ترمب يُحمّل الديمقراطيين مسؤولية التوتر في مينيسوتا

أوباما وكلينتون يدخلان على خط الأزمة ويحذران من «تهديدات لجوهر الديمقراطية»

عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة (أيس) في مينيابوليس الأحد (أ.ب)
عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة (أيس) في مينيابوليس الأحد (أ.ب)
TT

ترمب يُحمّل الديمقراطيين مسؤولية التوتر في مينيسوتا

عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة (أيس) في مينيابوليس الأحد (أ.ب)
عناصر شرطة فيدراليون يحاولون تفريق محتجين خلال مظاهرات ضد وكالة الجمارك والهجرة (أيس) في مينيابوليس الأحد (أ.ب)

بينما تشهد ولاية مينيسوتا غلياناً شعبياً بعد قتل متظاهرَين على يد عناصر وكالة الهجرة والجمارك (ICE - آيس) الشهر الحالي، حمّل الرئيس دونالد ترمب المسؤولية إلى ما سماها «الفوضى التي تسبب فيها الديمقراطيون»، وحاول من جهة أخرى، صرف الأنظار عن الحادثتين الداميتين عبر توجيه اتهامات بالاحتيال المالي والفساد في الولاية.

وأعلن ترمب في منشور نشره على منصته «تروث سوشيال» صباح الاثنين، إرسال توم هومان، الملقب بـ«قيصر الحدود»، إلى مينيسوتا للإشراف على الوضع، لكنه ركز بشكل أكبر على «تحقيق واسع» في احتيال بمجال الرعاية الاجتماعية بأكثر من 20 مليار دولار في الولاية، وتحقيق في تورط عضوة مجلس النواب إلهان عمر في هذا الاحتيال، وتكوين ثروة تتجاوز 44 مليون دولار، موضحاً أن الأيام المقبلة ستكشف الحقيقة. وقال ترمب إن «الاحتيال هو المسؤول جزئياً على الأقل عن الاحتجاجات المنظمة والعنيفة التي تشهدها الشوارع».

ويعكس هذا المنشور استراتيجية ترمب في تحويل الأزمة الأمنية إلى قصة «فساد ديمقراطي»، بدلاً من محاولة تهدئة الغضب الشعبي بعد حادثتي قتل المتظاهرَين.

أليكس بريتي الذي أطلق عملاء فيدراليون النار عليه وقتلوه أثناء اشتباكهم معه على طريق جليدي في مينيابوليس بولاية مينيسوتا - ٢٤ يناير (أ.ف.ب)

وكان أليكس بريتي، وهو ممرض أميركي يبلغ 37 عاماً ويعمل في وحدة العناية المركزة بمستشفى للمحاربين القدامى، قتل جرّاء إطلاق النار عليه إثر مناوشة وقعت السبت، مع عناصر أمن فيدراليين في مدينة مينيابوليس الواقعة شمال الولايات المتحدة، وذلك خلال احتجاجات ضد عمليات وكالة الهجرة والجمارك.

مظاهرة ترفع صورة رينيه غود في موقع إطلاق النار التي أودت بحياتها على يد عميل من إدارة الهجرة والجمارك - ٧ يناير (رويترز)

 

ويُفاقم مقتله إلى أقصى حد، التوتر القائم أصلاً في مينيابوليس عقب مقتل الأميركية رينيه غود البالغة 37 عاماً، أيضاً برصاص عناصر أمن فيدراليين في السابع من الشهر الحالي بالمدينة نفسها.

وكان ترمب قد حمّل مساء الأحد، مسؤولية مقتل بريتي وغود إلى المسؤولين المحليين من الحزب الديمقراطي، وإلى أعضاء الكونغرس المنتمين إلى الجهة السياسية نفسها، متهماً إياهم بأنهم يحضّون «على التمرد» بتصريحاتهم. وكتب ترمب في منشور مطول على منصته «تروث سوشيال»: «للأسف، فقد مواطنان أميركيان حياتهما نتيجة لهذه الفوضى التي تسبب بها الديمقراطيون».

