ترمب يعلن انتهاء «حرب غزة» ويتعهد تشكيل «مجلس السلام» سريعاً

قال إنه سيجري تشكيل «مجلس سلام»... و«حماس» لن تشارك في حكم القطاع في المرحلة الانتقالية

TT

ترمب يعلن انتهاء «حرب غزة» ويتعهد تشكيل «مجلس السلام» سريعاً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للمراسلين قبل الصعود للطائرة الرئاسية المتوجهة إلى جولة في الشرق الأوسط (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للمراسلين قبل الصعود للطائرة الرئاسية المتوجهة إلى جولة في الشرق الأوسط (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، انتهاء حرب غزة، مشيراً إلى أن «الأمور ستصير بشكل جيد في غزة».

وقال الرئيس الأميركي قبيل مغادرته إلى إسرائيل ومصر في رحلة تكتسي أهمية كبرى: «لدينا الكثير من الضمانات الشفهية بشأن غزة وربما يجري إطلاق سراح الرهائن مبكراً بعض الشيء». وأضاف ترمب: «أعتقد أن وقف إطلاق النار بين (حماس) وإسرائيل سيصمد، وسيجري تشكيل مجلس سلام على نحو سريع من أجل غزة»، مشيراً إلى أن غزة «تبدو مثل موقع هدم».

وقبيل إقلاع طائرته من قاعدة أندروز الجوية قرب واشنطن، وصف ترمب رحلته إلى الشرق الأوسط بأنها ستكون «مميزة جداً». وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية في رد على سؤال عما إذا كان واثقاً من انتهاء النزاع بين إسرائيل وحركة حماس: «الحرب انتهت. حسناً، هل فهمتم ذلك»، معرباً عن ثقته بأن وقف إطلاق النار «سيصمد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للمراسلين قبل الصعود للطائرة الرئاسية المتوجهة إلى جولة للشرق الأوسط (أ.ف.ب)

وتوجّه الرئيس الأميركي، الأحد، إلى إسرائيل ومصر في إطار الجهود لإنهاء الحرب في غزة. وأقلعت الطائرة الرئاسية من قاعدة أندروز قرب واشنطن في أجواء ماطرة. ويرافق ترمب في رحلته وزراء الخارجية ماركو روبيو، والدفاع بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، وفق البيت الأبيض.

وسيقضى ترمب بضع ساعات في إسرائيل التي يصلها صباح اليوم (الاثنين) في أول زيارة له منذ أعادة انتخابه رئيساً. واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أن العودة المرتقبة للرهائن المُحتجزين في قطاع غزّة ستشكل «حدثاً تاريخيا»، قائلاً: «لقد أنجزنا معاً انتصارات هائلة أدهشت العالم كله. وأريد أن أقول لكم: في أي مكان قاتلنا فيه أحرزنا نصراً، ولكن في الوقت نفسه، أقول لكم إن المعركة لم تنته»، وفق قوله. وأضاف: «ما زالت أمامنا تحديات أمنية كبيرة جداً. البعض من أعدائنا يحاولون التعافي لضربنا من جديد. لكننا (...) سنتولى أمرهم»، من دون تفاصيل إضافية.

وتنص الخطة التي وضعها ترمب لوقف الحرب على الإفراج عن الرهائن الـ47 المتبقين في غزة من أصل 251 رهينة، وبينهم عشرون تعتقد إسرائيل أنهم ما زالوا على قيد الحياة، إضافة إلى رفات رهينة احتجز في عام 2014. وفي المقابل، ستُفرج إسرائيل عن 250 معتقلاً فلسطينياً محكومين بالسجن المؤبد، و1700 معتقل من سكان غزة احتجزوا منذ اندلاع الحرب.

وتتوقع الحكومة الإسرائيلية الإفراج عن الرهائن العشرين الأحياء معاً (وتسليمهم جميعاً) في نفس الوقت إلى الصليب الأحمر ونقلهم في ست إلى ثماني سيارات. مساء، قال مسؤول عسكري إسرائيلي إنه من غير المتوقّع أن تُعاد إلى إسرائيل الاثنين كل جثامين الرهائن المحتجزة في غزة. وأضاف المسؤول خلال إحاطة صحافية ليل أمس (الأحد): «للأسف، نتوقع ألا تُعاد غداً كل جثامين الرهائن المتوفين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافيين خلال توجهه إلى إسرائيل ومصر (رويترز)

وقال مصدر مطلع على المفاوضات إن «حماس» أنهت التحضيرات لتسليم الرهائن الأحياء، لكنه شدد على أن الحركة تصر على أن تفرج إسرائيل عن 7 قادة فلسطينيين في عملية التبادل. وأضاف المصدر أن «حماس تصر على أن تشمل القائمة النهائية القادة السبعة الكبار وأبرزهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعباس السيد»، الأمر الذي أكده مصدر آخر، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، وأعلنت المتحدثة باسم رئاسة الحكومة الإسرائيلية أنه «سيتم الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين بمجرد أن تؤكد إسرائيل وصول جميع رهائننا المقرر إطلاق سراحهم غداً عبر الحدود».

