استعدادات أميركية لمواجهة محاولات التشكيك في نتائج الانتخابات

ترمب وهاريس متساويان في بنسلفانيا... ويكثفان جهودهما في الأيام الأخيرة للسباق

مؤيدة لترمب تتفقد بضاعة انتخابية قبل تجمّع له في سايلم بولاية فرجينيا 2 نوفمبر (أ.ب)
مؤيدة لترمب تتفقد بضاعة انتخابية قبل تجمّع له في سايلم بولاية فرجينيا 2 نوفمبر (أ.ب)
TT

استعدادات أميركية لمواجهة محاولات التشكيك في نتائج الانتخابات

مؤيدة لترمب تتفقد بضاعة انتخابية قبل تجمّع له في سايلم بولاية فرجينيا 2 نوفمبر (أ.ب)
مؤيدة لترمب تتفقد بضاعة انتخابية قبل تجمّع له في سايلم بولاية فرجينيا 2 نوفمبر (أ.ب)

قبل 3 أيام على موعد التصويت العام في الانتخابات الأميركية، توقفت وسائل الإعلام الأميركية عند استعدادات عدد من الولايات لمواجهة محاولات الطعن في نتائج الاقتراع. يأتي ذلك بعد قيام المرشح الجمهوري دونالد ترمب بوضع الأساس للطعن بنتائج الانتخابات في حال خسر السباق، ما أثار مخاوف أمنية وسياسية ولا سيّما في الولايات المتأرجحة. ويقول مسؤولو الانتخابات إنهم مستعدون هذه المرة لتلك المحاولات، وأشاروا إلى عدد من الإجراءات التي اتخذت منعاً لتكرار الفوضى التي جرت قبل 4 أعوام.

ترمب يضع أسس التشكيك

ترمب مخاطباً أنصاره في ميلووكي بولاية ويسكونسن 1 نوفمبر (إ.ب.أ)

أثارت ادّعاءات ترمب بشأن تزوير الانتخابات في ولاية بنسلفانيا مخاوف من أنه قد يحاول مجدداً قلب نتائج الانتخابات، إذا قدم أداء سيئاً أمام المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس. فقد عمد في كل تجمع انتخابي على حض أنصاره لمنحه نصراً «أكبر من أن يتم التلاعب به»، وبأن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يخسر بها هي إذا قام الديمقراطيون بتزوير الانتخابات. ويرفض ترمب والمرشّح لمنصب نائبه، جي دي فانس، القول ما إذا كان سيقبل النتائج مهما كانت النتيجة، مدعياً أن عملية التزوير تجري بالفعل في بنسلفانيا، متحدثاً عن ادّعاءات ونظريات ليس لها أي أساس في الواقع.

وقال ترمب في فعالية انتخابية في ولاية أريزونا في وقت متأخر من ليل الخميس: «الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفنا هو الغش». وطلب ترمب من أنصاره أن يتوقعوا فوزاً كبيراً في الانتخابات يوم الثلاثاء، مشيراً إلى أنه لا يستطيع أن يتخيل خسارته إلا «إذا كانت انتخابات فاسدة».

بنسلفانيا تحسم السباق

وأثارت ادّعاءات ترمب مخاوف من أنه يستعد لإلقاء اللوم مرة أخرى على تزوير أصوات الناخبين في حالة الخسارة المحتملة في ولاية بنسلفانيا، وهي أكبر الولايات السبع، وتحظى بـ19 صوتاً انتخابياً، حيث يرجح أن تحسم نتيجة الانتخابات. وقال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «لقد أمسكنا بهم وهم ينفذون عملية غش كبيرة في ولاية بنسلفانيا».

ويستعد الديمقراطيون بقيادة هاريس لاحتمال أن يحاول ترمب إعلان فوزه في الانتخابات قبل فرز جميع الأصوات، كما فعل في عام 2020. وقالت هاريس في مقابلة مع شبكة «إيه بي سي»، يوم الأربعاء: «للأسف، نحن مستعدون إذا فعل ذلك. وإذا علمنا أنه يتلاعب بالصحافة ويحاول التلاعب بإجماع الشعب الأميركي... فنحن مستعدون للرد».