عناصر من القوات الفيدرالية يدفعون متظاهراً أثناء مواجهتهم للشرطة السبت عقب حادث إطلاق نار مميت في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا (إ.ب.أ)

وقد تحولت ولاية مينيسوتا إلى بركان غضب شعبي يهدد بإعادة رسم خريطة السياسة الأميركية. فما بدأ حملة أمنية روتينية ضد المهاجرين غير الشرعيين، أصبح الآن صداماً مباشراً بين الإدارة الفيدرالية وقوى محلية، تتخلله حوادث إطلاق نار دامية وإضرابات اقتصادية واسعة.

ومع تزايد الضغوط لإجراء تحقيقات مستقلة في حادثتي القتل التي ارتكبها عناصر وكالة «أيس»، ينظر قاضٍ فيدرالي بالولاية في احتمال إصدار أمر بوقف نشر الآلاف من عملاء إدارة الهجرة والجمارك، كما يدعو المشرعون من الحزبين إلى إجراء تحقيقات شاملة في حادثتي القتل بمينيسوتا.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما (د.ب.أ)

أوباما وكلينتون على خط الأزمة

وأضافت تحذيرات أطلقها الرئيسان السابقان، باراك أوباما وبيل كلينتون، بعداً تاريخياً للأزمة؛ ففي بيان مشترك مساء الأحد، حذر أوباما وكلينتون من أن مثل هذه التكتيكات «تهدد جوهر الديمقراطية الأميركية»، داعيين الأميركيين إلى «الوقوف في وجه الظلم» و«الدفاع عن حرية التعبير». ووصف كلينتون الاعتقالات والعنف بأنها «اعتداء على القيم الأميركية»، مستذكراً احتجاجات عام 2020، بينما شدد أوباما على أن «القسوة في الإنفاذ» يجب أن تكون «نقطة تحوّل» لإعادة بناء الثقة. ورأى بعض السياسيين أن هذه التصريحات تعد تدخلاً نادراً من رؤساء ديمقراطيين سابقين يستهدف تعبئة الرأي العام ضد إدارة ترمب، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ويذكّر التصعيد في مينيسوتا بأحداث فيرغسون عام 2014، وبورتلاند عام 2020، ويطرح أسئلة حول حدود السلطة الفيدرالية والحقوق المدنية، كما يكشف عن حالة استقطاب متزايدة تهدد النسيج الاجتماعي الأميركي، وتفجر صدامات تهدد الاستقرار.

أحداث سابقة مشابهة

في أحداث فيرغسون بولاية ميسوري عام 2014، قتل شرطي أبيض الشاب الأسود مايكل براون، وكانت الشرارة التي فجرت احتجاجات استمرت أشهراً تخللتها اشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، وأسفرت عن إحراق مبانٍ واعتقال مئات.

وفي ذلك الوقت، تعاملت إدارة أوباما بالتركيز على الإصلاح؛ إذ أمر الرئيس أوباما، وزارة العدل بتحقيق، كشف عن نمط تمييزي في شرطة فيرغسون، مع استهداف الأقليات العرقية بغرامات مالية لتمويل الميزانية. وأدى ذلك إلى اتفاق مع المدينة في 2016 لإصلاح الشرطة، بما في ذلك تدريب على خفض التصعيد ووضع كاميرات الجسم. وانتهت الأزمة بانخفاض التوترات المحلية، لكنها عمقت الاستقطاب الوطني، مع إطلاق حركة «حياة السود مهمة» التي غيرت الخطاب حول العدالة العرقية.

وفي 25 مايو (أيار) 2020، قُتل جورج فلويد على يد شرطي في مينيابوليس، وفجر الحادث أيضاً احتجاجات وطنية. وبدأت الاحتجاجات سلمية ضد العنصرية، لكنها تحولت إلى عنف مع إحراق مبانٍ حكومية واشتباكات مع الشرطة المحلية. وتحت إدارة ترمب الجمهورية، أرسلت وزارة الأمن الداخلي عملاء فيدراليين من «أيس» ووكالات أخرى، مما أثار جدلاً حول «القمع الفيدرالي»، حيث استخدم العملاء غازاً مسيلاً للدموع واعتقالات من دون هوية واضحة.

