وثائق كيندي... بين نظريات المؤامرة والدولة العميقة

قرار ترمب التنفيذي رفع عنها السرية... وكشفت تفاصيل عمليات سابقة لـ«سي آي إيه»

صورة من الأرشيف لكيندي قبل اغتياله في 22 نوفمبر 1963 (رويترز)
صورة من الأرشيف لكيندي قبل اغتياله في 22 نوفمبر 1963 (رويترز)
TT

وثائق كيندي... بين نظريات المؤامرة والدولة العميقة

صورة من الأرشيف لكيندي قبل اغتياله في 22 نوفمبر 1963 (رويترز)
صورة من الأرشيف لكيندي قبل اغتياله في 22 نوفمبر 1963 (رويترز)

أتاح قرار الرئيس دونالد ترمب برفع السرية عن الوثائق المرتبطة باغتيال الرئيس السابق جون إف كيندي، الكشف عن آلاف الصفحات التي لم تأت بجديد يُذكر في عملية الاغتيال، لكنها أعادت إلى الواجهة نظريات مؤامرة كثيرة، وسلّطت الضوء على مفهوم الدولة العميقة الذي يردده سيد البيت الأبيض كلّما سنحت الفرصة.

فترمب، الذي وعد في حملته الانتخابية بالكشف عن الوثائق السرية المرتبطة بالاغتيال، فعل ذلك عبر قرار تنفيذي واسع النطاق، أدى إلى الإفراج عن الآلاف من الصفحات رغم الاعتراضات السابقة للاستخبارات المركزية. ورغم أن هذه الوثائق لم تكشف عن معلومات لافتة مرتبطة بعملية الاغتيال، فإنها كشفت عن كم هائل من الهويات الغامضة والمهمات السرية وعمليات التجسس لوكالة الاستخبارات المركزية في الستينات والتي سعت لعقود لإخفائها.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، تفاصيل ما ورد في وثائق كيندي السرية، وأسباب كشف ترمب عن سريتها وما إذا كانت قد رفعت الغطاء حقاً عن معلومات مضرّة بعمل الاستخبارات الأميركية.

«منجم ذهب»

جانب من وثائق كيندي التي رفع ترمب السرية عنها في 18 مارس 2025 (رويترز)

بالنسبة للقلائل من الذين عملوا لسنوات للكشف عن ملابسات اغتيال كيندي، لم توفر هذه الوثائق أي معلومات جديدة مرتبطة بعملية الاغتيال. بين هؤلاء جايمس جونستون، مؤلف كتاب «الاغتيال - وكالة الاستخبارات المركزية في عهد كيندي» والمحامي السابق في لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ خلال تحقيقها بعملية الاغتيال في عام 1976. يقول جونستون إنه لم يفاجأ بالمعلومات الواردة في الوثائق؛ لأنه أصلاً لم يتوقع أن يكون هناك المزيد من الوثائق المتوفرة غير تلك التي اطّلع عليها عندما كان في لجنة مجلس الشيوخ. وأوضح جونستون أن الوثائق التي تمّ الكشف عن سريتها هي تلك الموجودة في الأرشيف الوطني فقط، مشيراً إلى غياب وثائق كثيرة لم تتم مشاركتها مع الأرشيف الوطني، ولا حتى مع اللجنة المعنية بالتحقيق.

أما مات داليك، المؤرّخ الرئاسي وأستاذ الإدارة السياسية في جامعة «جورج واشنطن»، فقد أعرب عن مفاجأته بعد الاطّلاع على الوثائق الجديدة المنشورة، ووصفها بـ«منجم ذهب» لأي شخص يدرس تاريخ وكالة الاستخبارات. وأضاف: «إنها تكشف عن مصادر وأساليب وكالة الاستخبارات المركزية، وإلى أي مدى كان البيت الأبيض تحت إدارة كيندي قلقاً حيال تدخّل الوكالة في الدبلوماسية في مختلف السفارات، بالإضافة إلى معلومات عن أن نصف المسؤولين السياسيين في السفارة الأميركية في فرنسا كانوا يعملون لصالح الوكالة».

موقع الأرشيف الوطني الذي نشر الوثائق السرية لاغتيال كيندي (رويترز)

ويوافق جيمي يوجينيو، الذي ألّف خمسة كتب عن اغتيال كيندي، منها كتاب «اغتيال كيندي: الدلائل اليوم»، على وجود معلومات جديدة في الوثائق تبرز عمليات «سي آي إيه» CIA وتظهر طابع العلاقة المتوترة بين الوكالة وكيندي. ورأى أنها سلّطت الضوء على إحدى أبرز العمليات التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية، وهي عملية «Mockingbird»، حين تجسست الوكالة على صحافيين، كما تظهر الوثائق. ويقول ديجينيو إن الوثائق تطرّقت كذلك إلى ما تلى أحداث «خليج الخنازير»، من غضب كيندي و«اشمئزازه الشديد» من الطريقة التي «خدعته» بها وكالة الاستخبارات الأميركية لكي يقوم بإطلاق هذه العملية. ويقول ديجينيو إن النقطة الثالثة التي كشفت عنها الوثائق، متعلّقة بعمليات الوكالة في فرنسا. وفسَّر قائلاً: «إنها تكشف عن عدد من الأشخاص في وزارة الخارجية الذين كانوا فعلياً عملاء لوكالة الاستخبارات في السفارة الأميركية في باريس. وكان هناك الكثير من الأشخاص، على رأسهم شارل دو غول، الذين اعتقدوا أنهم كانوا متورطين في محاولة الإطاحة بحكومته. ويبدو أن الأمر كان صحيحاً».

