في فرجينيا... معقلٌ عسكري يتحول إلى ملاذٍ للاجئين الأفغان

الجهود باتت صعبة ضمن حملة الرئيس ترمب لتقييد الهجرة

مجموعة من اللاجئات الأفغانيات يتجمعن لحضور دورة تدريبية حول العناية الذاتية واحتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ بولاية فرجينيا 8 أبريل 2025 (أ.ب)
مجموعة من اللاجئات الأفغانيات يتجمعن لحضور دورة تدريبية حول العناية الذاتية واحتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ بولاية فرجينيا 8 أبريل 2025 (أ.ب)
TT

في فرجينيا... معقلٌ عسكري يتحول إلى ملاذٍ للاجئين الأفغان

مجموعة من اللاجئات الأفغانيات يتجمعن لحضور دورة تدريبية حول العناية الذاتية واحتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ بولاية فرجينيا 8 أبريل 2025 (أ.ب)
مجموعة من اللاجئات الأفغانيات يتجمعن لحضور دورة تدريبية حول العناية الذاتية واحتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ بولاية فرجينيا 8 أبريل 2025 (أ.ب)

كانت كات رينفرو تحضر قداساً عندما لمحَت إعلاناً تطوعياً في نشرة الكنيسة الكاثوليكية التي تنتمي إليها. كانت الكنيسة تبحث عن متطوعين لتعليم الشباب الأفغان الذين وصلوا حديثاً إلى الولايات المتحدة.

مجموعة من اللاجئات الأفغانيات يتجمعن لحضور دورة تدريبية حول العناية الذاتية واحتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ بولاية فرجينيا 8 أبريل 2025 (أ.ب)

كان لهذا الإعلان صدىً شخصياً لدى رينفرو، فزوجها -الذي تقاعد من قوات مشاة البحرية الأميركية (المارينز)- خَدَم في أفغانستان أربع مرات. وتقول: «لم يتحدث يوماً عن أي منطقة كما تحدث عن أهلها هناك». وسجلت نفسها متطوعةً، وقالت: «لقد غيّر هذا حياتي».

مرت سبع سنوات منذ ذلك الحين، وما زالت هي وزوجها على صلة وثيقة بالشاب الذي كانت تعلمه وعائلته. واليوم، تعمل رينفرو محترفةً في مجال دعم اللاجئين، وتشرف على مكتب خدمات الهجرة واللاجئين في فريدريكسبرغ التابع للجمعية الكاثوليكية بأبرشية أرلينغتون، حسب تقرير لـ«أسوشييتد برس»، السبت.

خالدة دنيا الموظفة بمؤسسة «كاثوليك» الخيرية من أفغانستان تكشف عن أطباق طعام خلال احتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للمؤسسة الكاثوليكية الخيرية في فريدريكسبرغ بولاية فيرجينيا 8 أبريل 2025 (اب)

مع ذلك بات هذا العمل القائم على الإيمان الآن مهدداً، ففي إطار حملة الرئيس دونالد ترمب لتقييد الهجرة، حظرت إدارته دخول معظم اللاجئين القادمين في يناير (كانون الثاني)، وعلّقت التمويل الفيدرالي للبرامج.

وأُجبرت وكالات إعادة التوطين المحلية في جميع أنحاء البلاد، مثل وكالتها، على تقليص الموظفين أو الإغلاق. وأدى ذلك إلى وضعٍ معلَّق للاجئين ومهاجرين شرعيين آخرين، بمن فيهم أفغان دعموا الولايات المتحدة في بلادهم.

يحمل هذا الاضطراب طابعاً حاداً في هذه المنطقة من فرجينيا، التي تفتخر وتتباهى بصلاتها القوية مع كلٍّ من الجيش واللاجئين الأفغان، إلى جانب مجتمعات دينية تدعم كلا الطرفين.