في ذلك الوقت، وصف ترمب المتظاهرين بأنهم «أناركيون وإرهابيون داخليون»، مدافعاً عن العملاء بوصفهم «حماة للنظام». وانتهت الأزمة بانسحاب الفيدراليين في أغسطس (آب)، بعد ضغط قضائي ومحلي، مع اتفاقات إصلاحية للشرطة في بورتلاند، بما في ذلك حظر استخدام الغاز المسيل وتحقيقات في التجاوزات. لكن الصدام أدى إلى خسائر اقتصادية وتعميق الاستقطاب.

محتجون يتظاهرون ضد إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في شوارع وسط مدينة مينيابوليس، مينيسوتا، في 25 يناير/كانون الثاني 2026. (ا.ف.ب)

وتشابه أحداث مينيسوتا مع فيرغسون وبورتلاند في جوانب عدة، فحوادث إطلاق نار من قبل عملاء فيدراليين (رينيه غود في 7 يناير، وأليكس بريتي في 24 يناير) أثارت احتجاجات واسعة، تحولت إلى إضرابات اقتصادية واشتباكات، مع اتهامات بالعنف المفرط. وفي فيرغسون أيضاً، أدت الحوادث إلى غضب عرقي واجتماعي، خصوصاً مع اتهامات بالتمييز من قبل عملاء «أيس». أما في بورتلاند، فكان التصعيد من تدخل فيدرالي (مثل عملية مترو سورج)، مما أثار مخاوف من «احتلال»، مع فيديوهات تنتشر بسرعة تكشف تناقضات في الروايات الرسمية.

منهجية ترمب في التعامل

ضباط فيدراليون من وكالة الهدرة والجمارك ايس يوقفون أحد المتظاهرين خلال مواجهات مع الشرطة في أعقاب حادث إطلاق نار مميت في مينيابوليس، مينيسوتا، الولايات المتحدة الأميركية، في 24 يناير/كانون الثاني 2026. (ا.ب.ا)

ويبدو أن الطريقة التي تعامل بها الرئيس ترمب مع أحداث بورتلاند في 2020، تتشابه مع طريقة تعامله مع الأحداث في مينيسوتا؛ وهي دفاع شرس عن العملاء، وتحذيرات من عواقب للمعارضين؛ ففي أحداث فيرغسون كان رد أوباما إصلاحياً، وفتحت وزارة العدل تحقيقاً أدى إلى اتفاق لإصلاح للشرطة، انتهى بانخفاض التوترات المحلية.

وفي أحداث بورتلاند، كان ترمب هجومياً وأدى نشر عملاء فيدراليين إلى عنف أكبر، لكنه انسحب بعد ضغط قضائي، مع إصلاحات محلية وانخفاض الثقة في الإدارة الفيدرالية. وفي مينيسوتا، يتكرر نمط ترمب: دفاع عن العملاء واتهامات بالتسييس، مع فتح تحقيقات في المسؤولين المحليين، مما يعمق الصدام.

ويقول محللون إن الأزمة في مينيسوتا قد تنتهي بتحقيق فيدرالي يؤدي إلى إصلاحات في وكالة الهجرة والجمارك (أيس)، مثل كاميرات الجسم أو رقابة قضائية أكبر، خصوصاً إذا أمر قاضٍ فيدرالي بذلك، كما حدث في فيرغسون. لكن الاستقطاب الحالي أقوى، مما قد يطيل الصراع ويولد حركة جديدة ضد «القمع الفيدرالي». وقد يضطر ترمب للانسحاب إذا تصاعد الضغط القضائي والإعلامي (مثلما حدث في بورتلاند، حيث انسحب الفيدراليون بعد أشهر من العنف).

