بين صفقة وضربة... هل اقترب العمل العسكري ضد إيران؟

واشنطن تحت الضغط لإثبات جدوى الحشد الكبير في الشرق الأوسط

معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)
معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)
TT

بين صفقة وضربة... هل اقترب العمل العسكري ضد إيران؟

معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)
معدات عسكرية بينها طائرات هليكوبتر فوق حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)

رغم تقارير عن وساطات ورسائل متبادلة بين واشنطن وطهران، فإن «المفاوضات» تبدو، حتى اللحظة، أقرب إلى محاولة لتفادي الانفجار؛ لا إلى مسار حقيقي.

وتفيد المؤشرات المتوفرة، وفق مصادر ووسائل إعلام غربية، بأن الطرفين لم يدخلا في مفاوضات مباشرة وجدية، وبأن الخلاف على «شروط الدخول» هو نفسه بات رسالة سياسية: إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تريد اتفاقاً يشمل: الملف النووي، والصواريخ الباليستية، ودور إيران الإقليمي، فيما تُصر طهران على حصر أي نقاش في البرنامج النووي فقط.

ويدفع ذلك إلى الاعتقاد بأن طهران قد تكون متأكدة من أن عرض ترمب لعقد «صفقة» لا يعدو خديعة، فيما هو يستعد بشكل جدي لعمل عسكري ضدها، في تكرار لما جرى خلال يونيو (حزيران) 2025 عندما قصف منشآتها النووية. وبالتوازي مع تصعيد لهجة ترمب، فإن هذا الانسداد يُعيد سؤالاً ثقيلاً إلى الواجهة: هل تتحول الدبلوماسية غطاءً لعمل عسكري، أم إلى آخر فرصة لمنعه؟

جدارية جديدة في طهران تندد بالولايات المتحدة بعد تهديدات الرئيس دونالد ترمب الأخيرة (إ.ب.أ)

تصعيد مختلف

الفارق الأساسي هذه المرة هو حجم «التموضع» العسكري وطبيعته المركّبة: ليس مجرد استعراض، بل حزمة هجومية - دفاعية تُوحي بالجاهزية لسيناريوهات متعددة، بعد وصول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية إلى منطقة عمليات «القيادة الوسطى الأميركية»، بما يسمح بدعم ضربات أو حماية الحلفاء من ردود انتقامية.

ويترافق ذلك مع تعزيزات دفاع جوي («باتريوت» و«ثاد»... وغيرهما)، وتدريبات جوية تُركز على «الانتشار والتشغيل وتوليد الطلعات» تحت ظروف صعبة، وفق «القيادة الوسطى الأميركية»، وهو نمط يرتبط عادةً برفع الجاهزية لاحتمالات الردود المتبادلة.

في المقابل، تُدرك واشنطن أن أي عملية ضد إيران ليست «عملية دقيقة» من نمط ما جرى في فنزويلا؛ حيث سبق للولايات المتحدة أن حشدت قوات كبيرة في الكاريبي ضمن حملة انتهت بعملية اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو مطلع يناير (كانون الثاني) 2026. إيران جغرافياً أعقد، وقدراتها الصاروخية وطبقات دفاعها مما يجعل «الضربة الحاسمة» أصعب، حتى لو كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً ساحقاً.

طائرة «إي إيه 18 غرولر» المختصة في تعطيل شبكات الاتصالات والتشويش تنطلق من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (أ.ب)

خيارات ترمب

تسريبات سابقة حددت نهاية هذا الشهر موعداً لضربة أميركية، تبقى حتى الآن غير مؤكدة علناً. لكن خطورة تداولها أنها تخلق دينامية سياسية - عسكرية في حد ذاتها: عندما تُحشد قوة بهذا الحجم، فإن الضغط داخلياً وخارجياً على البيت الأبيض يزيد لتبرير التكلفة بتحقيق «نتيجة» ما، ولو كانت محدودة.