مجموعة من اللاجئات الأفغانيات يتجمعن لحضور دورة تدريبية حول العناية الذاتية واحتفال ما بعد رمضان بمكتب خدمات المهاجرين واللاجئين التابع للجمعيات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ بولاية فرجينيا 8 أبريل 2025 (أ.ب)

وتقع فريدريكسبرغ جنوب واشنطن العاصمة، بين عدة قواعد عسكرية، وهي موطن لعشرات الآلاف من الجنود العاملين والمحاربين القدامى. وتُعد فرجينيا الولاية التي أعادت توطين أكبر عدد من اللاجئين الأفغان بالنسبة إلى عدد السكان.

وباتت منطقة فريدريكسبرغ الآن تضم أسواقاً للطعام الحلال، ومطاعم أفغانية، وبرامج مدرسية موجَّهة إلى الأسر الناطقة بالدارية والبشتو.

ولا يزال الكثير من الأفغان في الولايات المتحدة بانتظار انضمام أفراد عائلاتهم إليهم -وهي آمال تبدو معلقة إلى أجل غير مسمى. وتخشى الأسر من صدور حظر سفر جديد قد يشمل أفغانستان. كما أن بعض الأفغان الموجودين بالفعل في الولايات المتحدة قد يواجهون الترحيل مع إنهاء إدارة ترمب وضع الحماية المؤقتة الممنوح لهم.

وقالت رينفرو: «أعتقد أنه من الصعب على العائلات العسكرية، خصوصاً أولئك الذين خدموا، أن ينظروا إلى عشرين عاماً ولا يشعروا بشيء من الارتباك أو حتى الغضب من الوضع».

وأعلن مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأميركيين في أبريل (نيسان) إنهاء شراكته، التي استمرت لعقود مع الحكومة الفيدرالية في إعادة توطين اللاجئين، بعد أن أوقفت إدارة ترمب تمويل البرنامج، وهو التمويل الذي كان يتم توجيهه إلى الجمعيات الكاثوليكية المحلية من خلال المؤتمر.

وواصل مكتب المؤسسات الخيرية الكاثوليكية في فريدريكسبرغ دعم العملاء الحاليين والعمل دون اللجوء بشكل كبير إلى تسريح العمالة بفضل دعم الأبرشية والتمويل الحكومي من الولاية. مع ذلك لا يزال مستقبل المكتب المحلي غير واضح في ظل غياب التمويل الفيدرالي وتراجع عدد اللاجئين الوافدين. وقالت رينفرو: «سأواصل الصلاة... هذا كل ما أستطيع فعله من جانبي».

إرث من الخدمة على الإيمان

لطالما لعبت الجماعات الدينية دوراً مركزياً في جهود إعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة. قبل التغيرات السياسية الأخيرة، كانت سبع من أصل عشر منظمات وطنية شريكة للحكومة في هذا المجال تعتمد على الإيمان، بدعم ومساعدة من مئات الفروع المحلية والطوائف الدينية.

وقد عملت المؤسسات الخيرية الكاثوليكية لأبرشية أرلينغتون مع اللاجئين منذ خمسين عاماً، بدءاً من الفيتناميين بعد سقوط مدينة سايغون. وخلال العقد الماضي، كان معظم عملائها من الأفغان، خصوصاً بعد تدفقهم بشكل كبير عام 2021 مع عودة «طالبان» إلى السلطة.

كان للجماعات الدينية المحلية، مثل كنيسة سانت ماري الكبيرة في فريدريكسبرغ، دور محوري في مساعدة الوافدين الأفغان الجدد، حيث وفَّر المتطوعون من الأبرشيات المحلية الأثاث للمنازل، والوجبات، ونقل العائلات إلى مواعيد اللقاءات.

وقالت جوي روجرز، التي قادت خدمة دعم الأفغان في كنيستها المعمدانية الجنوبية: «نحن ككنيسة نهتم بشدة، وبصفتنا مسيحيين نهتم بشدة أيضاً، و لدينا بوصفنا عسكريين أيضاً التزام تجاههم كأشخاص التزموا بمساعدة الولايات المتحدة في مهمتها هناك».