وثائق مفقودة و«حرب عالمية ثالثة»

يقول البعض إن الكثير من الوثائق حول اغتيال كيندي لم تكشف بعد (أ.ب)

وتطرّق جونستون بالتفصيل إلى ما يصفه بالوثائق المفقودة التي لم يتم الكشف عنها في عملية الاغتيال، مذكّراً بأن كيندي كان يحاول الإطاحة بنظام فيديل كاسترو في كوبا. وذكر حادثة معينة قائلاً: «ما حصل بعد اغتياله هو أن ليندون جونسون أصبح رئيساً. وهناك وثيقة لم يتم تسليمها إلى الأرشيف الوطني، والتي لم يعلن عنها، وهي مذكرة كتبها رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية حول لقائه مع ليندون جونسون بعد 6 أيام من الاغتيال. التقيا وحدهما في منزل جونسون، وتحدثا لوقت طويل. نحن نعلم أن جزءاً من هذا اللقاء كان له علاقة بكوبا، لكن الأمر الغريب هو أنه لم يتم نشر هذه المذكرة علناً أبداً، ولم يتم تسليمها إلى الأرشيف الوطني». وتابع: «عندما كنت في لجنة الشيوخ، طلبت هذه الوثيقة، ورفضوا تسليمها إلى مجلس الشيوخ أيضاً».

وعدَّ جونستون أن سبب إخفاء بعض الحقائق والوثائق هو القلق من تورّط حكومة أجنبية في الاغتيال، ونشوب حرب عالمية ثالثة، مذكّراً: «لقد بدأت الحرب العالمية الأولى إثر عملية اغتيال بسيطة».

من جهته، يقول ديليك إن هذه هي أحد الأسباب التي أدت إلى معارضة وكالة الاستخبارات رفع السرية عن الوثائق، مضيفاً أن «وكالة الاستخبارات الأميركية وعلى مدى عدد من السنوات، ارتكبت مجموعة من الانتهاكات للسلطة التي لم نكن على علم بها في خمسينات القرن الماضي وستيناته. فقد تم التجسس على الأميركيين داخلياً، وعلى الصحافيين، والإطاحة بالحكومات. وبعد عقود، تملك الوكالة مصلحة في حماية مصادرها وطرق عملها. حتى لو أن الزمن مختلف جداً، واختلفت التكنولوجيا، فهي لا ترغب بالكشف عن هذه الأمور».

وعدَّ ديليك أنه، وعلى الرغم من أن الوكالة مختلفة اليوم عما كانت عليه في السابق، فإن هناك آلاف الوثائق التي لم يتم نشرها، منها ما هو موجود في عهدة بعض المحاكم، ومنها بعض المعلومات التي لا ينبغي نشرها. ويرى ديوجينيو أن من الوثائق التي لم يتم نشرها، «وثائق متعلقة بالمتهم بقتل كيندي لي هارفي أوزوالد، والمعروفة بملف أوزوالد قبل الاغتيال»، تحديداً فيما يتعلق بزيارته إلى مكسيكو سيتي. ويضيف: «كانت هذه زيارة غامضة جداً لأوزوالد قبل 6 أو 7 أسابيع من عملية الاغتيال».

ترمب وكيندي والدولة العميقة

وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً لرفع السرية عن وثائق اغتيال كيندي (أ.ب)

أظهرت الوثائق كذلك علاقة مضطربة بين كيندي ووكالة الاستخبارات المركزية، التي وُصفت حينها بـ«الدولة العميقة»، وهو تعبير يكرره ترمب. ويقول البعض إن هذه هي أحد الأسباب التي دفعت ترمب للإفراج عن الوثائق.

ويقارن جونستون بين عهدي ترمب وكيندي، مشيراً إلى أن «الدولة العميقة» في عهد كيندي كانت تعني أن البيروقراطية في الولايات المتحدة تملك وجهة نظرها الخاصة للعالم، في حين يواجه ترمب اليوم بيروقراطية لا تدعمه و لم تدعمه في عهده الأول أيضاً. لكن جونستون رأى أن كيندي سعى للسيطرة على وكالة الاستخبارات الأميركية بعد غزو خليج الخنازير، ساعياً لتعيين أخيه روبرت كيندي ليكون رئيس الوكالة، وقوبل بالمعارضة.

وهنا يشير ديوجينيو إلى أن كيندي لم يكن لديه أي سيطرة على وكالة الاستخبارات، وأن محاولته للسيطرة عليها فشلت.

ولدى المقارنة بين عهدي ترمب وكيندي، سارع ديجينيو للتحذير قائلاً إن «الدولة العميقة اليوم هي أكبر بكثير وأكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه في 1963. إنها تعوق الأفرع القانونية للحكومة. لدينا هذا الكيان شبه المرئي، والذي يملك سلطة كبيرة، لكن لا يتحمل مسؤولية لأنه يعمل في الظل. في عهد كيندي، لم تكن الوكالة بهذا الحجم، أما اليوم فهي هائلة. إن ميزانيات الدفاع التي نصرفها اليوم عملاقة! وهذا يخلق مجمعاً عسكرياً وصناعياً أكبر بكثير».

وذكّر ديليك بحب ترمب لنظريات المؤامرة، واتهامه في عام 2016 والد السيناتور الجمهوري تيد كروز بالتورط بعملية اغتيال كيندي. وعدّ ديليك أن ترمب لديه مصلحة سياسية في نشر هذه الوثائق؛ لأنه يمكنه حينها الإشارة إلى الانتهاكات الاستخباراتية التي حصلت منذ عقود من عمليات الاغتيال في الستينات، وحرب فيتنام، وفضيحة (ووترغايت)، والقول إن الدولة العميقة موجودة منذ زمن بعيد، والتلويح بأنها مسؤولة عن محاولة اغتياله كذلك. وأضاف: «هناك نوع من المحاذاة سياسياً وآيديولوجياً. وحتى في نظرية المؤامرة، لا ينبغي أن نستخفّ بكيف يقوم ترمب باستخدام ذلك لصالحه».