في الوقت نفسه، قد تكون التسريبات جزءاً من حرب نفسية لإجبار طهران على تقديم تنازل قبل أن «يغلَق» هامش التراجع. وعليه؛ فالقاعدة العملية هنا أنه ما لم يعلَن قرار سياسي واضح، فإن السيناريو يبقى مفتوحاً على 3 احتمالات متدرجة: ضربة محدودة لفرض قواعد اشتباك جديدة؛ أو حملة أوسع تستهدف بنى نووية - صاروخية ومفاصل أمنية؛ أو استمرار الضغط العسكري بوصفه رافعة تفاوضية دون إطلاق نار.

وفق «فاينانشال تايمز»، فإن خيارات ترمب إذا قرر تنفيذ عمل عسكري، تتراوح بين: ضربة «عقابية» محدودة تستهدف مواقع صاروخية ومسيّرات أو منشآت مرتبطة بـ«الحرس الثوري»؛ لرفع تكلفة الرفض الإيراني دون السعي إلى إسقاط النظام.

وثمة خيار يشمل توسيع بنك الأهداف إلى منشآت نووية يجري تحصينها وإعادة بنائها، خصوصاً بعد حديث غربي عن محاولات إيرانية لإعادة العمل في مواقع أعمق تحت الأرض. وكذلك مجموعة خيارات ضغط غير تقليدية، مثل تشديد الحصار البحري، أو ضرب «بنى الدولة»؛ بوصف ذلك رسالة سياسية... وهي خيارات أعلى مخاطرة؛ لأنها ترفع احتمالات الرد خارج قواعد الاشتباك.

لكن المفصل الحاسم هو «نهاية اللعبة»، فالإدارة الأميركية نفسها تعترف، ضمناً، بأن إسقاط رأس النظام لا يضمن انهياره، وأن سؤال «مَن التالي؟» لا جواب جاهزاً عنه حتى الآن.

هذا ما يفسر التحذير المتكرر؛ في تقديرات تُسرَّب إلى الإعلام، وتصريحات مسؤولين أميركيين، بأن النظام «أضعف من أي وقت»، لكن «الضربة القاصمة ليست مضمونة النتائج».

مؤشر الأسعار في بورصة باكستان يهوي يوم 29 يناير 2026 على خلفية التوترات بين واشنطن وطهران (إ.ب.أ)

كيف يمكن أن ترد إيران؟

تلوّح طهران مسبقاً بأن أي هجوم هو «بداية حرب»، وبأن الرد قد يطول إسرائيل، خصوصاً تل أبيب، إضافة إلى «كل من يدعم المعتدي». وفي المدى العملياتي، تملك إيران سُلّماً للرد؛ يبدأ من ضرب قواعد أميركية في المنطقة بصواريخ أو مسيّرات، مروراً بتفعيل وكلاء إقليميين، وصولاً إلى تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وهو السيناريو الأشد تأثيراً عالمياً.

الاحتمال الأخير قد يكون من بين أبرز الأسباب التي دعت دول المنطقة إلى تجنب الحرب ومتابعة الجهود الدبلوماسية مع التشديد على الحياد، الأمر الذي قد يزيد من الجهود اللوجيستية الأميركية في أي عملية واسعة، ويزيد الاعتماد على منصات بحرية بعيدة.

بيد أن الأسواق أعطت إنذاراً مبكراً؛ فقد ارتفعت أسعار النفط على مدى 3 جلسات متتالية وسط مخاوف من انقطاع الإمدادات، مع اقتراب سعر خام «برنت» من عتبة 70 دولاراً وارتفاع «علاوة المخاطر الجيوسياسية»، فضلاً عن تحليق سعر الذهب بصفته ملاذاً آمناً. وإذا وقعت ضربة فعلاً، فالتداعيات المحتملة ثلاثة: اقتصادياً؛ قفزة في النفط، وضغط على الشحن والتأمين، وتوتر في أسواق الخليج.

أمنياً؛ توسيع ساحات الاشتباك لتشمل العراق وسوريا والخليج وإسرائيل، مع ارتفاع مخاطر الأخطاء الحسابية. سياسياً؛ تقليص فرص أي تفاوض قريب... أو العكس ضربة محدودة تُستخدم لفرض «طاولة بشروط أقسى».


