ميشيغان... ولاية البحيرات العظمى قد تحسم السباق إلى البيت الأبيض

تاريخ متقلب من التصويت دفعها إلى واجهة الولايات المتأرجحة

فاز ترمب بأصوات ميشيغان في انتخابات عام 2016 واستعادها بايدن في عام 2020 (أ.ف.ب)
فاز ترمب بأصوات ميشيغان في انتخابات عام 2016 واستعادها بايدن في عام 2020 (أ.ف.ب)
TT

ميشيغان... ولاية البحيرات العظمى قد تحسم السباق إلى البيت الأبيض

فاز ترمب بأصوات ميشيغان في انتخابات عام 2016 واستعادها بايدن في عام 2020 (أ.ف.ب)
فاز ترمب بأصوات ميشيغان في انتخابات عام 2016 واستعادها بايدن في عام 2020 (أ.ف.ب)

في السابع والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، عندما توجّه الناخبون الديمقراطيون للإدلاء بأصواتهم في انتخابات ولاية ميشيغان التمهيدية، لم يكن جو بايدن مرشّح الحزب الديمقراطي حينها يتوقع النتيجة؛ فرغم أنه فاز بدعم نحو 81 في المائة من الأصوات، فإن نسبة عدم الملتزمين الذين رفضوا التصويت له وصلت إلى 13 في المائة. والسبب سياساته في حرب غزة.

اليوم، ومع تولِّي كامالا هاريس مهمة استكمال مشوار السباق الرئاسي بدل الرئيس الأميركي، لا تزال هذه الفئة الانتخابية مترددة في الإعراب عن تأييدها للمرشحة الديمقراطية، في ولاية كانت تعد «زرقاء» بامتياز، إلى حين فوز الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب بها في عام 2016. أسباب جعلت من هذه الولاية، وأصواتها الـ15 في المجمع الانتخابي، ولاية متأرجحة يتنازع عليها المرشحان بشراسة، لكسب أصوات الناخبين فيها.

وأصبحت ولاية ميشيغان من أهم ولايات «الجدار الأزرق» الديمقراطي، إلى جانب ويسكونسن، في العقود الماضية، بعدما كانت تُحسب على الجمهوريين في السبعينات والثمانينات؛ لكن انتخابات عام 2016 وضعتها في خانة الولايات المتأرجحة، بعد أن فاز فيها ترمب بأقل من 11 ألف صوت، مُنتزعاً الفوز من منافسته حينها، وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.

تكثّف حملة هاريس الجهود لحشد الدعم بين الناخبين في ميشيغان (أ.ف.ب)

ضمن هذا الفوز لترمب طريقه إلى البيت الأبيض، وثبَّت المعادلة القائلة بأن الطريق إلى المكتب البيضاوي تمر عبر ميشيغان التي انتزعها الفائز في السباق الرئاسي في 9 من 12 جولة انتخابية سابقة.

وبينما تمكَّن الديمقراطيون من الفوز في الولاية في كل انتخابات منذ عام 1992، باستثناء انتخابات عام 2016، فإن النتائج المتقاربة نسبياً في انتخابات عام 2020 التي فاز بها بايدن، أثبتت مجدداً أنها ستكون «كعب أخيل» الديمقراطيين في انتخابات هذا العام. لهذا السبب، يُكثِّف ترمب ونائبه جاي دي فانس نشاطهما الانتخابي في الولاية، مركِّزين بشكل أساسي على ملفين أساسيين يشغلان بال ناخبيها: الاقتصاد، والحرب في الشرق الأوسط. أما حملة هاريس فتكثّف جهود إصلاح علاقة حزبها بالناخبين العرب الأميركيين، المستائين من سياسات إدارة بايدن الداعمة لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

أزمة الشرق الأوسط

ترمب خاطب أنصاره خلال فعالية انتخابية في ساغيناو بميشيغان يوم 3 أكتوبر (رويترز)

