سياسة ترمب لترحيل المهاجرين إلى «بلدان ثالثة» تثير جدلاً قانونياً وحقوقياً

منظّمات وصفت القرار بـ«العشوائي»... والبيت الأبيض يبحث عن «دول استقبال» جديدة

ضباط فيدراليون يعتقلون شخصاً خارج قاعة محكمة هجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)
ضباط فيدراليون يعتقلون شخصاً خارج قاعة محكمة هجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)
TT

سياسة ترمب لترحيل المهاجرين إلى «بلدان ثالثة» تثير جدلاً قانونياً وحقوقياً

ضباط فيدراليون يعتقلون شخصاً خارج قاعة محكمة هجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)
ضباط فيدراليون يعتقلون شخصاً خارج قاعة محكمة هجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)

تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ترحيل ملايين المهاجرين الموجودين في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، عبر تكثيف عمليات الترحيل إلى دول ثالثة، بما في ذلك إرسال مجرمين مدانين إلى دول مثل جنوب السودان وإسواتيني (سوازيلاند سابقاً)، وهما بلدان في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

واختارت الإدارة ترحيل المهاجرين «الخطيرين» إلى دول غير دولهم الأصلية، لأن الأخيرة «لا تقبلهم». إلا أن مراجعة لقضايا حديثة، نشرتها وكالة «رويترز»، أظهرت أن خمسة رجال على الأقل ممن كانوا مُهدّدين بهذا المصير أُعيدوا إلى بلدانهم الأصلية في غضون أسابيع.

سياسة غامضة

ويقضي المهاجرون المدانون عادة عقوباتهم في الولايات المتحدة أولاً، قبل ترحيلهم. ويبدو أن هذا هو الذي حدث مع الرجال الثمانية الذين رُحِّلوا إلى جنوب السودان وخمسة آخرين إلى إسواتيني، الشهر الماضي، مع أن بعضهم أُطلق سراحهم قبل سنوات.

ضابط في هيئة الجمارك وحماية الحدود ينتظر في إحدى قاعات محكمة الهجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، في يونيو (حزيران)، إن عمليات الترحيل إلى دول ثالثة تسمح بترحيل الأشخاص «الهمجيين للغاية لدرجة أن بلدانهم الأصلية لن تقبلهم». وردّ منتقدون بأنه ليس من الواضح أن الولايات المتحدة حاولت أولاً إعادة الرجال إلى بلدانهم الأصلية، قبل ترحيلهم إلى جنوب السودان وإسواتيني، وأن عمليات الترحيل كانت «قاسية بلا داعٍ».

ووجدت «رويترز» أن خمسة رجال على الأقل هددوا بالترحيل إلى ليبيا في مايو (أيار)، تمّت إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بعد أسابيع، وذلك وفقاً لمقابلات مع اثنين منهم، وأحد أفراد عائلاتهم ومحامين. وبعد أن منع قاض أميركي إدارة ترمب من إرسالهم إلى ليبيا، تمت إعادة رجلين من فيتنام واثنين من لاوس وخامس من المكسيك إلى بلدانهم. ولم ترد تقارير عن عمليات الترحيل هذه سابقاً.

بدورها، لم تُعلّق وزارة الأمن الداخلي على عمليات الترحيل. كما لم يتبيّن بعدُ ما إذا كانت بلدانهم الأصلية قد رفضت استقبالهم في البداية، أو سبب محاولة الولايات المتحدة إرسالهم إلى ليبيا.

تحفّظ رسمي

ونفت تريشيا ماكلوفلين، المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، أن تكون البلدان الأصلية للمجرمين المرحلين إلى دول ثالثة مستعدة لاستعادتهم، لكنها لم تقدم تفاصيل عن محاولات لإعادة الرجال الخمسة إلى بلدانهم قبل تهديدهم بالترحيل إلى ليبيا. وقالت ماكلوفلين في بيان: «إذا أتى أحد إلى بلادنا بشكل غير قانوني وخالف قوانيننا، فقد ينتهي به الأمر في سجن سيكوت، أو أليغاتور ألكتراز، أو خليج غوانتانامو، أو جنوب السودان أو دولة ثالثة أخرى»، في إشارة إلى سجن شديد الحراسة بالسلفادور ومركز احتجاز في إيفرغليدز في فلوريدا.