مقالات ذات صلة

أين العراق من التصعيد الحاصل بين إيران والولايات المتحدة؟

تحليل إخباري مؤيدون لنوري المالكي يتظاهرون مساء الأربعاء 28 يناير خارج «المنطقة الخضراء» في بغداد تنديداً بكلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أين العراق من التصعيد الحاصل بين إيران والولايات المتحدة؟

هل يمكن أن يجرّ التصعيد الحاصل بين الولايات المتحدة وإيران العراق مجدداً إلى اضطرابات شهدها في الماضي وبالكاد بدأ يتعافى منها؟

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية عراقجي يجلس بجوار قائد الوحدة البحرية علي رضا تنكسيري خلال مراسم ذكرى قاسم سليماني (الخارجية الإيرانية)

طهران: إدراج «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب «خطأ استراتيجي»

ندد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الخميس، بقرار الاتحاد الأوروبي تصنيف «الحرس الثوري» تنظيماً إرهابياً، واصفاً الخطوة بـ«خطأ استراتيجي كبير».

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مصافحاً نظيره التركي هاكان فيدان خلال زيارته لطهران في نوفمبر 2025 (الخارجية التركية)

تركيا تكثف جهود الوساطة بين إيران وأميركا

يزور وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أنقرة الجمعة في ظل مساعٍ تركية للوساطة لمنع ضربة عسكرية أميركية لبلاده.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل على مبنى التنسيق الإيراني - الفلسطيني وسط طهران (إ.ب.أ)

إيران تجهز مناورات هرمز... وألف مسيرة تتأهب

أعلن الجيش الإيراني الخميس إلحاق «ألف مسيّرة استراتيجية» بمنظومته القتالية متعهداً بالرد «الساحق» على أي ضربة وطالبت صحيفة «كيهان» المتشددة بإغلاق مضيق هرمز

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

روسيا: باب التفاوض بين واشنطن وطهران لم يغلق

قالت روسيا، الخميس، إن الباب ما زال مفتوحاً أمام إجراء محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، محذرةً من أن أي استخدام للقوة ضد طهران قد يؤدي إلى فوضى إقليمية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ترمب: «حماس» كان لها دور كبير في استعادة الرهائن من غزة

الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب وبجواره وزير الحرب بيت هيغسيث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب وبجواره وزير الحرب بيت هيغسيث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب: «حماس» كان لها دور كبير في استعادة الرهائن من غزة

الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب وبجواره وزير الحرب بيت هيغسيث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب وبجواره وزير الحرب بيت هيغسيث في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب إن حركة «حماس» الفلسطينية كان لها دور كبير في استعادة الرهائن من غزة، مضيفاً: «يبدو أنها ستنزع سلاحها».

وقال الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، إنه استعاد رفات ضابط ‌الشرطة ‌الإسرائيلي ‌ران غفيلي، وهو ​آخر ‌رهينة كان محتجزاً في قطاع غزة، منذ هجوم «حماس» على جنوب الدولة العبرية في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأضاف الجيش أن استعادة جميع ‌الرهائن الأحياء والمتوفين في غزة تستكمل بنداً أساسياً في الجزء الأول ​من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ⁠لإنهاء الحرب في غزة، في حين أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستعادة رفات «آخر رهينة» احتُجز في قطاع غزة.

‌وأشار ترمب، خلال اجتماع للحكومة في البيت الأبيض، إلى أنه ‌يعتزم فتح ​المجال ‌الجوي الفنزويلي بعد محادثة أجراها، اليوم (الخميس)، مع ‌الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

وأضاف أن شركات النفط ​الأميركية الكبرى ستتوجه إلى فنزويلا لاستكشاف فرص الاستثمارات، وفقاً لوكالة «رويترز».