ويعمل زوجها، جيك، وهو جندي سابق في قوات المارينز، قسيساً ضمن شبكة «بيلار» التي تضم 16 كنيسة معمدانية جنوبية تخدم العسكريين. ويقع المركز الرئيسي لها بالقرب من قاعدة كوانتيكو في شمال فرجينيا، والتي نُقل نحو 5000 أفغاني إليها بعد سقوط كابل.

وبتمويل من صناديق الإغاثة التابعة للكنائس المعمدانية الجنوبية، جرى توظيف جوي روجرز للعمل بدوام جزئي منسقةً للمتطوعين في مخيم اللاجئين المؤقت في القاعدة العسكرية عام 2021، حيث ساعدت في تنظيم برامج تشمل أنشطة للأطفال. وكانت وظيفتها تخضع لإشراف مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأميركيين، الذي تعاقدت معه الحكومة لإدارة المخيم.

وقال القس كولبي غارمان، مؤسس شبكة «بيلار»: «لقد كان قراراً سهلاً، لأن الأمر كان يمسّ حياة كثير من عائلاتنا هنا ممن خدموا في أفغانستان».

وأضاف قائلاً: «لقد طُلب منَّا أن نحب الله ونحب جارنا. وقلت لأهلنا إن هذه فرصة فرصة فريدة لنُظهر محبتنا لجيراننا».

المسيحيون مدعوُّون لرعاية اللاجئين بعيداً عن السياسة في غضون خمسة أشهر، مع مغادرة الأفغان القاعدة إلى مواقع مختلفة في أنحاء البلاد. وانتقلت جهود الدعم إلى المجتمع المحلي الأوسع. بدأت شبكة «بيلار» في تقديم دروس لغة إنجليزية، وزار أعضاؤها العائلات المُعَاد توطينها محلياً، وحاولوا تلبية احتياجاتهم.

وبالنسبة إلى زوجين من إحدى كنائس الشبكة يعيشان في مقاطعة ستافورد القريبة، بولاية فرجينيا، كان يعني ذلك فتح منزلهما لفتاة مراهقة وصلت إلى الولايات المتحدة بمفردها بعد أن انفصلت عن عائلتها في مطار كابل -وهو أمر عرفا به من خلال الكنيسة.

وقالت ماهسا زَرابي: «الناس هنا رائعون. لقد استقبلوني بشكل جيد جداً». وهي تدرس حالياً في كلية قريبة، ولا تزال عائلة ويليامز تزورها شهرياً. وخلال شهر رمضان المبارك هذا الربيع، شاركوها وعائلتها وجبة الإفطار، بعد أن أصبحت العائلة الآن بأمان في فرجينيا.


مقالات ذات صلة

ألمانيا: دخول 70 ألف مهاجر غير نظامي وترحيل 22 ألفاً في 2025

أوروبا مهاجرون يصطفون أمام مركز استقبال طالبي لجوء في العاصمة الألمانية برلين (أرشيفية - رويترز)

ألمانيا: دخول 70 ألف مهاجر غير نظامي وترحيل 22 ألفاً في 2025

كشفت بيانات صادرة عن البرلمان الألماني، الجمعة، توافد نحو 70 ألف مهاجر غير نظامي على البلاد في 2025، مع مواصلة الحكومة تشديد إجراءات الترحيل ومراقبة الحدود.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

بلجيكا تخشى التحول إلى نقطة انطلاق جديدة للمهاجرين نحو إنجلترا

باشرت بلجيكا التحرك لوقف بوادر حركة هجرة غير قانونية، مع محاولة مهاجرين معظمهم شبان سودانيون وعراقيون وأفغان، الانطلاق من سواحلها للوصول إلى المملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الصحة المصري يحضر اجتماعات «جمعية الصحة العالمية» في جنيف يوم الخميس (صفحة وزارة الصحة على «فيسبوك»)