برنامج زيارة ترمب... وخطة غزة

ويبدأ ترمب زيارته للمنطقة بمحطة في إسرائيل حيث يلقي كلمة في الكنيست ويلتقي عائلات رهائن الاثنين، قبل الانتقال إلى شرم الشيخ في مصر لحضور قمة السلام التي سيتم خلالها وبحضور أبرز قادة العالم «توقيع وثيقة تقضي بإنهاء الحرب في قطاع غزة» وفق الخارجية المصرية.

وأكد ترمب على متن الطائرة الرئاسية حصوله على «ضمانات» شفهية من الجانبين ومن لاعبين إقليميين رئيسيين آخرين بشأن المرحلة الأولى من الاتفاق، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن أحداً «يريد أن يخذله». وقال إن علاقته بنتنياهو «جيدة للغاية»، مضيفاً: «كانت لدي بعض الخلافات معه وسُويت بسرعة». وأبدى ترمب رغبة بزيارة غزة أو على الأقل أن «يطأ أرضها»، متعهداً بأن يتم تشكيل مجلس السلام الجديد برئاسته المخصص للقطاع «بسرعة جداً».

رد فعل إسرائيليين في انتظار إطلاق سراح الرهائن في ميدان الرهائن بتل أبيب (أ.ف.ب)

وتتهيّأ مستشفيات إسرائيلية عدة لاستقبال الرهائن المفرج عنهم، في حين أشارت سلطات السجون في إسرائيل إلى نقل سجناء فلسطينيين إلى سجنين تمهيداً لإطلاق سراحهم.

وستكون إدارة قطاع غزة، الذي مزقته حرب مستمرة منذ عامين، إحدى القضايا المطروحة. وقال مصدر دبلوماسي أُبلغ بمراسم التوقيع في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، مشترطاً عدم كشف هويته، إن «الموقعين سيكونون الأطراف الضامنة وهي الولايات المتحدة ومصر وقطر وربما تركيا». وأعلنت إسرائيل الأحد أنها لن توفد أي ممثل لها إلى القمة، الأمر الذي سبق أن أعلنه مسؤول في «حماس» أول من أمس (السبت).

وبالرغم من التقدم الذي تم إحرازه، ما زال يتحتم على الوسطاء التوصل إلى تسوية سياسية طويلة الأمد تقضي بتسليم «حماس» سلاحها وتخليها عن حكم غزة. وأفاد مصدر في «حماس» مقرب من الوفد المفاوض بأن الحركة لن تشارك في حكم غزة في المرحلة الانتقالية التي تلي الحرب.

وقال المصدر طالباً عدم كشف هويته بسبب حساسية المسألة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه «بالنسبة لـ(حماس) موضوع حكم قطاع غزة هو من القضايا المنتهية. (حماس) لن تشارك بتاتاً في المرحلة الانتقالية، مما يعني أنها تخلت عن حكم القطاع ولكنها تبقى عنصراً أساسياً من النسيج الفلسطيني».

مركبة تابعة للصليب الأحمر تتحرك على طول الطريق قبل إطلاق سراح الرهائن كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة (رويترز)

في المقابل، رد على المطالب المتعلقة بتخلي الحركة عن سلاحها قائلاً إن «حماس» موافقة على هدنة طويلة وألا يستخدم السلاح بتاتاً طوال هذه المدة إلا في حال عدوان إسرائيلي على غزة.

وبموجب خطة ترمب، تسحب إسرائيل قواتها على مراحل من مدن قطاع غزة، على أن تحل محلها قوة متعددة الجنسيات تضم قوات من مصر وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدة، يتولى تنسيق عملها مركز قيادي تحت إشراف أميركي في إسرائيل. وستعهد الحكومة وفق الخطة الأميركية إلى «لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية» توضع «تحت إشراف وسيطرة هيئة انتقالية دولية جديدة» برئاسة ترمب.

شاحنات تنتظر

ميدانياً، توجّه غزّيّون إلى الأسواق حيث انخفضت أسعار المواد الغذائية، وسط ترقّب لتخفيف الحصار مع وقف إطلاق النار. وشهد اليوم الثالث من وقف إطلاق النار دخول بعض الشاحنات إلى القطاع، لكن فلسطينيين في خان يونس بجنوب القطاع قالوا إن سكاناً جائعين نهبوا بعض الشحنات وسط فوضى عارمة.

وقال محمد زرب: «لا نريد العيش في غاب» مطالباً بأن يتم تأمين المساعدات وتوزيعها بصورة لائقة. وأضاف: «انظروا كيف أن الطعام مرمي على الأرض». وانتشرت عناصر الشرطة البلدية في مخيم النصيرات، في وسط القطاع، وسط الأنقاض والنفايات، بينما عاد مئات الآلاف من النازحين إلى شمال القطاع، ليجدوا غالباً منازلهم مدمرة.

وأدت الحرب الإسرائيلية إلى سقوط ما لا يقل عن 67806 قتلى، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، وهي أرقام تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة. ويُظهر الإحصاء أن أكثر من نصف القتلى من النساء والأطفال.