الرقابة الأميركية للمنصات الاجتماعية للزوار تهدد السياحة

تشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب وسائل التواصل الاجتماعي يسبب عزوف الناس عن زيارة الولايات المتحدة (رويترز)
تشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب وسائل التواصل الاجتماعي يسبب عزوف الناس عن زيارة الولايات المتحدة (رويترز)
TT

الرقابة الأميركية للمنصات الاجتماعية للزوار تهدد السياحة

تشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب وسائل التواصل الاجتماعي يسبب عزوف الناس عن زيارة الولايات المتحدة (رويترز)
تشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب وسائل التواصل الاجتماعي يسبب عزوف الناس عن زيارة الولايات المتحدة (رويترز)

تهدد خطة أميركية لتشديد الرقابة على استخدام الزوار الأجانب لوسائل التواصل الاجتماعي بخفض الدخل السياحي بما يصل إلى 15.7 مليار دولار هذا العام، نتيجة عزوف الناس عن زيارة الولايات المتحدة، على ما ذكرت مجموعة تعنى بالقطاع، الخميس.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أظهر استطلاع للرأي أجراه المجلس العالمي للسفر والسياحة، وشمل مسافرين محتملين إلى الولايات المتحدة من دول معفاة من التأشيرة، أن 34 في المائة منهم قالوا إنهم «سيقللون بشكل ملحوظ أو كبير من احتمالية زيارتهم للولايات المتحدة خلال العامين أو الثلاثة الأعوام المقبلة» في حال تطبيق هذا الإجراء.

وقدّر المجلس أن يؤدي ذلك إلى انخفاض عدد الوافدين الدوليين هذا العام بمقدار 4.7 مليون زائر، أي بنسبة 24 في المائة عن المعدلات المعتادة، وربما يُقلل من فرص العمل في قطاع السياحة الأميركي بمقدار 157 ألف وظيفة.

ويشمل المقترح الأميركي الذي طُرح في ديسمبر (كانون الأول)، زواراً من 42 دولة من بينها بريطانيا وفرنسا وأستراليا واليابان، ممن لا يحتاجون إلى تأشيرة دخول للولايات المتحدة.

وفي الوقت الحالي، لا يحتاج هؤلاء المسافرون إلا إلى تقديم طلب للحصول على إعفاء يُعرف باسم نظام تصريح السفر الإلكتروني (إستا).

وبموجب القواعد الجديدة، سيصبح جمع بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك سجل الاستخدام خلال السنوات الخمس الماضية، جزءاً «إلزامياً» من طلبات الحصول على تصريح السفر الإلكتروني.

وسيتعين على مقدمي الطلب استكمال حقول بيانات أخرى «مهمة»، تشمل أرقام الهواتف خلال السنوات الخمس الماضية وعناوين البريد الإلكتروني خلال العقد الماضي، والبيانات الشخصية لأفراد العائلة والمعلومات البيومترية.

وقالت رئيسة المجلس غلوريا غيفارا في بيان إن «أمن الحدود الأميركية أمر بالغ الأهمية، لكن التغييرات المقترحة في السياسة ستضر باستحداث فرص العمل».

في 2024 ساهم قطاع السياحة بمبلغ 2.6 تريليون دولار في الاقتصاد الأميركي، ووفر أكثر من 20 مليون وظيفة. كما حقق أكثر من 585 مليار دولار من عائدات الضرائب، أي ما يقارب 7 في المائة من الإيرادات الإجمالية.


مفاوضات اللحظات الأخيرة قبل إغلاق حكومي في أميركا

مبنى الكابيتول في واشنطن حيث تجري المفاوضات والمحادثات لتجنب إغلاق حكومي جديد هو الثاني خلال 4 أشهر (أ.ف.ب)
مبنى الكابيتول في واشنطن حيث تجري المفاوضات والمحادثات لتجنب إغلاق حكومي جديد هو الثاني خلال 4 أشهر (أ.ف.ب)
TT

مفاوضات اللحظات الأخيرة قبل إغلاق حكومي في أميركا

مبنى الكابيتول في واشنطن حيث تجري المفاوضات والمحادثات لتجنب إغلاق حكومي جديد هو الثاني خلال 4 أشهر (أ.ف.ب)
مبنى الكابيتول في واشنطن حيث تجري المفاوضات والمحادثات لتجنب إغلاق حكومي جديد هو الثاني خلال 4 أشهر (أ.ف.ب)

