خالد شيخ العقل المدبّر لهجمات سبتمبر يبرِم «اتفاق الإقرار بالذنب»

ضمن صفقة مع المدعين العامين لتفادي حكم الإعدام

رسم لخالد شيخ محمد (يمين) ورمزي بن الشيبة (وسط) ووليد بن عطاش (يسار) خلال مثولهم أمام القاضي في جلسة تحضيراً لمحاكمتهم في قاعدة غوانتانامو الأميركية في كوبا (أ.ف.ب)
رسم لخالد شيخ محمد (يمين) ورمزي بن الشيبة (وسط) ووليد بن عطاش (يسار) خلال مثولهم أمام القاضي في جلسة تحضيراً لمحاكمتهم في قاعدة غوانتانامو الأميركية في كوبا (أ.ف.ب)
TT

خالد شيخ العقل المدبّر لهجمات سبتمبر يبرِم «اتفاق الإقرار بالذنب»

رسم لخالد شيخ محمد (يمين) ورمزي بن الشيبة (وسط) ووليد بن عطاش (يسار) خلال مثولهم أمام القاضي في جلسة تحضيراً لمحاكمتهم في قاعدة غوانتانامو الأميركية في كوبا (أ.ف.ب)
رسم لخالد شيخ محمد (يمين) ورمزي بن الشيبة (وسط) ووليد بن عطاش (يسار) خلال مثولهم أمام القاضي في جلسة تحضيراً لمحاكمتهم في قاعدة غوانتانامو الأميركية في كوبا (أ.ف.ب)

اعترف المتهم بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، واثنان من شركائه بالذنب في تهمة تدبير المؤامرة والقتل، مقابل الحكم عليهم بالسجن مدى الحياة بدلاً من الإعدام في قاعدة غوانتانامو بكوبا، حسبما قال المدعون العامون، الأربعاء.

قال المدعون العامون إن الصفقة تهدف إلى الوصول بالقضية إلى «نهايتها وتحقيق العدالة»، خاصة لأسر ما يقرب من 3000 شخص قُتلوا في الهجمات في مدينة نيويورك، والبنتاغون، وبأحد حقول بنسلفانيا.

توصل المتهمان خالد شيخ محمد، ومصطفى الهوساوي إلى الصفقة في مناقشات مع المدعين العامين على مدار 27 شهراً في غوانتانامو، ووافق عليها مسؤول رفيع المستوى بوزارة الدفاع يشرف على المحكمة العسكرية، الأربعاء.

خالد شيخ محمد مدبّر هجمات 11 سبتمبر الإرهابية (نيويورك تايمز)

رغم بقاء المتهمين قيد الاحتجاز الأميركي منذ عام 2003، فقد تعثرت القضية لأكثر من عِقد بسبب طول إجراءات ما قبل المحاكمة التي ركزت على ما إذا كان تعذيبهم في سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية قد لوّث الأدلة ضدهم. وردت أنباء الصفقة في رسالة من مدعي عام المحكمة العسكرية إلى أسر ضحايا 11 سبتمبر. وقال في الرسالة التي وقّعها الأدميرال الرقيب آرون سي رو، المدعي العام للمحكمة العسكرية، وثلاثة محامين من فريقه: «في مقابل إلغاء عقوبة الإعدام كعقاب محتمل، وافق هؤلاء المتهمون الثلاثة على الإقرار بالذنب في جميع التهم الموجهة إليهم، بما في ذلك قتل 2976 شخصاً مدرجين في لائحة الاتهام». وذكرت الرسالة أن المتهمين من الممكن أن يقدّموا اعترافاتهم أمام المحكمة العلنية في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.

وجاءت الصفقة لتجنب ما كان متوقعاً أن يكون محاكمة تستغرق من 12 إلى 18 شهراً، أو بدلاً من ذلك، إمكانية قيام القاضي العسكري بإلغاء اعترافات كانت مفتاحاً لقضية الحكومة. وقد استمع القاضي، العقيد ماثيو إن مكال، إلى الشهادات هذا الأسبوع وكان أمامه المزيد من الجلسات المقررة في وقت لاحق من العام الحالي لاتخاذ قرار بشأن هذه القضايا الرئيسية قبل المحاكمة وغيرها.