إلى ذلك، شكك ترمب فيما إذا كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير سينضم إلى «مجلس السلام» الجديد الذي يهدف إلى الإشراف على إدارة قطاع غزة، وسط انتقادات مستمرة لبلير لدوره في حرب العراق. وقال ترمب: «لطالما أحببت توني، لكنني أريد أن أتأكد من أنه خيار مقبول للجميع»، دون أن يذكر أسماء قادة محددين يمكن أن يكون لهم رأي في اختياره لبلير. وكانت خطة السلام في غزة التي طرحها البيت الأبيض الشهر الماضي قد أدرجت اسم بلير كعضو في المجلس المقترح.

وقال ترمب إن مجلس السلام سيبدأ العمل بسرعة، لكنه بدا غير متأكد مما إذا كان بلير سيحظى بقبول جميع المعنيين. وقال ترمب: «أريد أن أعرف ما إذا كان توني سيحظى بقبول لدى الجميع لأنني لا أعرف ذلك». وقوبلت فكرة تعيين بلير في مجلس السلام بحالة من عدم التصديق بين السياسيين والمحللين الفلسطينيين، وبين أعضاء حزب العمال الذي ينتمي إليه بلير في بريطانيا، نظراً لتضرر سمعته بسبب قراره دعم غزو العراق عام 2003. وفي أعقاب ذلك الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تبين في نهاية المطاف أن مزاعم الولايات المتحدة وبريطانيا بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل كانت كاذبة.


مقالات ذات صلة

3 قتلى في ضربات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي نساء وأطفال فلسطينيون يقفون بين أنقاض المباني المدمَّرة في مدينة غزة (أ.ب)

3 قتلى في ضربات إسرائيلية على غزة

أفاد مسعفون في قطاع غزة بأن ضربات إسرائيلية أسفرت عن مقتل ثلاثة فلسطينيين على الأقل وإصابة آخرين، اليوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي دقيق وسلال غذائية من مصر إلى قطاع غزة الأحد في إطار حملة «سنابل العطاء من زاد العزة» (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

دعم مصري مستمر لحل أزمة الخبز في غزة

أعلن «الهلال الأحمر» الأحد إطلاق قافلة «زاد العزة... من مصر إلى غزة» رقم 306 محملة بالمساعدات الإنسانية والإغاثية المتجهة إلى غزة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي مشاركون في جنازة الطفل الفلسطيني يامن صقر البالغ من العمر 8 سنوات الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية داخل مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة أمس (د.ب.أ) p-circle

مقتل 8 فلسطينيين بينهم طفل في غارتين إسرائيليتين على قطاع غزة

قُتل ثمانية فلسطينيين بينهم طفل، وأُصيب نحو عشرين آخرين بجروح في غارتين جويتين إسرائيليتين، ظُهر الأحد، في قطاع غزة، حسبما أفاد به الدفاع المدني ومصادر طبية.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي أطفال يشاركون بتعبئة ماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة أمس (د.ب.أ)

مجلس السلام برئاسة ترمب يطلب من إيطاليا تقديم دعم أمني لقطاع غزة

طلب مجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترمب رسميا من إيطاليا تقديم مستشارين من الشرطة وقوات الإطفاء وسلاح الجندرمة «الكارابينييري» للمساعدة في تشكيل قوة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي طفل يملأ وعاء بماء الشرب عند نقطة توزيع في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة السبت (د.ب.أ)

إسرائيل تلوّح مجدداً باحتلال مدينة غزة... وقلق من استخدام «حماس» طائرات التهريب

نقل موقع «واللا» العبري، عن ضباط في قيادة المنطقة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي، قولهم إن قواتهم تستعد لتنفيذ مناورة برية تهدف إلى احتلال مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

التصويت المبكر يحطّم الأرقام القياسية ولا يحسم سباق الكونغرس

ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
TT

التصويت المبكر يحطّم الأرقام القياسية ولا يحسم سباق الكونغرس

ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)
ناخبة تدلي بصوتها في محطّة اقتراع بفلوريدا يوم 27 أكتوبر (أ.ب)

قبل أن تفتح مراكز الاقتراع أبوابها الثلاثاء، الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، كان الناخبون الأميركيون قد سجّلوا إقبالاً مبكراً قياسياً في ولايات عدة.

أكثر من 54 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم على المستوى الوطني، وفق تحليل لوكالة «أسوشييتد برس» نُشر الأحد. لكن خلف مشهد المشاركة الكثيفة، تتقدم معركة تفسير الأرقام. فالديمقراطيون يرون مؤشرات على تعبئة تمنحهم فرصة انتزاع السيطرة على الكونغرس، فيما يراهن الجمهوريون على ناخبين ينتظرون يوم الانتخابات. وبين القراءتين، يكشف التصويت المبكر اتساع المشاركة وتغيّر توقيتها، لكنه لا يكشف مضمون الأوراق المودعة في الصناديق.