تكثف الإدارة الأميركية في البيت الأبيض، والمشرعون في الكونغرس، جهودهم لتجنب إغلاق حكومي جزئي جديد، سيكون الثاني خلال 4 أشهر فقط، حيث يهدد الديمقراطيون في مجلس الشيوخ بعرقلة مشروع قانون يمول وزارة الأمن الداخلي والعديد من الوكالات الأخرى، ما قد يقرب الحكومة خطوة أخرى من الإغلاق الجزئي، إذا لم يتفق الجمهوريون والبيت الأبيض بحلول مساء الجمعة على قيود جديدة على حملة الرئيس دونالد ترمب المكثفة لتطبيق قوانين الهجرة.

ويأتي هذا الإغلاق المحتمل كردّ فعل على الأحداث الدراماتيكية التي وقعت خلال الأسابيع الماضية في مينيسوتا، حيث أدّى مقتل رينه غود، ثم مقتل أليكس بريتي، برصاص عملاء «وكالة الهجرة والجمارك الأميركية» (آيس) إلى توحيد الديمقراطيين في مطالبتهم بإصلاحات جذرية في سياسات الهجرة والإنفاذ.

أشعل المتظاهرون الشموع تكريماً لأليكس بريتي خلال وقفة احتجاجية بالشموع أمام مقر وزارة شؤون المحاربين القدامى في واشنطن 28 يناير 2026 (أ.ب)

وقدّم الديمقراطيون الغاضبون في مجلس الشيوخ، صباح الخميس، قائمة من المطالب، بينها أن يخلع الضباط أقنعتهم ويكشفوا عن هوياتهم ويحصلوا على أوامر اعتقال من المحكمة، قبل القيام بأي مداهمات على المنازل، وأن يتم وضع مدونة سلوك جديدة لضباط «آيس» وإلزامهم بارتداء كاميرات الجسم طوال فترة عملهم، والقيام بتحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي ارتكبها العملاء في ولاية مينيسوتا.

كما يطالب الديمقراطيون باستقالة وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نيوم، ومستشار ترمب ستيفن ميلر، معتبرين أن وزارة الأمن الداخلي بكل وكالاتها بحاجة إلى «إصلاح جذري».

ويقول الديمقراطيون إنهم مستعدون لعرقلة مشروع قانون الإنفاق الشامل، إذا لم تُلبَّ هذه المطالب، ما يحرم الجمهوريين من الأصوات التي يحتاجونها لتمريره (60 صوتاً) ويؤدي إلى إغلاق الحكومة منتصف ليل الجمعة.

في الجانب الآخر، يبدو الجمهوريون متحدين بنفس القدر لدعم سياسات ترمب مجدداً، حتى بعد أحداث مينيسوتا.

ختم وزارة الأمن الداخلي الأميركي (رويترز)

ومن المفترض أن يصل المشرعون في مجلس الشيوخ إلى إقرار حزمة مالية بقيمة 1.2 تريليون دولار، تشمل تمويل 6 مشاريع قوانين للإنفاق الحكومي، بما في ذلك تمويل وزارة الأمن الداخلي التي تشرف على «آيس».

مفاوضات اللحظات الأخيرة

وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى تقدم ملحوظ في المفاوضات بين البيت الأبيض وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، السيناتور تشاك شومر، خلال الساعات الماضية، للتوصل إلى مساحة توافق وخطة لتجاوز الخلافات.

الخطة المقترحة تركز على فصل تمويل وزارة الأمن الداخلي عن بقية حزمة القوانين، مع تمرير الفواتير الخمس الأخرى الخاصة بتمويل الجيش وبرامج الصحة والوكالات الفيدرالية حتى نهاية السنة المالية في سبتمبر (أيلول) المقبل، ومنح تمديد قصير الأجل (استمرارية مؤقتة) لوزارة الأمن الداخلي للسماح بإعادة صياغة فاتورة التمويل مع تنفيذ إصلاحات.

فيما طالب السيناتور شومر بتشريع جديد يحمي الناس من الانتهاكات، ويكبح وكالة الهجرة والجمارك، مشترطاً أن يكون أي مشروع قانون للتمويل قصير الأجل.

