زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

أعاد ترمب تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
TT

زلزال «أميركا أولاً» في البنتاغون

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)
ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

بعد مرور عام كامل على عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، لم تعُد المؤسسة العسكرية الأميركية هي ذاتها التي عرفها العالم لعقود. لم يكتفِ ترمب بتغيير القيادات، بل أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة القوة، مُحوّلاً البنتاغونمن حارس للنظام العالمي إلى أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية. وتحت شعارات «تفكيك البيروقراطية» وإعادة «عقيدة المحارب»، شهد عام 2025 تحوّلات بنيوية في الميزانية والتسليح والانتشار العسكري، أعادت رسم خريطة النفوذ الأميركي.

من «الدفاع» إلى «الحرب»

كانت الخطوة الأولى في أجندة ترمب هي إعادة تعريف هوية المؤسسة العسكرية. وبتعيينه بيت هيغسيث وزيراً للحرب، بدأت عملية «تطهير» آيديولوجي واسعة النطاق، حيث تم إلغاء جميع مكاتب «التنوع والإنصاف والشمول»، التي استُحدثت في عهد الرئيس السابق جو بايدن، وعُدّت «سموماً أضعفت الروح القتالية».

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وأحيا ترمب «عقيدة المحارب»، وهي رؤية عسكرية تركز حصراً على «الفتك» والانتصار في الميدان، بعيداً عن القضايا الاجتماعية. أدّى ذلك إلى تقاعد قسري لعشرات الجنرالات الذين وُصفوا بـ«المُسيّسين»، واستبدال قادة شباب يتبنّون رؤية ترمب القومية بهم. هذا التحول لم يكن إدارياً فحسب، بل كان إعلاناً عن عودة «وزارة الحرب» - بدل وزارة الدفاع - بمفهومها الهجومي الصريح، حيث الغاية هي التفوق الساحق، وليست «إدارة النزاعات».

خصخصة «التفوق العسكري»

رغم توجّهه نحو خفض الإنفاق الحكومي، استثنى ترمب المؤسّسة العسكرية، دافعاً بميزانية دفاعية لعام 2026 حطّمت الأرقام القياسية باقترابها من حاجز تريليون دولار.

ترمب لدى استقباله الجنرال غريغوري غيو قائد قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية في البيت الأبيض 15 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

واقترح سيد البيت الأبيض ميزانية لعام 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار؛ بهدف تشكيل «جيش الأحلام» عبر موارد مالية ضخمة مستمَدة من إيرادات الرسوم الجمركية المتنامية. هذه الميزانية لا تموِّل فقط العمليات التشغيلية، بل تغطي توسّعاً كبيراً في الصناعات الدفاعية، وأنظمة الأسلحة المتقدمة، والقدرات النووية، إضافة إلى الضغط على مقاولي الدفاع للاستثمار في الإنتاج وليس توزيع الأرباح على المساهمين. كما انتقلت الميزانية من تمويل «الوجود الدائم» في الخارج إلى تعزيز «التفوق التكنولوجي».

وحظي مشروع «القبة الذهبية» لبناء درع صاروخية متطورة وشاملة لحماية المدن الأميركية بحصة الأسد من الميزانية، في محاكاة لبرنامج «حرب النجوم» في عهد الرئيس رونالد ريغان، ولكن بتقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصر. كما تم الاستغناء عن «الخردة المُكلفة»، حيث ألغى البنتاغون مشروعات لبناء حاملات طائرات عملاقة وتطوير مقاتلات جيل سادس مأهولة، عادّاً إياها «أهدافاً سهلة» في حروب المستقبل، مقابل الاستثمار في «أسراب المُسيّرات الانتحارية» التي يمكن إنتاجها بكميات هائلة داخل المصانع الأميركية المؤتمتة. وهو ما يراه البيت الأبيض «ديمقراطية القوة» التي تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً بتكلفة أقل. وقام بتعزيز «قوة الفضاء» لتُصبح الفرع الأكثر نمواً، مع التركيز على حماية الأقمار الاصطناعية التجارية والعسكرية من الهجمات السيبرانية والصينية.