مصر تؤكد رعايتها الصحية للوافدين رغم «ثقل الأعباء»

قال وزير الصحة المصري، خالد عبد الغفار، إن مصر قدّمت أكثر من 351 ألف خدمة رعاية صحية أولية للاجئين والمهاجرين خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

رغم الحوادث المتكررة... لماذا تستمر محاولات «الهجرة غير الشرعية» في مصر؟

عادت وقائع «الهجرة غير الشرعية» إلى الواجهة في مصر بعد سقوط ضحايا جدد على متن ما يُعرف بـ«قوارب الموت» التي تُقلهم إلى السواحل الأوروبية.

أحمد جمال (القاهرة)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لأحد مؤيدي حقوق المهاجرين يحمل لافتة مكتوباً عليها «المهاجرون يجعلون أميركا عظيمة» خلال مسيرة بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

إدارة ترمب تمنح امتيازات للمهاجرين البيض من جنوب أفريقيا

ادعى ترمب ومساعدوه أن «الأفريكان» يواجهون اضطهاداً عنصرياً، وهو ادعاء ينفيه بشدة مسؤولو جنوب أفريقيا...

علي بردى (واشنطن)

كوبا في مرمى ترمب… هل تعود الجزيرة ساحةً للصراع الدولي؟

مسيرة مؤيدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في هافانا (أ.ب)
مسيرة مؤيدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في هافانا (أ.ب)
TT

كوبا في مرمى ترمب… هل تعود الجزيرة ساحةً للصراع الدولي؟

مسيرة مؤيدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في هافانا (أ.ب)
مسيرة مؤيدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في هافانا (أ.ب)

تعود كوبا إلى واجهة الصراع مع الولايات المتحدة، ولكن هذه المرة في ظل إدارة أميركية أكثر تشدداً يقودها الرئيس دونالد ترمب، الذي يبدو عازماً على إعادة رسم خريطة النفوذ في نصف الكرة الغربي بالقوة الاقتصادية، وربما العسكرية أيضاً. فمنذ الأيام الأولى لعودته إلى البيت الأبيض، وضع ترمب الجزيرة الشيوعية الصغيرة في قلب استراتيجيته الإقليمية، معتبراً أن كوبا لم تعد مجرد خصم آيديولوجي قديم؛ بل صارت «تهديداً استثنائياً» للأمن القومي الأميركي بسبب علاقاتها مع روسيا والصين.

هذا التصعيد ليس مجرد امتداد للخلاف التاريخي بين واشنطن وهافانا؛ بل يعكس تحوّلاً أوسع في العقيدة الأميركية الجديدة، التي تقوم على تكريس الهيمنة الكاملة على الأميركتين ومنع أي نفوذ منافس في المنطقة، سواء كان روسياً أو صينياً أو غير ذلك. وهكذا يتجاوز ملف كوبا قضية الحصار التقليدي أو الخلاف السياسي، ليصبح جزءاً من صراع دولي أوسع على النفوذ والنظام العالمي المقبل.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (أ.ف.ب)

وارتفع التصعيد درجات قبل أيام، بعدما وجَّهت وزارة العدل الأميركية اتهامات جنائية إلى الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (94 عاماً) على خلفية حادث وقع عام 1996، حين أسقطت مقاتلات كوبية طائرتين صغيرتين تابعتين لمنظمة «أخوة الإنقاذ» التي أسسها منفيون كوبيون في ميامي. وأدى الحادث الذي راح ضحيته 4 أشخاص، إلى تدهور العلاقات بين واشنطن وهافانا بشكل خطير.

جدير بالذكر أن راؤول كاسترو لم يكن شقيق قائد الثورة فحسب؛ بل كان شخصية محورية في التحول الذي شهدته البلاد. وقد أسهم في دحر غزو خليج الخنازير الذي قامت به الولايات المتحدة عام 1961 في عهد الرئيس جون كينيدي، وشغل منصب وزير الدفاع لعقود. وتولّى فعلياً قيادة كوبا منذ استقالة شقيقه فيدل لأسباب صحية عام 2006، ولا يزال شخصية مؤثرة في كواليس السياسة الكوبية.

