الديمقراطيون يراهنون على «الاعتدال» في انتخابات فيرجينيا

وسط مخاوف جمهورية من تأثير تراجع شعبية سياساتهم الاقتصادية

متطوعون يشجعون الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في فيرجينيا يوم 2 أكتوبر (رويترز)
متطوعون يشجعون الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في فيرجينيا يوم 2 أكتوبر (رويترز)
TT

الديمقراطيون يراهنون على «الاعتدال» في انتخابات فيرجينيا

متطوعون يشجعون الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في فيرجينيا يوم 2 أكتوبر (رويترز)
متطوعون يشجعون الناخبين على الإدلاء بأصواتهم في فيرجينيا يوم 2 أكتوبر (رويترز)

بعد انتخابات خاصة فاز فيها مرشحون ديمقراطيون في فيرجينيا وأريزونا تستعد ولاية فيرجينيا مرة أخرى لانتخابات في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، لاختيار حاكم جديد خلفاً للحاكم الجمهوري غلين يونغكين.

ووفق استطلاع مشترك لصحيفة «واشنطن بوست» وكلية «شار»، بدا أن الديمقراطية أبيغيل سبانبرغر تقترب من تحقيق نصر كبير على منافستها الجمهورية وينسوم إيرل - سيرز، حيث تتقدم سبانبرغر بـ12 نقطة مئوية، وهو فارق يتجاوز هوامش الخطأ ويمثل تحولاً سياسياً بارزاً في ولاية كانت حتى وقت قريب ساحة تنافس متقارب.

ويرى مراقبون أن قوة سبانبرغر تكمن في خطابها الوسطي الذي يركز على الاقتصاد والرعاية الصحية، بعيداً عن الاستقطاب الحاد. ويقول مارك روزيل، عميد كلية «شار» للسياسة والحكومة: «حملة إيرل - سيرز لا تتواصل مع جمهور الناخبين هذا العام... سبانبرغر قدمت نفسها على أنها ديمقراطية معتدلة، وهو ما يمنحها ثقة الناخبين المستقلين».

ظل ترمب

اللافت أن اسم الرئيس دونالد ترمب يطفو باستمرار على سطح الحملة، إذ ترى نسبة ملحوظة من الناخبين أن موقفهم من ترمب عامل رئيسي في تصويتهم. فبحسب الاستطلاع، 67 في المائة من الناخبين يقولون إن رأيهم في ترمب مهم في تحديد اختيارهم لحاكم الولاية، بزيادة عن 57 في المائة عام 2017 خلال ولايته الأولى.

وفي 2021، حين نجح الجمهوري غلين يونغكين في انتزاع منصب حاكم فيرجينيا بفارق ضئيل، ركز على تركيبة رسائل دقيقة؛ فقد جمع بين عرض نفسه بوصفه حاكماً معتدلاً ورجل عائلة، وفي الوقت نفسه وظّف قضايا «الحرب الثقافية» (خصوصاً المدارس) لاستقطاب الناخبين المحافظين دون الارتباط المباشر بترمب.

كانت المعادلة آنذاك تعتمد على جذب المستقلين في الضواحي بخطاب مركزي لكنه عملي. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة جزئياً. وعاد ترمب إلى مركز السرد السياسي وطنياً، ما جعل ارتباط مرشّحي الحزب بمواقفه عبئاً لدى المستقلين، في وقت صار الاقتصاد والغلاء الهاجس الأول للناخبين - وهو مجال تُعد فيه سبانبرغر أكثر مصداقية.

إضافة إلى ذلك، التنافس الحالي يتم على خلفية تغيّر تركيبة الناخبين، مع تصويت أوسع للضواحي لصالح الديمقراطيين، وظهور مرشحين ديمقراطيين معتدلين قادرين على اجتذاب المستقلين، بينما تجد حملة إيرل - سيرز صعوبة في التوسّع خارج قاعدتها التقليدية، ما يفسر هشاشة موقف الجمهوريين مقارنة بمسار 2021.

وبحسب الاستطلاع، بدا أن المزاج العام في فيرجينيا لا يصُب في مصلحة الجمهوريين. إذ عبّر 55 في المائة من الناخبين المسجلين عن رفضهم طريقة تعامل ترمب مع الرئاسة، فيما يعارض معظمهم سياساته الاقتصادية والاجتماعية.