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

غير أن التطور الأبرز كان الاندماج غير المسبوق بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا في «سيليكون فالي». فالعقود العسكرية الكبرى لم تعُد تذهب حصراً لشركات السلاح التقليدية مثل «بوينغ» أو «لوكهيد مارتن»، بل برزت شركات مثل «أندوريل» و«بالانتير» و«سبايس إكس» بوصفها أعمدة للأمن القومي. وتحت ما يُسمى برنامج «المنتقم الرقمي»، وقَّعت الإدارة عقوداً بمليارات الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات قتالية في أجزاء من الثانية. وهو ما يعكس رغبة ترمب في جيش «أصغر حجماً، وأكثر ذكاءً، وأقل تكلفة بشرية».

إحياء «عقيدة مونرو»

أحدث ترمب صدمةً جيوسياسيةً بإعلانه الرسمي إحياء «عقيدة مونرو» لعام 1823، ولكن بنسخة القرن الحادي والعشرين، أو ما أُطلق عليها «عقيدة دونرو» تيمّناً باسمه (دونالد).

ترمب وهيغسيث في اجتماع الجنرالات بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (أ.ب)

تقوم هذه العقيدة على مبدأ «أميركا للأميركيين»؛ ما يعني عدّ أي تدخل أجنبي (صيني أو روسي) في نصف الكرة الغربي تهديداً مباشراً. وقد أدّى ذلك إلى إعادة توزيع القوات بشكل غير مسبوق؛ بهدف الانسحاب من «المستنقعات». وتمّ سحب آلاف الجنود من ألمانيا وأفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، وإعادتهم إلى القواعد داخل الولايات المتحدة أو نشرهم في «المحيط الحيوي» القريب.

وعلى الجبهة الجنوبية، تحوَّلت الحدود مع المكسيك «منطقة عسكرية»، واستخدم ترمب القوات النظامية لمواجهة كارتلات المخدرات، عادّاً إياها «قوات معادية غير نظامية». وشنَّ ضربات مميتة على «قوارب المخدرات» في الكاريبي، وفرض حصاراً على فنزويلا ممهداً للعملية العسكرية الخاطفة التي أدت إلى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك للمحاكمة. هذا التغيير أعاد تعريف دور الجيش الأميركي ليكون «حارساً للحدود»، قبل أن يكون «ضامناً للأمن الإقليمي» في القارات البعيدة.

تكلفة الحماية

لم يعد الانتشار العسكري الأميركي يعتمد على المعاهدات القديمة بقدر ما يعتمد على «عقود الحماية». في العام الأول من ولايته الثانية، فرض ترمب على حلفاء «ناتو» واليابان وكوريا الجنوبية دفع كامل تكاليف الوجود العسكري الأميركي، مُهدّداً بالانسحاب التام.

جنديان أميركيان خارج قاعدة عسكرية في كركوك مارس 2020 (د.ب.أ)

وشهدت خريطة الانتشار العسكري الأميركي تحوّلاً نحو «نقاط الارتكاز الذكية» في آسيا والمحيط الهادئ، حيث ظلّ التركيز على تطويق الصين قائماً، لكن عبر تعزيز القواعد في غوام وأستراليا، مع تقليل الاعتماد على القواعد في الدول التي «تتردّد» في الانحياز الكامل لواشنطن. وفي الشرق الأوسط، تقلّص الوجود التقليدي لصالح «القوة عن بعد»، مع الاعتماد على التحالفات الإقليمية للقيام بمهام حفظ التوازن، بينما يكتفي الجيش الأميركي بحماية الممرات المائية الحيوية للتجارة.

تستند جميع هذه التغييرات إلى رؤية ترمب الفلسفية التي ترفض «العولمة العسكرية». إذ يعتقد ترمب أن قوة أميركا تكمن في «الغموض الاستراتيجي» و«الضربة القاضية»، وليس في الوجود الاستنزافي. وبدا أن إحياء «عقيدة المحارب» يهدف إلى فصل الجيش عن الجدل السياسي الداخلي، وتحويله قوة فاعلة تنفذ أوامر القائد الأعلى دون تردد.