* سياسة «الضغط الأقصى»

اعتمد ترمب خلال ولايته الثانية سياسة «الضغط الأقصى» ضد كوبا، في مقاربة تقوم على خنق الاقتصاد ودفع النظام إلى الانهيار من الداخل. وفي هذا السياق، شددت الإدارة الأميركية القيود على السفر إلى الجزيرة، وقيّدت المعاملات المالية مع المؤسسات المرتبطة بالجيش الكوبي، وعززت الحصار الاقتصادي المفروض منذ أكثر من 6 عقود.

جانب من العاصمة الكوبية هافانا (أ.ف.ب)

وفي 29 يناير (كانون الثاني) 2026، وقّع ترمب أمراً تنفيذياً حمل الرقم 14380، معلناً بموجبه حالة طوارئ وطنية مرتبطة بكوبا، في خطوة رأى فيها مراقبون تصعيداً غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة. ووسّع القرار نطاق العقوبات على نحو كبير؛ إذ سمح بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الآتية من دول ثالثة تبيع كوبا نفطاً أو تزودها إياه، في محاولة لعزل الجزيرة اقتصادياً وتجفيف مصادر الطاقة التي يعتمد عليها النظام.

وغالباً ما يتولى إطلاق الكلام القاسي وإعلان التدابير العقابية، وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود في ميامي لأبوين هاجرا من كوبا، والذي يرى في الجزيرة تهديداً جدياً للأمن القومي الأميركي، بسبب تحالفها مع خصوم للولايات المتحدة.

*محور معادٍ

ترى واشنطن أن كوبا تشكل جزءاً من محور معادٍ يضم روسيا والصين (وفنزويلا قبل إزاحة الرئيس نيكولاس مادورو)، وأن استمرار النظام الكوبي يمنح خصوم واشنطن موطئ قدم استراتيجياً على مسافة أقل من 150 كيلومتراً من السواحل الأميركية. ولهذا السبب، زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف هافانا، في 14 مايو (أيار)، مطالباً بـ«تغييرات جوهرية»، شملت - بحسب تقارير إعلامية - إصلاحات اقتصادية، وإغلاق مواقع الاستخبارات الصينية والروسية، وحتى إبعاد الرئيس الكوبي ميغيل دياز - كانيل.

لكن السؤال يبقى: لماذا يريد ترمب كوبا الآن؟

الإجابة تكمن في رؤية الإدارة الأميركية الجديدة للمنطقة؛ فكل من استراتيجية الأمن القومي (الرؤية الشاملة) واستراتيجية الدفاع الوطني (الجانب العسكري لتنفيذ الأولى)، يعطي نصف الكرة الغربي أولوية قصوى، مع التشدد في منع أي تمدد للخصوم الدوليين داخل «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة. وبعد نجاح الضغوط الأميركية في إضعاف النظام الفنزويلي عبر اعتقال مادورو في 3 يناير (كانون الثاني) 2026، يبدو أن البيت الأبيض يعتقد أن الوقت مناسب لتكرار السيناريو نفسه في كوبا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يريد تطويع النظام الكوبي (أ.ب)

* أزمة خانقة

أدى تشديد الحصار إلى أزمة اقتصادية خانقة داخل الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 11 مليون نسمة؛ فالانقطاعات الكهربائية أصبحت شبه يومية، والمدارس والجامعات أغلقت أبوابها في بعض المناطق، فيما تواجه المستشفيات نقصاً حاداً في الوقود والأدوية والمستلزمات الأساسية. كما انهار قطاع السياحة، الذي يشكل أحد أبرز مصادر العملة الصعبة للبلاد، ما دفع آلاف الكوبيين إلى الهجرة، أو الاحتجاج في مشهد نادر داخل دولة لطالما أحكمت قبضتها الأمنية على كل مفاصل الحياة.