مع ذلك، تراهن إيرل - سيرز على قضايا «الحرب الثقافية»، خصوصاً ملف الطلاب المتحولين جنسياً، الذي يحظى باهتمام شعبي نسبي، لكنه لا يُصنّف ضمن أولويات الناخبين. وهنا تكمن معضلتها: خطابها يجد صدى في قاعدتها التقليدية، لكنه لا يجذب المستقلين الذين يُرجّح أن يحسموا المعركة.

الاقتصاد كلمة السر

تصدّر الاقتصاد قائمة أولويات الناخبين في الاستطلاع، حيث أشار 19 في المائة إلى مخاوف تتعلق بتكلفة المعيشة والوظائف والإسكان. ويقول خبراء إن هذا العامل عزّز موقع سبانبرغر، إذ يثق الناخبون بالديمقراطيين أكثر من الجمهوريين في إدارة الملف الاقتصادي، على عكس ما كانت عليه الحال عام 2023 عندما تمتع الجمهوريون بأفضلية واضحة.

كيم هودجز، معلمة من ريتشموند، تجسد هذا التحول. فبعدما صوتت لترمب في 2024، كشفت لصحيفة «واشنطن بوست» أنها ستمنح صوتها لسبانبرغر هذا العام. وقالت: «كل ما أعرفه عن إيرل - سيرز أنها تدعم ترمب، لكن لا أعرف ما الذي تريد فعله لفيرجينيا». وأضافت: «لم يتحسن شيء في حياتي... إلغاء ترمب لتأجيل قروض الطلاب جعل وضعي أسوأ».

وعدت إشارتها إلى قروض الطلاب، محط إجماع لدى الناخبين في البلاد، ما اضطر إدارة ترمب إلى الإعلان عن استئناف برنامج إعفاء قروض الطلاب. وأبلغت وزارة التعليم هذا الأسبوع المقترضين الذين سددوا قروضهم لمدة 25 عاماً بأنهم مؤهلون لإعفاء قروضهم.

ويعكس هذا التوجه اتساع الهوة بين الأولويات الاقتصادية للناخبين وخطاب الجمهوريين المتمحور حول قضايا الهوية الثقافية. وبالنسبة لسبانبرغر، فإن التركيز على ملفات براغماتية يمنحها أفضلية واضحة لدى المستقلين، حيث تحظى بتأييد 61 في المائة منهم مقابل 34 في المائة فقط لإيرل - سيرز.

انعكاسات وطنية

لا تتوقف أهمية هذه الانتخابات عند حدود فيرجينيا. فالمحللون يرون أنها قد تشكل اختباراً مبكراً للانتخابات النصفية المقبلة عام 2026، وقياساً لمدى صمود الاستراتيجية الديمقراطية القائمة على ترشيح وجوه معتدلة قادرة على استقطاب المستقلين.

ويشير المحللون إلى أن الأداء الأضعف نسبياً لمرشحي الديمقراطيين في مناصب نائب الحاكم والمدعي العام يوضح أن الميل إلى اليسار قد يضعف فرص الحزب. ويرى هؤلاء أن الناخبين في ولاية متأرجحة، مثل فيرجينيا، يفضلون الاعتدال، وهو ما يبدو أن سبانبرغر قد فهمته جيداً.

على الجانب الآخر، يرى مراقبون أن تمسك الجمهوريين بظل ترمب قد يعقد فرصهم، إذ يضعهم في موقع دفاعي في ولايات متأرجحة. ويقول نيت بورتنوي، متعاقد فيدرالي من شمال فيرجينيا: «إذا عادت فيرجينيا إلى كونها ولاية زرقاء، فستكون رسالة قوية إلى الكونغرس بأن الناخبين غير راضين عن سياسات ترمب».

وبينما تُظهر الأرقام تقدماً مريحاً لسبانبرغر، فإن الديناميات الأعمق تكشف عن مشهد أكثر تعقيداً: من خلال اقتصاد ضاغط، وناخبين مستقلين حاسمين، وحزب جمهوري عالق بين خطاب ثقافي يميني وإرث سياسي ثقيل لترمب. وإذا ما حسم الديمقراطيون هذا السباق، فلن يكون مجرد انتصار محلي، بل إشارة إلى ملامح المعركة الوطنية المقبلة.