ورغم أهمية ملف غزة للناخب من أصول عربية ومسلمة، فإن هؤلاء لا يعدُّون الأغلبية في الولاية. ويتركز وجود الجالية العربية في مدينة ديترويت؛ حيث تسعى الحملتان الانتخابيتان لحشد دعم أكبر عدد من الناخبين، ووظّفت هاريس المحامية من أصول مصرية بريندا عبد العال لمساعدتها على التقرب من الجالية العربية، والمحامية الأفغانية الأصل نسرينا بارغزي، لاستقطاب دعم المسلمين الأميركيين؛ لكن غياب أي تمثيل لهؤلاء في فعاليات المؤتمر الحزبي الديمقراطي، أثار موجة غضب وانتقادات واسعة، من شأنها أن تؤثر على تصويت هؤلاء في الانتخابات الرئاسية.

من ناحيتها، تعمد حملة ترمب التي جندت صهر الرئيس السابق مسعد بولس -من أصول لبنانية- لحشد دعم الجالية العربية، إلى ترويج إعلانات انتخابية تُصوِّر هاريس بمظهر الداعم الشرس لإسرائيل، في استراتيجية انتخابية تهدف إلى تعزيز موقف المنتقدين لسياسة هاريس تجاه تل أبيب.

الاقتصاد

هاريس تلقي خطاباً انتخابياً في فلينت بميشيغان يوم 4 أكتوبر (أ.ف.ب)

حسب أحدث الاستطلاعات، يتصدَّر الاقتصاد لائحة اهتمامات الناخبين في الولاية. وقال أكثر من 30 في المائة من الناخبين، في استطلاع أجرته جامعة إيمرسون، بالتعاون مع صحيفة «ذي هيل»، إن الاقتصاد هو على رأس أولوياتهم عندما يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، تأتي من بعده الهجرة، ثم تهديد الديمقراطية، تتبعها تكاليف السكن والتعليم والجريمة والإجهاض.

أرقام ليست مستغربة في الولاية التي تعتمد بشكل أساسي على صناعة السيارات، وتُعدّ معقل شركتي «فورد» و«جنرال موتورز»، والتي يشكل الناخبون البيض فيها نسبة 74 في المائة من السكان، من بعدهم الأميركيون السود بنسبة 14.1 في المائة، ثم الناخبون من أصول لاتينية بنسبة 5.7 في المائة. وتراجع عدد السكان في الولاية بشكل كبير في الأعوام الماضية، ما أدّى إلى خسارتها لأصوات في المجمع الانتخابي، دفعت بها للتراجع من 21 صوتاً في السبعينات لـ15 في هذا الموسم الانتخابي.

يأمل ترمب في انتزاع ولاية ميشيغان من «الجدار الأزرق» الديمقراطي (رويترز)

تتقارب نتائج الاستطلاعات بشكل كبير بين ترمب وهاريس؛ لكن الرئيس السابق يتفوّق على منافسته في الملفات الأبرز التي تُهمّ الناخبين هناك كالاقتصاد والهجرة، إذ يرى 58 في المائة من الناخبين أن ترمب سيساعد في تحسين الاقتصاد، مقابل 42 في المائة لهاريس. كما تدل الأرقام على أن 83 في المائة من الناخبين يعتقدون أن ترمب سيخدم مصالح الأميركيين البيض في الولاية، بينما يرى 72 في المائة أن هاريس ستخدم مصالح الأميركيين السود، و68 في المائة يرون أنها أفضل لمصالح الأميركيين من أصول لاتينية.