وعلى الجانب السياسي، قد يستفيد الديمقراطيون في الانتخابات النصفية كما حدث في 2018 بعد بورتلاند، بتعبئة القواعد ضد «الاستبداد»، بينما يعزز ترمب قاعدته بصورة «النظام القوي».


مقالات ذات صلة

ستارمر: لن «أرضخ» لضغوط ترمب للانضمام إلى حرب إيران

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث خلال جلسة استجواب رئيس الوزراء في مجلس العموم في لندن 15 أبريل 2026 (رويترز) p-circle

ستارمر: لن «أرضخ» لضغوط ترمب للانضمام إلى حرب إيران

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّه لن «يرضخ» للضغوط للانضمام للحرب على إيران، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإلغاء اتفاقية تجارية مع بريطانيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية «يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من «مشاة البحرية - المارينز» تبحر في الشرق الأوسط (أرشيفية - أ.ف.ب)

أميركا تُحكم حصار الموانئ الإيرانية بحاملة طائرات ثالثة

في ما بدا أنه سباق مع الوساطات لإجراء جولة ثانية من المحادثات الأميركية - الإيرانية، أعلن الجيش الأميركي اكتمال الحصار المفروض على إيران عند مضيق هرمز.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف فوق وحدة مدفعية تطلق النار باتجاه جنوب لبنان من شمال إسرائيل 15 أبريل 2026 (أ.ب)

مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر يجتمع لبحث إمكانية وقف النار في لبنان

يعقد مجلس ‌الوزراء الإسرائيلي ‌الأمني ​المصغر ‌بقيادة ⁠رئيس ​الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعاً، الأربعاء، لمناقشة إمكانية التوصل ‌إلى وقف لإطلاق النار في ⁠لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران تتوجه الأنظار إلى البيت الأبيض حيث ينتظر الجميع تصريحات ترمب ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة

رنا أبتر (واشنطن)

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
TT

البيت الأبيض يعلن مناقشة إجراء جولة تفاوض ثانية مع إيران في إسلام آباد

الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)
الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت (أ.ب)

أعلن البيت الأبيض، الأربعاء، أن الولايات المتحدة تجري مناقشات بشأن إجراء جولة مفاوضات ثانية مع إيران في باكستان، وأنها متفائلة بإمكان التوصل إلى اتفاق، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الناطقة باسم الرئاسة الأميركية كارولاين ليفيت لوسائل الإعلام: «هذه المناقشات تُجرى (...) ونحن نشعر بالارتياح حيال آفاق التوصل إلى اتفاق». وأضافت أن «من المرجح جداً» أن تُعقَد أي جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد.

ووصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران، اليوم، في وقت اقترب فيه الوسطاء من تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، واستئناف المفاوضات لإنقاذ الهدنة الهشة قبل انتهاء صلاحيتها الأسبوع المقبل.

واستقبل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الوفد الباكستاني، برئاسة عاصم منير، حسب صور وزّعتها الخارجية الإيرانية.

وأشار التلفزيون الرسمي الإيراني إلى أن الوفد، الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي، يحمل رسالة جديدة من واشنطن إلى طهران، وسيناقش مسألة المفاوضات المستقبلية مع المسؤولين الإيرانيين.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن زيارة الوفد الباكستاني تهدف إلى «تضييق الفجوة» بين إيران والولايات المتحدة للحيلولة دون استئناف الحرب.

وهبطت طائرة عاصم منير في مطار وسط طهران، حيث استقبله عراقجي، وذلك بعدما هدّد مسؤول عسكري إيراني رفيع بوقف التجارة في المنطقة إذا لم ترفع القوات الأميركية حصارها البحري، في الوقت الذي أعلن فيه الجيش الأميركي تطويق الموانئ الإيرانية بالكامل، بما يعكس التوترات التي تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

أتى ذلك بعد ساعات من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار الاتصالات الدبلوماسية، موضحاً أن المشاورات تجري عبر باكستان، وأن طهران «من المرجح» أن تستضيف في اليوم ذاته وفداً باكستانياً.

