الذكاء الاصطناعي يرفع حجم المخاطر السيبرانية مع ازدياد عدد الوكلاء الرقميين والهويات التي تحتاج إلى حماية واستعادة (أدوبي)

كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم التعافي من الهجمات السيبرانية في السعودية؟

تبحث مؤسسات سعودية تعزيز قدرتها على التعافي من الهجمات السيبرانية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في المملكة

نسيم رمضان (الرياض)
العالم العربي المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

غروندبرغ يحذر من عودة الحرب الشاملة في اليمن بعد تصعيد الحوثيين

حذّر هانس غروندبرغ، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، من أن التصعيد العسكري الأخير لجماعة الحوثي يهدد بإعادة اليمن إلى دائرة نزاع واسع.

عزيز مطهري (الرياض)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظف» معروضة خارج متجر «تارغت» في إنسنيتاس بكاليفورنيا (رويترز)

أدنى مستوى منذ شهور... تراجع فرص العمل في أميركا بـ300 ألف وظيفة

تراجع عدد فرص العمل في الولايات المتحدة إلى 6.9 مليون خلال فبراير (شباط)، في مؤشر إضافي على تباطؤ سوق العمل الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة سعودية كريستيانو رونالدو (موسم الرياض)

ربع النهائي يكتمل في «بريميير بادل»... ورونالدو يخطف الأنظار

شهدت البطولة حضوراً جماهيرياً كبيراً على مدار يومي أمس واليوم، يتقدمهم نجم نادي الهلال ثيو هرنانديز، والبرتغالي جواو فيليكس، والنجم العالمي كريستيانو رونالدو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي إسرائيليون يشعلون النار خلال احتجاج مناهض للحكومة يطالب بإنهاء الحرب في غزة (أ.ف.ب) p-circle

«يأس وصدمة وانتقادات علنية»... تصاعد الغضب الداخلي في إسرائيل من حرب غزة

تواجه إسرائيل غضباً داخلياً واسعاً مع دخول حربها في غزة مرحلة جديدة من العنف.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: فانس يسعى إلى استمالة ناخبي ترمب الساخطين لتشكيل تحالف «يميني جديد»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فانس يسعى إلى استمالة ناخبي ترمب الساخطين لتشكيل تحالف «يميني جديد»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب)

كشف تقرير جديد عن أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يسعى إلى تشكيل تحالف جديد يضم ناخبين سبق أن أيدوا الرئيس دونالد ترمب، لكنهم باتوا يشعرون بخيبة أمل إزاء سياساته، وذلك في إطار الاستعداد للانتخابات الرئاسية عام 2028، وفقاً لشبكة «فوكس نيوز».

وفي صباح الأربعاء، عقب الهزيمة القاسية التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، بدأ فانس في بلورة نهجه الإعلامي الخاص، معرباً عن اختلافه مع ترمب بشأن السياسة الخارجية والعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

ونقلت «فوكس نيوز» عن مصدر مطلع على التطورات التي أعقبت الانتخابات أن اجتماعاً عُقد في البيت الأبيض صباح الأربعاء، بهدف توحيد الرسائل الإعلامية لمسؤولي الإدارة في مرحلة ما بعد انتخابات التجديد النصفي. في المقابل، وصف مصدر ثانٍ مطلع الاجتماع بأنه مجرد لقاء روتيني لكبار الموظفين.

وكتب فانس في منشور: «السبب في خسارتنا هو الحرب. وقد صرّح الرئيس نفسه بذلك الليلة الماضية».

وأضاف: «إذا أردتم المجادلة بأن الأمر كان يستحق العناء، أي أن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت ثمناً مقبولاً، فافعلوا ذلك. جادلوا بأنها كانت تكلفة تستحق الدفع. وسواء اتفقتم أو اختلفتم، فهذا على الأقل موقف يتسم بالصدق».

وتابع: «لكن الجميع يدركون سبب خسارتنا. وأي نقاش نزيه حول مسارنا المستقبلي يجب أن يبدأ من هذه النقطة».