مقالات ذات صلة

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

الولايات المتحدة​ شارة انتخابية في ميشيغان (أ.ف.ب)

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

انتقل مرشح الجمهوريين بالانتخابات النصفية للكونغرس، مايك روجرز، إلى مؤيد لخط الرئيس ترمب؛ سعياً للفوز ضد مرشح يساري ديمقراطي بمقعد ميشيغان بمجلس الشيوخ.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شهدت الولايات المتأرجحة مثل ميشيغان إقبالاً كبيراً على التصويت المبكّر (أ.ف.ب)

7 ولايات «متأرجحة» ستحسم نتيجة الانتخابات الأميركية

يبدو أن الانتخابات الرئاسية ستحسمها بضع عشرات آلاف الأصوات في ولايات قليلة، تشهد منافسة حادّة يركز فيها ترمب وهاريس جهودهما في اليومين الأخيرين من الحملة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أضواء حمراء على جمهور مؤيد للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في ويسكونسن (أ.ف.ب)

ترمب واثق من «موجة حمراء» تمنحه ولاية ثانية

يعتقد الرئيس السابق دونالد ترمب أن الانتخابات ستعيده إلى البيت الأبيض، محمولاً على «موجة حمراء» تمتد من حزامي الصدأ والشمس، وتخترق «الجدار الأزرق» للديمقراطيين.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري هاريس تجيب عن سؤال أحد الحضور في فعالية انتخابية نظّمتها شبكة «سي إن إن» 23 أكتوبر (أ.ف.ب)

تحليل إخباري الفجوة بين الجنسين تتحوّل «هاوية» في الانتخابات الرئاسية الأميركية

توحي مقارنة بالانتخابات الأميركية السابقة بأن العامل الجندري قد يدعم حظوظ نائبة الرئيس كامالا هاريس في 5 ولايات متأرجحة.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ناخبون يدلون بأصواتهم مبكراً في نورث كارولينا (إ.ب.أ) p-circle 01:21

17 مليوناً من الأميركيين صوَّتوا مُبكرين حتى الآن بالانتخابات

صوّت نحو 17 مليون ناخب من الأميركيين بشكل مبكر أو عبر البريد حتى الآن، في مؤشر إلى تغيّر عادات الاقتراع في الانتخابات الأميركية.

علي بردى (واشنطن)

كارولين ليفيت الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض تنضم إلى «فوكس نيوز»

الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)
الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)
TT

كارولين ليفيت الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض تنضم إلى «فوكس نيوز»

الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)
الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)

أعلنت شبكة «فوكس نيوز» التلفزيونية، الاثنين، أن كارولين ليفيت، الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض والحليفة الوثيقة للرئيس دونالد ترمب، ستنضم إليها لتقديم «تعليقات وتحليلات».

وستبدأ ليفيت الظهور على «فوكس نيوز» في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق بيان صادر عن سوزان سكوت، الرئيسة التنفيذية لـ«فوكس نيوز ميديا» والتي أشادت بما تتمتع به الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض من «فهم للمشهد السياسي الراهن».

وتنحّت ليفيت التي وضعت طفلها الثاني في الربيع، عن منصبها في أواخر أغسطس (آب) للتركيز على عائلتها، مع تأكيدها في الوقت ذاته عزمها على مواصلة الترويج لنهج «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مجددا)ً في السياسة الأميركية اليمينية.

وقالت ليفيت: «أتطلع إلى تقديم رؤيتي الفريدة المستمدة من تجربتي كناطقة باسم البيت الأبيض، مصحوبة بالطاقة والصراحة ذاتهما اللتين ميزتا فترة عملي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت ليفيت تظهر بانتظام كضيفة على قناة «فوكس نيوز» عندما كانت تتولى منصبها السابق.

ولم يعيّن ترمب بعد ناطقاً جديداً باسم البيت الأبيض. ومنذ رحيلها، توقف البيت الأبيض عن عقد مؤتمرات صحافية دورية.


ترمب: سحب القاذفات الأميركية من القاعدة البريطانية جاء إثر «تهديدات»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

ترمب: سحب القاذفات الأميركية من القاعدة البريطانية جاء إثر «تهديدات»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاثنين أن «تهديدات» تستهدف القاذفات الأميركية المتمركزة في المملكة المتحدة كانت وراء سحبها من فيرفورد في جنوب غربي إنجلترا.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض: «كانت هناك تهديدات، لذا بدلاً من تركها عرضة للأعداء... قمنا بنقلها قليلاً، لم نبعدها كثيراً».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (د.ب.أ)

وقال ‌لدى ⁠سؤاله عما إذا ⁠كان يعتقد أن ⁠إيران ‌مسؤولة ‌عن واقعة ‌طائرة «فلاي ‌دبي» إنه ‌يعتقد بشكل شخصي ⁠أنها مسؤولة عنها ⁠فعلاً.