ونفى بقائي موافقة بلاده على تمديد وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن «جميع التكهنات في هذا الشأن غير قابلة للتأكيد».

وحذّر من أن الحصار البحري على إيران قد يشكل «مقدمة لانتهاك وقف إطلاق النار».


«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
TT

«حصار ترمب» يهدد بتقويض فرص تحقيق انفراجة مع الصين

ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)
ترمب وشي خلال لقائهما بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (د.ب.أ)

عندما وصفت الصين، يوم الاثنين، الحصار الأميركي للنفط الإيراني المغادر عبر مضيق هرمز بأنه «خطير وغير مسؤول»، شكّل ذلك لمحة سريعة عن التحدي الأخير الذي يواجهه الرئيس الأميركي دونالد ترمب: كيف يمنع نزاع إيران من تقويض انفراجة آخذة في التشكّل مع الصين؟

ومن المتوقع أن يصل ترمب إلى بكين بعد أربعة أسابيع، في زيارة كان يُنظر إليها على أنها جهد مُعدّ بعناية ومنظّم بإحكام لإعادة صياغة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. وكان الرئيس قد أرجأ الرحلة مرة بالفعل، ويؤكد مسؤولو البيت الأبيض أنه لا يوجد نقاش لتأجيلها مجدداً، حتى لو واصلت الولايات المتحدة خنق صادرات النفط الإيرانية. وكان نحو 90 في المائة من هذه الصادرات -أي أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً- تتجه إلى الصين قبل بدء الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

في البداية، التزمت الصين قدراً من الهدوء إزاء العمل العسكري، مدركةً أن الشحنات الموجودة بالفعل في البحر، إلى جانب مخزون كبير من الاحتياطيات الطارئة من النفط، قد تكفيها مؤقتاً. كما تجاهلت مطلب ترمب إرسال سفن حربية للحفاظ على فتح المضيق، واكتفت بدعوات تقليدية للطرفين لخفض التصعيد.

لكن مع بدء الحصار يوم الاثنين، ومع احتمال أن تُمنع سفن شحن ترفع العلم الصيني، وبعضها بطواقم صينية، من المرور بواسطة البحرية الأميركية، تغيّرت النبرة.

«شريعة الغاب»

وأدلى الزعيم الصيني شي جينبينغ بأول تعليق علني له على الحرب يوم الثلاثاء، قائلاً إن العالم لا يمكنه المخاطرة بالعودة إلى «شريعة الغاب». ولم يذكر الولايات المتحدة أو ترمب بالاسم، لكنه أشار خلال اجتماع مع ولي عهد أبوظبي إلى أن «الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي يعني عدم استخدامه عندما يناسبنا والتخلي عنه عندما لا يناسبنا».

وكانت تلك إشارة واضحة إلى ترمب، الذي قال في يناير (كانون الثاني) لصحيفة «نيويورك تايمز» إنه «لا يحتاج إلى القانون الدولي»، مضيفاً: «أنا لا أسعى لإيذاء الناس». وأوضح أنه سيكون الحَكَم في تحديد متى تنطبق القيود القانونية الدولية على أفعاله.

من جانبها، اتخذت وزارة الخارجية الصينية، التي تؤدي دورها المعتاد في توجيه الرسائل بين واشنطن وبكين، موقفاً أكثر تشدداً، متهمةً الولايات المتحدة بفرض «حصار موجّه» من شأنه «زيادة المواجهة وتصعيد التوتر، في ظل وقف إطلاق نار هش أصلاً، وتعريض سلامة الملاحة عبر مضيق هرمز لمزيد من الخطر».

تحفّظ على الانتقاد المباشر

في المقابل، تجنّب ترمب إلى حد كبير توجيه انتقادات حادة، حتى بعدما تبيّن الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات تفيد بأن الصين ربما أرسلت شحنة من صواريخ محمولة على الكتف إلى الإيرانيين لاستخدامها في النزاع. وهذه المعلومات غير حاسمة، ولا يوجد دليل على استخدام صواريخ صينية ضد القوات الأميركية أو الإسرائيلية.

