بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعُد المؤسسة العسكرية الأميركية هي ذاتها التي عرفها العالم لعقود. لم يكتفِ ترمب بتغيير القيادات، بل أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة القوة، مُحوّلاً البنتاغونمن حارس للنظام العالمي إلى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. وتحت شعارات «تفكيك البيروقراطية» وإعادة «عقيدة المحارب»، شهد عام 2025 تحوّلات بنيوية في الميزانية والتسليح والانتشار العسكري، أعادت رسم خريطة النفوذ الأميركي.
من «الدفاع» إلى «الحرب»
كانت الخطوة الأولى في أجندة ترمب هي إعادة تعريف هوية المؤسسة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيراً للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واسعة النطاق، حيث تم إلغاء جميع مكاتب «التنوع والإنصاف والشمول»، التي استُحدثت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وعُدّت «سموماً أضعفت الروح القتالية».

وأحيا ترمب «عقيدة المحارب»، وهي رؤية عسكرية تركز حصراً على «الفتك» والانتصار في الميدان، بعيداً عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلك إلى تقاعد قسري لعشرات الجنرالات الذين وُصفوا بـ«المُسيّسين»، واستبدال قادة شباب يتبنّون رؤية ترمب القومية بهم. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان إعلاناً عن عودة «وزارة الحرب» - بدل وزارة الدفاع - بمفهومها الهجومي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات».
خصخصة «التفوق العسكري»
رغم توجّهه نحو خفض الإنفاق الحكومي، استثنى ترمب المؤسّسة العسكرية، دافعاً بميزانية دفاعية لعام 2026 حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من حاجز تريليون دولار.

واقترح سيد البيت الأبيض ميزانية لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار؛ بهدف تشكيل «جيش الأحلام» عبر موارد مالية ضخمة مستمَدة من إيرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعاً كبيراً في الصناعات الدفاعية، وأنظمة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار في الإنتاج وليس توزيع الأرباح على المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الوجود الدائم» في الخارج إلى تعزيز «التفوق التكنولوجي».
وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صاروخية متطورة وشاملة لحماية المدن الأميركية بحصة الأسد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصر. كما تم الاستغناء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مشروعات لبناء حاملات طائرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّاً إياها «أهدافاً سهلة» في حروب المستقبل، مقابل الاستثمار في «أسراب المُسيّرات الانتحارية» التي يمكن إنتاجها بكميات هائلة داخل المصانع الأميركية المؤتمتة. وهو ما يراه البيت الأبيض «ديمقراطية القوة» التي تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً بتكلفة أقل. وقام بتعزيز «قوة الفضاء» لتُصبح الفرع الأكثر نمواً، مع التركيز على حماية الأقمار الاصطناعية التجارية والعسكرية من الهجمات السيبرانية والصينية.

غير أن التطور الأبرز كان الاندماج غير المسبوق بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود العسكرية الكبرى لم تعُد تذهب حصراً لشركات السلاح التقليدية مثل «بوينغ» أو «لوكهيد مارتن»، بل برزت شركات مثل «أندوريل» و«بالانتير» و«سبايس إكس» بوصفها أعمدة للأمن القومي. وتحت ما يُسمى برنامج «المنتقم الرقمي»، وقَّعت الإدارة عقوداً بمليارات الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية».
إحياء «عقيدة مونرو»
أحدث ترمب صدمةً جيوسياسيةً بإعلانه الرسمي إحياء «عقيدة مونرو» لعام 1823، ولكن بنسخة القرن الحادي والعشرين، أو ما أُطلق عليها «عقيدة دونرو» تيمّناً باسمه (دونالد).