تحذير من مخطط إيراني وراء سحب قاذفات أميركية من بريطانيا

قاذفة من طراز «بي-1» تقلع من قاعدة «فيرفورد» الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر (رويترز)
قاذفة من طراز «بي-1» تقلع من قاعدة «فيرفورد» الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر (رويترز)
TT

تحذير من مخطط إيراني وراء سحب قاذفات أميركية من بريطانيا

قاذفة من طراز «بي-1» تقلع من قاعدة «فيرفورد» الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر (رويترز)
قاذفة من طراز «بي-1» تقلع من قاعدة «فيرفورد» الجوية البريطانية يوم 4 أكتوبر (رويترز)

في خطوة لافتة لسرعتها، سحبت الولايات المتحدة جميع قاذفاتها الاستراتيجية من طراز «لانسر بي 1» من قاعدة «فيرفورد» الجوية الملكية في جنوب غربي بريطانيا، وأعادت نشرها في قواعدها داخل الولايات المتحدة، بعد تلقي تحذيرات استخباراتية جديدة بشأن احتمال استهداف القاعدة في مخطط يُشتبه في ارتباطه بإيران.

ويشير التحرك إلى اتساع دائرة المخاطر المرتبطة بالمواجهة الأميركية - الإيرانية، التي كانت تتركز بصورة أساسية في الشرق الأوسط، لتصل تداعياتها المحتملة إلى منشآت عسكرية أميركية داخل أوروبا.

وأكدت القيادة الأوروبية - الأميركية أن جميع القاذفات التي كانت منتشرة في قاعدة «فيرفورد» أعيد نشرها في قواعدها داخل الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن القاذفات الأميركية تعمل بصورة دورية في أنحاء العالم لدعم الجاهزية والمتطلبات العملياتية، من دون أن تكشف أسباب التحرك المفاجئ.

وكانت 12 قاذفة من طراز «لانسر بي 1» متمركزة في القاعدة البريطانية، التي تحولت خلال الحرب مع إيران إلى منصة مهمة للعمليات الجوية الأميركية.

وشددت وزارة الحرب الأميركية على أن قوة القاذفات لا تزال قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة في أنحاء العالم انطلاقاً من الأراضي الأميركية، في رسالة تهدف إلى الحيلولة دون تفسير سحب القاذفات على أنه تراجع في القدرة العسكرية الأميركية.

تحذير استخباراتي عجّل بالإخلاء

الشرطة البريطانية اعتقلت 5 رجال للاشتباه في ارتكابهم مخالفات بموجب قانون المتفجرات (رويترز)

لكن توقيت الانسحاب وسرعته أثارا تساؤلات واسعة؛ إذ غادرت القاذفات الـ12 بريطانيا خلال يوم واحد، في حين كانت أجهزة الأمن البريطانية تحقق في سلسلة من الأحداث الغامضة حول القاعدة، في وقت تواصل فيه أجهزة الاستخبارات الغربية تقييم حجم التهديد الإيراني المحتمل ضد المنشآت الأميركية في أوروبا.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين أن القاذفات سُحبت بعدما تلقى القادة معلومات جديدة بشأن مخطط يستهدف القاعدة، وأن درجة الإلحاح ارتفعت بصورة حادة خلال الساعات الـ24 التي سبقت القرار.