مقالات ذات صلة

ترمب: الديمقراطيون متساهلون مع الجريمة ويتبنون الشيوعية

الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته في المؤتمر الوطني لـ«الحزب الجمهوري» الخاص بانتخابات التجديد النصفي في دالاس (أرشيفية - رويترز)

ترمب: الديمقراطيون متساهلون مع الجريمة ويتبنون الشيوعية

قام الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب بجولة انتخابية في ولاية نورث كارولاينا لدعم مرشح جمهوري لمجلس الشيوخ يتخلف عن منافسه الديمقراطي في استطلاعات الرأي.

«الشرق الأوسط» (جاستونيا)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب) p-circle

فانس يحث الجمهوريين على استخدام عبد الرحمن السيد كـ«مثال سلبي» في حملاتهم الانتخابية

حثَّ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أعضاء مجلس النواب الجمهوريين على استخدام المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيد، كأداة في حملاته

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» يوم 13 سبتمبر (رويترز)

المحكمة العليا ترفض تغيير قواعد التصويت بالبريد

وجهت المحكمة العليا الأميركية ضربة قوية لمساعي الرئيس دونالد ترمب لتغيير قواعد التصويت قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقود جمهوريين لأداء القسم للتصويت بالانتخابات النصفية خلال مؤتمر الحزب في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر (رويترز)

شعبية ترمب عند أدنى المستويات... والأميركيون يميلون إلى الديمقراطيين

يفيد أحدث الاستطلاعات بأن الديمقراطيين يتقدمون بشكل واضح على الجمهوريين في معركة السيطرة على الغالبية في مجلسَي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي متحدثاً في مؤتمر منتصف الولاية للحزب الجمهوري في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تحليل إخباري لماذا يخشى ترمب فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية؟

قبل أقل من شهرين على انتخابات التجديد النصفي، تزداد في واشنطن مؤشرات موجة ديمقراطية زرقاء، قد تعيد إلى الأذهان انتخابات عام 2018.

هبة القدسي (واشنطن)

ترمب يتوعد وسائل إعلام بعد منع 3 مؤسسات من دخول البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في 16 سبتمبر 2026 في مطار تشارلوت دوغلاس بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في 16 سبتمبر 2026 في مطار تشارلوت دوغلاس بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)
TT

ترمب يتوعد وسائل إعلام بعد منع 3 مؤسسات من دخول البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في 16 سبتمبر 2026 في مطار تشارلوت دوغلاس بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في 16 سبتمبر 2026 في مطار تشارلوت دوغلاس بولاية كارولينا الشمالية (أ.ب)

هدد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتوسيع الحظر الذي فرضه على وسائل إعلام أميركية، ومنع مؤسسات إضافية من دخول البيت الأبيض، بعد تنفيذ قراره منع مراسلي شبكات «سي إن إن» و«بوليتيكو» و«إم إس إن بي سي». فيما لوحت المؤسسات الثلاث باللجوء إلى القضاء للدفاع عن حقوقها بموجب التعديل الأول للدستور، وسط تحذيرات من أن القرار قد يفتح الباب أمام استخدام الاعتماد الصحافي لدخول البيت الأبيض وتغطية أنشطة الرئيس أداة لمعاقبة المؤسسات بسبب مضمون تغطيتها.

وقال ترمب إن وسائل إعلام أخرى يمكن أن تلحق بالمؤسسات الثلاث، مشيراً إلى «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» أثناء حديثه عن مؤسسات يتهمها بتقديم تغطية غير منصفة لإدارته، من دون أن يعلن رسمياً حظرهما.

وكان الرئيس أعلن، عبر منصته «تروث سوشيال»، منع شبكات «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض بأثر فوري، متهماً إياها بنشر ما وصفه بـالأخبار الكاذبة. وانتقل التهديد سريعاً إلى التنفيذ، إذ مُنع صحافيون من المؤسسات الثلاث، السبت، من دخول مجمع البيت الأبيض بعد تعطيل بطاقات اعتمادهم.

ولم يربط ترمب قراره بتقرير صحافي محدد، بل قال إن الخطوة جاءت نتيجة ما اعتبره تراكم سنوات من التغطية السلبية، وغير المنصفة.