وأشار فانس في منشوره إلى أن أحد خبراء استطلاعات الرأي، الذي وصفه بأنه «واحد من أذكى الأشخاص الذين أعرفهم في مجال السياسة»، حدد أربع مهام من شأنها استعادة الناخبين إلى صفوف الحزب الجمهوري، وهي: إنهاء الحرب في إيران، والتركيز على تكاليف المعيشة والتضخم، وتبنّي نهج «أميركا أولاً»، و«تغيير علاقتنا مع إسرائيل».

تحالف «اليمين الجديد»

وقال مسؤول في إدارة ترمب لشبكة «فوكس نيوز» إن هذه المهام الأربع تمثل دعوة من فانس لحشد «اليمين الجديد»، وهو مصطلح يُستخدم على نطاق واسع لوصف تحالف من الجمهوريين الذين يتبنون التوجهات الأصلية لحركة «أميركا أولاً» التي أطلقها ترمب.

وتقوم هذه التوجهات على تجنّب الانخراط في الصراعات الخارجية، وجعل الولايات المتحدة مكاناً ميسور التكلفة للأميركيين لتربية أسرهم، وإغلاق الحدود.

غير أن المصدر أشار أيضاً إلى أن هؤلاء الناخبين يرون أن ترمب يتماهى أكثر مما ينبغي مع إسرائيل في قضايا السياسة الخارجية.

وفي أوساط بعض التيارات اليمينية، يرتبط احتمال اندلاع حرب مع إيران ارتباطاً وثيقاً بنفوذ إسرائيل في الشرق الأوسط، وبطبيعة العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأوضح المسؤول أن نهج فانس لا يمثل انفصالاً عن ترمب، على غرار ما فعله نائب الرئيس السابق مايك بنس عندما انتقد ترمب عقب أحداث الشغب في مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021.

وبدلاً من ذلك، يسعى فانس، وفقاً للمسؤول، إلى توجيه رسالة واضحة إلى الجمهوريين المؤيدين لترمب الذين يختلفون مع سياسته الخارجية، أو يشعرون بأنهم تعرضوا للخيانة بسببها. وتتلخص هذه الرسالة في عبارة: «فانس هو مرشحنا».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

تباين بشأن الحرب مع إيران

وعلى مدى العامين الماضيين، لم يبتعد فانس كثيراً عن الخطاب الذي يتبناه ترمب والبيت الأبيض، رغم أنه كان من بين القلائل الذين أعربوا عن قلقهم إزاء الحرب الدائرة مع إيران.

ورغم الصداقة التي تجمعه بوزير الحرب بيت هيغسيث، فإن تقارير، إلى جانب تصريحات أدلى بها نائب الرئيس نفسه، تشير إلى وجود تباين في موقفه من الصراع مع إيران.

وكان ترمب قد أقرّ، في وقت سابق من العام الحالي، بأن فانس كان «ربما أقل حماساً» لفكرة شن هجوم على إيران منذ البداية.

ويُنظر إلى فانس على نطاق واسع بوصفه أحد أبرز المرشحين الجمهوريين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2028، إلى جانب ماركو روبيو، الذي يشغل منصب وزير الخارجية في إدارة ترمب.


المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)

رغم إنفاق ملايين الدولارات في انتخابات التجديد النصفي الأميركية للتأثير في خيارات الناخبين، لم تحقق هذه المبالغ الأثر المرجو منها، ولم تحقق النتيجة المتوخاة منها، بل إن الهزيمة السياسية التي مُني بها الجمهوريون في الكونغرس شكلت أيضاً انتكاسة للملياردير إيلون ماسك، أكبر ممولي حملاتهم.

وانتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، الثلاثاء، محققين انتصارات في سباقات انتخابية ضخت فيها المجموعات المحافظة أموالاً تفوق بكثير ما أنفقه منافسوها الليبراليون.