نظريات مؤامرة أم حقائق؟

مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف يدلي بإفادته أمام الكونغرس في 25 مارس 2025 (أ.ف.ب)

ولّد اغتيال كيندي نظريات مؤامرة كثيرة؛ إذ يرفض كثيرون نظرية ضلوع أوزوالد بمفرده في العملية. لكن ديليك لا يؤمن بهذه النظريات، بل يعتبر أن أوزوالد تصرّف بمفرده، مشيراً إلى أنه كان «مضطرباً عقلياً و متأثراً بأفكار شيوعية».

وأشار ديليك إلى وجود إثباتات تدحض جميع نظريات المؤامرة، قائلاً: «ليس هناك إثبات حقيقي أن وكالة الاستخبارات المركزية أو ليندون جونسون أو المافيا أو كوبا كانوا جزءاً من مؤامرة أكبر لقتل كيندي».

في المقابل، يعارض جونستون وديوجينيو هذه المقاربة، كل على طريقته. وقال ديوجينيو: «لا أعتقد أن أوزوالد كان الفاعل على الإطلاق. لا أعتقد أنه كان موجوداً في الطابق السادس في ذلك اليوم. أعتقد أن ما جرى كان نوعاً من المؤامرة بين وكالة الاستخبارات المركزية والمنفيين الكوبيين. وعندما تم إطلاق النار على أوزوالد أمام مسرح تكساس، استعانت الوكالة بحلفائها القدماء من الجريمة المنظمة، واغتال جاك روبي أوزوالد قبل أن يستطيع أوزوالد أن يفصح عن أي شيء».

وفي حين يختلف جونستون مع ديوجينيو بأن أوزوالد هو الذي أطلق الرصاصة، لكنه يعتقد أنه لم يتصرف بمفرده. وأشار إلى أنه اطّلع على بعض الملفات التي لم يفرج عنها خلال سير تحقيقه في مجلس الشيوخ تُعزّز نظريته هذه. لكنه تحفّظ عن إعطاء المزيد من المعلومات نظراً لسريتها، مشيراً إلى أنه عرض الحقائق في كتابه، تاركاً باب الاستنتاجات مفتوحاً. فقال: «أحاول ألا أصل إلى نتيجة، باستثناء واحدة: وهي أنه لم يتم إعطاء الحقيقة كاملة إلى لجنة وارن». وهي اللجنة التي أسسها ليندون جونسون للتحقيق بالاغتيال، والتي استنتجت أن أوزوالد هو القاتل الوحيد.


مقالات ذات صلة

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر صمود إيران؟

الولايات المتحدة​ حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر صمود إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: استهداف المصافي الروسية سينتهي إذا أوقفت موسكو هجماتها على منشآت الطاقة

أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يوم الأحد، استعداد بلاده لوقف استهداف مصافي النفط الروسية إذا أوقفت موسكو هجماتها على منشآت الطاقة الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ صحفي يسجل مقطع فيديو بالقرب من لافتة لشبكة "سي إن إن" (CNN) (أ.ب)

«العدل» الأميركية تحقق مع مؤسسات إعلامية قاطعت البيت الأبيض

تحقق وزارة العدل الأميركية إذا كانت مؤسسات إعلامية انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار الاتحادية بسبب قرارها مقاطعة تغطية البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ كيرت براون يلتقط الحطام الذي تركته العاصفة «إسياس» حول منزله في ميلتون بولاية فلوريدا (أ.ب)

العاصفة «إساياس» تودي بحياة 4 أشخاص في جنوب الولايات المتحدة

أودت العاصفة «إساياس» بـ4 أشخاص على الأقل عقب مرورها بجنوب الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
p-circle

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

أعلن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب موقف إيران من اتفاق محتمل لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - موسكو)

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر صمود إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
TT

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر صمود إيران؟

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)
حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز)

تتسارع مؤشرات التصعيد بين واشنطن وطهران على أكثر من جبهة، في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات.

فبينما كشفت تقارير أميركية عن استعداد البنتاغون لخيارات تسمح باستئناف عمليات قتالية واسعة ضد أهداف إيرانية، أعلنت وزارة الدفاع رفع الحصيلة الرسمية للعسكريين الأميركيين الذين تُوفوا في العمليات المرتبطة بالحرب إلى 21، وعدد الجرحى إلى 865، وسط انتقادات في الكونغرس لطريقة إعلان الخسائر وتكلفة المواجهة.

وتزامن ذلك مع انتقال الحصار البحري ضد إيران إلى مرحلة أعلى صرامة، بعدما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية» تعطيل سفينة حاولت مغادرة ميناء إيراني واختراق الحصار في خليج عُمان، في مؤشر على استعداد واشنطن لاستخدام القوة لوقف حركة الصادرات. وفي المقابل، واصلت طهران تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يجعل الممر النفطي الأهم في العالم ضمن ساحات الضغط المتبادل.

وعلى الجبهة الاقتصادية، شددت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على «أسطول الظل» وشبكات نقل النفط وتمويله، في محاولة لإغلاق المنافذ التي استخدمتها إيران سنواتٍ للالتفاف على العقوبات. وتراهن واشنطن على أن تراجع عائدات النفط، وتضييق قنوات التعامل مع الصين والإمارات وتركيا، سيزيدان الضغوط على النظام.