ولمح ترمب للصحافيين يوم الجمعة إلى أن مؤسسات أخرى قد تواجه الإجراء نفسه، ما أثار تساؤلات داخل الأوساط الإعلامية حول ما إذا كان البيت الأبيض بصدد اعتماد سياسة أوسع تستهدف المؤسسات التي ينتقد الرئيس تغطيتها.

المؤسسات تلوّح بالقضاء

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي» و«بوليتيكو» بنشر «قصص مختلقة وأكاذيب» (أ.ف.ب)

وردت المؤسسات الثلاث بلهجة تشير إلى أن المواجهة قد تنتقل قريباً من بوابات البيت الأبيض إلى المحاكم الفيدرالية. وقالت «سي إن إن» في بيان إنها تقف وراء فريقها، وتغطيتها، وإن الدستور الأميركي يكفل لها ممارسة العمل الصحافي من دون تدخل حكومي، ووصفت الحظر بأنه اعتداء غير قانوني على حقوق يحميها الدستور. وقالت صحيفة «بوليتيكو» إنها ستواصل تغطية البيت الأبيض، وإنها ستدافع بقوة عن حقوقها بموجب التعديل الأول. بينما أكدت «إم إس إن بي سي» أنها ستتخذ الخطوات اللازمة للدفاع عن صحافييها، وعن حرية الصحافة.

ومن شأن إقامة دعاوى قضائية أن يضع إدارة ترمب أمام اختبار دستوري يتعلق بحدود سلطة الرئيس في تنظيم وصول الصحافيين إلى البيت الأبيض، والفرق بين وضع قواعد إدارية للوصول، واستبعاد مؤسسة بسبب مضمون تغطيتها.

كاميرا تلفزيونية موجهة نحو الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة في 18 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وتتمحور القضية حول مبدأ قانوني يعرف بـ«التمييز على أساس وجهة النظر». فالحكومة تملك صلاحيات لتنظيم الوصول إلى المواقع محدودة المساحة، مثل المكتب البيضاوي، والطائرة الرئاسية، لكن خبراء قانونيين، ومنظمات مدافعة عن حرية الصحافة يقولون إن استبعاد مؤسسة لأنها تنشر تغطية لا ترضي الحكومة يثير مشكلة مختلفة بموجب التعديل الأول.

وهاجمت جمعية مراسلي البيت الأبيض «WHCA» القرار، وطالبت إدارة ترمب بالتراجع فوراً عن هذا المنع، وإعادة تصاريح الصحافيين الذين مُنعوا من دخول البيت الأبيض. وقالت رئيسة الجمعية، جاكي هاينريش، في بيان صدر بعد تنفيذ الحظر، إن إلغاء وصول صحافيي المؤسسات الثلاث ينتهك التعديل الأول للدستور، وشددت على أن وضع معيار يسمح باستبعاد مؤسسة إعلامية بسبب طبيعة تغطيتها يمكن استخدامه مستقبلاً ضد أي مؤسسة أخرى، وقالت إن من حق الأميركيين، عبر صحافة حرة، ومستقلة، مراقبة ومساءلة المسؤولين المنتخبين بغض النظر عما إذا كان المسؤولون الحكوميون ينظرون إلى ذلك بصورة إيجابية أم لا.

اعتداء غير مسبوق على حرية الصحافة

وانضم نادي الصحافة الوطني National Press Club إلى موجة الاعتراضات، مندداً بقرار ترمب، ومطالباً الرئيس بالتراجع عنه فوراً. وقال رئيس النادي، مارك شوف جونيور، في بيان إن منع مؤسسات إعلامية من دخول البيت الأبيض، بسبب عدم رضا الإدارة عن تغطيتها، يمثل محاولة واضحة للتحكم في الأصوات التي يسمح لها بمراقبة السلطة الرئاسية، ونقل ما يجري داخلها إلى الجمهور الأميركي.

وحذر النادي، الذي يعد من أبرز المؤسسات المدافعة عن حرية الصحافة في واشنطن، من أن تنفيذ القرار يمثل اعتداء غير مسبوق على حرية الصحافة، مشدداً على أن التعديل الأول للدستور لا يسمح للحكومة باختيار الصحافيين الذين يمكنهم ممارسة عملهم استناداً إلى موقفها من تغطيته. وحذر نادي الصحافة من أن الرسالة التي قد تصل إلى بقية المؤسسات والصحافيين هي ضرورة تخفيف حدة تغطيتهم، أو التفكير مرتين قبل طرح الأسئلة الصعبة خشية فقدان الوصول إلى البيت الأبيض.