في المقابل، فإن «عقيدة دونرو» تمنح واشنطن شرعيةً أخلاقيةً وقانونيةً - من وجهة نظر الإدارة - للتدخل في أميركا اللاتينية، ومنع الصين من بناء موانٍ أو قواعد عسكرية هناك؛ ما يغلق «الفناء الخلفي» لأميركا أمام المنافسين.

«ناتو»... الدفع أو الرحيل

عاش حلف شمال الأطلسي (ناتو) أصعب عام له منذ تأسيسه في عام 1949. فقد طبّق ترمب حرفياً مبدأ «الحماية مقابل الرسوم».

وبما يشبه نموذج «الاشتراك الأمني»، أبلغت واشنطن بروكسل رسمياً بأن القوات الأميركية لن تدافع عن أي دولة لا تخصِّص 3 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي للدفاع. وهو ما أدّى إلى انقسام الحلف لطبقتين؛ دول «الدرجة الأولى» (مثل بولندا ودول البلطيق) التي سارعت لرفع ميزانياتها، ودول «الدرجة الثانية» التي بدأت تبحث عن بدائل دفاعية أوروبية مستقلة.

ترمب يتوسّط قادة أوروبيين وأمين عام «ناتو» في ختام مفاوضات لإنهاء الحرب الروسية - الأوكرانية بالبيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

كما بدأ تنفيذ خطة لسحب 30 ألف جندي أميركي من ألمانيا وإعادة نشرهم في بولندا (القريبة من الجبهة الروسية والمستعدة للدفع)، أو إعادتهم إلى الأراضي الأميركية. هذا التحول أدّى إلى تراجع دور ألمانيا بوصفها قاعدة انطلاق رئيسية للعمليات الأميركية في العالم.

ومن خلال التهديد بوقف المساعدات العسكرية، يدفع ترمب نحو «اتفاقية سلام» تؤدّي إلى تجميد الحرب الأوكرانية - الروسية وفق خطوط التماس الحالية. وهو ما عدّه الأوروبيون طعنةً لمفهوم «وحدة الأراضي»، بينما عدّه ترمب «توفيراً لمليارات الدولارات الأميركية في حرب لا نهاية لها».

نظام إقليمي جديد

أدى انسحاب «الشرطي الأميركي» من مناطق النزاع التقليدية إلى ولادة نظام عالمي جديد يقوم على «الأقطاب الإقليمية». فقد شجّع ترمب على تشكيل «ناتو إقليمي» في الشرق الأوسط، يضمّ حلفاء واشنطن، يتولى مسؤولية التصدي للنفوذ الإيراني، مع تقديم واشنطن الدعم الاستخباري والتقني فقط، مقابل عقود شراء سلاح ضخمة تضمن بقاء المصانع الأميركية تعمل بكامل طاقتها.

صورة للقادة العسكريين في اجتماع شارك فيه جميع الجنرالات الأميركيين بكوانتيكو 30 سبتمبر 2025 (رويترز)

وفي شرق آسيا، تحوَّل التحالف مع اليابان «شراكة مُسلّحة»، حيث سُمح لطوكيو بتطوير قدرات هجومية بعيدة المدى لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتكون هي «خطّ الدفاع الأول» ضدّ الصين، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأساطيل الأميركية.

بعد عام من ولاية ترمب الثانية، بدت الولايات المتحدة وكأنها دولة تتجه نحو الانعزالية وتعتمد على قوة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة، تعيد تعريف مفهوم «السلام من خلال القوة». ومع ذلك، يبقى هذا السلام هشاً في عالم متغير، حيث تراجع دور التدخل الأميركي المباشر وأصبح أمن البلاد مرتبطاً فقط بمصالحها الأساسية.

علاوة على ذلك، فإن «عسكرة الداخل» واستخدام الجيش في مهام إنفاذ القانون والحدود أثار مخاوف حقوقية ودستورية لم تشهدها الولايات المتحدة منذ عقود، حيث يخشى البعض من تحول الجيش أداةً سياسية في يد السلطة التنفيذية.