قُتل ما يقرب من 3000 شخص في هجمات 11 سبتمبر 2001 (نيويورك تايمز)

واتُهم خالد شيخ محمد (59 عاماً)، المهندس الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة والمتشدد المعروف، بتبني فكرة اختطاف الطائرات وتحطيمها بالارتطام عمداً بالمباني. وقال المدعون العامون إن خالد شيخ قدّم الخطة إلى أسامة بن لادن عام 1996، ثم ساعد في تدريب بعض الخاطفين وتوجيههم. تم القبض على خالد وعلى الهوساوي (55 عاماً) معاً في باكستان في مارس (آذار) عام 2003، واحتُجزا في سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حتى نقلهما إلى القاعدة البحرية الأميركية في غوانتانامو في سبتمبر 2006 لمحاكمة محتملة. بحلول ذلك الوقت، كان المحققون قد احتجزوا المتهمين لسنوات في عزلة وعذبوهم، بما في ذلك إخضاع خالد شيخ لـ183 جولة من الإيحاء بالغرق، وهو قرار من شأنه أن يعطل سنوات من الجهود المبذولة لمحاكمة المتهمين. ووصف بن عطاش، في الأربعينات من عمره، بأنه، بصفته مشاركاً آخر في المؤامرة، ساعد في تدريب بعض الخاطفين ونفّذ مهام كَلّفَه بها كل من خالد شيخ محمد وأسامه بن لادن.

وسيواجه المتهمون الثلاثة ما يشبه محاكمة مصغرة، لكن ربما ليس قبل العام المقبل. في المحاكم العسكرية، حيث وجهت إليهم التهم، يقبل القاضي الالتماس، لكن يجب تشكيل هيئة محلفين عسكرية للاستماع إلى الأدلة، بما في ذلك شهادة ضحايا الهجمات، وتحديد العقوبة. وبحلول تلك المرحلة، يكون القاضي قد حلّ النزاعات القضائية حول الأدلة التي يمكن استخدامها في إجراءات الحكم.

وأثارت الصفقة غضباً وارتياحاً في الوقت ذاته بين الآلاف من أقارب الذين لقوا حتفهم في 11 سبتمبر. كان بعض أفراد أسر المتهمين يخشون ألا تصل القضية أبداً إلى حل، وأن يموت المتهمون في السجون الأميركية من دون إدانة. ودفع آخرون الذين يريدون عقوبة الإعدام، الحكومة إلى تقديم القضية للمحاكمة، حتى بالمخاطرة بإلغاء الحكم في وقت لاحق. في هذا الصدد، قالت كاثلين فيغيانو، التي قُتل زوجها المحقق في شرطة نيويورك جوزيف فيغيانو وشقيقها رجل الإطفاء جون في مركز التجارة العالمي، إنها «غاضبة» من النتائج. وقالت: «كنت أريد حقاً عقوبة الإعدام. لقد قتلوا 3000 أميركي ولا يزال الناس يموتون بسبب سرطان ما بعد 11 سبتمبر». وأضافت أنها قلقة من إمكانية الإفراج عن السجناء يوماً ما.

من ناحية أخرى، قالت، إذا بقوا في السجن، فسيتعين على الحكومة إعالتهم مدى الحياة. وقال غلين مورغان، الذي قُتل والده ريتشارد مورغان في انهيار مركز التجارة العالمي، إنه يحترم المدعين العامين الذين «نحّوا جانباً الحكم بالإعدام المرغوب فيه وخرجوا بأفضل نتائج ممكنة من أسوأ موقف ممكن». وأضاف: «بذلك تغلبوا على عنصر الوقت. طبّقوا حكم القانون وأدانوا المجرمين قتلة والدي وزملائه». وقال الأدميرال رو في رسالته إنه في إطار الصفقة، وافق خالد شيخ والآخرون على الإجابة عن أسئلة أفراد أسر الضحايا «بشأن أدوارهم وأسباب تنفيذ هجمات 11 سبتمبر».