وهكذا؛ تبدو الاستراتيجية الأميركية كأنها تتحرك على 3 مسارات متوازية: الاستعداد العسكري، وخنق صادرات النفط، وملاحقة الأموال وشبكات الالتفاف. لكن السؤال يبقى عمّا إذا كان تراكم هذه الضغوط قادراً على تحقيق ما لم تحققه القوة العسكرية؛ أي تغيير حسابات طهران الاستراتيجية.

وكان هذا السؤال محور ندوة نظمها برنامج «إيران إنترناشيونال إنسايت» بالشراكة مع مؤسسة «أميركا أبرود ميديا»، بمشاركة كيري بيتسوف، المسؤولة السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية، وباتريك كلاوسون، الباحث البارز مستشار الأبحاث في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، ومحمد ماشين تشيان، كبير المحللين الاقتصاديين في «إيران إنترناشيونال».

واتفق الخبراء الثلاثة على أن إيران تواجه ضغوطاً اقتصادية أعلى تعقيداً من جولات العقوبات السابقة، لكن تقديراتهم أظهرت فارقاً مهماً بين إضعاف قدرة النظام في الحصول على الموارد، وإجباره على تغيير أهدافه السياسية والأمنية.

النفط في قلب المعركة

وزير النفط الإيراني المستقيل محسن باك نجاد (الرئاسة الإيرانية)

يرى كلاوسون أن أحد أهم المتغيرات في المواجهة الحالية يتمثل في تزامن القيود على صادرات النفط مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة؛ مما يجعل قدرة طهران على امتصاص الضغوط أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.

وأشار إلى أن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أقر بتعذر تصدير النفط خلال المرحلة الأولى من الحصار، قبل أن تتمكن إيران من إيجاد وسائل لتصدير كميات محدودة. ووفق كلاوسون، فقد استطاعت طهران لمدة الاعتماد على النفط المخزن على متن ناقلات، إضافة إلى مخزونات موجودة في الصين، لكن هذه الكميات لا تمثل بديلاً دائماً عن تدفق الصادرات.

ولا تقتصر المشكلة على النفط؛ إذ تعتمد إيران بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الطاقة. وقد تصبح الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز أخطر مع دخول فصل الشتاء، خصوصاً إذا اضطرت السلطات إلى زيادة الاعتماد على زيت الوقود الثقيل، أو «المازوت»، لتشغيل محطات الكهرباء.

وهنا تتحول أزمة الطاقة من مشكلة بشأن الإيرادات الحكومية، إلى أزمة تمس الصناعة والكهرباء والاستهلاك اليومي، بما يضاعف التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للمواجهة.

أما ماشين تشيان، فيرسم صورة أشد قتامة لحجم الضغوط المالية، مقدراً أن ما بين 21 و23 مليار دولار من عائدات الصادرات لم تعد إلى إيران، وأن استمرار الحصار قد يحرمها من عشرات المليارات الإضافية من الإيرادات النفطية.

وتكمن أهمية هذه الخسائر في أن النفط لا يمول الموازنة الحكومية فقط، بل يوفر أيضاً العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد، ويساعد السلطات في الدفاع عن العملة المحلية، وتمويل المؤسسات العسكرية والأمنية وشبكات النفوذ الإقليمي.

«تجار العقوبات» المستفيدون من الالتفاف

يعترض «الصقور» على رفع العقوبات عن إيران من دون تنازلات منها (رويترز)

لكن النقاش الذي شهدته الندوة تجاوز السؤال التقليدي عن مقدار النفط الذي تستطيع إيران بيعه، إلى سؤال أعقد: مَن المستفيد داخل إيران من العقوبات نفسها؟

يرى ماشين تشيان أن سنوات العقوبات أوجدت طبقة من الوسطاء المختصين في الالتفاف على القيود الدولية، سواء أكان عبر تهريب النفط، أم استخدام الشركات الوهمية، أم إدارة التحويلات المالية المعقدة. وأطلق عليهم وصف «تجار العقوبات»، في إشارة إلى رجال أعمال ووسطاء راكموا ثروات من العمولات الكبيرة التي يحصلون عليها مقابل نقل الأموال والسلع عبر قنوات غير رسمية.

وتطرح هذه الظاهرة مفارقة مهمة؛ إذ إن العقوبات التي يُفترض أن تضغط على النظام قد تؤدي، في الوقت نفسه، إلى نشوء جماعات اقتصادية تستفيد من استمرارها. وكلما ازدادت صعوبة التجارة الرسمية، ارتفعت قيمة الأشخاص والشركات القادرين على تجاوز القيود.

وهنا تبرز النقطة التي ركزت عليها بيتسوف، انطلاقاً من خبرتها السابقة في «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» بوزارة الخزانة الأميركية. ففي تقديرها، ينبغي عدم قياس نجاح العقوبات بعدد الأفراد والشركات المدرجين على قوائمها، بل بقدرة واشنطن على تنفيذها فعلياً وضرب الشبكات التي تتيح للنظام الحصول على الأموال.

وحذرت بأن العقوبات التي لا تُنفذ بفاعلية قد تنتهي بتحميل المواطنين الإيرانيين العبء الأكبر، بينما تستمر النخب المرتبطة بمراكز القوة في الاستفادة من الاقتصاد غير الرسمي. ولذلك؛ تركز الاستراتيجية الأعلى فاعلية، من وجهة نظرها، على الوسطاء والبنوك والشركات وشبكات النقل التي تمثل حلقة الوصل بين الاقتصاد الإيراني والأسواق العالمية.