وتتحفّظ وزارة الأمن الداخلي عن تأكيد عدد عمليات الترحيل إلى دول ثالثة منذ تولي ترمب منصبه في 20 يناير (كانون الثاني)، على الرغم من ترحيل آلاف إلى المكسيك ومئات إلى دول أخرى.

جندي سلفادوري يحارس سجن مركز احتجاز في تيكولوكا يوم 4 أبريل (رويترز)

ووفقاً لوزارة الأمن الداخلي، فإن الرجال الثمانية الذين أُرسلوا إلى جنوب السودان جاؤوا من كوبا ولاوس والمكسيك وميانمار وجنوب السودان وفيتنام، والرجال الخمسة الذين أُرسلوا إلى إسواتيني هم من مواطني كوبا وجامايكا ولاوس وفيتنام واليمن.

بهذا الصدد، قالت أبيغيل جاكسون، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إن الرجال الذين رُحِّلوا إلى جنوب السودان وإسواتيني كانوا «الأسوأ على الإطلاق»، ومن بينهم أشخاص أُدينوا في الولايات المتحدة بارتكاب جرائم اعتداء جنسي على أطفال وقتل. وأضافت في بيان أن «المجتمع الأميركي أكثر أماناً برحيل هؤلاء المجرمين غير الشرعيين». ولم ترد حكومة لاوس على طلبات للتعليق بشأن الرجال الذين تلقّوا تهديدات بالترحيل إلى ليبيا، وأولئك الذين رُحِّلوا إلى جنوب السودان وإسواتيني، وفق وكالة «رويترز».

بدوره، ذكر متحدث باسم وزارة الخارجية الفيتنامية، في 17 يوليو (تموز)، أن الحكومة تتحقّق من المعلومات المتعلقة بترحيل أشخاص إلى جنوب السودان. أما حكومة إسواتيني، فقالت يوم الثلاثاء الماضي، إنها لا تزال تحتجز المهاجرين الخمسة الذين استقبلتهم، وإنهم يقبعون في زنازين انفرادية بموجب الاتفاق مع إدارة ترمب.

نتائج «عشوائية»

سمحت المحكمة العليا، في يونيو، لإدارة ترمب بترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة، دون منحهم فرصة لإثبات احتمالية تعرضهم للأذى. لكن مدى قانونية عمليات الترحيل لا تزال محلّ نزاع في دعوى قضائية اتحادية في بوسطن، وهي قضية قد تُعاد إلى المحكمة العليا ذات التوجه المحافظ.

ويقول معارضون إن عمليات الترحيل تهدف إلى إثارة الخوف بين المهاجرين، ودفعهم إلى «الترحيل الذاتي» إلى بلدانهم الأصلية، بدلاً من إرسالهم إلى دول بعيدة لا تربطهم بها أي صلة. وقالت ميشيل ميتلشتات، مديرة الاتصالات في معهد «سياسة الهجرة» غير الحزبي، إن «هذه رسالة مفادها أنكم قد تواجهون نتيجة عشوائية للغاية، إذا لم تختاروا المغادرة بمحض إرادتكم».

ضباط فيدراليون يعتقلون شخصاً خارج قاعة محكمة هجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)

وتنصّ إرشادات إنفاذ قوانين الهجرة الداخلية الأميركية، الصادرة في يوليو، على إمكانية ترحيل المهاجرين إلى دول لم تُقدّم ضمانات دبلوماسية لسلامتهم في غضون 6 ساعات فقط من إخطارهم. وفي حين ركزت الإدارة على ترحيل المجرمين المدانين إلى دول أفريقية، فقد أرسلت أيضاً أفغاناً وروساً وغيرهم من طالبي اللجوء إلى بنما وكوستاريكا.

وفي مارس (آذار)، رحّلت إدارة ترمب أكثر من 200 فنزويلي متهمين بالانتماء إلى عصابات إلى السلفادور، حيث احتُجزوا في سجن سيكوت دون إمكانية التحدث إلى محامين، حتى أُطلق سراحهم في عملية تبادل سجناء الشهر الماضي. كما تُظهر بيانات الحكومة المكسيكية أنه جرى ترحيل أكثر من 5700 مهاجر غير مكسيكي إلى المكسيك منذ تولي ترمب منصبه، في استمرار لسياسة بدأت في عهد الرئيس السابق جو بايدن.