وبحسب الصحيفة، كانت الحاجة إلى إخراج القاذفات عاجلة إلى درجة أن بعض الطائرات وأطقمها أقلعت في وقت كانت فيه طائرات التزود بالوقود جواً لا تزال تستعد لدعم رحلات العودة عبر المحيط الأطلسي. وكانت ثلاث قاذفات على الأقل قد وصلت إلى قاعدتها في ولاية ساوث داكوتا بحلول يوم الأحد.

كما أفادت صحيفة «واشنطن بوست» أيضاً بأن الجيش الأميركي أخرج قاذفاته من القاعدة البريطانية، التي استُخدمت في تنفيذ عمليات بعيدة المدى خلال الحرب ضد إيران، بعدما سمحت بريطانيا للولايات المتحدة باستخدامها لضرب مواقع صاروخية إيرانية كانت تستهدف السفن في مضيق هرمز.

قواعد أميركية في ألمانيا

وأوضحت «نيويورك تايمز» أن القادة العسكريين الأميركيين تلقوا تحذيراً من أجهزة استخبارات أميركية وغربية بشأن احتمال استهداف قاعدة «فيرفورد» في هجوم مرتبط بإيران.

وقالت الصحيفة إن ملامح المخطط جرى تجميعها من خلال مزيج من الاتصالات التي تم اعتراضها، ومعلومات قدمها مخبرون، ومصادر استخباراتية أخرى.

وامتدت التحذيرات أيضاً إلى ألمانيا، حيث أبلغت إسرائيل السلطات الألمانية، وفق مسؤول أميركي، بوجود مخاطر مرتفعة على منشآت أميركية، خصوصاً قاعدتَي «رامشتاين» و«سبانغدالم»، مع مخاوف من احتمال استخدام طائرات مسيّرة.

ويرى محللون أنه إذا ثبت تورط إيران، فإن ذلك سيعني انتقال استراتيجية الرد من استهداف القوات والمصالح الأميركية في الشرق الأوسط إلى محاولة خلق تهديد مباشر لمنشآت عسكرية أميركية داخل أراضي دول «حلف شمال الأطلسي». وبذلك لن تعود القضية مقتصرة على حماية قاعدة بريطانية واحدة، بل ستدفع إلى إعادة تقييم أمن شبكة المنشآت الأميركية في أوروبا.

هدفٌ مشروع

عناصر شرطة مسلحون يحرسون طريقاً خارج محيط قاعدة «فيرفورد» يوم 28 سبتمبر (رويترز)

وكان «الحرس الثوري» الإيراني قد حذر في يوليو (تموز) من السماح باستخدام القواعد البريطانية في العمليات الأميركية ضد إيران، قائلاً إن أي قاعدة تستخدم لشن هجمات على الأراضي الإيرانية يمكن اعتبارها هدفاً مشروعاً.

وجاء التحذير بعدما استخدمت الولايات المتحدة قاعدة «فيرفورد» في عمليات مرتبطة بالحرب ضد إيران. وردت الحكومة البريطانية آنذاك بأن قواتها المسلحة مستعدة لحماية البلاد من أي هجمات.

وبذلك لم تكن «فيرفورد» هدفاً ظهر فجأة في الحسابات الإيرانية؛ إذ تعد القاعدة الموقع الأوروبي المفضل لانتشار القاذفات الأميركية الثقيلة، وتوفر لواشنطن نقطة متقدمة لتنفيذ عمليات بعيدة المدى من أوروبا، من دون الحاجة إلى إبقاء القاذفات بصورة دائمة في مسرح الشرق الأوسط.

مركبات مشبوهة وإخلاء 85 منزلاً

وبدأ الفصل العلني من القضية في 27 سبتمبر (أيلول)، عندما تلقت الشرطة البريطانية بلاغاً عن ثلاث مركبات مشبوهة تتحرك باتجاه قاعدة «فيرفورد». وانتشرت قوات مسلحة واعتقلت خمسة رجال في العشرينات من العمر، في حين فرضت السلطات طوقاً أمنياً بقُطر 400 متر، وأجلت سكان نحو 85 منزلاً، واستعانت بخبراء التخلص من المتفجرات لفحص المركبات. لكن التحقيق اتخذ منحى أكثر غموضاً عندما أعلنت شرطة مكافحة الإرهاب أنها لم تعثر على عبوات ناسفة داخل المركبات. وأُفرج عن الرجال الخمسة بكفالة، مع استمرار التحقيق معهم.