مشاركة قياسية

حسب بيانات مختبر الانتخابات بجامعة فلوريدا، تجاوز التصويت المبكر 54.8 مليون صوت ظهر الاثنين، مقابل نحو 45.9 مليون في مجمل التصويت المبكر لانتخابات 2022. وفي الولايات الـ27 التي توافرت عنها بيانات الانتماء الحزبي، شارك قرابة 11.2 مليون ديمقراطي و8.2 مليون جمهوري، إضافة إلى نحو 6.6 مليون غير منتسب إلى الحزبين الكبيرين. وهذه أعداد مشاركين وفق تسجيلهم الحزبي، وليست نتائج تصويت للمرشحين.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة؛ إذ لا يمكن تعميم النسب الحزبية على الولايات كلها، ولا اعتبار كل مسجّل ديمقراطي أو جمهوري صوتاً مضموناً لمرشح حزبه. والمشاركة القياسية المسجّلة في ولايات عدة تصف حجم إقبال الناخبين، ولا تتطلب أن يكون كل حزب قد حطّم رقمه الخاص. أما الأفضلية الديمقراطية فتظهر داخل مجموعة الولايات التي تنشر بيانات الانتماء الحزبي. ويؤكد مختبر جامعة فلوريدا أن إحصاء الانتماء الحزبي يختلف عن احتساب الأصوات الفعلية.

من الناحية السياسية، يعد هذا الفارق جوهرياً؛ لأن نجاح حملة في دفع مؤيديها إلى الاقتراع مبكراً يضمن مشاركتهم، لكنه لا يعني بالضرورة أنها وسّعت قاعدتها. فقد يكون الناخب نفسه اعتاد التصويت يوم الثلاثاء، ثم اختار هذه المرة موعداً أكثر ملاءمة. لذلك يصبح السؤال الأهم، كم ناخباً إضافياً جرى استقطابه، وكم ناخباً غيّر توقيت مشاركته فقط؟

ولايات تحت المجهر

تتصدر تكساس مشهد الأرقام الكبيرة، حيث تجاوز عدد المقترعين مبكراً 7.7 مليون، بما يعادل 40.5 في المائة من المسجّلين، وفق بيانات أولية نقلتها «تكساس تريبيون»، الأحد. وبذلك، تجاوزت الولاية المستوى القياسي الحديث للمشاركة المبكرة في انتخابات نصفية، المسجّل عام 2018.

ناخبون ينتظرون دورهم للإدلاء بأصواتهم خارج مكتب اقتراع في كولومبوس بأوهايو يوم 1 نوفمبر (أ.ف.ب)

وتزامنت الزيادة مع منافسة قوية على مقعد مجلس الشيوخ بين الديمقراطي جيمس تالاريكو والجمهوري كين باكستون، إلى جانب سباق الحاكم.

أما نورث كارولاينا، فسجّلت نحو 2.8 مليون صوت مبكر، بزيادة تقارب 30 في المائة على 2022، وفق «أكسيوس».

وفي رصد منفصل أجرته وكالة «أسوشييتد برس» قبل الاقتراع بخمسة أيام، ارتفع التصويت المبكر مقارنة بالمرحلة نفسها من الانتخابات السابقة بنسبة 44 في المائة في مين، و34 في المائة في كانساس، و32 في المائة في ميشيغان، و83 في المائة في ساوث كارولاينا. وهذه مقارنات زمنية محددة، وليست معدلات الإقبال النهائي.

وتُقدّم جورجيا صورة أوضح لتركيبة المشاركة. فحسب «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن»، اقترع أكثر من 2.8 مليون شخص مبكراً، بزيادة 13 في المائة على 2022. وارتفعت حصة الناخبين السود إلى 32.4 في المائة، مقابل 30.2 في المائة، فيما زادت حصة ذوي الأصول اللاتينية من 2 إلى 3.7 في المائة.

كذلك، شارك أكثر من 630 ألف شخص غابوا عن انتخابات 2022 النصفية، من دون أن يعني ذلك أنهم جميعاً ناخبون للمرة الأولى. كما أن الدلالة السياسية لا تتساوى مع كل زيادة، فارتفاع المشاركة داخل ولاية محسومة نسبياً قد يرفع الإجمالي الوطني من دون تغيير ميزان الكونغرس، فيما يمكن لزيادة أصغر داخل دائرة متأرجحة أن تحسم مقعداً. لذلك تتجه الأنظار إلى توزيع الأصوات بين المقاطعات والدوائر، وليس إلى ترتيب الولايات بأعداد المقترعين وحدها.

دوافع التعبئة

وتلتقي هذه المشاركة مع فجوة في الحماسة، حيث أظهر استطلاع لـ«إيه بي سي نيوز» و«واشنطن بوست» و«إبسوس»، أورده تحليل للشبكة في الشهر الماضي، أن 72 في المائة من الديمقراطيين يؤكدون عزمهم على التصويت، مقابل 65 في المائة من الجمهوريين. ووجد التحليل أن مؤشرات التصويت المبكر في بعض الولايات المهمة تنسجم مع تعبئة ديمقراطية أقوى.