عوامل ردع

هاريس لدى إلقائها كلمة في ميلووكي بولاية ويسكونسن 2 نوفمبر (أ.ب)

وعلى الرغم من أوجه التشابه الكثيرة في ادّعاءات ترمب، فإن هناك اختلافات مع ما جرى عام 2020. ويقول مسؤولو الانتخابات الذين يعملون على منع تكرار ما حدث في ذلك العام، إن إجراءات عدة قد اتُّخذت. من بينها، إقرار الكونغرس قانوناً جديداً لفرز الأصوات الانتخابية، يجعل من الصعب إيقاف التصديق النهائي على النتائج من قِبَل الكونغرس في 6 يناير (كانون الثاني). كما أن عدم وجود ترمب في السلطة لا يسمح له باستخدام الحكومة الفيدرالية للضغط لتغيير نتائج الانتخابات، مع وجود عدد أقل من الجمهوريين من أنصاره في مناصب السلطة، مقارنة بما كان عليه الحال قبل أربع سنوات.

إلى ذلك، فإن العقوبات المالية التي تعرضت لها الشخصيات والمؤسسات التي تحدثت عن تزوير الانتخابات تجعل ترويجها لهذه الادعاءات أقلّ ترجيحاً. فقد دفعت محطة «فوكس نيوز» العام الماضي لشركة «دومينيون» 787 مليون دولار لتسوية دعوى قضائية بشأن ترويج الشبكة لنظريات كاذبة، مفادها أن آلات التصويت بدّلت الأصوات. كما أن مسؤولي الانتخابات أصبحوا أكثر تحصيناً أمام التدخلات، وقال وزير خارجية ولاية بنسلفانيا، آل شميت، وهو جمهوري: «لقد استفدنا من حدوث (ذلك) مرة واحدة من قبل. نتعلم منه لتوجيهنا للمضي قدما».

وفي عام 2020، أعلن ترمب فوزه من البيت الأبيض بشكل مبكّر. وبدأ محاولات قانونية وسياسية لعكس خسارته أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن التي بلغت ذروتها باقتحام أنصاره لمبنى «الكابيتول» في 6 يناير 2021.

هاريس وترمب متعادلان في بنسلفانيا

تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة قبل موعد الاقتراع العام احتدام المنافسة بين ترمب وهاريس، حيث يتعادلان تقريباً في بنسلفانيا، مع تحفيز كل من الجمهوريين والديمقراطيين للتصويت، وفقاً لاستطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست». وحصلت هاريس على 48 في المائة بين الناخبين المسجلين والناخبين المحتملين، بينما حصل ترمب على 47 في المائة.

ورغم المخاوف من ادّعاءات التزوير، فإن سكان بنسلفانيا يُعبّرون عن ثقتهم بأن الأصوات سيتم فرزها بدقة، حيث قال نحو 3 من كل 4 أشخاص إنهم إما واثقون جداً وإما إلى حدّ ما. غير أن الجمهوريين كانوا أكثر تشككاً، حيث قال 4 من كل 10 أشخاص إنهم إما «ليسوا واثقين جداً» وإما «ليسوا واثقين على الإطلاق» في الفرز النهائي، في صدى لتشكيك ترمب بصحة العملية الانتخابية في الولاية.

لا تغيير في الأولويات

ترمب خلال تجمّع انتخابي في ميلووكي بولاية ويسكونسن 1 نوفمبر (رويترز)

ولا يزال الاقتصاد القضية الرئيسية التي يهتم بها الناخبون في بنسلفانيا، مع فارق لمصلحة ترمب بأنه قد يكون الأقدر على معالجته من هاريس، وخصوصاً بين الجمهوريين. ويرى المزيد من الناخبين أن الاقتصاد مهم للغاية من أي قضية أخرى (61 في المائة)، في حين يصف 62 في المائة من الناخبين المسجلين في الولاية الاقتصاد بأنه ليس جيداً أو سيئاً، مقارنة بـ37 في المائة يقولون إنه جيد أو ممتاز.

وحلّت قضيتا الجريمة والأمن في المرتبة الثانية، بنسبة 50 في المائة، بينما حلّت الرعاية الصحية والهجرة والضرائب والإجهاض في مرتبة قريبة أيضاً.