وبعد أيام، ألقت الشرطة القبض في لندن على رجل يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية للاشتباه في الإعداد لأعمال إرهابية، قبل الإفراج عنه أيضاً بكفالة.

وقالت الشرطة البريطانية إنها تتابع عدة مسارات، من بينها احتمال تورط دولة أجنبية، من دون تحديد هوية الدولة التي يُشتبه في تورطها.

وأظهر ذلك حذراً من جانب السلطات البريطانية في الربط المباشر بين الحادث وطهران. فلم تعلن الشرطة، حتى الآن، العثور على متفجرات، ولم توجه اتهامات جنائية نهائية إلى الموقوفين، كما لم تقدم دليلاً علنياً يثبت أن «الحرس الثوري» أصدر أوامر بتنفيذ هجوم. لكن رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام قال إن هناك مؤشرات قوية على أن إيران لعبت دوراً فيما حدث، في حين نفت طهران الاتهامات، ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الاتهامات بأنها بلا أساس.

واشنطن تتحدث عن «جهة أجنبية»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب

من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الرجال الذين اعتُقلوا قرب القاعدة البريطانية كانوا يسعون إلى إحداث «دمار كبير». كما أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى وجود «يد لجهة أجنبية» وراء الحادث، من دون إعلان أدلة تفصيلية تربط المخطط مباشرة بالحكومة الإيرانية.

ويبدو الاختلاف في اللغة لافتاً؛ فبينما تحدث البيت الأبيض عن خطورة التهديد واحتمال وجود طرف أجنبي، حافظ «البنتاغون» والقيادة الأوروبية على صياغة عملياتية أكثر تحفظاً، مؤكدين فقط إعادة القاذفات إلى الولايات المتحدة، واحتفاظ واشنطن بقدرتها على توجيه ضربات عالمية.

حرب تتجاوز الشرق الأوسط

ويشير سحب القاذفات من القاعدة البريطانية إلى معضلة أوسع تواجه الولايات المتحدة في المواجهة مع طهران. فالولايات المتحدة تملك تفوقاً كبيراً في القوة الجوية التقليدية، لكن إيران تستطيع محاولة تعويض هذا الاختلال باستخدام وسائل أقل تكلفة، مثل الطائرات المسيّرة وعمليات التخريب والهجمات السيبرانية، أو عبر شبكات ووكلاء يعملون خارج حدودها.

ويتيح هذا النمط من الحرب غير المتكافئة لطهران ممارسة ضغوط خارج ساحات القتال التقليدية، مع بقاء قدر كبير من الغموض حول مدى تورطها المباشر في كل عملية أو شبكة مرتبطة بها.

وتتسع النقاشات داخل الأوساط السياسية والعسكرية الأميركية إلى ما هو أبعد من سحب القاذفات من «فيرفورد»، مع امتداد التحذيرات إلى قاعدتَي «رامشتاين» و«سبانغدالم» في ألمانيا، وطرح خطط لتعزيز الدفاعات ضد المسيّرات، وتشديد المراقبة حول المنشآت، ومواجهة شبكات محلية محتملة.

ويشدد مسؤولون أميركيون على أن سحب القاذفات لا يثبت أن هجوماً إيرانياً كان وشيكاً، لكنه يكشف في المقابل أن مستوى التهديد أصبح جدياً بما يكفي لتغيير الانتشار العسكري الأميركي.

ويطرح ذلك سؤالاً أوسع حول ما إذا كانت طهران تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة تجعل كل قاعدة غربية تُستخدم في ضرب إيران هدفاً محتملاً، بما ينقل بعض تداعيات الحرب من الشرق الأوسط إلى قلب أوروبا.