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
play-circle

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

خلال عام واحد فقط، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب اهتزازاً واسعاً في بنية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)

تحليل إخباري هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

ينوي الأوروبيون عقد قمة طارئة في دافوس لتهدئة الأزمة حول غرينلاند مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا 20 يناير 2026 (رويترز)

ماكرون: حلف «الناتو» مؤسسة ضعيفة

قال الرئيس ‌الفرنسي ‌ايمانويل ماكرون، ⁠اليوم الثلاثاء، ‌إن حلف شمال الأطلسي «ناتو» أصبح، الآن، «مؤسسة ‌ضعيفة».

«الشرق الأوسط» (دافوس)
أوروبا آلاف النرويجيين تسلموا رسائل من القوات المسلحة تبلغهم بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب (رويترز)

النرويج: رسائل للمواطنين بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب

بدأ آلاف النرويجيين، الاثنين، بتسلم رسائل من القوات المسلحة تبلغهم بإمكانية مصادرة منازلهم ومركباتهم وقواربهم وآلياتهم في حال نشوب حرب.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
أوروبا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب يتحدث خلال مقابلة في هلسنكي عاصمة فنلندا - 17 سبتمبر 2024 (رويترز)

رئيس فنلندا: أخشى أن تؤدي قضية غرينلاند إلى «تسميم» الأجواء في دافوس

عبّر الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، الاثنين، عن خشيته من أن تتسبب قضية غرينلاند في «تسميم» الأجواء بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (هلسنكي)

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

تقرير: ترمب يعيد رسم ملامح النظام الدولي ويقود السياسة الخارجية بأسلوب تصادمي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل أمراً تنفيذياً وقّعه وتحيط به شخصيات من إدارته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 11 ديسمبر 2025 (رويترز)

خلال عام واحد فقط، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب اهتزازاً واسعاً في بنية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، عبر سياسات خارجية اتسمت بالتفرّد، والتصعيد، وكسر القواعد التي كانت واشنطن نفسها من أبرز صانعيها، حسب تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، الثلاثاء.

وتحوّلت الدبلوماسية الأميركية في عهده إلى ممارسة شديدة التخصيص، حيث باتت العلاقات الدولية تُدار من البيت الأبيض مباشرة، في ظل تهميش وزارة الخارجية وإفراغ مجلس الأمن القومي من دوره التقليدي، مع إسناد ملفات حساسة إلى شخصيات مقرّبة من الرئيس تفتقر إلى الخبرة الدبلوماسية.

الاستعراض السياسي

فرض ترمب حضوره على الساحة الدولية بأسلوب استعراضي، جعل من القمم واللقاءات الدولية مشاهد شخصية تُدار وفق مزاجه وتقلباته. وأصبح المكتب البيضاوي مركز هذه الدبلوماسية الجديدة، حيث يُكافئ الحلفاء بالودّ، ويُحرج من لا ينسجم مع قواعده في العلن.

وباتت المجاملات والهدايا جزءاً من بروتوكول غير رسمي للتعامل معه، دون أن يضمن ذلك مكاسب سياسية ملموسة. أما الشركاء الأوروبيون، فلم يتمكنوا في أفضل الأحوال إلا من تأجيل الأزمات.

سلام معلّق وحروب سريعة

قدّم ترمب نفسه بوصفه «رئيس السلام»، متباهياً بسلسلة اتفاقات وتسويات قال إنه رعاها حول العالم، غير أن كثيراً من هذه التفاهمات بقي هشّاً أو أقرب إلى وقف إطلاق نار مؤقت، دون معالجة جذرية للنزاعات.

في الوقت نفسه، لم يتردد في استخدام القوة العسكرية بشكل متكرر، مفضّلاً عمليات سريعة ومحدودة، لا سيما عبر الضربات الجوية. وشملت هذه العمليات اليمن وسوريا ونيجيريا، وصولاً إلى قصف منشآت نووية إيرانية، وهي خطوة لم يجرؤ عليها أي من أسلافه.