ومن دون اتفاق، سيبدأ الإغلاق الجزئي بعد منتصف ليل الجمعة، ما يؤثر على خدمات مثل أمن المطارات والإغاثة الطارئة.

من مينيسوتا إلى واشنطن

بدأت الأزمة تتصاعد بعد مقتل أليكس بريتي، البالغ من العمر 37 عاماً، في مينيابوليس يوم السبت الماضي، على يد عملاء «آيس» خلال عملية إنفاذ هجرة. وأصبح بريتي رمزاً للانتقادات الديمقراطية لسياسات إدارة ترمب، ودفع الديمقراطيين إلى التوحد خلف مطالب بإصلاحات فورية، مهددين بحجب التمويل عن وزارة الأمن الداخلي إلا بعد إجراء تغييرات، لتزيد الانقسامات الحادة بين الجمهوريين، الذين يدعمون حملة ترمب الصارمة ضد الهجرة غير الشرعية، والديمقراطيين الذين يرون فيها انتهاكات لحقوق الإنسان.

ويأتي هذا التوتر في أعقاب إغلاق حكومي سابق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي الذي استمر للمدة 43 يوماً بعد خلافات حول قانون أوباما للرعاية الصحية وارتفاع تكاليف التأمين الصحي. لكن القضية المطروحة هذا الأسبوع هو «آيس» وأساليبها القمعية التي أدّت إلى غضب شعبي واسع. وأظهرت استطلاعات الرأي زيادة في عدد المؤيدين لإلغاء إدارة الهجرة والجمارك بالكامل، ويرون أنها مفرطة في القوة، في مقابل من يرغبون في إبقائها.

دور توم هومان

توم هومان مسؤول ملف الحدود في البيت الأبيض خلال مؤتمر صحافي في مينيابوليس الخميس (أ.ب)

وفي محاولة لتهدئة التوترات في ولاية مينيسوتا، التي أدّت إلى هذه الأزمة التشريعية، قام ترمب بإرسال المسؤول عن ملف الحدود، توم هومان، المدافع الشرس عن سياسات الهجرة الصارمة، إلى مينيسوتا يوم الاثنين، لإدارة العمليات ميدانياً وتهدئة التوترات والتعاون مع سلطات مدينة مينيابوليس وسلطات الولاية.

وأكّد هومان، خلال مؤتمر صحافي، صباح الخميس، أنه التقى مع حاكم الولاية تيم والز، ومع عمدة مينيابوليس جاكوب فراي، والمدعي العام كيث إليسون، ووصف المحادثات بأنها «منتجة وبداية جيدة». وأعلن عن خطة لتقليص عدد العملاء الفيدراليين في الولاية، واعتقال المهاجرين في سجون الولاية، الذين يواجهون تهماً جنائية، ولكن لم تتم محاكمتهم بعد، كما اعترف بأن «العمليات يمكن تحسينها»، وأعلن أنه سيبقى في الولاية «حتى يتم حلّ المشكلة».

ويبدو أن جهود هومان ساهمت في تهدئة الوضع محلياً، كما ساعدت في فتح قنوات حوار مع الديمقراطيين المحليين، ما يعكس رغبة ترمب في «التهدئة قليلاً» لتجنب تصعيد يعيق المفاوضات حول تمويل الحكومة الفيدرالية.

ورغم التفاؤل باحتمالات التوصل إلى اتفاق، يظل الإغلاق الجزئي محتملاً لبضعة أيام على الأقل، خاصة مع عطلة مجلس النواب حتى يوم الاثنين. وهذا الوضع يعكس التوازن الدقيق في الكونغرس، حيث يستغل الديمقراطيون أحداث مينيسوتا لفرض إصلاحات، بينما يحاول الجمهوريون الحفاظ على سياسات ترمب. ولكن إذا فشلت المفاوضات في هذه اللحظات الأخيرة، فإن الطرفين سيتحملان مسؤولية التعطيل، الأمر الذي سيؤثر بلا شك على الرأي العام قبل الانتخابات النصفية التشريعية.