وتقول ترينا ريلموتو، المديرة التنفيذية للتحالف الوطني للتقاضي بشأن الهجرة المؤيد للمهاجرين، إن «حقيقة ترحيل رجل مكسيكي إلى جنوب السودان وتهديد آخر بالترحيل إلى ليبيا تشير إلى أن إدارة ترمب لم تحاول إرسالهم إلى بلدانهم الأصلية».

أميركا أولاً

يرى المناهضون للهجرة أن عمليات الترحيل لدول ثالثة وسيلة للتعامل مع مخالفي قوانين الهجرة «الذين يصعُب ترحيلهم، وقد يشكّلون تهديداً» للشعب الأميركي. وقالت جيسيكا فوون، مديرة السياسات في مركز دراسات الهجرة الذي يدعم خفض مستويات الهجرة، إن «إدارة ترمب تعطي الأولوية لسلامة المجتمع الأميركي على راحة هؤلاء المرحلين».

وفي يوليو، ضغطت إدارة ترمب على دول أفريقية أخرى لاستقبال المهاجرين، كما طلبت من دولة بالاو، وهي إحدى جزر المحيط الهادئ، استقبال المُرحّلين كذلك.

ضباط فيدراليون يعتقلون شخصاً خارج قاعة محكمة هجرة بنيويورك يوم 25 يوليو (أ.ف.ب)

وبموجب القانون الأميركي، يمكن لمسؤولي الهجرة الاتحاديين ترحيل أي شخص إلى بلد غير الدولة التي يحمل جنسيتها عندما تكون جميع الجهود الأخرى «غير عملية أو غير مناسبة أو مستحيلة». وينصّ القانون على ضرورة محاولة مسؤولي الهجرة إعادة المهاجر إلى بلده الأصلي أولاً، وإذا لم يستطيعوا فإلى بلد تربطه به صلة، مثل المكان الذي عاش فيه أو وُلد فيه. وبالنسبة للرجل من لاوس الذي كاد يُرحّل إلى ليبيا في أوائل مايو، فإن سماعه عن استئناف عمليات الترحيل إلى دول ثالثة جعله يتذكر المخاوف التي شعر بها. وفي مقابلة من لاوس، طلب فيها عدم الكشف عن هويته خوفاً على سلامته، سأل عن سبب «استخدام الولايات المتحدة لنا كبيادق؟».

وقال محاميه إن الرجل قضى عقوبة بالسجن لارتكابه جناية. ولم تُحدّد «رويترز» التهمة التي أُدين بها. وتذكر كيف طلب منه مسؤولون الإمضاء على قرار ترحيله إلى ليبيا، الذي رفضه، وأبلغهم برغبته في إرساله إلى لاوس. وأضاف أنهم أخبروه أنه سيُرحّل إلى ليبيا سواء وقع على الأمر أم لا. وأضاف الرجل، الذي جاء إلى الولايات المتحدة في أوائل الثمانينات لاجئاً عندما كان في الرابعة من عمره، إنه يحاول الآن تعلم اللغة المحلية والتكيف مع حياته الجديدة.


مقالات ذات صلة

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

«المنصة الساخنة» تُطيح بحراسها سريعاً... كواليس الإقالات الخاطفة لمتحدثي البيت الأبيض من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي وأسرار مغادرتهم الجناح الغربي.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

أكد مسؤول أميركي كبير أن كاتي زكريا غادرت منصبها بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها متحدثة باسم البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تصعّد تهديداتها ضد المنشآت النووية الإيرانية

تتواصل الأزمة بين واشنطن وطهران، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية، مع تصاعد التهديدات العسكرية وتبادل الاتهامات بشأن أمن الملاحة في هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران - لندن)
تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

تحليل إخباري ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ رجل يضع قبعة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» خلال مناسبة انتخابية في مونرو بميشيغان يوم الخميس (أ.ف.ب)

الأميركيون يتطلعون إلى «تغيير جذري» في الانتخابات

أفاد استطلاع أن الأميركيين يرغبون في تغيير جذري خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط اعتقاد بتقصير داخلي وخارجي من الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
TT

ترمب يوقّع أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من عقوبات أقرّها «الكونغرس»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء وصوله يوم أمس إلى تجمع انتخابي في دالتون بولاية جورجيا (ا.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، أمرا تنفيذيا أعفى بموجبه روسيا من عقوبات أميركية ورسوم جمركية تستهدف عائدات الطاقة الروسية، وذلك بعدما كان وقّعها الشهر الماضي لتصبح قانونا.