وكتب مؤسس موقع «ريس تو ذا وايت هاوس» المتخصص في التوقعات الانتخابية، لوغان فيليبس، على منصة «إكس»: «قد تكون هذه أكبر هزيمة للمال السياسي في تاريخ الولايات المتحدة»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أمّا ماسك فعلّق ساخراً على «إكس»، قائلاً: «يبدو أن أشعة الليزر الفضائية التي استخدمتها للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة».

ووفق منظمة «أوبن سيكريتس» المتخصصة في تمويل الحملات الانتخابية، ضخّ ماسك نحو نصف مليار دولار دعماً للجمهوريين، ليصبح أكبر مساهم فردي في دورة انتخابية منذ عام 2010.

وكانت المحكمة العليا الأميركية قضت في ذلك العام بعدم جواز تقييد الإنفاق السياسي للشركات والنقابات وغيرها من الكيانات المستقلة، ما فتح الباب أمام ضخّ أموال طائلة في الحملات الانتخابية، من دون الإفصاح عن مصدرها أحياناً.

«عمالقة» في مواجهة «عمالقة»

أنفق ماسك أكثر من 200 مليون دولار دعماً لكين باكستون، المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ في تكساس، الذي هزم أمام جيمس تالاريكو، ليصبح هذا الأخير أول ديمقراطي يفوز بمنصب على مستوى الولاية في تكساس منذ عام 1994.

وقال تالاريكو: «في هذا السباق، واجهنا عمالقتنا: أغنى رجل في العالم، وأقوى رجل في العالم، والمنظومة السياسية بأكملها في واشنطن».

كذلك، هاجم أصحاب المليارات «الذين يملكون خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الأخبار التلفزيونية، والسياسيين»، والذين «يريدون لنا أن نبقى في حالة اقتتال دائم».

في أوهايو، تمكن الديمقراطي شيرود براون من إلحاق الهزيمة بالجمهوري جون هوستد في ثاني أغلى سباق انتخابي في البلاد، بعدما تجاوز حجم الإنفاق فيه 500 مليون دولار.

وفي جورجيا، فازت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز بمنصب حاكمة الولاية على حساب رجل الأعمال الملياردير في قطاع الرعاية الصحية ريك جاكسون، الذي أنفق أكثر من 200 مليون دولار من ثروته الشخصية على حملته، حسب صحيفة «أتلانتا جورنال-كونستيتيوشن».

وخسر الملياردير فيفيك راماسوامي سباق حاكم ولاية أوهايو أمام الديمقراطية آيمي أكتون، رغم إنفاقه نحو 36 مليون دولار من أمواله الخاصة.

ولم تحقّق الأموال الآتية من قطاع الذكاء الاصطناعي النتائج المرجوة أيضاً.

ففي كارولاينا الجنوبية، أنفقت منظمة «أميركان ميشن»، الذراع الجمهورية لشبكة «ليدينغ ذا فيوتشر» المدعومة من رئيس شركة «أوبن إيه آي» غريغ بروكمان وشركة «أندريسن هورويتز» الاستثمارية، نحو 2,7 مليون دولار دعماً للمرشحة دارلين غراهام، التي هزمت أمام الديمقراطية آني أندروز في ولاية فاز فيها ترمب بفارق 18 نقطة مئوية.

«لا يمكن أن يستسلموا»

في المقابل، حظي الديمقراطيون أيضاً بدعم من أصحاب المليارات. فقد أنفق رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ 80 مليون دولار على انتخابات مجلسَي النواب والشيوخ وحكام الولايات، ثم أضاف 36 مليوناً أخرى في الأيام الأخيرة من الحملة، حسب موقع بوليتيكو.

وقال مستشاره السياسي هوارد وولفسون لشبكة «سي إن إن»: «المال ليس العامل الحاسم، لكنه يساعد»، مشيراً إلى أفضلية الجمهوريين في هذا الجانب.