وبموجب العملية، المعروفة أحياناً باسم «العدالة التصالحية»، سيقدم أفراد الأسرة الأسئلة بحلول 14 سبتمبر، ويجب أن يتلقوا الإجابات بحلول نهاية عام 2024. وأشار جاري سوواردز، محامي خالد شيخ محمد، إلى أن إجابة خالد عن «جميع أسئلة كيف ولماذا وقعت 11 سبتمبر» كان جزءاً مهماً من الاتفاق. وقال سوواردز: «الكثير من الأشخاص الذين تأثرت حياتهم بشكل مأساوي بهذه الأحداث سيحصلون على النهاية التي سعى إليها الكثيرون لفترة طويلة». وأضاف: «الأمر المهم بالقدر نفسه هو أن الحكومة وافقت على التزامنا بالسماح للضحايا والناجين بسرد قصص كيف أثر 11 سبتمبر بشكل كبير على حياتهم».

لم يكن اثنان من المتهمين الخمسة الأصليين طرفاً في الصفقة. وتبيّن أن رمزي بن الشيبة، الذي اتُهم بالمساعدة في تشكيل خلية من الخاطفين في هامبورغ بألمانيا، غير قادر على المثول أمام المحكمة بسبب مرض عقلي، وتم إغلاق قضيته. المتهم الخامس، المعروف باسم عمّار البلوشي (46 عاماً)، لم يُدرج أيضاً في اتفاق الإقرار بالذنب وقد يواجه المحاكمة بمفرده، وهو ابن شقيقة خالد شيخ محمد ومتهم، شأن الهوساوي، بمساعدة الخاطفين في الأمور المالية وترتيبات السفر أثناء العمل في الخليج العربي. كانت صفقات الإقرار بالذنب قيد المناقشة منذ مارس 2022، لكنها واجهت عقبة كبيرة في سبتمبر عندما رفض البيت الأبيض الموافقة على الشروط التي طلبها المتهمون. فقد طالب المتهمون بضمانات بأنهم لن يقضوا عقوباتهم في الحبس الانفرادي، وأن يجري تحسين اتصالهم بأسرهم ومواصلة الاتصال بمحاميهم. طالب البلوشي بشكل خاص أيضاً بأن تتعهد الولايات المتحدة بإقامة برنامج خاص للعلاج من التعذيب يديره مدنيون في السجن.

* «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مادورو يطالب ترمب بالاهتمام بأميركا بدل التركيز على فنزويلا

الولايات المتحدة​ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يحضر معرض «أكسبو موتوريس برودكتيف» الذي يُسلّط الضوء على الإنتاج الزراعي والغذائي والصناعي في كراكاس (رويترز)

مادورو يطالب ترمب بالاهتمام بأميركا بدل التركيز على فنزويلا

طالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بالتنحي، فيما ضرب فيه الجيش الأميركي قارباً آخر يشتبه في تهريبه المخدرات إلى الولايات المتحدة.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) (رويترز)

البنتاغون: الصين ربما حمّلت نحو 100 صاروخ باليستي عابر للقارات في مواقع إطلاق

ذكرت مسودة تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) سلطت الضوء على طموحات الصين العسكرية الكبيرة أن بكين حمّلت على الأرجح ما يربو على 100 صاروخ باليستي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يعين جنرالاً من «المارينز» على رأس «قيادة أميركا اللاتينية»

عيّن الرئيس الأميركي دونالد ترمب جنرالاً في قوات مشاة البحرية (مارينز) قائداً للقوات الأميركية لأميركا اللاتينية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ختم وزارة الحرب الجديد بعد تغيير اسمها (أ.ب) play-circle

«البنتاغون» بين إعادة هيكلة القوة العسكرية وتحولات الاستراتيجية الأميركية

يقترح كبار مسؤولي «البنتاغون» خفض عدد القيادات القتالية مع تقليص عدد الجنرالات والأدميرالات من رتبة أربع نجوم الذين يرفعون تقاريرهم مباشرة إلى وزير الدفاع.

إيلي يوسف (واشنطن)
تحليل إخباري قوات من الجيش السوري أثناء عرض عسكري بدير الزور يوم 8 ديسمبر (إكس)

تحليل إخباري كيف سينعكس هجوم تدمر على علاقة حكومة الشرع بواشنطن؟

تشهد المؤسسات العسكرية والأمنية السورية حالة استنفار، في ظل تعليمات وإجراءات تهدف إلى منع الاختراقات، في أعقاب هجوم تدمر الإرهابي.