وقال شوف إن الصحافة الحرة والمستقلة لعبت طوال 250 عاماً دوراً أساسياً في مراقبة قادة الولايات المتحدة، وإن التدقيق الذي يمارسه مراسلو البيت الأبيض لا يخدم الصحافيين وحدهم، وإنما يمنح الأميركيين فهماً أفضل لسياسات حكومتهم. وأضاف أن الحكومة الواثقة من قراراتها يجب ألا تخشى التدقيق المستقل.

وتكتسب المواجهة أهمية إضافية لأن منع «سي إن إن» يمكن أن يؤثر في نظام المجموعة التلفزيونية التي تتناوب على مرافقة الرئيس، وتوفير الصور والتغطية لبقية الشبكات، وهو نظام يسمح بتغطية تحركات الرئيس في الأماكن التي لا تتسع لجميع الصحافيين. وهو ما أثار تساؤلات عن التغطية التلفزيونية للقاءات ترمب خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

سوابق قضائية

ولدى المؤسسات الإعلامية سوابق يمكن الاستناد إليها إذا قررت رفع دعاوى. ففي الولاية الأولى لترمب، سحب البيت الأبيض بطاقة مراسل «سي إن إن» جيم أكوستا بعد مواجهة مع الرئيس، قبل أن يأمر قاضٍ فيدرالي بإعادتها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب على أسئلة الصحافيين في المكتب البيضاوي في 18 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

كما دخلت إدارة ترمب في مواجهة قضائية أخرى مع وكالة «أسوشييتد برس» بعدما قيدت وصول صحافيي الوكالة إلى المكتب البيضاوي، والطائرة الرئاسية، وفعاليات أخرى، بسبب رفض الوكالة اعتماد تسمية «خليج أميركا» بدلاً من «خليج المكسيك» في جميع استخداماتها. ولا تزال تلك القضية جزءاً من الجدل القانوني بشأن الحدود بين حق الإدارة في اختيار الصحافيين للمساحات المحدودة، وحظر معاقبة مؤسسة بسبب قراراتها التحريرية.

وتأتي الخطوة الجديدة أيضاً في سياق مواجهة أوسع بين ترمب ووسائل الإعلام. فقد اتخذ الرئيس إجراءات قانونية ضد مؤسسات بينها «نيويورك تايمز»، و«وول ستريت جورنال»، و«بي بي سي» البريطانية، فيما تقول إدارته إن الرئيس يتعرض بصورة متكررة لتغطية غير دقيقة، أو منحازة. وفي المقابل، ترى المؤسسات الصحافية ومنظمات حرية الإعلام أن اللجوء إلى أدوات حكومية لمعاقبة التغطية المنتقدة يختلف عن حق الرئيس في انتقاد الصحافة، أو مقاضاتها.

ويبدو أن المؤسسات الثلاث ستتقدم فعلياً بدعاوى، وتشير تصريحاتها إلى استعدادها لخوض المواجهة القانونية مع الإدارة الأميركية. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً داخل الوسط الصحافي في واشنطن هو ما إذا كان ترمب سينفذ تهديده بإضافة مؤسسات جديدة إلى قائمة الممنوعين. وإذا حدث ذلك، فقد تتحول القضية من خلاف بين البيت الأبيض وثلاث مؤسسات إعلامية إلى مواجهة دستورية أوسع حول ما إذا كان من حق الرئيس التحكم في الوصول الصحافي إلى مقر الرئاسة استناداً إلى رضاه أو عدم رضاه عن التغطية الإعلامية.


ترمب: بعض الإعلام الأميركي يشكل «تهديداً للأمن القومي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب: بعض الإعلام الأميركي يشكل «تهديداً للأمن القومي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الاثنين، جزءاً من وسائل الإعلام الأميركية بأنها تشكل «تهديداً للأمن القومي»، وذلك بعد ثلاثة أيام من استبعاد ثلاث مؤسسات إعلامية من البيت الأبيض بادرت لرفع دعاوى قضائية بسبب ذلك.