عدد من الناخبين يتّجهون إلى مكتب اقتراع في سان بيترسبيرغ بولاية فلوريدا يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ووفق «رويترز»، تضع ضغوط تكاليف المعيشة والحرب مع إيران إدارة الرئيس دونالد ترمب في قلب المحاسبة الانتخابية. لكن تحويل الاستياء إلى أصوات يظل مشروطاً بالمشاركة الفعلية، خصوصاً لدى الشباب والناخبين السود ومن أصول لاتينية، الذين تشدد الوكالة على أن إقبالهم تاريخياً يتراجع في الانتخابات النصفية مقارنة بالرئاسية.

بيد أن اتساع التصويت المبكر يمكن تفسيره أيضاً بوظيفته التنظيمية. كل مؤيد يقترع يصبح اسماً تستطيع الحملة شطبه من قائمة المتابعة، لتخصص اتصالاتها وزياراتها لمن لم يصوّت بعد. كما يتيح تعدد أيام الاقتراع تجاوز صعوبات العمل والتنقل والالتزامات العائلية. وهذه عوامل تساعد على المشاركة وتفسّر جانباً من زخمها. ويبقى الرقم القياسي للتصويت المبكر مختلفاً عن الإقبال النهائي، الذي يتحدد بعد إضافة أصوات الثلاثاء.

وتوضح جورجيا هذا التداخل، حيث أفادت «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» بأن أكثر من 435 ألفاً ممن صوّتوا يوم الانتخابات في عام 2022 اقترعوا مبكراً هذه المرة. وبالتالي، تجمع الزيادة بين استقطاب مشاركين غابوا سابقاً وتقديم موعد تصويت آخرين، وهما مساران مختلفان في أثرهما على النتيجة.

أفضلية تنتظر الاختبار

يدخل الديمقراطيون اليوم الأخير بإشارات مشجعة، لكن الاختبار الجمهوري لم ينته بعد.

ناخبون يسجلون أسماءهم في أحد مراكز الاقتراع ضمن عمليات التصويت المبكر بولاية مينيسوتا (أ.ف.ب)

ويُذكّر تحليل «إيه بي سي نيوز» بأن ناخبي الحزب الجمهوري كانوا أكثر ميلاً إلى الاقتراع يوم الانتخابات في دورات سابقة. وعليه، قد يتوقف حجم الأفضلية الديمقراطية على قدرة الجمهوريين على تعبئة مؤيديهم الأقل انتظاماً، وليس على تعويض فارق عددي ظاهر في التصويت المبكر فحسب.

ومع ذلك، تجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت الزيادة تضم ناخبين إضافيين يميلون إلى الديمقراطيين، فيما بقيت تعبئة الجمهوريين ضعيفة، تتعزز فرص الحزب المعارض. أما إذا كان معظم التقدم نتيجة انتقال ناخبين معتادين إلى التصويت المبكر، ثم حضر الجمهوريون بقوة الثلاثاء، فقد تضيق الفجوة.

ويظل غير المنتسبين حزبياً والتصويت لمرشحين من حزبين مختلفين عاملين لا تحسمهما سجلات المشاركة. لذلك، يحمل التصويت المبكر رسالة ضغط أوضح من كونه إعلان فوز، وعلى الجمهوريين إثبات أن جمهورهم المؤجّل سيحضر، وعلى الديمقراطيين إثبات أن حماستهم تمتد إلى خارج قاعدتهم المنتظمة. وما سيحدد السيطرة على الكونغرس هو المكان الذي تتحول فيه هذه التعبئة إلى أغلبية أصوات ومقاعد، لا حجم الطوابير أمام مراكز الاقتراع وحده.


العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
TT

العرب الأميركيون يعودون إلى الديمقراطيين بشروط وحسابات معقدة

أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)
أنصار المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في ديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

استعد العرب الأميركيون، على غرار مواطنيهم من المشارب المختلفة في الولايات المتحدة، لإسماع أصواتهم في الانتخابات النصفية للكونغرس، الثلاثاء، مع حسابات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

فبعد عامين من التقلبات في علاقتهم بالحزبين، تشير الاستطلاعات إلى عودتهم نحو الديمقراطيين، في وقت يعيش فيه الحزب نفسه انقسامات حادة بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة من الحملة في ميشيغان، حيث يتركز الثقل الانتخابي الأكبر للجالية. وكان الغضب من سياسات الرئيس السابق جو بايدن حيال غزة قد أبعد فئات واسعة من العرب عن الديمقراطيين في عام 2024، غير أن الاستطلاعات تظهر عودتهم إلى الحزب من دون استعادة الولاء التقليدي، وسط خيبة من سياسات الرئيس دونالد ترمب.

المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد يحيي مؤيديه في تجمع «حسم التصويت» في ميشيغان يوم 1 نوفمبر (أ.ف.ب)

وأظهر أحدث استطلاع أجراه المعهد العربي الأميركي، بالتعاون مع شركة «جون زغبي ستراتيجيز»، بين 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي و23 منه، أن 59 في المائة من الناخبين العرب الأميركيين المحتملين يعتزمون التصويت للمرشح الديمقراطي في دوائرهم، مقابل 26 في المائة للمرشح الجمهوري، بهامش خطأ يبلغ 4.5 نقطة مئوية.