سعاد جرَوس (دمشق)

ممداني خلال تنصيبه في رئاسة بلدية نيويورك: سنثبت أن «اليسار يمكنه أن يحكم»

زهران ممداني (رويترز)
زهران ممداني (رويترز)
TT

ممداني خلال تنصيبه في رئاسة بلدية نيويورك: سنثبت أن «اليسار يمكنه أن يحكم»

زهران ممداني (رويترز)
زهران ممداني (رويترز)

وعد رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، المنتخب حديثاً عن الحزب الديمقراطي، الخميس، في خطاب تنصيبه بأن «يضرب مثالاً يُحتذى به للعالم»، عبر إثباته أن «اليسار يمكنه أن يحكم».

زهران ممداني (أ.ب)

وأعلن رئيس البلدية، البالغ 34 عاماً: «سنكون محطّ متابعة لدى كثيرين. هم يريدون أن يعرفوا ما إذا كان اليسار يمكنه أن يحكم... يريدون أن يعرفوا ما إذا كان بالإمكان مجابهة التحديات التي تواجههم. لذا، باتحادنا وعزيمتنا، سنفعل ما يجيده سكان نيويورك: سنضرب مثالاً يُحتذى به للعالم».

خطط طموحة

بنى ممداني الذي يُعرّف عن نفسه بأنه اشتراكي، في بلد يُربط فيه هذا المصطلح باليسار المتطرف، برنامجه الانتخابي على أساس مكافحة غلاء المعيشة ولا سيما سعر السكن، في المدينة البالغ عدد سكانها 8,5 مليون نسمة. وسعى سلفه إريك آدامز الذي لطخت حصيلته اتهامات بالفساد، إلى عرقلة إجراءٍ رئيسي في هذا البرنامج يتعلق بتجميد الإيجارات لأكثر من مليون شقة، من خلال تعيين أو إعادة تعيين عددٍ من المقربين منه في اللجنة المسؤولة عن اتخاذ القرار بهذا الصدد.


أميركا تفرض عقوبات على شركات وناقلات نفط صينية بدعوى ارتباطها بفنزويلا

ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)
ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات على شركات وناقلات نفط صينية بدعوى ارتباطها بفنزويلا

ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)
ناقلة نفط ترفع علم غينيا بالقرب من ميناء لا سالينا الفنزويلي (رويترز)

صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغطها على صادرات النفط الفنزويلية بفرض عقوبات على شركات مقرها هونغ كونغ والصين، وناقلات نفط مرتبطة بها اتهمتها بالتهرب من القيود الأميركية على قطاع النفط الفنزويلي.

وأضاف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية أربع شركات إلى قائمة العقوبات بدعوى وجود صلات بقطاع النفط الفنزويلي، وهي: شركة «كورنيولا» الموجود مقرها في تشجيانغ، و«آريس جلوبال إنفستمنت» في هونغ كونغ، و«كريب ميرتل»، و«وينكي إنترناشونال». كما فُرضت عقوبات على أربع سفن مرتبطة بهذه الشركات، وهي الناقلات: «ديلا»، و«نورد ستار»، و«روزاليند»، و«فاليانت».

عمال شركة النفط الوطنية الفنزويلية يشاركون في تدريب للحد من مخاطر الكوارث الطبيعية أو النزاعات المسلحة بمصفاة «إل باليتو» في بويرتو كابيلو (أ.ف.ب)

وأشارت وكالة «بلومبرغ» للأنباء إلى أن الولايات المتحدة فرضت بالفعل عقوبات على سفن وشركات لصلتها بتجارة النفط الفنزويلية، إلا أن استهداف الشركات الصينية العاملة هناك يعد إجراء نادراً، وقد يكون بمثابة إشارة إلى بكين لتجنب الدخول في المواجهة بين إدارة ترمب ونظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، الذي يمثل نحو 95 في المائة من إيرادات فنزويلا.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية في بيان لها: «تواصل هذه السفن، التي ينتمي بعضها إلى الأسطول الخفي الذي يخدم فنزويلا، توفير موارد مالية تغذي نظام مادورو غير الشرعي القائم على تجارة المخدرات والإرهاب».

ويعتمد نظام مادورو بشكل متزايد على أسطول خفي من السفن المنتشرة حول العالم لتسهيل الأنشطة الخاضعة للعقوبات، بما في ذلك التهرب منها، ولتوفير عائدات لعملياته «المزعزعة للاستقرار».