وفي منشور على منصة «تروث سوشال»، قال الرئيس الأميركي إنه يشن حملة ضد «الأخبار الكاذبة» التي شبهها بـ«السرطان المنتشر» في البلاد، ووصفها بأنها «تشكل تهديداً لأمننا القومي يجب أن يتوقف الآن».

وأعلنت شبكتا «سي إن إن» و«إم إس ناو» وموقع «بوليتيكو»، في وقت سابق اليوم، أنها أخطرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باعتزامها رفع دعوى قضائية بسبب منعها من دخول البيت الأبيض.

وكان قد تم منع صحافيي المؤسسات الإخبارية الثلاث الكبرى من دخول البيت الأبيض أول من أمس السبت، وذلك بعد يوم واحد من إعلان ترمب منعهم من دخول البيت الأبيض بسبب تقارير اعتبرها «أخباراً زائفة»، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وتعد هذه الخطوات تصعيداً واضحاً لجهود ترمب المستمرة منذ فترة طويلة، عبر المحاكم، أو الإجراءات الإدارية، لتقييد التغطية الإخبارية من قبل صحافيين يرى أنهم غير مرغوب فيهم، كما أنها تمثل أحدث اختبار لحماية حرية الصحافة المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي.

وكان ترمب قد صرح، الجمعة الماضي، بأنه سيحظر المؤسسات الثلاث بسبب التغطية التي لم ترُق له.

أكايلا غاردنر مراسلة شبكة «إم إس ناو» تعمل بالقرب من مجمع البيت الأبيض بعد منعها من الدخول إثر قرار الرئيس دونالد ترمب حظر دخولها (أ.ب)

وبث مراسلا البيت الأبيض من الشبكتين الأميركيتين -بيتسي كلاين من شبكة «سي إن إن»، وأكايلا غاردنر من «إم إس ناو»- على الهواء مباشرة للإبلاغ عن أنه قد تم رفضهما، وتم إلغاء تنشيط شاراتهما الصحافية، عند وصولهما إلى وظائفهما في البيت الأبيض. وبعد فترة وجيزة، قالت صحيفة «بوليتيكو» إن مراسلتها بالبيت الأبيض، شايان هاسليت، مُنعت أيضاً من الدخول، وتمت مصادرة شارتها.

وقالت المنافذ الإعلامية في بيان مشترك نُشر في وقت مبكر اليوم على موقع «إكس»: «هذا الصباح أبلغنا الحكومة بأننا سنرفع دعوى قضائية اليوم لحماية حقوقنا في التعديل الأول، والدفاع عن مبدأ أن الحكومة لا تقرر ما تنشره الصحافة أو تكتبه. ومن دون إشعار أو إجراء، ألغى البيت الأبيض أوراق اعتماد صحافيينا لأنه اعترض على تقاريرنا. وإذا ترك هذا الأمر دون منازع، فإنه يهدد حرية الصحافة، وحق الجمهور في الصحافة المستقلة الخالية من تدخل الحكومة». وفي ولايته الثانية، قام ترمب وإدارته بتصعيد الرهان، ومعاقبة بعض وسائل الإعلام، سواء في قاعة المحكمة، أو من خلال الإجراءات التنظيمية. كما انتقد ترمب أيضاً المراسلين الأفراد شخصياً، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأحياناً بعبارات شخصية لافتة للنظر، حيث أهانهم في مؤتمرات صحافية، أو في خطابه الأخير في عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، وفق تقرير «أسوشييتد برس».


تحقيق: الولايات المتحدة رحّلت 25 ألف مهاجر بموجب صفقات سرية مع دول ثالثة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
TT

تحقيق: الولايات المتحدة رحّلت 25 ألف مهاجر بموجب صفقات سرية مع دول ثالثة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف مهاجر، بموجب صفقات سرية أبرمتها مع دول ثالثة، وفق ما كشفه تحقيق صحافي نُشر اليوم الاثنين.

وأبرم دونالد ترمب، منذ وصوله إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025، اتفاقيات مع دول نامية عدة لاستقبال المهاجرين، الذين يمنع القانون ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.