الصين منفذ تحت الضغط

وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني في بكين يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

تحتل الصين موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، بعدما أصبحت السوق الأهم للنفط الإيراني. لكن بيتسوف تحذر من النظر إلى هذه العلاقة بوصفها شرياناً مفتوحاً تستطيع طهران الاعتماد عليه دون قيود. فالمصافي الصينية المستقلة تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفضة، بينما تبقى أجزاء من العائدات داخل النظام المالي الصيني وباليوان؛ مما يحد من قدرة إيران على استخدامها بحرية. كما تتجنب المؤسسات المالية الصينية الكبرى التعرض للعقوبات الأميركية؛ مما يدفع إيران نحو بنوك أصغر وشركات وسيطة وقنوات مالية أعقد.

وتساعد هذه المعطيات، وفق كلاوسون، في تفسير أهمية الحصار البحري. فبدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة مع المؤسسات المالية الصينية الكبرى، تستطيع الولايات المتحدة استهداف حركة النفط نفسها قبل وصوله إلى المشترين. وبذلك يصبح «الحصار» أداة مكملة لـ«العقوبات»: يستهدف الأول حركة السلعة، فيما تستهدف الثانية حركة الأموال.

وتشير الإجراءات التي اتخذتها دول في المنطقة ضد الشركات والوسطاء المرتبطين بإيران إلى تقلص المساحات التي كانت تستخدمها طهران للوصول إلى النظام المالي العالمي. وبالتالي، لا تقتصر المشكلة بالنسبة إلى إيران على العثور على دولة مستعدة للتعامل معها، بل تتمثل أيضاً في إيجاد نظام مالي وتجاري قادر على استيعاب حجم اقتصادها من دون الخضوع للضغط الأميركي.

ويمتد أثر الضغوط، وفق المشاركين، إلى شبكة حلفاء طهران في المنطقة. وأشارت بيتسوف إلى مؤشرات على ضغوط مالية تواجه «حزب الله» اللبناني في الوفاء ببعض التزاماته المالية والاجتماعية، فيما يرى ماشين تشيان أن قدرة إيران في المحافظة على بعض علاقاتها الإقليمية تعتمد جزئياً على استمرار تدفق الأموال.

لكن تراجع الموارد لا يعني تلقائياً انهيار هذه الشبكات. فالجماعات التي بنت، على مدى سنوات، مصادر تمويل محلية ومصالح اقتصادية خاصة، يمكنها الاحتفاظ بقدرتها على العمل حتى مع تراجع الدعم الإيراني؛ وإن بمستوى أقل. ويُبرز ذلك المعضلة بين تقليص القدرات وإنهاء النفوذ.

هل يتغير سلوك النظام الإيراني؟

وزير الخارجية الإيراني ونظيره الصيني في بكين يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

تتباين تقديرات الخبراء بشأن قدرة الضغوط الاقتصادية على إحداث تحول سياسي أو استراتيجي في طهران.

تحذر بيتسوف من افتراض أن تدهور الوضع الاقتصادي سيؤدي تلقائياً إلى تغيير في سلوك النظام. فالتاريخ يقدم نماذج لأنظمة استطاعت تحميل مجتمعاتها تكاليف اقتصادية كبيرة مع المحافظة على أولوياتها الأمنية. لكنها ترى أن الضغط يصبح أكبر تأثيراً عندما يصل إلى المؤسسات والنخب التي يعتمد عليها النظام نفسه، خصوصاً إذا بدأت قدرة الدولة على دفع الرواتب، وتوفير الامتيازات، وتمويل الأجهزة المرتبطة بها، في التراجع.

أما كلاوسون، فيرى مساحة أكبر للمساومة. ويشير إلى أن القيادة الإيرانية سبق أن تراجعت عن مواقف أعلنت في البداية أنها غير قابلة للتفاوض، ولذلك لا يستبعد قبول طهران بتنازلات في «الملف النووي» إذا أصبحت تكلفة الرفض مرتفعة بما يكفي. ومن بين السيناريوهات التي طرحها إمكان قبول تعليق تخصيب اليورانيوم لفترة زمنية، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية.

في المقابل، يبدو ماشين تشيان أكبر تشككاً في إمكانية تحقيق تحول استراتيجي شامل بالضغط الاقتصادي وحده. فمن وجهة نظره، يرتبط «البرنامج النووي» و«النفوذ الإقليمي» بطبيعة النظام الإيراني ورؤيته دورَه، وليس بمجرد حسابات اقتصادية يمكن تغييرها مقابل تخفيف العقوبات.

ويلخص هذا الاختلافُ المعضلةَ التي تواجه واشنطن. فالولايات المتحدة تستطيع رفع تكلفة السياسات الإيرانية، وخفض عائدات النفط، وملاحقة الوسطاء، وتقييد الوصول إلى الدولار والأسواق الدولية، وربما إضعاف قدرة طهران على تمويل حلفائها. لكنّ أياً من هذه الإجراءات لا يضمن وحده أن تختار القيادة الإيرانية تغيير أهدافها، بدلاً من خفض الإنفاق الداخلي وتحميل المجتمع تكلفة المواجهة.

ومع ارتفاع الخسائر الأميركية واستمرار الاستعداد العسكري في المنطقة، يبرز سؤال بشأن الخطوة التالية إذا لم ينجح الحصار والعقوبات في تغيير حسابات طهران. ويتفق الخبراء الثلاثة على أن العقوبات لا يمكن عدّها بديلاً بسيطاً عن الحرب، بل هي جزء من معركة استنزاف أوسع تتوقف نتائجها على دقة الاستهداف، وتعاون الشركاء، وإغلاق منافذ الالتفاف، والأهم قدرة الضغط الاقتصادي على الوصول إلى دوائر صنع القرار.