وقال ترمب: «أشك في أنهم سيفعلون ذلك»، مضيفاً سريعاً: «إذا ضبطناهم يفعلون ذلك فستُفرض عليهم رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة»، في تهديد اعتاد توجيهه إلى أي دولة تتحدى إرادته. لكنه لم يتابع الموضوع، ربما إدراكاً منه أن أي تهديد بفرض رسوماً جديدة قد يعرقل آماله في إعلان اتفاق تجاري، وهو الهدف الأسهل تحقيقاً في مسار الدبلوماسية بين البلدين.

وقال كورت كامبل، نائب وزير الخارجية الأميركي السابق في عهد الرئيس جو بايدن، ورئيس مجموعة «آسيا غروب» التي أسسها، إن «الرئيس ترمب خلق وضعاً باتت فيه اثنتان من كبرى أولوياته في تعارض مباشر». وأضاف: «الأولى هي مراقبة والتحكم في جميع الشحنات التي تمر عبر المضيق، بما في ذلك شحنات الصين. والثانية هي رغبته في زيارة إيجابية إلى بكين».

محادثات صعبة

كان سفير ترمب لدى الصين، ديفيد بيرديو، في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، يناقش الزيارة المرتقبة. وقال مسؤولون في الأمن القومي إنه قبل اندلاع النزاع مع إيران، كان وزير الخزانة سكوت بيسنت، قد تفاوض على الخطوط العريضة لمبادرات اقتصادية كان البلدان سيعلنانها.

لكن لم يُحرز تقدم يُذكر في القضايا الأمنية الكبرى، حسب مسؤولين أميركيين، بما في ذلك كيفية التعامل مع مستقبل تايوان، أو الترسانة النووية الصينية المتنامية بسرعة، أو تعزيزها العسكري في بحر الصين الجنوبي والمواجهات التي أثارها ذلك مع الفلبين.

ومع تبقي شهر على وصول ترمب إلى بكين، لا يزال من غير الواضح كيف سيُدير الزعيمان نقاشاً حول الحصار -إذا استمر- أو حول استعراض القوة العسكرية الأميركية الذي بدأ بالقبض على نيكولاس مادورو في فنزويلا، ثم تواصل مع هجوم ترمب على إيران.

لكن هناك مؤشرات قوية على أن الجيش الصيني يراقب من كثب كيفية تنفيذ الولايات المتحدة لهذين الهجومين. ويبدو أن المسؤولين الصينيين قلقون من السرعة التي جرى بها «شلّ» القيادة الإيرانية في الساعات الأولى من الحرب.

وقال راش دوشي، أستاذ مساعد في جامعة جورجتاون ومستشار سابق للرئيس جو بايدن في شؤون الصين: «هناك كثير من التكهنات حول ما يمكن أن يعرقل الانفراجة بين الولايات المتحدة والصين ويقوّض القمة». وأضاف: «لم تكن قضايا مثل رقائق الذكاء الاصطناعي أو حتى المعادن النادرة هي العامل الحاسم... لكن قد تكون إيران».

وأشار إلى أن الحصار قد «يخلق ديناميكيات معقدة» في حال حدوث مواجهة بين البحرية الأميركية وسفن تجارية صينية، رغم أن الطرفين يبدوان حريصين على تجنب ذلك. وأضاف أن التقارير عن احتمال دراسة الصين إرسال دعم عسكري فتاك إلى إيران تُؤخذ بجدية من مسؤولين كبار في الكونغرس وأجهزة الاستخبارات.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس يبدأ العد العكسي لإنهاء حرب إيران

ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)
ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون في عشاء للجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس 25 مارس 2026 (أ.ب)

مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات مع إيران، تتوجه أنظار المشرعين إلى البيت الأبيض، حيث ينتظر الجميع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويترقب تحركاته تحسباً للخطوة المقبلة. غير أن مفتاح فهم المواقف يكمن في خلفية المشهد، حيث يراقب الكونغرس عقارب الساعة. فالجمهوريون، الذين يدعمون حتى الآن صلاحيات الرئيس في شن عمليات عسكرية ضد إيران، يقرّون بقرب انتهاء مهلة الستين يوماً التي تتيح للإدارة التحرك عسكرياً قبل أن يتدخل الكونغرس ويقول كلمته. وقد ينضمّ الجمهوريون حينها إلى الجهود الديمقراطية المستمرة لتقييد هامش تحرّك ترمب في الحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في مؤتمر صحافي بالكونغرس 14 أبريل 2026 (رويترز)

وهذا ما تحدث عنه السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال: «دخلنا في اليوم الـ45، والآن يجب أن نبدأ بالحديث عن إقرار تفويض استعمال القوة العسكرية في الكونغرس». وتابع: «نحتاج إلى مؤشر واضح حول الوجهة التي تريد الإدارة الذهاب إليها: هل ستصعّد أكثر أم تبدأ بوقف الأعمال العدائية؟».

وتطرقت السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تخوض سباقاً حاسماً في ولايتها ماين للحفاظ على مقعدها، إلى مسألة تفويض الحرب، فقالت محذرة: «عند بلوغ عتبة الستين يوماً، أو في حال تم نشر قوات برية، تصبح موافقة الكونغرس ضرورية. حينها لن أصوّت لصالح إقرار هذا العمل العسكري».

مخاطر انتخابية

ويعلم ترمب جيداً المخاطر السياسية الناجمة عن استمرار الحرب، فهو يتحدث باستمرار مع القيادات الجمهورية التي تستعد لانتخابات نصفية حاسمة للحزب وللرئيس. ففوز الديمقراطيين فيها يعني عرقلة أجندة الجمهوريين، وتسليم الديمقراطيين مفتاح عزل ترمب. وفي هذا الإطار عقد الرئيس الأميركي اجتماعاً مطلع هذا الأسبوع مع رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون، ورئيس اللجنة الوطنية الجمهورية للكونغرس، لرسم الاستراتيجية الانتخابية.

بدأ الكونغرس العد العكسي لإنهاء حرب إيران (رويترز)

ولعلّ ما يؤرق القيادات الحزبية هو التأييد شبه الغائب للحرب في صفوف الناخبين الأميركيين الذين يشعرون بتداعياتها الاقتصادية مع استمرار الأسعار بالارتفاع. وهذا سيكون عاملاً أساسياً يحسم توجهاتهم لدى الإدلاء بأصواتهم في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وقد شعر أعضاء الكونغرس بوطأة الحرب وتأثيرها على الأميركيين خلال إجازتهم الربيعية التي قضوها في ولاياتهم واستمعوا إلى آراء الناخبين. لهذه الأسباب، يبدو أن ترمب يسعى إلى كبح جماح الحرب قبل أن يفقد السيطرة على قاعدته الشعبية من جهة، وأن يفقد ثقة المستقلين الذين عادة ما يحسمون السباقات المتأرجحة في صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، سعى ترمب إلى احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بعدما قال في مقابلة سابقة إن أسعار الوقود قد تبقى على حالها أو ترتفع قليلاً بحلول انتخابات الكونغرس في نوفمبر. وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، سُجّلت في البيت الأبيض وبُثّت الأربعاء، قال إنه أسيء اقتباسه، مؤكداً رضاه عن مستوى أسعار النفط الحالية عند نحو 92 دولاراً للبرميل. وأضاف: «ستنخفض بشكل كبير جداً فور انتهاء هذا الأمر»، في إشارة إلى الحرب، عادّاً أنها «قد تنتهي قريباً جداً». كما توقّع أن تتراجع أسعار البنزين، التي يبلغ متوسطها حالياً أكثر بقليل من 4 دولارات للغالون، إلى مستويات «أدنى بكثير» بحلول موعد الانتخابات، مؤكداً أن «أسعار الوقود ستنخفض بشكل هائل» فور تسوية النزاع.