وجاء في الأمر التنفيذي «وفقا لما تنص عليه المادة الرابعة من هذا الأمر، قرّرت تعليق تطبيق العقوبات والقيود والرسوم المنصوص عليها في قانون غراهام».

ومنح قانون ليندسي غراهام، الذي حمل اسم السناتور الأميركي الراحل، ترامب صلاحية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على كبار مشتري النفط والغاز الروسيين.

ويستهدف القانون قطاعَي الطاقة والدفاع الروسيَّين، والرئيس فلاديمير بوتين وغيره من كبار المسؤولين، فضلا عما يُعرف بـ«أسطول الظل» من ناقلات النفط الروسية المستخدمة للالتفاف على العقوبات الغربية.

وأتت خطوة ترمب بعد اتفاقه مع بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية مقابل تخفيف العقوبات الأميركية على موسكو.

إلا أنها الاتفاق أثار استياء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصفه بأنه «قرار ضعيف»، وقرّر استئناف الهجمات على مصافي النفط الروسية، خلافا لإعلان الرئيس الأميركي.


من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض
TT

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

لم يكن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض يوماً مجرد وظيفة إدارية عادية، بل هو خط الدفاع الأول عن أدق أسرار وتوجهات الإدارة الأميركية، والموقع الأكثر عرضة لـ«مقاصل» الإقالة السياسية السريعة.

ومع التطورات الأخيرة الصادمة في أروقة واشنطن، أعاد سقوط المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد أسبوع فقط من تعيينها، تسليط الضوء على تاريخ هذا المنصب المليء بالإعفاءات العاصفة والوجوه التي لم تكد تحفظ ممرات المبنى البيضاوي حتى أُجبرت على مغادرته.

الأسرع في التاريخ... زلة لسان وأكاذيب قانونية تطيح بزكريا

سجلت كاتي زكريا الرقم القياسي كأقصر المتحدثين الرسميين بقاءً في تاريخ البيت الأبيض بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وجاء سقوطها المدوي إثر مواجهتها لإحاطة صحافية أولى استمرت 14 دقيقة فقط، تخللتها زلات لسان غريبة أثارت سخرية منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تقف الأمور عند حد الارتباك المهني، بل جاء المنعطف الحاسم الذي عجل برحيلها، والذي كان افتضاح أمر مؤهلاتها القانونية، حيث قدّمها الرئيس دونالد ترمب كمحامية محترفة، ليتبين لاحقاً للصحافة الاستقصائية أنها رسبت في اختبار نقابة المحامين ولم تحصل قط على الترخيص، ما دفع ترمب لحثها علناً على الاستقالة قائلاً لها أمام الكاميرات إن عليها إعادة النظر في موقعها.

وبذلك غادرت المعلقة السياسية المحافظة والمستشارة الإعلامية السابقة منصبها قبل أن تبدأ عملياً في ممارسته.

المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

شون سبايسر... حارس بوابة «الحقائق البديلة» الذي دهسته التجاذبات

وفي سياق متصل، حفر شون سبايسر اسمه في ذاكرة الإقالات الخاطفة خلال عهد ترمب الأول عام 2017، حيث أمضى 182 يوماً فقط في منصبه. سبايسر، الذي كان يشغل سابقاً منصب الخبير الاستراتيجي الإعلامي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، دخل في مواجهة طاحنة مع الجسم الصحافي منذ اليوم الأول لتكليفه، عندما أُجبر على تضخيم أرقام الحضور في حفل تنصيب ترمب بما يخالف الصور الجوية الواقعية.

وتآكلت الرصانة المهنية لسبايسر يومياً تحت وطأة ضغوط الإدارة ورغبتها في الهجوم الشرس على وسائل الإعلام، لتأتي نهايته السريعة بالاستقالة احتجاجاً على تعيين ترمب للمستثمر النيويوركي أنتوني سكاراموتشي مديراً للاتصالات.

