ترمب: دمرنا المنشآت النووية الإيرانية «بشكل تام وكامل»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية (أ.ب)
TT

ترمب: دمرنا المنشآت النووية الإيرانية «بشكل تام وكامل»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية (أ.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر اليوم (الأحد)، أن الضربات الجوية الأميركية «دمَّرت بشكل تام وكامل» المنشآت النووية الإيرانية المستهدَفة، وهدَّد بشنِّ مزيد من الهجمات إذا لم تذهب طهران إلى السلام.

وبعد أيام من المشاورات، وقبل وقت طويل من انتهاء الموعد النهائي الذي حدَّده بأسبوعين لاتخاذ قرار بهذا الشأن، يمثل قرار ترمب بالانضمام إلى الحملة العسكرية الإسرائيلية على إيران، عدوها اللدود، تصعيداً كبيراً في الصراع.

وقال ترمب في خطاب: «قبل وقت وجيز، نفَّذ الجيش الأميركي ضربات دقيقة واسعة النطاق على المنشآت النووية الرئيسية الثلاث للنظام الإيراني (فوردو، ونطنز، وأصفهان)». وأضاف: «لقد سمع الجميع هذه الأسماء لسنوات في أثناء قيامهم (الإيرانيين) ببناء هذا المشروع المُدمِّر الرهيب. كان هدفنا تدمير قدرة إيران على التخصيب النووي، ووقف التهديد النووي الذي تشكِّله الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم». في هذه الليلة، أستطيع أن أبلغ العالم أن الضربات كانت نجاحاً عسكرياً باهراً.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بعد الهجوم الأميركي على المنشآت النووية الإيرانية (أ.ف.ب)

وأضاف في خطابه: «تمّ تدمير منشآت التخصيب النووي الرئيسية في إيران بشكل تام وكامل. على إيران المتنمرة في الشرق الأوسط، أن تصنع السلام الآن. إذا لم يفعلوا ذلك، فإن الهجمات المستقبلية ستكون أكبر وأسهل بكثير». وقال الرئيس الأميركي: «منذ 40 عاماً، تردّد إيران القول (الموت لأميركا، الموت لإسرائيل). لقد كانوا يقتلون أبناء شعبنا، ويطيحون بأذرعهم، ويطيحون بأرجلهم، بالعبوات الناسفة المزروعة على جانب الطرق. كان هذا تخصصهم. لقد فقدنا أكثر من 1000 شخص، ومات مئات الآلاف في جميع أنحاء الشرق الأوسط وحول العالم نتيجةً مباشرةً لكراهيتهم، وعلى وجه الخصوص، قُتل كثيرٌ منهم على يد جنرالهم قاسم سليماني. لقد قرَّرت منذ وقت طويل أنني لن أسمح بحدوث هذا. لن يستمر ذلك».

وتداول مستخدمون على مواقع التواصل مقطع فيديو نشرته وكالة «إرنا» الإيرانية للأنباء لتصاعد دخان من موقع فوردو بعد قصفه.

وأكمل ترمب في خطابه: «أود أن أشكر وأهنئ رئيس الوزراء (الإسرائيلي) بيبي (بنيامين) نتنياهو. لقد عملنا بصفتنا فريقاً واحداً كما لم يعمل أي فريق من قبل، وقد قطعنا شوطاً طويلاً في محو هذا التهديد الرهيب لإسرائيل. أريد أن أشكر الجيش الإسرائيلي على العمل الرائع الذي قام به».

وأكمل: «الأهم من ذلك، أود أن أهنئ الوطنيين الأميركيين العظماء الذين قادوا هذه الآلات الرائعة الليلة، وكل الجيش الأميركي على العملية التي لم يشهد العالم مثيلاً لها منذ عقود عدة. نأمل ألا نحتاج إلى خدماتهم في هذا المجال بعد. آمل أن يكون الأمر كذلك. أود أيضاً أن أهنئ رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، الجنرال المذهل، وكل العقول العسكرية اللامعة المشارِكة في هذا الهجوم».