ورغم أن واشنطن لا تعلن رسمياً نيتها التدخل العسكري في كوبا، فإن مجلة «بوليتيكو» نقلت عن مسؤولين أميركيين، أن الخيار العسكري بات مطروحاً بجدية أكبر من السابق، خصوصاً بعد فشل العقوبات في دفع القيادة الكوبية إلى تقديم تنازلات جوهرية. ويُعدّ هذا تحولاً خطيراً مقارنة بالأشهر الماضية، حين ركزت الإدارة الأميركية بشكل أساسي على الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن أي عمل عسكري ضد كوبا لن يكون سهلاً أو محدود التداعيات؛ فسجلّ العلاقات بين البلدين حافل بالمواجهات والتوترات التي كادت تدفع العالم إلى حرب نووية. ففي عام 1962، وصلت أزمة الصواريخ الكوبية إلى ذروتها عندما نشر الاتحاد السوفياتي رؤوساً نووية في الجزيرة، فردّت الولايات المتحدة بفرض حصار بحري ورفع حالة التأهب العسكري إلى أقصى درجاتها. وانتهت الأزمة حينذاك بتراجع موسكو مقابل تعهد أميركي بعدم غزو كوبا، ودخلت تلك الأزمة التاريخ بوصفها واحدة من أخطر محطات الحرب الباردة.

صور إرنستو تشي غيفارا وفيدل وراؤول كاسترو في هافانا (أ.ب)

أما جذور العداء، فتعود إلى ما قبل ذلك بكثير؛ ففي خمسينات القرن الماضي، دعمت واشنطن نظام فولخينسيو باتيستا، الذي عدّه كثير من الكوبيين رمزاً للفساد والتبعية للولايات المتحدة، ثم جاءت ثورة المحامي فيدل كاسترو والطبيب الأرجنتيني تشي غيفارا عام 1959، لتطيح النظام وتُدخل الجزيرة في مواجهة مباشرة مع واشنطن، خصوصاً بعد تأميم الممتلكات الأميركية والتحالف مع الاتحاد السوفياتي.

ومنذ ذلك الحين، فرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً شاملاً على كوبا، استمر لعقود طويلة رغم الإدانات الدولية المتكررة. وفي حين شهدت العلاقات انفراجاً نسبياً خلال عهد الرئيس باراك أوباما، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات عام 2015، عاد التوتر بقوة مع ترمب، الذي أرجع كوبا إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب وشدد العقوبات مجدداً.

* مرحلة مفصلية جديدة

اليوم، يبدو أن الجزيرة تقف أمام مرحلة مفصلية جديدة؛ فترمب يعتقد أن النظام الكوبي يقترب من الانهيار، وقد صرح أكثر من مرة، بأن «كوبا تشهد النهاية». وفي الموازاة، يحذر خبراء الأمم المتحدة من أن الحصار يرقى إلى مستوى «العقاب الجماعي»، ويهدد الحقوق الأساسية للشعب الكوبي.

أما الرئيس الكوبي ميغيل دياز - كانيل، فقد حذر من أن أي هجوم أميركي سيؤدي إلى «حمام دم مع عواقب لا يمكن تصورها». وبين التهديد الأميركي والتحذير الكوبي، تبقى الجزيرة الصغيرة عالقة في قلب صراع أكبر منها بكثير؛ صراع يتجاوز حدود هافانا وواشنطن ليعكس شكل النظام الدولي الجديد، وحدود القوة الأميركية، ومستقبل النفوذ العالمي في منطقة تشكل المدى الحيوي للولايات المتحدة.