وبذلك؛ قد لا يكون المقياس الحقيقي لنجاح استراتيجية واشنطن عدد براميل النفط التي تمنع إيران من بيعها، ولا حجم الأموال التي تُجمدها، بل ما إذا كانت هذه الخسائر ستغير في نهاية المطاف الحسابات التي تتخذ طهران على أساسها قراراتها النووية والعسكرية والإقليمية.


إنفاق جمهوري ضخم على حملة الانتخابات لم يغيّر في نتائج الاستطلاعات

هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)
هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إنفاق جمهوري ضخم على حملة الانتخابات لم يغيّر في نتائج الاستطلاعات

هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)
هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)

أفادت تقارير معنية بانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بأن الجمهوريين أنفقوا نصف مليار دولار خلال شهر واحد على سباقات الكونغرس، وأطلقوا موجة غير مسبوقة من الإعلانات الهجومية ضد المرشَّحين الديمقراطيين، مستفيدين من تفوُّق مالي كبير وخزينة سياسية ضخمة جمعها الرئيس دونالد ترمب، لكن تدفُّق الأموال لم يحقق حتى الآن تحولاً في استطلاعات الرأي. والأكثر إثارة للقلق داخل الحزب الجمهوري أن جانباً متزايداً من هذه الأموال لم يعد يذهب إلى انتزاع مقاعد من الديمقراطيين، وإنما إلى الدفاع عن ولايات ومعاقل جمهورية كان يُفتَرَض أن تكون آمنة.

ومنذ مطلع شهر سبتمبر (أيلول)، عندما فتح الرئيس ترمب خزينته السياسية أمام مرشحي الحزب، ضخ الجمهوريون نحو 500 مليون دولار في سباقات مجلسي النواب والشيوخ. لكن بعد شهر من الحملة الإعلانية المكثفة، أشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن استطلاعات الرأي لم تتحرك بصورة واضحة لمصلحة الجمهوريين، ولا يزال الديمقراطيون في وضع تنافسي قوي في سباقات مجلس الشيوخ، في ولايات من بينها ألاسكا ومين وميشيغان ونورث كارولاينا وأوهايو وتكساس.

وتشير هذه الأرقام إلى مفارقة باتت في قلب انتخابات التجديد النصفي؛ فالجمهوريون يملكون الأموال الكبرى، فيما يحاول الديمقراطيون استخدام المناخ السياسي لتوسيع خريطة المنافسة وإجبار خصومهم على توزيع أموالهم على عدد متزايد من الولايات والدوائر.

مليار دولار مقابل 579 مليوناً

وتقدر شبكة «إيه بي سي نيوز» الأموال المتاحة لدى أبرز المجموعات الجمهورية بنحو مليار دولار، مقابل ما لا يقل عن 579 مليون دولار لدى مجموعة مماثلة من المنظمات الديمقراطية. ويأتي جانب كبير من القوة المالية الجمهورية من لجنة «ماغا» المتحالفة مع ترمب، التي كانت تمتلك نحو 416 مليون دولار نقداً بنهاية أغسطس (آب).

كما جمع صندوق قيادات مجلس الشيوخ «Senate Leadership Fund»، (وهو أكبر صندوق سياسي يعمل على حماية الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ)، أكثر من 253 مليون دولار حتى نهاية يونيو (حزيران).

المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مارك روجرز مع مناصريه (ا.ف.ب)

وتؤكد بيانات موقع «AdImpact» (المتخصص في رصد تأثير الإعلانات) حجم الفارق بين إنفاق الحزبين في هذه الانتخابات، خصوصاً في سباقات مجلس الشيوخ التنافسية؛ حيث استحوذ الجمهوريون على نحو 60 في المائة من الإنفاق الإعلاني مقابل 40 في المائة للديمقراطيين، وأنفقوا أكثر من خصومهم بنحو 188 مليون دولار حتى نهاية سبتمبر، لكن السؤال لم يعد يتعلق بحجم الأموال فقط، وإنما أين يضطر الجمهوريون إلى إنفاقها؟

من نورث كارولاينا إلى كانساس

وأشارت التقارير إلى أن تقدم الديمقراطيين في ولاية نورث كارولاينا كان أوضح مثال على المعضلة الجمهورية؛ فقد خطط صندوق قيادات مجلس الشيوخ لإنفاق 71 مليون دولار في هذه الولاية لدعم الجمهوري مايكل واتلي أمام الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر. لكنه أوقف إنفاقه الإضافي بعد ضخ أكثر من 32 مليون دولار، في ظل استمرار تقدم كوبر في استطلاعات الرأي. واللافت أن نورث كارولاينا ليست ولاية ديمقراطية تقليدية؛ فقد فاز بها ترمب ثلاث مرات. وبدلاً من مواصلة الإنفاق هناك، بدأ الجمهوريون تحويل الأموال إلى ولاية كانساس للدفاع عن السيناتور روجر مارشال أمام الديمقراطي آدم هاميلتون.

وضخَّ الصندوق 10 ملايين دولار في السباق، فيما أضافت مجموعة محافظة أخرى نحو 1.6 مليون دولار. وتكمن دلالة هذه الخطوة في أن ولاية كانساس لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ عام 1932.

