شعر بالعزلة والإحباط والغضب... كواليس قرار بايدن الانسحاب من سباق الرئاسة

الأداء «الكارثي» أمام ترمب واستطلاعات الرأي وفرار المانحين عجّلت بقراره

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

شعر بالعزلة والإحباط والغضب... كواليس قرار بايدن الانسحاب من سباق الرئاسة

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

وسط مجموعة من المستشارين الموثوقين والسيدة الأولى جيل بايدن في منزل عطلته على ساحل ديلاوير مساء (السبت)، فكر الرئيس جو بايدن في مسيرته السياسية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، وبدأ يستنتج أنها قاربت على الوصول لنهايتها.

وبحسب أشخاص مطلعين على كواليس القرار، فإن بايدن شعر بالعزلة والإحباط والغضب، وشعر بالخيانة من قبل الحلفاء الذين انقلبوا عليه في وقت احتياجهم. وقال شخص على اتصال بالدائرة الداخلية لبايدن: «هو غاضب حقاً»، حسبما نقلت شبكة «إن بي سي».

وقال أحد كبار مستشاري حملة بايدن لشبكة «سي إن إن» إن قراره النهائي بمغادرة السباق تم التوصل إليه في الـ48 ساعة الماضية، حيث استشار العائلة وكبار المستشارين عبر الجوال أثناء تعافيه من «كوفيد - 19». وقال مصدر مطلع على الأمر للشبكة الأميركية إن خطط الخروج من السباق بدأت مساء السبت وتم الانتهاء منها يوم الأحد.

وأتى الإعلان عن انسحاب بايدن من السباق الرئاسي في وسط النهار أمس (الأحد) بالتوقيت المحلي. وبعد تكهنات استمرت ثلاثة أسابيع بسبب تراجع قدراته الذهنية ووضعه الجسدي، حزم الرئيس السادس والأربعون للولايات المتحدة جو بايدن البالغ 81 عاماً أمره وقرر عدم خوض الانتخابات المقررة في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في مواجهة دونالد ترمب.

دائرة ضيقة... وتوقيت مفاجئ

وأشار تقرير «إن بي سي» إلى أن بايدن أصبح يقبل على مضض أنه لا يستطيع الحفاظ على حملته مع تراجع أرقام استطلاعات الرأي، وفرار المانحين، ودفعه نجوم الحزب إلى الخروج. وأفاد التقرير بأن بايدن ربما كان أبطأ من الديمقراطيين الآخرين في إجراء هذه الحسابات، لكنه فهمها بالكامل بحلول ليلة السبت.

وفي مكالمات هاتفية منفصلة أمس (الأحد)، أخبر بايدن نائبته كامالا هاريس، ورئيس موظفي البيت الأبيض، جيف زينتس، ورئيسة حملته، جين أومالي ديلون، أنه سيتخلى عن محاولة إعادة انتخابه.

ولم يتشاور بايدن إلا مع عدد قليل جداً من مساعديه المقربين بشأن القرار. وقد تُرك بعض أعضاء دائرته الداخلية دون علم حتى دقائق قبل أن ينشر إعلانه على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك أحد أقرب مستشاري الاتصالات له، أنيتا دان، وفقا لـ«سي إن إن». وعدت وسائل إعلام أميركية اضطرار بايدن لإبلاغ مستشاريه بهذه الطريقة أنها تؤكد مدى تضييق دائرته في الأيام الأخيرة على أفراد الأسرة وعدد قليل من المساعدين والمستشارين القدامى مايك دونيلون، وستيف ريتشيتي، وأنتوني برنال، وآني توماسيني.

الرئيس الأميركي جو بايدن يحضر حفل وسام الشرف في البيت الأبيض بواشنطن 3 يوليو 2024 (أ.ب)

وعلى الرغم من أن انسحاب بايدن من السباق الرئاسي ليس مفاجأة للبيت الأبيض ومسؤولي الحملة، فإن التوقيت كان مفاجأة حقيقية عندما نشر بايدن منشوره على موقع «إكس». وسارع كبار مساعدي بايدن إلى عقد اجتماعات منفصلة للتحدث مع الموظفين في البيت الأبيض والحملة، لطمأنة المساعدين السياسيين بأن وظائفهم آمنة.

وأشار تقرير «إن بي سي» إلى أن أداء بايدن في المناظرة في 27 يونيو (حزيران) أمام ترمب كان «الأكثر كارثية» في التاريخ السياسي الأميركي الحديث، إذ فشل بايدن في طمأنة زملائه الديمقراطيين، أو ما يكفي منهم، في ظهوره العلني التالي. كما عجل بالقرار قطع كبار المانحين الأموال عن حملته والحزب. حيث بدأ المسؤولون المنتخبون في مطالبته بالتخلي عن محاولته. قالت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي من كاليفورنيا، والعضو البارز في الحزب الديمقراطي، إنه لا يزال يتعين عليه اتخاذ قرار، بعد أن أصر على أنه اختار البقاء في السباق.