تقوم هذه العقيدة على مبدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عدّ أي تدخل أجنبي (صيني أو روسي) في نصف الكرة الغربي تهديداً مباشراً. وقد أدّى ذلك إلى إعادة توزيع القوات بشكل غير مسبوق؛ بهدف الانسحاب من «المستنقعات». وتمّ سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، وإعادتهم إلى القواعد داخل الولايات المتحدة أو نشرهم في «المحيط الحيوي» القريب.
وعلى الجبهة الجنوبية، تحوَّلت الحدود مع المكسيك «منطقة عسكرية»، واستخدم ترمب القوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّاً إياها «قوات معادية غير نظامية». وشنَّ ضربات مميتة على «قوارب المخدرات» في الكاريبي، وفرض حصاراً على فنزويلا ممهداً للعملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. هذا التغيير أعاد تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»، قبل أن يكون «ضامناً للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة.
تكلفة الحماية
لم يعد الانتشار العسكري الأميركي يعتمد على المعاهدات القديمة بقدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّداً بالانسحاب التام.

وشهدت خريطة الانتشار العسكري الأميركي تحوّلاً نحو «نقاط الارتكاز الذكية» في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ظلّ التركيز على تطويق الصين قائماً، لكن عبر تعزيز القواعد في غوام وأستراليا، مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول التي «تتردّد» في الانحياز الكامل لواشنطن. وفي الشرق الأوسط، تقلّص الوجود التقليدي لصالح «القوة عن بعد»، مع الاعتماد على التحالفات الإقليمية للقيام بمهام حفظ التوازن، بينما يكتفي الجيش الأميركي بحماية الممرات المائية الحيوية للتجارة.
تستند جميع هذه التغييرات إلى رؤية ترمب الفلسفية التي ترفض «العولمة العسكرية». إذ يعتقد ترمب أن قوة أميركا تكمن في «الغموض الاستراتيجي» و«الضربة القاضية»، وليس في الوجود الاستنزافي. وبدا أن إحياء «عقيدة المحارب» يهدف إلى فصل الجيش عن الجدل السياسي الداخلي، وتحويله قوة فاعلة تنفذ أوامر القائد الأعلى دون تردد.
في المقابل، فإن «عقيدة دونرو» تمنح واشنطن شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الصين من بناء موانٍ أو قواعد عسكرية هناك؛ ما يغلق «الفناء الخلفي» لأميركا أمام المنافسين.
«ناتو»... الدفع أو الرحيل
عاش حلف شمال الأطلسي (ناتو) أصعب عام له منذ تأسيسه في عام 1949. فقد طبّق ترمب حرفياً مبدأ «الحماية مقابل الرسوم».
وبما يشبه نموذج «الاشتراك الأمني»، أبلغت واشنطن بروكسل رسمياً بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا تخصِّص 3 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي للدفاع. وهو ما أدّى إلى انقسام الحلف لطبقتين؛ دول «الدرجة الأولى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لرفع ميزانياتها، ودول «الدرجة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة.

كما بدأ تنفيذ خطة لسحب 30 ألف جندي أميركي من ألمانيا وإعادة نشرهم في بولندا (القريبة من الجبهة الروسية والمستعدة للدفع)، أو إعادتهم إلى الأراضي الأميركية. هذا التحول أدّى إلى تراجع دور ألمانيا بوصفها قاعدة انطلاق رئيسية للعمليات الأميركية في العالم.
ومن خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تؤدّي إلى تجميد الحرب الأوكرانية - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو ما عدّه الأوروبيون طعنةً لمفهوم «وحدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيراً لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها».
نظام إقليمي جديد
أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». فقد شجّع ترمب على تشكيل «ناتو إقليمي» في الشرق الأوسط، يضمّ حلفاء واشنطن، يتولى مسؤولية التصدي للنفوذ الإيراني، مع تقديم واشنطن الدعم الاستخباري والتقني فقط، مقابل عقود شراء سلاح ضخمة تضمن بقاء المصانع الأميركية تعمل بكامل طاقتها.

وفي شرق آسيا، تحوَّل التحالف مع اليابان «شراكة مُسلّحة»، حيث سُمح لطوكيو بتطوير قدرات هجومية بعيدة المدى لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتكون هي «خطّ الدفاع الأول» ضدّ الصين، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأساطيل الأميركية.
بعد عام من ولاية ترمب الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها دولة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قوة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خلال القوة». ومع ذلك، يبقى هذا السلام هشاً في عالم متغير، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطاً فقط بمصالحها الأساسية.
علاوة على ذلك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والحدود أثار مخاوف حقوقية ودستورية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداةً سياسية في يد السلطة التنفيذية.