الرئيس الكوبي ميغيل دياز - كانيل خلال مسيرة مؤيدة للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو في هافانا (رويترز)

وربما يحمل اسم كوبا نفسه شيئاً من رمزية هذا الصراع. فبحسب الاعتقاد الشائع، يعود اسم الجزيرة إلى كلمة «كوباناكان» في لغة التاينو، وتعني «المكان العظيم» أو «الأرض الخصبة». وعلى مدى أكثر من قرن، ظلت هذه الأرض الصغيرة تجذب الإمبراطوريات الكبرى، وتتحول قسراً إلى ساحة اختبار للطموحات الدولية، من الحرب الباردة إلى صراعات القرن الحادي والعشرين.


الولايات المتحدة تلزم طالبي البطاقة الخضراء بالتقديم لها من الخارج

النظام حالياً يسمح لبعض الرعايا الأجانب بتقديم طلبات الحصول على البطاقة الخضراء وهم داخل الأراضي الأميركية (رويترز)
النظام حالياً يسمح لبعض الرعايا الأجانب بتقديم طلبات الحصول على البطاقة الخضراء وهم داخل الأراضي الأميركية (رويترز)
TT

الولايات المتحدة تلزم طالبي البطاقة الخضراء بالتقديم لها من الخارج

النظام حالياً يسمح لبعض الرعايا الأجانب بتقديم طلبات الحصول على البطاقة الخضراء وهم داخل الأراضي الأميركية (رويترز)
النظام حالياً يسمح لبعض الرعايا الأجانب بتقديم طلبات الحصول على البطاقة الخضراء وهم داخل الأراضي الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قاعدة جديدة تلزم الراغبين في الحصول على البطاقة الخضراء الخاصة بالإقامة الدائمة بتقديم طلباتهم من خارج الولايات المتحدة مستقبلاً، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دائرة الهجرة والجنسية الأميركية في بيان أمس الجمعة: «من الآن فصاعداً، يتعين على أي أجنبي موجود في الولايات المتحدة بشكل مؤقت ويريد الحصول على البطاقة الخضراء العودة إلى بلده الأصلي لتقديم الطلب، إلا في حالات استثنائية للغاية».

وفي الوقت الحالي، يسمح النظام لبعض الرعايا الأجانب، وبينهم السياح والطلاب وآخرون، بتقديم طلبات الحصول على البطاقة الخضراء وهم داخل الأراضي الأميركية، وذلك في ظل استيفاء شروط معينة.

ووفقاً لصحيفة «واشنطن بوست»، فإن أكثر من نصف البطاقات الخضراء التي تصدر سنوياً كانت تمنح عبر هذا الإجراء.

ومن بين الشروط التي كان يجب توفرها، ألا يكون مقدم الطلب قد يعتزم منذ البداية البقاء في الولايات المتحدة لفترة طويلة.

وأوضحت دائرة الهجرة أن النظام وضع للأشخاص غير المهاجرين، مثل الطلاب والعمال المؤقتين وحاملي التأشيرات السياحية، للقدوم لفترة قصيرة، ولغرض محدد، ثم المغادرة بانتهاء زيارتهم، مؤكدة أن «الزيارة لا ينبغي أن تكون الخطوة الأولى في عملية الحصول على البطاقة الخضراء».


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في كاليفورنيا بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في كاليفورنيا بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء نحو 40 ألف شخص من منازلهم في كاليفورنيا الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انفجار وانتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة.

ويحتوي الخزان على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل متطاير وقابل للاشتعال يستخدم في صناعة البلاستيك، وقد حذر عناصر الإطفاء من أن الأمور تبدو سيئة.

وأوضح مسؤول في هيئة الإطفاء أن هذا الوضع قد يتسبب في تلوث كيميائي كبير، أو حتى قد يؤدي إلى انفجار.

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

وقال أمير الفرا، قائد شرطة غاردن غروف، في مقاطعة أورنج (جنوب شرقي لوس أنجليس)، المنطقة التي وقع فيها التسرب، إن أمر الإخلاء يطول نحو 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

ولم تبلغ السلطات عن أي تقارير بوقوع إصابات حتى الآن، كما أنها لم توضح سبب التسرب.

وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث المجاري المائية، أو المحيط الواقع على مسافة كيلومترات.