من جهته، دعا ريد هوفمان، الشريك المؤسس لـ«لينكد إن»، الذي أسهم بـ11,5 مليون دولار للجنة السياسية الداعمة لتالاريكو، إلى إبعاد المال عن السياسة.

وكتب على منصة «إكس»: «في وقت ينفق فيه أشخاص مثل إيلون مبالغ طائلة للإبقاء على مهرّجين سلطويين في السلطة، لا يمكن أولئك الذين يؤمنون بالمثل الأميركية أن يستسلموا».

وفي كاليفورنيا، بدا أن مقترح فرض ضريبة استثنائية بنسبة خمسة في المائة على ثروات أصحاب المليارات في الولاية فشل، بعدما أنفق عدد من أثريائها مئات الملايين من الدولارات لإسقاطه.


بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
TT

بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

أقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحرب مع إيران كلفت الجمهوريين ثمناً باهظاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية. والآن، يتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيضع حداً لخسائره ويسعى للتوصل إلى اتفاق، أم سيواصل التصعيد ويعود إلى القصف ومواجهة إيران.

وانتزع الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، في هزيمة قاسية للجمهوريين من شأنها أن تضع عراقيل شتى أمام ترمب في آخر سنتين من ولايته الرئاسية.

وتمكّن الديمقراطيون من إحكام سيطرتهم على مجلسَي الشيوخ والنواب، بعدما أدار الناخبون في عدد من المعاقل المحافظة ظهورهم للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب. ووصل هذا التحول إلى ولاية تكساس، التي تحولت إلى اللون الأزرق، رمز الحزب الديمقراطي، بعد عقود من الهيمنة الجمهورية.

وكان ترمب قد صرح، على مدى أسابيع، بأنه سينهي الحرب مع إيران بطريقة أو بأخرى بعد الانتخابات. وفي هذا السياق، قال أحد مستشاريه السابقين لموقع «أكسيوس»: «خسارة انتخابات التجديد النصفي شيء، لكن ترمب لا يريد أن يبدو خاسراً مرتين». وقد ترك هذا حتى أقرب مساعديه في حالة من عدم اليقين بشأن خطوته المقبلة.

فلماذا يعد هذا مهماً؟ كل الخيارات المتاحة أمام ترمب تنطوي على إشكاليات، وفقاً لما ذكره تقرير لموقع «أكسيوس» الإخباري.

الخيار الأول

هو توجيه ضربات عسكرية؛ لكن العودة إلى الحرب ستكون خطوة غير شعبية على الإطلاق، إذ ستؤدي إلى بقاء أسعار الوقود مرتفعة، ومن المرجح ألا تحقق نتائج عسكرية أفضل.

الخيار الثاني

هو التفاوض؛ لكن إذا رفض المسؤولون الإيرانيون تقديم تنازلات -أو إذا استشعروا ضعفاً لدى الإدارة الأميركية عقب الهزيمة السياسية للرئيس وقرروا رفع سقف مطالبهم- فسيواجه ترمب صعوبة بالغة في التوصل إلى اتفاق.

الخيار الثالث

هو «خنق» النظام الإيراني، كما يصفه مساعدو ترمب؛ ويعني ذلك الإبقاء على الوضع الراهن -أي استمرار الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية القاسية التي تترك النظام الإيراني «يتآكل» من الداخل- مع الاستمرار في اختبار مدى استعداده للتوصل إلى اتفاق. غير أن هذا المسار قد يستغرق أشهراً قبل أن تظهر أي مؤشرات على إحراز تقدم.

نقطة مثيرة للاهتمام

في تصريح لافت صباح الأربعاء، حمّل نائب الرئيس فانس الحربَ المسؤولية المباشرة عن الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، مما أضاف بُعداً سياسياً جديداً لحسابات ترمب.