وقال ترمب حول الضربات الأميركية: «مع كل ما قيل، لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. إما أن يكون هناك سلام أو ستكون هناك مأساة لإيران أكبر بكثير مما شهدناه خلال الأيام الثمانية الماضية (منذ بدء ضربات إسرائيل). تذكّروا أن هناك كثيراً من الأهداف المتبقية. كانت الليلة الماضية هي الأصعب على الإطلاق، وربما الأكثر فتكاً. لكن إذا لم يتحقَّق السلام بسرعة، فإننا سنلاحق تلك الأهداف الأخرى بدقة وسرعة وكفاءة. معظمها يمكن تدميره في دقائق».

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية من محطة «فوردو» لتخصيب الوقود النووي الإيرانية شمال شرقي مدينة قم (أ.ف.ب)

وقال ترمب إن القوات الأميركية ضربت المواقع النووية الإيرانية الرئيسية الثلاثة، «نطنز» و«أصفهان» و«فوردو». وقال لشبكة «فوكس نيوز» إن القوات الأميركية أسقطت 6 قنابل خارقة للتحصينات على «فوردو»، واستهدفت «نطنز» و«أصفهان» بعدد 30 صاروخ «توماهوك». وقال مسؤول أميركي لـ«رويترز»، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن قاذفات أميركية من طراز «بي-2» شاركت في الضربات.

وأضاف ترمب في خطابه: «لا جيش في العالم كان يمكنه أن يقوم بما قمنا به الليلة، ولا أن يكون قريباً من ذلك حتى. لم يكن هناك جيش قادر على فعل ما جرى قبل فترة وجيزة». وأردف: «غداً، سيعقد الجنرال كين (رئيس الأركان) ووزير الدفاع بيت هيغسيث مؤتمراً صحافياً عند الساعة الثامنة صباحاً في البنتاغون. وأريد فقط أن أشكر الجميع، خصوصاً أن أشكر الله. أريد فقط أن أقول إننا نحبك يا الله، ونحب جيشنا العظيم، احمهم. بارك الله الشرق الأوسط، وبارك الله إسرائيل، وبارك الله الولايات المتحدة».

وكانت «رويترز» قد ، أمس (السبت)، بتحرك قاذفات «بي-2»، التي يمكن تجهيزها لحمل قنابل ضخمة يقول خبراء إنها ضرورية لضرب موقع «فوردو» الموجود أسفل جبل جنوب طهران. ونظراً لتحصينه فسيستغرق الأمر على الأرجح أياماً إن لم يكن أكثر قبل معرفة تأثير الضربات. ونقلت وكالة «تسنيم» للأنباء عن مسؤول إيراني تأكيده أن جزءاً من موقع «فوردو» تعرض لهجوم «بضربات جوية معادية». وقال حسن عبديني نائب رئيس القسم السياسي بهيئة البث الإيرانية الرسمية إن السلطات أخلت المواقع الثلاثة قبل الهجمات. وأضاف قائلاً: «تم نقل احتياطات اليورانيوم المخصب من المراكز النووية، ولم يتبقَّ هناك أي مواد من شأنها أن تُسبِّب الإشعاع وتضر بمواطنينا إذا تم استهدافها».

وهنأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترمب على «قراره الجريء» الذي قال إنه سيغير التاريخ. وقال نتنياهو: «سيسجِّل التاريخ أن الرئيس ترمب تحرك لحرمان أخطر نظام في العالم من أخطر الأسلحة في العالم».

فشل الدبلوماسية

جاءت الضربات في وقت تتبادل فيه إسرائيل وإيران غارات جوية منذ أكثر من أسبوع، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في كلا البلدين. وشنَّت إسرائيل هجمات على إيران قائلة إنها تريد محو أي فرصة لتطوير طهران أسلحة نووية. وتقول إيران إن برنامجها النووي للأغراض السلمية فقط. ولم تنجح الجهود الدبلوماسية التي بذلتها الدول الغربية لوقف الأعمال القتالية.

ووصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجمات الأميركية بأنها «تصعيد خطير»، و«تهديد مباشر للسلم والأمن الدوليَّين». وفي الأيام القليلة الماضية، قال مُشرِّعون ديمقراطيون وبعض الجمهوريين إن ترمب يجب أن يحصل على إذن من الكونغرس الأميركي قبل إلزام الجيش الأميركي بأي قتال ضد إيران. وأشاد رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، الجمهوري روجر ويكر، من ولاية ميسيسيبي بالعملية، لكنه حذَّر من أن الولايات المتحدة تواجه الآن «خيارات خطيرة للغاية في المستقبل».

وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جيم ريش، وهو جمهوري: «على الرغم من القصف الأميركي المكثف على إيران، فإن هذه الحرب هي حرب إسرائيل وليست حربنا». وأضاف: «لن تكون هناك قوات أميركية على الأرض في إيران». وقال أحد المُشرِّعين الجمهوريين، وهو النائب توماس ماسي من ولاية كنتاكي، ببساطة «هذا ليس دستورياً».

وقالت النائبة الديمقراطية ألكسندريا أوكاسيو كورتيز: «إن هذا يشكِّل أساساً واضحاً لمساءلة الرئيس». وصرَّح السيناتور الديمقراطي تيم كاين من ولاية فيرجينيا إن الرأي العام الأميركي «يعارض بأغلبية ساحقة شنَّ الولايات المتحدة حرباً على إيران». بدأت إسرائيل شنَّ هجمات على إيران في 13 يونيو (حزيران)، قائلة إن طهران كانت على وشك تطوير أسلحة نووية. ويُفترض على نطاق واسع أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، وهو ما لا تؤكده أو تنفيه.

وقال موقع «نور نيوز» الإيراني الذي تديره الدولة نقلاً عن وزارة الصحة إن 430 شخصاً على الأقل قُتلوا وأُصيب 3500 شخص في إيران منذ أن بدأت إسرائيل هجماتها. وفي إسرائيل، ذكرت السلطات المحلية أن 24 مدنياً قُتلوا في هجمات صاروخية إيرانية، في أسوأ صراع بين البلدين. وتم إطلاق أكثر من 450 صاروخاً إيرانياً باتجاه إسرائيل، وفقاً لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. وقال مسؤولون إسرائيليون إن 1272 شخصاً أُصيبوا منذ بداية الأعمال القتالية، 14 منهم في حالة خطيرة.


مقالات ذات صلة

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

شؤون إقليمية إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

الحرب تهدد استقرار الإيرانيين في تركيا؛ إقامات مؤقتة وفرص محدودة تدفع بعضهم للعودة رغم المخاطر، وصعوبة الأوضاع في بلدهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رجلا دين إيرانيان يتحدثان في بازار طهران الثلاثاء (رويترز)

إيران: إعدام رجل دين أحرق جامعاً «لصالح الموساد»

أعلنت السلطة القضائية الإيرانية، الثلاثاء، إعدام رجل دين بعد إدانته بالعمل مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد»، والمشاركة في إحراق مسجد كبير في طهران.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

رأى مستشار سابق مقرب من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أن «استئناف القتال مع إيران أفضل من أي اتفاق».

شؤون إقليمية رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)

مقتل العميل «م» يكشف دوراً استخبارياً في حربي إسرائيل ضد إيران

أعلن رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع، الثلاثاء، مقتل عميل يُشار إليه بالحرف «م» خارج إسرائيل خلال عمليات ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية عناصر من قوات الأمن الإسرائيلية (أ.ف.ب)

اعتقال إسرائيليين اثنين بتهمة التجسس لصالح إيران

ألقت قوات الأمن الإسرائيلية القبض على مواطنين إسرائيليين اثنين للاشتباه في عملهما لصالح المخابرات الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

ر

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.


إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
TT

إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)

كشف رئيس منظمة «أفغان إيفاك» الإنسانية شون فاندايفر أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجري محادثات لترحيل مئات اللاجئين الأفغان ممن ساعدوا الولايات المتحدة في حربها ضد «طالبان» في أفغانستان، إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وكانت إدارة ترمب اتخذت خلال الأشهر الماضية إجراءات لرفع الحماية عن هؤلاء اللاجئين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة مع - أو بعيد - انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان في صيف 2021، وأوقفت إعادة توطينهم.

وأفاد فاندايفر أنه تلقى إحاطة من مسؤولين مطلعين يعملون في وزارة الخارجية أو بالتنسيق الوثيق معها أن خطة إدارة ترمب تشير إلى احتمال ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. واتهم إدارة ترمب بتقديم خيار سيء للغاية للاجئين الأفغان، يدفعهم إلى اختيار العودة إلى أفغانستان حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بحياتهم.