وفي السياق، أشار تقرير لشبكة «سي إن بي سي» الأميركية نقلاً عن شخص لديه معرفة مباشرة بأن بايدن تحدث مع بيلوسي أول من أمس (السبت)، رغم نفي رسمي لمكتبها عقب تلك الأنباء.

توقيت غير مسبوق

إلى ذلك، عدَّ تقرير لسبكة «سي إن إن» أن إعلان بايدن انسحابه من السباق الرئاسي كان بطريقة بسيطة من خلال منشور عبر موقع «إكس»، للكشف عن أحد أكثر القرارات التاريخية في السياسة الأميركية الحديثة، لكن الوقت لم يكن في صالح بايدن للتوصل إلى قرار أو إصدار إعلان.

وأفادت «سي إن إن» بأنه لم يحدث من قبل أن غادر أي رئيس سباق إعادة انتخابه بهذا القدر من القرب من يوم الانتخابات. ولمدة 24 يوماً بدا كما لو أنه كان يخطط بعناد للتغلب على العاصفة التي أعقبت مناظرته أمام ترمب في أتلانتا. كما أشار تقرير لشبكة «سي إن إن» إلى أن بايدن أصبح أكثر عزلة من أي وقت مضى، ولم يتمكن من الصمود أمام الضغط الذي يجري وراء الكواليس وفي العلن.

الرئيس جو بايدن يغادر بعد أن تحدث من غرفة روزفلت بالبيت الأبيض في واشنطن 24 أغسطس 2021 (أ.ب)

وتوقع كبار مساعدي بايدن أن زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، وهما ديمقراطيان، من المرجح أن يدعو كلاهما بايدن علناً إلى التنحي بعد اجتماعه المرتقب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع.

والتقى بايدن أيضاً مع دونيلون وريكيتي يوم السبت. وأشار تقرير شبكة «إن بي سي» إلى أنهما أطلعا بايدن «بكل شيء حرفياً» - بما في ذلك استطلاعات الرأي القاتمة في الولايات التي تشهد منافسة - حول المسار المحتمل للمضي قدماً، ووفقاً لمصادر، فإن المساعدين الموثوقين لم يقدما أي توصية بشأن ما يجب عليه فعله. وكان شعورهما أن بايدن قد اتخذ قراره بالفعل بالانسحاب، وأن تلك المناقشة عززت قراره.

رجل يخاطر بإرثه

والخميس، قال كبير موظفي البيت الأبيض السابق رون كلاين إن بايدن «يشعر بالضغط». وفي ليلة الجمعة، وفقاً للشخص الذي كان على اتصال بدائرته الداخلية، فإنه لم يكن قد غيّر رأيه بعدُ.

وقد أخبره أصدقاؤه أنه يخاطر بإرثه - بوصفه الرجل الذي هزم دونالد ترمب وسن سلسلة من القوانين الرئيسية - ويمكن أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح كبش فداء إذا تعرض الديمقراطيون لهزيمة كبيرة في نوفمبر. وكان لا يزال يعتقد، حتى نهاية هذا الأسبوع على الأقل، أنه قادر على الفوز مرة أخرى.

وفي عام 2020 وعد بايدن بأن يكون «الجسر» للجيل التالي. وفي النهاية، لم يكن يريد أن يكون جسراً بين فترتين لترمب.

وقال سيدريك ريتشموند، المسؤول السابق في البيت الأبيض، والذي كان رئيساً مشاركاً لحملة بايدن لعام 2020، أمس (الأحد): «لقد أصبح الوضع لا يتجه نحو الفوز. وبمجرد نضوب الأموال وسحب المسؤولين المنتخبين دعمهم، سيصبح من المستحيل الفوز».

وبحلول الوقت الذي أجرى فيه بايدن مكالمة هاتفية مع مجموعته الكاملة من كبار المستشارين في الساعة 1:45 مساءً بالتوقيت المحلي أمس (الأحد)، تم بالفعل كتابة بيان رسمي يعلن قراره. وبعد دقيقة واحدة، نشر حساب بايدن عبر موقع «إكس» الخاص به هذا البيان، وأخبر الجمهور أنه سيبقى في منصبه لكنه سيتنازل عن ترشيح حزبه - مما جعله أول رئيس حالي مؤهل يفعل ذلك منذ ليندون جونسون في عام 1968.

وقال بايدن في رسالته: «أعتقد أنه من مصلحة حزبي وبلدي أن انسحب، وأن أركّز فقط على مهامي بوصفي رئيساً إلى حين انتهاء ولايتي».