وتتقاطع هذه النتائج مع استطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست» وكلية «شار» في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول)، أظهر أن 58 في المائة من الناخبين العرب المسجلين يؤيدون المرشحين الديمقراطيين، مقابل 34 في المائة للجمهوريين.

ويأتي ذلك بعد انتخابات 2024 التي توزعت فيها أصوات الجالية بشكل شبه متكافئ؛ إذ قال 41 في المائة من المشاركين إنهم صوتوا لنائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس، مقابل 39 في المائة لترمب.

صعود المستقلين

لكن المؤشر الأهم على المدى البعيد يتمثل في اتساع قاعدة المستقلين. فوفق المعهد، يُعرّف 31 في المائة من الناخبين العرب أنفسهم بوصفهم مستقلين، وهو أعلى مستوى يسجله المعهد، مقابل 41 في المائة ديمقراطيين و27 في المائة جمهوريين. وكانت نسبة الانتماء الديمقراطي قد تراجعت إلى 23 في المائة عقب انتخابات 2024، قبل أن تتعافى إلى مستواها الحالي.

ويبدو المزاج الانتخابي أقرب إلى محاسبة الحزبين منه إلى تجديد الانتماء. وقال رئيس المعهد جيمس زغبي إن الغضب المرتبط بغزة لا يزال قائماً، على رغم عودة الدعم للديمقراطيين.

الاقتصاد أولاً

ويتصدر الاقتصاد اهتمامات الناخبين العرب؛ إذ قال 82 في المائة من المشاركين في استطلاع المعهد إنهم يعانون صعوبات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ورأى 56 في المائة أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. وفي استطلاع «واشنطن بوست»، عبّر سبعة من كل عشرة عن عدم رضاهم عن إدارة ترمب للاقتصاد، بينهم نحو أربعة من كل عشرة ممن صوتوا له في 2024، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير الرسوم الجمركية وحرب إيران.

المشاركون في تجمع «فوتو لاتينو» لدعم المرشحين الديمقراطيين جينا هينوجوسا لمنصب حاكم تكساس وجيمس تالاريكو لمجلس الشيوخ وبوبي بوليدو لمجلس النواب (أ.ب)

ويمتد الاستياء إلى السياسة الخارجية؛ إذ أبدى 80 في المائة عدم رضاهم عن تعامل ترمب مع ملف إسرائيل وغزة، و75 في المائة عن تعامله مع إيران، فيما يريد نحو ثمانية من كل عشرة خفض الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، بينهم ستة يريدون إنهاءه كلياً. ويضع ذلك الجمهوريين أمام تحدٍّ، بعدما أضعف استمرار الحرب وعود ترمب بإحلال السلام في الشرق الأوسط.

انقسامات الديمقراطيين

غير أن عودة العرب إلى الديمقراطيين تصطدم بانقسامات داخلية تتسع منذ أشهر بين المؤسسة التقليدية للحزب وجناحه التقدمي، وتشكل إسرائيل وغزة أبرز عناوينها.

صورة مركبة لكل من المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد والنائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز والمرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز (أ.ف.ب)

فقد أطاح مرشحون تقدميون بنواب مخضرمين في الانتخابات التمهيدية في كولورادو، حيث خسرت النائبة ديانا ديغيت، المؤيدة لإسرائيل منذ 15 دورة، أمام منافستها التقدمية ميلات كيروس. وأظهر استطلاع لمركز «بيو» في مارس (آذار) أن 80 في المائة من الديمقراطيين والمستقلين الميالين إليهم ينظرون سلباً إلى إسرائيل، مقابل 53 في المائة عام 2022.

وانفجر هذا الانقسام علناً في ميشيغان خلال الأيام الأخيرة. فبعد فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية على المرشحة هايلي ستيفنز بفارق يقل عن نقطة مئوية واحدة، في سباق أنفقت فيه «إيباك» والجماعات المرتبطة بها عشرات الملايين لدعم ستيفنز، أيدته الأخيرة في البداية. لكن التوتر عاد بعدما بثت لجنة مؤيدة للسيد إعلاناً يربط الدعم الأميركي لإسرائيل بغلاء الغذاء، فطالبته ستيفنز بإدانته، لتطلب حملته منها عدم حضور تجمع في كنيسة بديترويت.

وفي تطور لافت قبل يومين من الاقتراع، ظهرت ستيفنز إلى جانب المرشح الجمهوري مايك روجرز وأعلنت تأييدها له، متهمة السيد بمعاداة السامية وبعدم إدانة الجماعات المتطرفة بما يكفي، وهي اتهامات ينفيها، مؤكداً أنه يتعرض لهجمات عنصرية ومعادية للإسلام من الجمهوريين. ووصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الخطوة بأنها «خيانة دنيئة»، فيما رحب بها ترمب، واعتبرها السيد إلهاء عن هموم سكان الولاية.

المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ميشيغان مايك روجرز مع النائبة الديمقراطية عن الولاية هايلي ستيفنز في كنيسة بديترويت يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ويحمل هذا الانقسام تأثيراً مزدوجاً على الناخبين العرب. فتبني جناح داخل الحزب مواقف أكثر انتقاداً لإسرائيل قد يعزز ثقتهم بإمكان التغيير من الداخل ويدفعهم إلى المشاركة، لكن الصراع يذكرهم أيضاً بأن المؤسسة الحزبية لم تحسم موقفها، ما قد يفسر احتفاظ كثيرين بصفة «المستقل»، وتأكيد 41 في المائة من الديمقراطيين العرب أنهم لن يدعموا مرشحاً رئاسياً عام 2028 يرفض إنهاء الدعم غير المشروط لإسرائيل، فيما قال 90 في المائة إن غزة ستكون عاملاً مهماً في تحديد تصويتهم في تلك الانتخابات.

سيناتور مسلم؟

وتكتسب ميشيغان أهمية خاصة؛ إذ يعيش فيها أحد أكبر تجمعات العرب والمسلمين في البلاد، لا سيما في ديربورن وضواحي ديترويت.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما والمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد الرحمن السيد خلال تجمع انتخابي في الولاية يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويبلغ عدد العرب الأميركيين نحو 3.5 مليون نسمة، أي قرابة واحد في المائة من السكان، ويمثلون نحو 2 في المائة من البالغين في ميشيغان. وقد يصبح السيد، ذو الأصول المصرية، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ في حال فوزه.

وتعرضت حملته لهجمات من ترمب ومسؤولين جمهوريين استهدفت خلفيته العربية والإسلامية، فيما أثار وزير الصحة روبرت كينيدي الابن جدلاً بادعائه أن العرب لا ينتجون العلوم أو الأدب.

في المقابل، ركز السيد، الملقب «عبدول»، على غلاء المعيشة، مؤكداً أن الناخبين يهتمون بتكاليف الحياة لا بالخلافات الحزبية.

التمييز والمشاركة

أفاد 65 في المائة من العرب الأميركيين بتعرضهم للتمييز بسبب أصولهم العرقية أو بلدانهم الأصلية، مقارنة بـ53 في المائة عام 2023، في رابع ارتفاع متتالٍ يسجله المعهد. لكن هذا المناخ دفع 53 في المائة إلى زيادة انخراطهم السياسي، وترتفع النسبة إلى 67 في المائة بين المستقلين. وقالت المديرة التنفيذية للمعهد، مايا بري، إن 43 في المائة من المستطلعين تواصلوا مع مسؤول منتخب في هذه الدورة، مقابل 27 في المائة عام 2024.

وبالنسبة إلى الجمهوريين، يتطلب الاحتفاظ بأصوات 2024 أكثر من استثمار الغضب من خصومهم. أما الديمقراطيون، فعودة العرب إليهم «ليست شيكاً على بياض»، وانقساماتهم العلنية قد تبدد مكاسبهم في اللحظة الأخيرة. وهكذا لا يعود العرب الأميركيون إلى خريطتهم السياسية القديمة، بل يعيدون رسمها وفق معادلة تجمع الاقتصاد والسياسة الخارجية والهوية والحقوق المدنية.


فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

فوز الديمقراطيين بالكونغرس يهدّد بتعميق انقساماتهم الداخلية

المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)
المرشح الجمهوري في ميشيغان مايك روجرز والمرشحة الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز في ديترويت 1 نوفمبر 2026 (أ.ب)

سيطرة الديمقراطيين على الأغلبية في مجلسَي الكونغرس لا تعني بالضرورة أنهم سيتفقون على كيفية توظيفها في حال فوزهم. وخير دليل على ذلك الإحراج العلني الذي واجهه الحزب في ميشيغان، بعدما قررت المرشحة الديمقراطية هايلي ستيفنز تأييد الجمهوري مايك روجرز، بدلاً من مرشح حزبها الرسمي عبد الرحمن السيد.

فستيفنز، التي حظيت سابقاً بدعم قيادات الحزب، خسرت الانتخابات التمهيدية أمام السيد، الذي تحفظت هذه القيادات عن تأييده بسبب مواقف لا ينسجم بعضها مع أجندة الحزب التقليدية. وها هي اليوم تتمرد على قيادات حزبها، مهددةً فعلياً حظوظه في انتزاع الأغلبية بمجلس الشيوخ، في ولاية تُعدّ أساسية لتحقيق هذا الهدف.

وقد تعني خسارة ميشيغان أن على الديمقراطيين انتزاع خمسة مقاعد من الجمهوريين لضمان الأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ، ومن شأن عدم توحيد الصفوف الحزبية خلف السيد أن يزيد مهمة الحزب صعوبة، ويعقّد مساعيه لقلب موازين القوى في المجلس.

انقسامات حزبية داخلية

بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، سلّط قرار ستيفنز الضوء مبكراً على الانقسامات الداخلية التي قد يواجهها الحزب الديمقراطي في حال سيطرته على مجلسَي الكونغرس، والتي كانت قياداته تأمل تأجيل الخوض فيها إلى ما بعد الانتخابات. وتجلّت هذه الانقسامات خلال الانتخابات التمهيدية، مع بروز مرشحين تقدميين واشتراكيين يتبنّون أجندات بعيدة كل البعد عن التوجهات التقليدية للحزب.