وظهرت المشكلة نفسها في ولاية ساوث كارولاينا؛ حيث خصص الجمهوريون 5 ملايين دولار إضافية للدفاع عن مقعد في ولاية لم يفز فيها ديمقراطي بانتخابات مجلس الشيوخ منذ ثلاثة عقود. ووصفت صحيفة بوليتيكو المشهد بأنه انتقال متزايد للجمهوريين إلى موقف دفاعي، فيما اختصر مسؤول جمهوري الوضع بقوله إن الجمهوريين يواجهون حرائق في كل مكان.

تكساس تستهلك الملايين

ويعكس حجم القلق الجمهوري في تكساس قرار ترمب العودة إلى الولاية، الأربعاء، للمرة الثانية خلال أسبوع، والثالثة في أقل من شهر؛ حيث يعقد تجمعاً انتخابياً في سان أنطونيو لدعم مرشح مجلس الشيوخ الجمهوري كين باكستون ومرشح مجلس النواب كارلوس دي لا كروز. وتكتسب الزيارة دلالة خاصة، لأن ترمب فاز بتكساس بفارق 14 نقطة عام 2024. كما تُعدّ الولاية أحد المعاقل الحمراء القوية التي لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1988. وخلال هذا السباق الانتخابي أصبحت الولاية تستنزف قدراً استثنائياً من الأموال والجهد السياسي الجمهوري؛ حيث تجاوزت قيمة الإعلانات فيها 800 مليون دولار، منها نحو 600 مليون للجمهوريين، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وتأتي عودة ترمب بعد زيارته مصنعاً للشاحنات في مدينة دنتون، الأسبوع الماضي، حيث دعا أنصاره إلى التصويت لباكستون، قبل أن يقرّ لاحقاً بأن تكساس أصبحت من الولايات التي يقلق الجمهوريون بشأنها. وتوضح كثافة زياراته، إلى جانب عشرات الملايين التي تضخها اللجان الجمهورية في سباق باكستون ضد الديمقراطي جيمس تالاريكو، كيف انتقلت تكساس من معقل كان الحزب يعده مضموناً إلى ساحة تستدعي تدخلاً مباشراً من الرئيس لحشد قاعدته وحماية مقاعد الحزب في الكونغرس.

نتائج محدودة

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن هذه الأموال المتدفقة لم تأتِ بالنتائج المأمولة لتغيير موقف الناخبين، فقد أنفق الجمهوريون أكثر من 115 مليون دولار على إعلانات تستهدف الهجوم على حملة الديمقراطي جيمس تالاريكو في تكساس. ومع ذلك، أظهر استطلاع لصحيفة «نيويورك تايمز - سيينا» أن عدد الناخبين الذين ينظرون إلى تالاريكو بإيجابية ظل أكبر من الذين يحملون عنه رأياً سلبياً. وفي ولاية ميشيغان، تعرض الديمقراطي عبد السيد لحملة إعلانية هجومية بلغت قيمتها 76.2 مليون دولار، لكن استطلاعات «فوكس نيوز» أظهرت ارتفاع نسبة مَن ينظرون إليه بإيجابية خمس نقاط منذ أغسطس (آب) إلى 47 في المائة.

ويقول الجمهوريون إن هذه الإعلانات (رغم النتائج المحدودة) أدَّت وظيفة مهمة، وهي منع الديمقراطيين من توسيع تقدمهم، وأن هذا الإنفاق الإعلاني حافَظَ على قدرة مرشحي الحزب على المنافسة.

مناصرون للمرشح الديمقراطي عبدول السيد الذي ينافس على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان (ا.ف.ب)

الديمقراطيون يُوسّعون الخريطة

أما الديمقراطيون، فيحاولون تعويض نقص الأموال باستراتيجية مختلفة تركز على زيادة عدد المقاعد التي يضطر الجمهوريون إلى الدفاع عنها. فمع تحسن فرص المرشحين الديمقراطيين في بعض الولايات المتأرجحة، بدأ الحزب توجيه الموارد إلى مناطق أكثر ميلاً للجمهوريين، من ولايات كانساس وساوث كارولاينا وتكساس إلى دوائر في أركنساس وتينيسي.

وفي مجلس النواب، اضطر أكبر صندوق جمهوري إلى التخلّي عن الدفاع عن دائرة أوماها في ولاية نبراسكا، فيما بدأت مجموعات متحالفة مع ترمب وإيلون ماسك ضخ الأموال في دوائر جمهورية في ولايات كنتاكي وأوهايو وتكساس. وأشار مسؤول جمهوري يعمل في سباقات مجلس النواب لصحيفة «واشنطن بوست» إلى أن المشكلة تكمن في وجود كمية محدودة من المال، وكلما أضاف الديمقراطيون سباقات جديدة إلى الخريطة، اضطر الجمهوريون إلى تحديد المقاعد التي سيواصلون الدفاع عنها وتلك التي سيتخلون عنها.

وحتى حركة الأموال بين الحزبين أصبحت تكشف اختلاف وضعهما؛ فبعد تحسن موقف الديمقراطي روي كوبر في نورث كارولاينا، خفض صندوق ديمقراطي داعم لمرشحي مجلس الشيوخ نحو 1.1 مليون دولار من إعلاناته هناك، وبدأ توجيه بعض الأموال إلى تكساس. وبذلك تحركت أموال الحزبين في اتجاهين متعاكسين: الديمقراطيون من ولاية متأرجحة إلى ولاية جمهورية، والجمهوريون من ولاية نورث كارولاينا إلى الدفاع عن ولايات كانساس وساوث كارولاينا.