المتحدث باسم البيت الأبيض السابق شون سبايسر (أ.ف.ب)

مفارقة سكاراموتشي... «الخروج الكبير» في أحد عشر يوماً

وعلى الرغم من أن أنتوني سكاراموتشي لم يشغل تقنياً منصب السكرتير الصحافي بل مدير اتصالات البيت الأبيض، فإن تجربته تظل الأيقونة التاريخية للإقالات الخاطفة في الجناح الغربي بعد أن أمضى 11 يوماً فقط في منصبه في يوليو (تموز) 2017.

وفقد الممول القادم من قطاع وول ستريت وظيفته إثر إجرائه مقابلة صحافية هاتفية مليئة بالألفاظ النابية والشتائم الموجهة لزملائه في الإدارة مثل رينس بريبوس وستيف بانون.

وجاء قرار إبعاده السريع بضغط مباشر من رئيس الموظفين آنذاك، جون كيلي، لفرض الانضباط العسكري داخل الفريق، ما جعل اسم سكاراموتشي يتحول في واشنطن إلى وحدة قياس زمنية تهكمية للمقارنة مع أي مسؤول يقال سريعاً.

مدير اتصالات البيت الأبيض السابق أنتوني سكاراموتشي (رويترز)

وعلّق سكاراموتشي عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» متفاعلاً مع كسر رقمه القياسي السابق، حيث كتب معقباً على تغريدة للإعلامي جو سكاربورو: «الأرقام القياسية وُجدت لتُحطم.. لكنني لا أجد أي متعة في آلام الآخرين».

وجاء هذا التعليق ليعكس المفارقة التاريخية الساخرة التي أصبحت تربط بين اسمه واسم زكاريا كأقصر المسؤولين بقاءً في مناصبهم الإعلامية داخل البيت الأبيض.

ستيفاني غريشام... المتحدثة التي غادرت دون منصة

ومن باب مغاير تماماً، دخلت ستيفاني غريشام التاريخ السياسي الأميركي بصفتها المتحدثة الوحيدة باسم البيت الأبيض التي أمضت كامل فترة خدمتها السريعة، البالغة تسعة أشهر بين عامي 2019 و2020، دون أن تعقد إحاطة صحافية رسمية واحدة في قاعة الصحافة «جيمس برادي».

غريشام، التي امتلكت خلفية كمؤلفة ومسؤولة إعلامية ومساعد إداري مقرب من ميلانيا ترمب، اقتصر دورها على التصريحات المكتوبة والمقابلات التلفزيونية الصديقة للحزب.

وتمثلت أسباب إبعادها السريع في رغبة الإدارة في تغيير الاستراتيجية الاتصالية بالكامل مع بدء أزمة جائحة كورونا (كوفيد - 19) والتحضير للانتخابات، حيث استُبدلت بها كيلي ماكناني، لتتحول غريشام لاحقاً إلى واحدة من أشرس منتقدي ترمب.

ستيفاني غريشام المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (إ.ب.أ)

مقاصل الرؤساء الآخرين... جيرالد فورد وبيل كلينتون نموذجاً

ولم تكن الإقالات والاستقالات السريعة حكراً على عهد ترمب، بل عرفت الإدارات الأميركية السابقة هزات مماثلة، وتبرز في هذا السياق تجربة الصحافي المخضرم جيرالد تيرهورس الذي عينه صديقه القديم الرئيس جيرالد فورد كأول متحدث رسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) فور توليه الرئاسة عام 1974.

جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

تيرهورس، الذي أمضى عقوداً في عالم الصحافة مديراً لمكتب صحيفة «ديترويت نيوز» في واشنطن، وكان يبلغ من العمر آنذاك 52 عاماً عند تكليفه بالمنصب، لم يصمد في موقعه سوى شهر واحد فقط (30 يوماً) وجاء خروجه الخاطف في خطوة وُصفت تاريخياً بـ«موقف ضمير أخلاقي نادر»، بعد أن قدّم استقالته احتجاجاً على قرار فورد المفاجئ بمنح عفو رئاسي كامل وغير مشروط عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في فضيحة «ووترغيت»، ليحل محله سريعاً مراسل شبكة «إن بي سي» رون نيسن.