وكتب فانس على منصة «إكس»: «السبب في خسارتنا هو الحرب. وقد أكد الرئيس نفسه ذلك الليلة الماضية. إذا كنتم ترغبون في المجادلة بأن الأمر كان يستحق العناء، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت ثمناً مقبولاً، فافعلوا ذلك... لكن الجميع يدركون سبب خسارتنا، وأي نقاش صادق حول مسارنا المستقبلي يجب أن يبدأ من هذه النقطة». كما أشار فانس إلى أن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل شكلت عبئاً كبيراً على الجمهوريين.

ومن جانبه، صرح ترمب للصحافيين أمس بأن تحليل فانس «صحيح إلى حد كبير»، نظراً لأن الحرب تسببت في ارتفاع أسعار الوقود. لكن ترمب قال إنه سيكرر ذلك إذا لزم الأمر، مضيفاً: «لم يكن أمامنا خيار. لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ورداً على سؤال حول متى سينهي الحرب، أجاب ترمب: «في أي وقت أريد. لكن يجب أن يتم الأمر بشكل صحيح، لأنه لا يمكن السماح لهم بامتلاك سلاح نووي».

كواليس الأشهر الأخيرة

في الأشهر الأخيرة، قاد فانس تياراً داخل الدائرة المقربة من ترمب، حثه على التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب. وذكرت مصادر أن فانس اتهم -في أحاديث خاصة- رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه «مخطئ في كل شيء» فيما يتعلق بإيران.

وأشارت المصادر إلى أن فانس حذر من أن الحرب تحظى بمعارضة شعبية واسعة، وقد تكلف الجمهوريين خسارة الانتخابات.

ورغم أن معظم كبار المسؤولين المحيطين بترمب شاركوا فانس وجهة نظره، فإن ترمب ظل يميل نحو استئناف الحرب؛ بل إنه فكر في مرحلة ما بشن ضربات قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو ما كان يضغط عليه نتنياهو للقيام به.

قرر ترمب الانتظار، لكنه -خلافاً لنصيحة كبار مستشاريه- أعلن دعمه لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الأسبوع الماضي.

ماذا يحدث الأن؟

يقول مسؤولون أميركيون إن الجيش الأميركي يضع اللمسات الأخيرة على استعداداته لاحتمالية استئناف عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران، بما في ذلك إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة.

وفي الوقت ذاته، يعمل الوسطاء على حشد دعم كل من الولايات المتحدة وإيران لمسودة اتفاق تهدف إلى منع العودة إلى القتال، وربما استئناف المحادثات المباشرة خلال الأيام المقبلة، وفقاً لمصادر إقليمية.

وكان الوسطاء قد سألوا مسؤولين في البيت الأبيض، قبل الانتخابات، عما سيفعله ترمب في حال خسارته، لكن مستشاري الرئيس لم يقدموا إجابة حاسمة، حسب مصدر مطلع لموقع «أكسيوس».

وقال مسؤول أميركي: «أبلغنا الجميع بأننا ننتظر أولاً لنرى كيف ستؤول نتائج الانتخابات بالنسبة إلينا».

«لا حرب ولا اتفاق»

واحتفى مسؤولون إيرانيون بهزيمة ترمب الانتخابية، معتبرين أنها دليل على أنهم ينتصرون في الحرب. كتب محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة «إكس»: «لقد ألحق الشعب الإيراني بترمب هزيمة استراتيجية في ساحة المعركة وفي مضيق هرمز، وهزيمة سياسية في واشنطن. وفي الوقت ذاته، وجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لتحمل تكاليف حربه».

ويرى دبلوماسيون مشاركون في جهود الوساطة، ومستشارون لترمب، وخبراء في شؤون الشرق الأوسط، أن تباهي إيران بانتصارها قد يدفع الرئيس الأميركي للعودة إلى خيار الحرب.

ويضغط كل من مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) جون راتكليف، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ومستشارون آخرون، على ترمب لمواصلة الحصار البحري وحملة الضغوط الاقتصادية لفترة أطول، بهدف زيادة الخناق على إيران.

خلاصة القول: لا توجد طريقة سهلة أو مباشرة أمام ترمب «لإنجاز المهمة» في إيران.