المال في مواجهة المناخ السياسي

ولا يعني ذلك أن الأفضلية المالية الجمهورية فقدت أهميتها؛ فما زالت مئات الملايين جاهزة للإنفاق، ويحذر الديمقراطيون أنفسهم من أن الفارق قد يسمح للجمهوريين بإغراق الشاشات بالإعلانات خلال الأسابيع الأخيرة. لكن الحزب الجمهوري يحاول استخدام هذه الأموال في بيئة سياسية تتأثر بتراجع شعبية ترمب، وارتفاع أسعار البنزين والديزل، والقلق من تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب مع إيران، إضافة إلى الميل التاريخي لانتخابات منتصف الولاية إلى معاقبة حزب الرئيس.

ولخَّص زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر المعركة، باعتبارها مواجهة بين أفضلية جمهورية هائلة في المال، وأفضلية ديمقراطية في المرشحين والمناخ السياسي. ولهذا قد لا تكون المقارنة الأهم في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) هي فقط مليار دولار للجمهوريين مقابل 579 مليوناً للديمقراطيين، بل الاتجاه الذي تتحرك فيه تلك الأموال؛ فبعد إنفاق الجمهوريين نصف مليار دولار في شهر واحد، أصبحت ملايينهم تنتقل من محاولة توسيع الأغلبية إلى حماية تكساس وكانساس وساوث كارولاينا ودوائر أخرى كان ترمب قد فاز بها بفوارق مريحة قبل عامين.

وفي المقابل، يستخدم الديمقراطيون خزينة أصغر لتوسيع رقعة المنافسة وإجبار خصومهم على الدفاع عن أراضٍ جديدة.


«العدل» الأميركية تحقق مع مؤسسات إعلامية قاطعت البيت الأبيض

صحفي يسجل مقطع فيديو بالقرب من لافتة لشبكة "سي إن إن" (CNN) (أ.ب)
صحفي يسجل مقطع فيديو بالقرب من لافتة لشبكة "سي إن إن" (CNN) (أ.ب)
TT

«العدل» الأميركية تحقق مع مؤسسات إعلامية قاطعت البيت الأبيض

صحفي يسجل مقطع فيديو بالقرب من لافتة لشبكة "سي إن إن" (CNN) (أ.ب)
صحفي يسجل مقطع فيديو بالقرب من لافتة لشبكة "سي إن إن" (CNN) (أ.ب)

قالت وزارة العدل الأميركية إنها تحقق فيما إذا كانت مؤسسات إعلامية انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار الاتحادية، بسبب قرارها مقاطعة تغطية البيت الأبيض، عقب سحبه تصاريح مراسلي ثلاث مؤسسات من بينها شبكة «سي إن إن».

وقالت الوزارة، أمس (السبت)، إن المؤسسات الخاضعة للتحقيق هي: «إيه بي سي» و«سي بي إس» و سي إن إن» و«إن بي سي» و«فوكس نيوز».

وقال متحدث باسم وزارة العدل: «المقاطعة الجماعية بين المنافسين التجاريين يمكن أن تشكل انتهاكاً لقانون شيرمان». وأضاف: «قسم مكافحة الاحتكار يحقق ببساطة لتحديد ما إذا كانت هذه المؤسسات الإخبارية انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

والتحقيق أحدث حلقة في سلسلة من الصدامات بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمؤسسات الإخبارية الكبرى. ووصف ترمب مراراً وسائل الإعلام الرئيسية بأنها «أخبار زائفة»، وكثيراً ما دخل في مواجهات مع الصحافيين خلال لقاءاته بالإعلام.

ويضع هذا الإجراء ضغوطاً قانونية، وربما مالية، على وسائل الإعلام لمواصلة تغطية أخبار وأنشطة الرئيس، حتى عندما تختلف مع طريقة تعامل البيت الأبيض معها. يأتي التحقيق بعد أسابيع من التوتر بين البيت الأبيض والصحافة.

سحب تصاريح

في 19 سبتمبر (أيلول)، منع البيت الأبيض مراسلين من مؤسسات «سي إن إن» و«بوليتيكو» و«إم إس ناو» من دخول المجمع، وسحب تصاريحهم الصحافية. وقال البيت الأبيض إن تغطية أخبار وأنشطة الرئيس «امتياز وليست حقاً». ورفعت المؤسسات دعوى قضائية ضد الإدارة، قائلة إن منعها ينتهك التعديل الأول للدستور الأميركي، وإن البيت الأبيض ينتقم من تغطيتها الإعلامية.

وشبكة «سي إن إن» واحدة من خمس مؤسسات إخبارية، إلى جانب «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«فوكس نيوز» و«إن بي سي»، تشكل المجموعة التلفزيونية الرئيسية المكلفة بتغطية البيت الأبيض. وتتقاسم هذه الشبكات تكاليف تغطية أخبار وأنشطة الرئيس، وتتناوب على تنظيم التغطية، وتشارك اللقطات مع وسائل إعلام في أنحاء البلاد.

وعلقت جميع الشبكات التلفزيونية الخمس التي تغطي البيت الأبيض، بما فيها «فوكس نيوز»، تغطيتها تضامناً مع المؤسسات التي جرى منعها، ورفضت توفير تغطية بديلة.

وأعاد البيت الأبيض التصاريح في 24 سبتمبر، بعدما حكم قاضي المحكمة الجزئية الأميركية تيموثي كيلي بأن الحظر غير دستوري على الأرجح، وأمر الإدارة «بإعادة حق الوصول إليهم وإعادة منحهم التصاريح واستعادة حقوقهم على الفور».

ومع ذلك، استمرت الخلافات حول الوصول إلى فعاليات رئاسية محددة وتكليفات التغطية ضمن مجموعة التغطية المشتركة بعد ذلك.

اقرأ أيضاً