كما تظهر استطلاعات الرأي أن جهود ترمب وهاريس لاستقطاب النقابات العمالية لا تزال غير كافية لمنحهما فوزاً كبيراً في بنسلفانيا. ورغم سجل بايدن الذي يحظى بتأييد أكبر في صفوف النقابات، فإن أعضاء النقابات لا يزالون في كل من بيتسبرغ وفيلادلفيا، أكبر مدينتين في الولاية، يشككون في برامج العمل لدى هاريس وترمب وبايدن والتزامهم بها.

نقابات العمال مهمة

وفشلت هاريس في الحصول على تأييد ثلاث نقابات، أيّدت جميعها بايدن عام 2020. وتُظهر استطلاعات الرأي استمرار اتجاه الناخبين من الطبقة العاملة نحو ترمب. ويشعر بعض مساعدي هاريس بالغضب الشديد من عدم تأييد النقابات، ويقولون بشكل خاص إنهم يشعرون بالخيانة من قادة النقابات الرئيسيين الذين لم يكن لديهم «الشجاعة» للضغط على قواعدهم لدعم المرشح الذي يتمتع بسجل مؤيد للعمال. وما زاد من تشكيك الحركة العمالية بسجل هاريس، تركيز حملتها في الأيام الأخيرة على استمالة الجمهوريين وجمع التبرعات من المانحين الأثرياء.

وفي حين أن أعضاء النقابات يمثلون نحو 20 في المائة من الناخبين في ولايات الجدار الأزرق، لا تزال هاريس تحقق تقدماً كبيراً على ترمب في صفوفهم. وأظهر استطلاع للرأي أن نحو 64 في المائة من الأعضاء الذين تم استطلاع آرائهم يدعمون هاريس مقارنة بـ19 في المائة لترمب.

تقدم ديمقراطي في تسجيل الناخبين

هاريس خلال تجمّع انتخابي في ليتل شوت بولاية ويسكونسن 2 نوفمبر (د.ب.أ)

من جهة أخرى، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن حملة هاريس ادعاءها أن الناخبين المتأخرين في اتخاذ قرار التصويت، يحققون نتائج لافتة لمصلحتها، وأن الناخبين المتبقين الذين لم يحسموا قرارهم بعدُ يبدون أكثر ودية تجاهها من ترمب. وقال أحد كبار مسؤولي الحملة، إن مجموعة التركيز الأخيرة مع الناخبين المتردّدين في ولاية بنسلفانيا، أظهرت أن اللغة العنصرية وكراهية النساء وعبارات الابتذال في تجمع ترمب في «ماديسون سكوير غاردن» بنيويورك، الأحد الماضي، لا تؤثر فقط على الناخبين البورتوريكيين واللاتينيين، بل تؤثر أيضاً على الناخبين المتردّدين ككل.

كما يُحقّق الديمقراطيون تفوّقاً في تسجيل الناخبين في الدوائر الانتخابية المتأرجحة، قبل يوم الانتخابات. ومن بين 66 دائرة تعد «بنفسجية»، سجل أكثر من 1.4 مليون شخص للتصويت بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول)، منهم 376 ألف ديمقراطي، مقابل نحو 305 آلاف جمهوري. كما سجلت 668 ألف امرأة، وخصوصاً النساء الأصغر سناً، في ولايات المعركة خلال الفترة نفسها.

وفي يوليو وحده، شكلت النساء 52.1 في المائة من التسجيلات الجديدة. وقال الديمقراطيون إن عدد النساء المسجلات أكبر مقارنة بالرجال في المناطق التنافسية مثل الدائرتين 10 و7 في بنسلفانيا، والدائرة 22 في نيويورك، والدائرة الأولى في أيوا.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

انتشار أمني كثيف حول البيت الأبيض بعد ورود أنباء عن إطلاق نار

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)
الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)
TT

انتشار أمني كثيف حول البيت الأبيض بعد ورود أنباء عن إطلاق نار

الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)
الشرطة أغلقت الشوارع المحيطة بالبيت الأبيض (ا.ب)

انتشرت الشرطة وقوات الأمن بكثافة في المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض، مساء السبت، بعد ورود أنباء عن إطلاق نار، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجوداً في البيت الأبيض في ذلك الوقت حيث كان يعمل على التفاوض بشأن اتفاق مع إيران.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.


أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
TT

أوامر بإجلاء 40 ألف شخص في جنوب شرق لوس أنجليس بسبب تسرب كيميائي

أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)
أشخاص تم إجلاؤهم جراء التسرب الكيميائي في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

صدرت أوامر بإجلاء عشرات آلاف الأشخاص من منازلهم في كاليفورنيا، الجمعة، بسبب تسرب من خزان مواد كيميائية قد يؤدي إلى انتشار أبخرة سامة فوق منطقة مكتظة ويثير خطر وقوع انفجار. وكان الخزان يحتوي على 26 ألف لتر من ميثيل ميثاكريلات، وهو سائل قابل للاشتعال يُستخدم في صناعة البلاستيك، وحذّر عناصر الإطفاء من أن الوضع قد يتدهور.

وقال قائد العمليات في موقع الحادث كريغ كوفي: «أمامنا فرضيتان إما أن يتلف الخزان ويتسرب ما بين 6 إلى 7 آلاف غالون من المواد الكيميائية السامة جداً إلى موقف سيارات في المنطقة، أو أن ينفجر الخزان ما سيؤثر على خزانات محيطة به تحتوي أيضاً على وقود أو مواد كيميائية». وأضاف: «ننظّم عمليات الإجلاء استعداداً للفرضيتين: إما أن يتلف أو ينفجر».

رجل يجري إجلاؤه من منشأة كيميائية شهدت تسرباً في مقاطعة أورانج بولاية كاليفورنيا (أ.ب)

يقع التسرّب في منطقة غاردن غروف في مقاطعة أورنج في جنوب شرق لوس أنجليس. وقال أمير الفرا، قائد شرطة المنطقة إن أمر الإخلاء يطال حوالى 40 ألف شخص، إلا أن الآلاف يرفضون المغادرة.

وأظهرت لقطات جوية نشرتها محطات تلفزة محلية رش الخزان بخراطيم من المياه، وأفاد كوفي في وقت لاحق الجمعة بأن جهود تبريد الخزان تحقق نجاحاً. وقال في مقطع فيديو: «انخفضت حرارته إلى نحو 61 درجة، في حين أن 50 هي درجة الحرارة المثالية له، وبالتالي تُحقق الجهود نجاحاً»، مضيفاً: «سيفعل فريقنا ما بوسعه لإيجاد سيناريو ثالث ورابع وخامس».

وقالت مسؤولة الصحة في مقاطعة أورانج، ريجينا تشينسيو كوونغ، إن إخلاء منطقة واسعة في محيط الخزان إجراء احترازي ضروري. وأضافت أنه «إذا انفجر ونتجت عنه أبخرة سيكون الجميع في أمان ما داموا خارج المنطقة التي أُمر بإخلائها»، وحضت أي شخص يلاحظ «رائحة فاكهية وثقيلة» على إبلاغ السلطات. وقالت: «مجرد شمّ الرائحة لا يعني أنكم وصلتم إلى مستوى يسبب أعراضاً، لكننا لا نريدكم أن تشمّوا تلك الرائحة لذا نحتاج أن نعرف إن كنتم تشمونها».

شرطة لوس أنجليس يقدمون التوجيهات خلال عملية الإجلاء (أ.ف.ب)

ولم تُسجَّل أي إصابات حتى مساء الجمعة ولم تظهر بعد أي مؤشرات عن سبب التسرب الذي أُبلغ عنه الخميس. وقال كوفي إن الفرق تستعد لاحتمال حدوث تسرّب كيميائي واصفاً ذلك بأنه «أفضل سيناريو ممكن» وأفضل بكثير من وقوع انفجار يؤدي إلى انتشار سحابة سامة. وتعمل السلطات على وضع حواجز لمنع المواد السامة من تلويث مجاري مياه الأمطار والأنهار التي تصب في المحيط.

وقالت وكالة حماية البيئة الأميركية إن ميثيل ميثاكريلات مادة مهيِجة للجلد والعينين والأغشية المخاطية لدى البشر. وحذر منشور على موقع الوكالة من «آثار على التنفس لدى البشر بعد التعرض لاستنشاق حاد (على مدى قصير) أو مزمن (على مدى طويل)». كما أفادت الوكالة بأنه «تم الإبلاغ عن أعراض عصبية لدى البشر بعد تعرض لاستنشاق حاد».