آلاف الأفغان في مطار كابول ينتظرون نقلهم خلال انسحاب القوات الأميركية (غيتي)

وقال عبر شبكة «إن بي سي» إن «هذا جنون» لأنه لا حل لأزمة اللاجئين في الولايات المتحدة بإلقائهم في دولة تعاني أصلاً أزمة لاجئين. وأوضح أن جمهورية الكونغو عاجزة عن إعالة اللاجئين الموجودين لديها حالياً، ومعظمهم من رواندا وجمهورية أفريقيا الوسطى المجاورتين. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان هناك أي حماية للأفغان من الترحيل. وأضاف: «لا توجد وظائف. إنهم يعيشون في خضم حرب أهلية. هذا ليس مكاناً مناسباً للأفغان. سينتهي بهم المطاف بالترحيل إلى أفغانستان من حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية».

«حل إيجابي»؟

وفي إطار حملته المتشددة على الهجرة، أغلق ترمب فعلاً كل السبل المؤدية إلى الولايات المتحدة أمام الحلفاء الأفغان، الذين أعيد توطين أكثر من 190 ألفاً منهم في الولايات المتحدة بين أغسطس (آب) 2021 ومنتصف عام 2025. وقد احتجز مسؤولو الهجرة الأميركيون الحلفاء الأفغان وأفراد أسرهم، وتوفي أحدهم، وهو رحمن الله لكانوال (41 عاماً)، خلال الشهر الماضي بعد أقل من 24 ساعة من احتجازه.

وكان الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت أعلن أن إدارة ترمب لا تعتزم إجبار أي شخص على العودة إلى أفغانستان، وأن نقل اللاجئين إلى دول ثالثة يُعد «حلاً إيجابياً». وقال: «دفع الشعب الأميركي ثمن الطريقة غير المسؤولة التي جلب فيها مئات الآلاف من الأفغان إلى الولايات المتحدة. وينصب تركيزنا الآن على استعادة المسألة من خلال تعزيز خيارات إعادة التوطين المسؤولة والطوعية».

مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)

ويقول المدافعون عن اللاجئين الأفغان في مخيم السيلية الذي أنشئ في قطر كونه محطة لنقلهم إلى الولايات المتحدة، ومن المقرر إغلاقه قريباً، إن إدارة ترمب تحاول الضغط عليهم للعودة إلى أفغانستان، حيث يواجهون خطر الاضطهاد أو السجن أو الموت.

ويوجد في المخيم نحو 1100 أفغاني، بينهم أفراد سابقون في القوات الخاصة الأفغانية، ومترجمون عملوا مع الجيش الأميركي، وغيرهم ممن يعرضهم عملهم لخطر الاضطهاد من «طالبان».

حصل معظم سكان المخيم على موافقة لإعادة التوطين في الولايات المتحدة بعد خضوعهم لفحص أمني دقيق، وأكثر من 400 بينهم أطفال. وينتظر الكثيرون منذ أشهر أو سنوات لم شملهم مع عائلاتهم في الولايات المتحدة، وبينهم أقارب أفراد الخدمة العسكرية الأميركية وقدامى المحاربين.

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان بولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

موعد لم يتحقق

وكانت وزارة الخارجية أعلنت هذا العام أنها تخطط لإخلاء المخيم بحلول شهر مارس (آذار) الماضي. غير أن الموعد انقضى من دون أي تحديثات. وقال فاندايفر إن إدارة ترمب تجري مفاوضات مع عشرات الدول، معظمها في أفريقيا، لاستقبال الأفغان الموجودين حالياً في قطر. وأضاف أن المحادثات ربما تعقدت بسبب إجراءات أخرى اتخذتها الإدارة، التي شملت العديد من الدول نفسها في حظر السفر أو اشترطت على مواطنيها دفع آلاف الدولارات على أنها ضمانات تأشيرة قبل السفر إلى الولايات المتحدة.

وتختلف هذه المفاوضات عن تلك التي تجريها إدارة ترمب مع دول مختلفة، ومنها جمهورية الكونغو الديمقراطية، لاستقبال مهاجرين من دول أخرى يواجهون الترحيل من الولايات المتحدة.

وفي المقابل، تدفع الولايات المتحدة ملايين الدولارات لحكومات هذه الدول. ويقول منتقدو معاملة إدارة ترمب لحلفاء أفغانستان إنها قد تضر بالأمن القومي الأميركي بجعل السكان المحليين أقل استعداداً للتعاون مع القوات الأميركية في النزاعات المستقبلية.