من الوساطة إلى الإمبريالية

مع مرور الوقت، تراجعت لغة الوساطة لتحلّ محلها نزعة توسعية صريحة، لا تُخفي طموحاتها في السيطرة على الموارد والمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. وأبرز مثال على ذلك سعيه لفرض نفوذ أميركي مباشر على فنزويلا، وكذلك مطالبته بالسيطرة على غرينلاند، في تحدٍّ صريح لمبدأ سيادة الدول.

هذه السياسات وجّهت ضربة قوية للعلاقات عبر الأطلسي، وهددت تماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو)، كما وضعت الولايات المتحدة في موقع مشابه لروسيا والصين من حيث التعامل مع النظام الدولي بمنطق القوة لا القانون، وفق «لوفيغارو».

نظام دولي جديد على مقاس ترمب

في خطوة غير مسبوقة، دعم ترمب إنشاء كيان دولي بديل عن الأمم المتحدة، تحت مسمّى «مجلس السلام»، يتولى بنفسه الإشراف عليه وتمويله وإدارته، فيما يشكّل تحدياً مباشراً لمنظومة الشرعية الدولية التي قامت عام 1945.

في المقابل، أبدى تساهلاً لافتاً مع الصين وروسيا، مكتفياً بسياسات تهدئة مع بكين، وتطبيع تدريجي مع موسكو، ما سمح للأخيرة بمواصلة حربها في أوكرانيا وسط تراجع الضغط الأميركي.

تقويض ما سبق

تُظهر هذه التحولات أن السياسة الخارجية الأميركية لم تعد قائمة على رؤية طويلة المدى، بل باتت تُدار وفق اندفاعات شخصية، غير مقيّدة باتفاقيات أو أعراف دولية. ويبدو أن الهدف غير المعلن هو تقويض كل ما بناه الرؤساء السابقون، بما في ذلك النظام الذي مكّن الولايات المتحدة من الاضطلاع بدورها العالمي لعقود.


هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
TT

هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)

لم يكن السؤال عن مصير التحالف الدبلوماسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مطروحاً من قبل. فهذا التحالف العسكري - الدبلوماسي الغربي ظل موحداً على مدى 77 عاماً، ليقف اليوم على شفا الانهيار والتفكك بسبب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنشوراته الاستفزازية التي تطالب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، مع تهديدات اقتصادية وعسكرية تجاه حلفائه الأوروبيين الذين يحضرون لعقد قمة دبلوماسية طارئة الأربعاء لمناقشة التهديدات، ومحاولة تهدئة الأزمة المتصاعدة حول غرينلاند.

وقال ترمب مراراً وتكراراً إن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، وفي تصريحات للصحافيين، وفي منشورات عبر منصة «تروث سوشيال»، قبل سفره إلى «منتدى دافوس» الاقتصادي، أكد ترمب إصراره على ضرورة أن تأخذ الولايات المتحدة جزيرة غرينلاند.

وفي حديثه مع الصحافيين، فجر الثلاثاء، أشار ترمب إلى التمارين العسكرية المشتركة التي أجرتها ثماني دول أوروبية (بما في ذلك فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والدنمارك) في غرينلاند وقال: «لم يكن ذلك تمريناً عسكرياً. أرسلوا بضعة أشخاص. ليس لي، بل لحماية أنفسهم من روسيا. (الناتو) يحذر الدنمارك من التهديد الروسي منذ 20 عاماً أو أكثر... سنرى ما سيحدث. لكن أقول لكم إن (دافوس) سيكون مثيراً جداً».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ونشر ترمب صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر قادة أوروبيين جالسين في المكتب البيضاوي، ينظرون إلى خريطة، حيث رسمت غرينلاند بعلم أميركي.

وفي منشور آخر انتقد ترمب بريطانيا بشدة لقرارها عام 2024 تسليم جزر تشاغوس (بما فيها دييغو غارسيا) إلى موريشيوس، واصفاً ذلك بـ«غباء كبير» يبرر الاستحواذ على غرينلاند لمواجهة «الضعف أمام الصين وروسيا». وقال: «تنازل المملكة المتحدة عن هذه الأرض عمل في غاية الحماقة، وهو سبب آخر من بين أسباب كثيرة تتعلق بالأمن القومي تجعل من الضروري الاستحواذ على غرينلاند». وفي عبارة تهديدية قال ترمب: «على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين أن يتصرفوا بحكمة».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال»

ونشر أيضاً صورة وهو يحمل العلم الأميركي على أرض تحمل لافتة تقول: «غرينلاند منطقة أميركية تمت إقامتها عام 2026»، وخلفه كل من نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو.