وبحسب بيانات تتبع السفن، فإن سفينة واحدة فقط من بين السفن التي حددتها وزارة الخزانة أمس كانت قريبة من فنزويلا مؤخراً، وهي سفينة «روزاليند» التي عادة ما تشارك في رحلات قصيرة المدى تُعرف باسم «النقل الساحلي»، لكن من المحتمل أن تكون سفن أخرى قد سافرت دون إرسال بيانات أجهزة الإرسال والاستقبال.


«دعم إسرائيل» يُفجّر صراعاً آيديولوجياً في قاعدة «ماغا»

الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
TT

«دعم إسرائيل» يُفجّر صراعاً آيديولوجياً في قاعدة «ماغا»

الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)
الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (رويترز)

تشهد القاعدة الجمهورية الأميركية واحدة من أكثر لحظات التفكك الآيديولوجي حدّة منذ صعود دونالد ترمب، مع تحوّل إسرائيل من «حليف ثابت» شبه مُجمع عليه داخل اليمين المحافظ إلى نقطة خلاف مركزية داخل حركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى).

هذا الانقسام لا يقتصر على السجالات الإعلامية أو منصات التواصل الاجتماعي، بل بات ينعكس مباشرة على سلوك القيادات، وعلى توازنات مراكز النفوذ داخل الحزب، من نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُحاول السير على حبل مشدود، إلى مؤسسة «هيرتاج» -مركز الأبحاث العريق- التي بدأت تتآكل من الداخل لمصلحة تيار نائب الرئيس السابق مايك بنس.

من الإجماع إلى الخلاف

تقليدياً، شكّل الدعم القوي لإسرائيل ركناً أساسياً في السياسة الخارجية الجمهورية، مدفوعاً بعوامل دينية (ولا سيما بين الأميركيين الإنجيليين)، واستراتيجية، وتحالفات حزبية متجذّرة.

نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد في نادي مارالاغو في بالم بيتش بفلوريدا 29 ديسمبر (أ.ف.ب)

غير أن حرب غزة، وتبدّل المزاج العام لدى قطاعات واسعة من الشباب الأميركي، بمن فيهم المحافظون، فجّرا موجة تشكيك غير مسبوقة في هذا الإرث. داخل «ماغا»، لم يعُد النقاش محصوراً في حجم الدعم أو شروطه، بل اتخذ طابعاً قومياً؛ حيث يرفع منتقدو إسرائيل شعار «أميركا أولاً» في مواجهة ما يسمونه «إسرائيل أولاً».

هذا التحول فتح الباب أمام أصوات كانت هامشية قبل سنوات، من بينها شخصيات مثيرة للجدل مثل نِك فوينتِس، الذي يرفع خطاباً عنصرياً ومعادياً للسامية بشكل صريح، وأخرى أكثر تأثيراً جماهيرياً مثل الإعلامي تاكر كارلسون والنائبة مارجوري تايلور غرين، اللذين يدفعان باتجاه إعادة تقييم الدعم الأميركي لتل أبيب من دون تبنّي خطاب فوينتس المتطرف.

جي دي فانس: الحياد الحذر

في قلب هذا الصراع، يقف نائب الرئيس جي دي فانس، البالغ 41 عاماً، في موقع بالغ الحساسية. فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز وجوه «ماغا» القادرين على مخاطبة الجيل الشاب، تجنّب عمداً ذكر إسرائيل في خطابه أمام مؤتمر «نقطة تحول أميركا»، وهي الحركة المحافظة التي كان يقودها شارلي كيرك قبل اغتياله الصيف الماضي، والذي انعقد في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، رغم أنها القضية الأكثر اشتعالاً داخل القاعدة. هذا الصمت لم يكن غفلة، بل استراتيجية محسوبة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس يوم 22 أكتوبر (أ.ب)

حلفاء فانس يؤكدون أنه يحاول التوفيق بين أمرين متناقضين: الحفاظ على إسرائيل حليفاً استراتيجياً، وعدم خسارة شريحة متنامية من الشباب الجمهوريين الذين يتساءلون عن جدوى المساعدات العسكرية الخارجية.