رسالة استقالة جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

وفي عهد الديمقراطيين، واجهت دي دي مييرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون عام 1993، تهميشاً وإقالة ضمنية مبكرة خلال السنة الثانية من حكم كلينتون، حيث سُحبت منها الصلاحيات تدريجياً بسبب ما وصفه البيت الأبيض بسوء تنسيق الرسالة السياسية للإدارة، وحُرمت لفترة من دخول بعض الاجتماعات الاستراتيجية الحساسة قبل استبدال مايك مكوري كلياً بها.

دي دي مييرز المتحدثة باسم البيت الأبيض السابقة (ويكيبيديا)

وتوضح هذه النماذج التاريخية المتعاقبة طبيعة العمل الحساسة المرتبطة بمنصب المتحدث باسم البيت الأبيض، إذ يظل استمرار المسؤول في موقعه رهناً بدقة الأداء الإعلامي ومدى التوافق الاستراتيجي مع رئيس الإدارة.

وبيّنت التجارب السابقة أن أي تراجع في هذا التنسيق، أو غياب الانسجام في الرؤى السياسية، كفيل بإنهاء المسيرة المهنية للمتحدث رسميّاً في غضون فترة وجيزة، بصرف النظر عن خبراته المهنية السابقة أو درجة ولائه السياسي للرئيس.


المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
TT

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

بعدما لمّح الرئيس الأميركى دونالد ترمب إلى قرب رحيل المتحدثة باسمه، كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها في المنصب، مشيراً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن مستقبلها، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي كبير، اشترط عدم ذكر اسمه، تأكيداً لمغادرة المتحدثة الجديدة باسم ترمب منصبها.

وكان ترمب قد قال للصحافيين على العشب أمام البيت الأبيض، قبيل توجهه إلى ولاية جورجيا، إنه نصح كاتي زكريا بأن «السعادة قد تكون أفضل لها»، لافتاً إلى أنها تتمتع بحياة عائلية جيدة ولا تحتاج إلى الاستمرار في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

ورأى أن كاتي زكريا تعرضت لمعاملة «غير منصفة إطلاقاً» من جانب وسائل الإعلام، مضيفاً أنها واجهت انتقادات وضغوطاً إعلامية شديدة.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيحسم موقفه في وقت لاحق، من دون أن يحدد موعداً لاتخاذ القرار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قُبيل مغادرته واشنطن إلى ولاية جورجيا (أ.ب)

ورداً على سؤال بشأن الشخص الذي قد يخلف كاتي زكريا في حال مغادرتها المنصب، قال ترمب إن هناك كثيرين يرغبون في تولي هذه المهمة.

ومعلوم أن كاتي زكريا حاصلة على شهادة في الحقوق من جامعة بيبرداين عام 2011، لكنها لم تنجح في امتحان نقابة المحامين بولاية كاليفورنيا، معترفةً بأنها لم تُعد التقدم إليه. ولم يُعثر على سجل يثبت حصولها على ترخيص لممارسة المحاماة في أي ولاية أميركية أو في واشنطن العاصمة.

وقالت كاتي زكريا إنها عملت في المجال القانوني في بكين بين عامَي 2011 و2013، ووصفت عملها بأنه متعلق بالتعاملات الدولية، لكن هذا الأمر أثار مزيداً من التساؤلات، إذ إن القانون الصيني يشترط الجنسية الصينية لممارسة المحاماة.

وكانت زكريا قد قالت في مقابلة سابقة، الخميس، مع وسيلة الإعلام المحافظة «ريل أميريكاز فويس»، إنها سُجّلت للخضوع لامتحان النقابة، لكن التحضيرات للانتقال للعيش في الصين مع شريكها «ألهتني وغمرتني» في ما بعد.

وصرّحت: «قلنا: لنأخذ وقتنا، سوف أخضع للامتحان، وأرى النتيجة. والنتائج ليست فعلاً مهمة لأنني علمت أنني لم أكن بحاجة إلى النقابة في الصين. وغادرنا بُعيد ذلك».

وانتقلت كيتي زكريا مع شريكها للعيش في الصين حيث عملت خبيرة قانونية في مكتب محاماة صيني معروف.

وأشارت إلى أنها لم تتقدّم لامتحان النقابة من جديد بعد عودتها إلى الولايات المتحدة؛ لأنها رُزقت «بأربعة أطفال في خلال 6 سنوات».