ونشر ترمب أيضاً لقطات لرسائل خاصة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي عبّر عن «عدم فهمه لما يفعله ترمب في غرينلاند»، وعرض تنظيم اجتماع لـ«مجموعة السبع» (G7) في دافوس يوم الخميس، مع اقتراح عشاء مشترك. (وقد أكد مكتب ماكرون صحة الرسالة، مما أثار غضباً دبلوماسياً بسبب كشف مراسلات خاصة)، ونشر ترمب رسالة مشابهة من الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته، يطلب فيها بإعادة النظر في استخدام القوة للاستحواذ على الجزيرة.

حجج ترمب

وإذا نفذ ترمب تهديده المعلن بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، سيؤدي ذلك إلى تقويض هدف ووظيفة «الناتو» الأساسية وهي التصدي الجماعي لأعضاء الحلف ضد أي دولة عضو تتعرض للهجوم.

يتعجب المحللون من موقف ترمب، فهو بالتأكيد يعلم أن تهديداته تعني تدمير «الناتو»، ما من شأنه منح كل من روسيا والصين أعظم انتصار، كما أن حججه العلنية بضرورة الاستيلاء على غرينلاند لحمايتها من الأطماع الروسية والصينية ليس لها أساس واقعي، فلا توجد أي إجراءات عسكرية من روسيا أو الصين، سواء على الجزيرة أو في البحار المحيطة بها، إضافة إلى أن معاهدة الدفاع الموقعة بين الدنمارك والولايات المتحدة عام 1951 تمنح الولايات المتحدة حق إنشاء ما تشاء من القواعد العسكرية في غرينلاند، ونشر ما تريد من جنود ومعدات عسكرية.

وخلال الحرب الباردة نشرت الولايات المتحدة حوالي 30 قاعدة ومنشأة عسكرية في غرينلاند، ثم أغلقتها باستثناء قاعدة بيتوفيك، التي كانت تعرف سابقاً باسم «قاعدة ثول الجوية»، التي يوجد فيها أنظمة إنذار مبكر لرصد أي هجمات صاروخية روسية. ويؤكد المسؤولون في كل من الدنمارك وغرينلاند أنه إذا قرر ترمب إعادة فتح أي من هذه القواعد الأميركية القديمة فلن يقف شيء أمامه، ويستطيع أيضاً إبرام معاهدة دفاع مع الدنمارك تمنحه كل ما يريد من ضمانات أمنية وقدرات عسكرية.

حتى الحجج، التي يشير إليها المسؤولون الأميركيون، من توافر المعادن النادرة في غرينلاند التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، والتي تساعد في كسر اعتماد الولايات المتحدة على الصين في الحصول على هذه المعادن، لا تستند إلى منطق ما دام لا توجد أي موانع أمام شركات التعدين الأميركية للاستثمار في غرينلاند وإقامة مشروعات هناك، خصوصاً أن السلطات في الجزيرة أعربت عن استعدادها لمنح كل التراخيص اللازمة.

مظاهرة ضمت ما يقرب من ثلث سكان غرينلاند للاحتجاج على خطط ترمب للاستيلاء على الجزيرة في 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

التفسير الوحيد الذي تقدمه بعض الدوائر السياسية، هو أن الرئيس ترمب يريد الهيمنة، ويريد أن يكون أول رئيس أميركي منذ عهد أندرو جونسون (الذي اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867) يضم مساحة شاسعة من الأراضي للولايات المتحدة. لكن هل يخاطر الرئيس الأميركي بتدمير «الناتو» من أجل هذا التوسع الإقليمي؟

مزيج من الضغوط

جنود دنماركيون أثناء تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

يعتمد ترمب على مزيج من الضغوط الاقتصادية والسياسية لفرض إرادته للاستحواذ على غرينلاند. اقتصادياً، هدد بفرض تعريفات جمركية تصاعدية: 10 في المائة بدءاً من 1 فبراير (شباط)، ترتفع إلى 25 في المائة في 1 يونيو (حزيران) على الدول الثماني التي شاركت في التمارين العسكرية في غرينلاند. هذا فضلاً عن التعريفات الحالية بنسبة 15 في المائة على الاتحاد الأوروبي بشكل عام.