وعبّر فانس أكثر من مرة عن هذا التوازن، مميّزاً بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ومستضيفاً في الوقت نفسه احتفالاً بعيد «حانوكا» (عيد الأنوار) في منزله، في رسالة طمأنة واضحة لليهود الأميركيين. لكن هذا التموضع الوسطي جعله عرضة لانتقادات من الجانبين. التيار المؤيد لإسرائيل يرى فيه متردداً يرفض إدانة الأصوات المعادية للسامية بوضوح، في حين يتهمه المتشددون وأنصار فوينتس بعدم الذهاب بعيداً في انتقاد إسرائيل. ولخّص أحد المقرّبين منه الوضع بعبارة دقيقة: «إنه يمشي على حبل مشدود... مائة في المائة».

ما يجري ليس مجرد خلاف حول سياسة خارجية، بل صراع أجيال داخل الحركة الترمبية. عبّر كثير من الشباب المحافظين الذين حضروا المؤتمر عن مواقف أكثر تعقيداً: دعم عام لإسرائيل مقرون برفض نفوذ جماعات الضغط أو «الاختبارات العقائدية» داخل الحزب. هؤلاء يرون في فانس سياسياً «يفهم الثقافة الرقمية» ويستوعب حساسيات جيلهم، حتى لو لم يُرضِ كل الأطراف.

في المقابل، يُحذّر مخضرمون في الحزب من أن هذا الغموض لن يصمد طويلاً. آري فلايشر، المتحدث السابق باسم البيت الأبيض، يرى أن سباق 2028 الرئاسي سيُجبر فانس وغيره على اختيار معسكر واضح، قائلاً: «سيُكشف أمره... هذا غير قابل للاستدامة».

«هيرتاج» تتصدّع... وبنس يملأ الفراغ

الانقسام نفسه يضرب المؤسسات الفكرية المحافظة. «مؤسسة هيرتاج»، التي لطالما كانت عقل اليمين السياسي في واشنطن، تشهد نزيفاً غير مسبوق في قياداتها. لم يكن انتقال نحو 15 مسؤولاً بارزاً إلى منظمة «تعزيز الحرية الأميركية» التابعة لنائب الرئيس السابق مايك بنس، مجرد حركة إدارية، بل مؤشر على صراع عميق حول هوية المحافظين.

جي دي فانس يخاطب الصحافيين في كريات غات يوم 21 أكتوبر (رويترز)

بنس، الذي تراجع نفوذه الشعبي منذ قطيعته مع ترمب بعد 2020، يُقدّم نفسه اليوم حارس «المبادئ التقليدية»: دعم أوكرانيا، معارضة الشعبوية الاقتصادية، ورفض أي تساهل مع معاداة السامية. ويتهم «هيرتاج» بالانجراف نحو «شعبوية حكومية كبيرة»، والتساهل مع أصوات متطرفة، خصوصاً بعد دفاع قيادتها عن تاكر كارلسون في سياق قضية فوينتس.

استقالات قادة بارزين من «هيرتاج»، وتوقف متبرعين تقليديين عن تمويلها، يعكسان عمق الأزمة. أحد المغادرين وصف فيديو لقيادة المؤسسة يدافع عن كارلسون بأنه «لحظة فاصلة» دفعت قضاة وأكاديميين إلى قطع علاقتهم بها.

صراع على المبادئ لا الأشخاص

يرى البعض أن هذه الخلافات داخل الحزب «الجمهوري» «تمهيد لانتخابات تمهيدية على المبادئ لا على الأسماء». ومع اقتراب انتخابات 2028 ونهاية ولاية ترمب، يتنافس تياران: «ماغا» الشعبوية بقراءتها الجديدة لـ«أميركا أولاً»، والمحافظون التقليديون الذين يسعون إلى إعادة تثبيت مبادئ تقليدية في السياسة الخارجية والاقتصاد.

بين هذين المعسكرين، يقف جي دي فانس رمزاً للحظة الانتقالية: سياسي شاب يُحاول الجمع بين الواقعية الجيوسياسية ونبض القاعدة الجديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في واشنطن اليوم هو: إلى متى يمكن السير على هذا الحبل المشدود، قبل أن يفرض الانقسام اختياراً حاسماً؟