عبد الرحمن السيد في ميشيغان يوم 1 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

واليوم، يجمع مرشحي الحزب هدف واحد: مواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإلحاق الهزيمة بالجمهوريين في الانتخابات النصفية. لكن هذا الهدف المشترك قد لا يصمد أمام اختبار الفوز، حين ينتقل الديمقراطيون من موقع المعارضة إلى موقع الأغلبية التشريعية، وتطفو الخلافات بين أجنداتهم المختلفة إلى السطح. وحينها، ستجد قيادات الحزب نفسها أمام مهمة شاقة تتمثل في احتواء الانقسامات والتوفيق بين التيارات المتنافسة، خصوصاً إذا كانت الأغلبية التي يحققها الديمقراطيون ضئيلة في المجلسين، كما ترجّح التوقعات حتى الآن.

مجلس النواب بين الهجرة وإسرائيل

يواجه زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، مهمة شاقة في احتواء الخلافات الداخلية، بعدما أظهرت التجارب التي سبقت الانتخابات صعوبة ضبطه التمرد داخل صفوف حزبه، على خلاف سلفه نانسي بيلوسي، التي عُرفت بقبضتها الحديدية على الكتلة الديمقراطية.

رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي في كاليفورنيا 23 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وقد واجه جيفريز سلسلة من التحديات من الجناحين المعتدل والتقدمي في حزبه، بعدما صوّت ديمقراطيان معتدلان إلى جانب الجمهوريين لتسهيل تمرير أجندتهم، من دون إبلاغه أو التنسيق معه. ثم أثار غضب التقدميين برفضه خطتهم لتوفير الرعاية الصحية الحكومية للجميع، قبل أن يأتي لقاؤه مع صهر الرئيس، جاريد كوشنر، ليصب الزيت على نار الخلافات مع هذا الجناح.

وجميعها تطورات سبقت الانتخابات، فيما يُتوقع أن يزداد نفوذ التقدميين في الكونغرس الجديد، خصوصاً إذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة. وحينها، سيسعون إلى الدفع بأجندتهم التي تتضمن بنوداً يعارضها جيفريز، أبرزها تقليص تمويل وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (أيس) وإلغاء بعض أنشطتها، فضلاً عن تقييد نقل الأسلحة الهجومية الأميركية إلى إسرائيل.

ولعلّ الملف الأخير يجسّد عمق الانقسامات داخل الحزب، بعدما حضر بقوة في الحملة الانتخابية، وشكّل محوراً أساسياً للخلاف بين المرشحين في ميشيغان: هايلي ستيفنز الداعمة لإسرائيل، وعبد الرحمن السيد المعارض للسياسة الأميركية تجاهها.

النائبة التقدمية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز في حدث انتخابي بميشيغان 16 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

غير أن الخلافات لم تقتصر على المواقف الانتخابية، بل امتدت إلى التصويت داخل مجلس النواب، حيث أيّد 103 ديمقراطيين، في 15 يوليو (تموز) 2026، وقف مساعدات أميركية لإسرائيل، في خطوة شكّلت إحراجاً لجيفريز الذي صوّت ضد المشروع، فيما أيدته كاثرين كلارك، ثاني أبرز قيادات الحزب في المجلس.

وكشف هذا التصويت أن الانقسام لم يعد مقتصراً على الجناحين التقدمي والتقليدي، بل امتدّ إلى صفوف القيادة الديمقراطية نفسها. وهو مثال على طبيعة التحديات التي قد يواجهها جيفريز في المرحلة المقبلة، عندما تتحول الخلافات التي برزت خلال الحملة الانتخابية إلى انقسامات تشريعية فعلية، قد تعرقل قدرة الحزب على توظيف أغلبيته لتمرير أجندته.

تحدي رئاسة المجلس

ليس رصّ الصفوف التحدي الوحيد أمام جيفريز؛ إذ يحتاج، قبل الوصول إلى تلك المرحلة، إلى ضمان الأصوات الكافية للفوز برئاسة مجلس النواب، وهو أمر يُعدّ عادةً إجراءً بروتوكولياً شبه محسوم عند فوز حزب المعارضة بالأغلبية.

زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز في حدث انتخابي في فيرجينيا 31 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن المعادلة هذه المرة تبدو مختلفة، بعدما أعرب عدد من التقدميين عن نيتهم استخدام أصواتهم ورقة ضغط لانتزاع تنازلات منه، ملوّحين بالتصويت ضد ترشحه لرئاسة المجلس. وإذا كانت الأغلبية الديمقراطية ضئيلة، فقد يجد جيفريز مصيره معلقاً بأيدي هؤلاء النواب الذين يميلون إلى يسار الحزب.

وسيكون هذا الاختبار الأول مؤشراً إلى قدرة جيفريز على إدارة الانقسامات الداخلية، وقد يرسم ملامح أسلوبه القيادي ومسار الأجندة الديمقراطية في مرحلة حساسة. فالحزب سيكون مطالباً بتحقيق توازن دقيق بين الوفاء بوعوده بمحاسبة ترمب وإدارته من جهة، وتنفيذ المشاريع التي تعهّد بها أمام الناخبين من جهة أخرى، حفاظاً على حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.