وخصصت الإدارة الأميركية 410 ملايين دولار، شملت 81 مليون دولار للدول التي وافقت على توقيع اتفاقيات لاستقبال المهاجرين المرحَّلين، أما باقي المبلغ فذهب إلى منظمات إغاثية تابعة للأمم المتحدة بهدف تسهيل عمليات الترحيل، وفق ما أفاد تحقيق نشرته مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

وبحلول 31 أغسطس (آب) 2026، جرى ترحيل 25447 شخصاً إلى دول ثالثة، وفق بيانات جمعتها «فوربيدن ستوريز»، بالتنسيق مع ائتلاف ضمّ صحافيين من مختلف دول العالم.

واستقبلت المكسيك العدد الأكبر من المرحَّلين، والذي قُدّر بنحو 20 ألفاً، في حين توزّع الباقون على 27 دولة في أميركا اللاتينية وأفريقيا ومنطقة المحيط الهادئ.

ولاحقاً، انضمت سبع دول إضافية إلى هذه الاتفاقيات، والتي تختلف شروطها من دولة إلى أخرى، ولا سيما فيما يتعلق بجنسيات المهاجرين وسِجلهم الجنائي.

وفي هذا العام، كشف تحقيق أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» أن واشنطن عمدت إلى حظر منح تأشيرات دخول لبعض الدول الأفريقية، وفرضت قيوداً أخرى عليها لإجبارها على استقبال المهاجرين الذين يجري ترحيلهم من الولايات المتحدة. وأفاد محامون بأن المرحّلين يجدون أنفسهم في دول غريبة يفتقرون فيها إلى الحقوق الكافية، إنْ وُجدت.

وأشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة.

وتولّى مكتب مغمور بوزارة الخارجية الأميركية، افتُتح في مايو (أيار) 2025، إدارة معظم المفاوضات ودفع المبالغ المالية، وفق المصدر نفسه. ويرأس المكتب كريستيان جوف إيرهاردت (41 عاماً)، وهو دبلوماسي عمل، سابقاً، ضابطاً للأمن.

ويُسلط التحقيق الضوء بالتفصيل على زيارات إيرهاردت إلى الكاميرون، التي وقّعت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) لاستقبال المهاجرين المرحَّلين.

وبعد أسبوع واحد فقط، وقَّعت الكاميرون مع الولايات المتحدة على برنامج مساعدات صحية لمدة خمس سنوات بقيمة نحو 400 مليون دولار.

وفي الشهر التالي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تقديم 30 مليون دولار إضافية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الكاميرون «لتسهيل العودة الطوعية للاجئين ومكافحة الهجرة غير الشرعية». ووصلت أول طائرة تُقل المرحَّلين إلى الكاميرون في 14 يناير الماضي.

مبالغ مالية أخرى

وفي بالاو، التي يقل عدد سكانها عن 18 ألف نسمة، وقّعت السلطات اتفاقاً، في ديسمبر 2025، لاستقبال ما يصل إلى 75 مواطناً من دول ثالثة مقابل 7.5 مليون دولار. إلا أن 3 أشخاص فقط جرى ترحيلهم إليها منذ توقيع الاتفاق.

وفي إسواتيني، وصل 32 شخصاً، من بين 160 شخصاً نص عليهم الاتفاق الذي وُقّع في يوليو (تموز) 2025، مقابل 5 ملايين دولار، وقَبِلت بموجبه الدولة الأفريقية استقبال أفراد لديهم تاريخ جنائي.

وأظهرت سجلات داخلية بوزارة الخارجية الأميركية أنه من أصل 410 ملايين دولار رُصدت لهذه الاتفاقيات، خُصص 81 مليون دولار للحكومات الموقِّعة، على أن يذهب المبلغ المتبقي إلى منظمات إغاثية. ومِن بين هذه المنظمات، جرى تخصيص أكثر من 178 مليون دولار للمنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، و123 مليون دولار للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وحالياً، تتعرض المنظمتان لانتقادات؛ على خلفية مشاركتهما في خطط الإدارة الأميركية. إلا أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أوضحت، لشبكة «فوربيدن ستوريز»، أنها ليست طرفاً في الاتفاقيات الثنائية، وأنها تستخدم التمويل الأميركي في تعزيز أنظمة اللجوء الذي يندرج ضمن مهامّها.

من جانبه، أكد متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة أن قبول التمويل من عدمه هو رهنُ سؤال واحد «هل مشاركتنا في هذا المشروع ستؤدي إلى حياة أفضل للمهاجرين المعنيين؟ ونحن نعتقد بشدة أنها تؤدي إلى ذلك».