وسياسياً، يستخدم ترمب الدبلوماسية الشخصية والإهانات العلنية، فعندما رفض ماكرون دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» هدد ترمب بفرض تعريفات بـ200 في المائة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية. كما ربط تهديداته بعدم فوزه بجائزة «نوبل للسلام»، متهماً النرويج (التي تمنح الجائزة) بالمسؤولية، في رسالة إلى رئيس وزرائها. وتشير تقارير صحافية أميركية إلى أن الخطوات المقبلة قد تشمل تصعيداً عسكرياً.

ماذا ستفعل أوروبا؟

يصعب على الدول الأعضاء في «الناتو» تجاهل كلمات ترمب وتهديداته وعدّها مجرد غطرسة أميركية، بل تزداد التساؤلات حول السيناريوهات التي يمكن أن تحدث إذا أقدمت دولة عضو بالحلف، مثل الولايات المتحدة، على غزو عسكري لدولة أخرى عضوة بالحلف. ويبحث الحلفاء كيفية الرد على تهديدات ترمب الاقتصادية وفرض الرسوم الجمركية «العقابية» ومقاومة النفوذ والشروط التي يفرضها ترمب على الأوروبيين للخضوع لأهوائه ورغباته.

وتدرس أوروبا «بازوكا اقتصادية» للرد، بما في ذلك على تعريفات انتقامية تصل إلى 107.7 مليار دولار. وأعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن رفض «شديد» للتعريفات، محذرة من أنها «خطأ بين حلفاء تاريخيين». وأشار الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إلى ضرورة البحث عن «حل وسط» يركز على تعزيز الأمن في القطب الشمالي، بينما حذر نائب المستشار الألماني، لارس كلينغبايل، من أن أوروبا «ممدودة اليد للحوار» لكنها مستعدة للرد.

وتنظر الدوائر السياسية إلى ما يمكن أن ينجم من لقاءات ترمب مع القادة الأوروبيين خلال «منتدى دافوس» الاقتصادي، فإذا نجحت اجتماعات «دافوس» في تهدئة التوترات، فقد ينجو «الناتو» من الانهيار، وإذا فشلت فإننا قد نشهد بداية نهاية عصر التحالفات التقليدية.


وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
TT

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

وقال ‍بيسنت للصحافيين ‍على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في ​دافوس بسويسرا: «أنا واثق بأن القادة لن يصعدوا، وأن هذا الأمر سينتهي بصورة جيدة للغاية للجميع».

وهو كان قد حذّر الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

وأعلن ترمب رغبته في السيطرة على غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة له. ويدرس الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال بيسنت في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي؛ لأنه يعده «استراتيجياً»، و«لن نَكِلَ أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».

ورداً على سؤال حول رسالة وجهها ترمب إلى رئيس الوزراء النرويجي، وبدا فيها أنه يربط مطالبته بغرينلاند بفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، أجاب بيسنت بأنه لا يعلم شيئاً عن هذه الرسالة. وقال: «لكنني أعتقد أنه من السخف الظنّ بأن الرئيس سيفعل ذلك بسبب جائزة نوبل».

وأشار ترمب في هذه الرسالة إلى أنه لم يعد مضطراً للتفكير «فقط في السلام» بعد فشله بالفوز بجائزة نوبل، مشيراً إلى أن العالم لن يكون آمناً حتى تصبح غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.

وشنّ ترمب حملة شرسة للفوز خلال العام الفائت بجائزة نوبل للسلام مكافأة له على جهوده في إنهاء 8 حروب، بحسب قوله.

ومُنحت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي توجهت إلى أوسلو، الشهر الماضي، في اليوم التالي لتسليم الجائزة، بعد أن فرّت من فنزويلا على متن قارب.