وبعد أقل من 30 دقيقة من ذلك، أيد بايدن كاميلا هاريس، بوصفها «الخيار الأفضل» للتغلب على ترمب في سباق ينطلق بعد أربعة أشهر. وجاء في بيان التأييد أنه يمكنها تقديم رؤية واضحة وموحدة لمستقبل الولايات المتحدة.

الرئيس جو بايدن مع نائبته كاميلا هاريس في البيت الأبيض (أرشيفية - أ.ب)

وبعد إعلانه، أجرى بايدن ما بين 40 إلى 50 مكالمة هاتفية بشأن قراره مساء أمس (الأحد).

وفي الأيام الأخيرة، مع تزايد الدعوات المطالبة بالتنحي، طلب بايدن الاطلاع على استطلاعات الرأي التي طلبتها حملته حول كيفية أداء هاريس، ووفقاً لشخصين مطلعين على الأمر، قالوا لشبكة «إن بي سي» إنه قام أيضاً بمراجعة الاستطلاعات العامة لأنه يريد معرفة المزيد عن موقفها ضد ترمب. وقال الشخصان المطلعان على الأمر إن استطلاعات رأي هاريس كانت متشددة للغاية، ولم يتم تعميمها إلا على عدد قليل من كبار مساعدي الحملة، بما في ذلك دونيلون وأومالي ديلون.

عوامل سياسية أم صحية؟

وأشار تقرير «إن بي سي» إلى أن قرار بايدن يتوقف بالكامل على عوامل سياسية، وليس على مخاوف بشأن صحته أو قدرته على القيام بعمله. وقال مسؤول كبير في الإدارة إنه لا توجد معلومات طبية جديدة تحدد قرار بايدن، رغم أنه قال بنفسه مؤخرا إنه قد يعيد النظر في ترشيحه إذا ظهرت «حالة طبية ما». كما أكد مسؤول كبير في البيت الأبيض لشبكة «سي إن إن» أن قرار بايدن لا علاقة له بأي مشاكل طبية.

ولا يزال بايدن يتعافى من تشخيص إصابته بفيروس «كورونا - 19»، وبقي في منزله في ريهوبوث بيتش بولاية ديلاوير طوال عطلة نهاية الأسبوع مع زوجته السيدة الأولى جيل بايدن.

وراقب أطباء حالة بايدن الصحية في الأيام الأخيرة بعد إعلان تشخيصه بالإصابة بـ«كوفيد - 19» وقام بإجراء فحوصات الدم المتعلقة به، ولم يخضع بايدن لأي اختبارات أو فحوصات طبية مكثفة في الأيام الأخيرة. وذكر التقرير أن آخر حالة بدنية شاملة له كانت في فبراير (شباط).

وأوضح بايدن أنه «سيتحدث إلى الأمة في وقت لاحق من هذا الأسبوع بمزيد من التفاصيل حول قرار الانسحاب».


مقالات ذات صلة

الملاحة في «هرمز» دون مستواها المعتاد وسط استمرار التوتر

شؤون إقليمية ناقلات وسفن في مضيق هرمز (رويترز)

الملاحة في «هرمز» دون مستواها المعتاد وسط استمرار التوتر

تُواصل الحرب بين إيران والولايات المتحدة تأثيرها المباشر على حركة الملاحة والطاقة في المنطقة، مع بقاء حركة الشحن عبر مضيق هرمز عند مستويات أقل بكثير من المعتاد.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية إيران تهدد بتوسيع الحرب إلى المحيط الهندي

إيران تهدد بتوسيع الحرب إلى المحيط الهندي

طهران تُلوّح بتوسيع رقعة المواجهة وسط تعثر جهود التهدئة وتشديد العقوبات على قطاع الطيران.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
المشرق العربي موقع غارة أميركية قتلت زعيم تنظيم «داعش» بمسيّرة في بلدة بزاعة بريف حلب يوليو 2023 (أ.ف.ب)

مطالبات لـ«التحالف ضد داعش» بتعويض المدنيين عن أضرار عملياته العسكرية

تُبحث مسؤولية كل دولة على حدة وفق دورها في الواقعة المحددة، سواء تعلق ذلك بتنفيذ الضربة، أو اختيار الهدف، أو تقديم معلومات الاستهداف، أو الإسناد العملياتي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

تقرير: شركات نفط حصلت على امتيازات بعد تبرعاتها لحملة ترمب

اتهم تقرير ديمقراطي إدارة ترمب بمنح شركات نفط وغاز إعفاءات ضريبية وتخفيف قيود بيئية، بعد تبرعات بمئات الملايين من الدولارات لحملته الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بنغ لييوان في البيت الأبيض بواشنطن 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تحتفي بشي... وترمب يتحدث عن «صداقة عظيمة»

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إدارة التنافس بين الصين وأميركا، وإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت الرقابة البشرية.

هبة القدسي (واشنطن)

ممداني: نتانياهو لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة «الجنائية الدولية»

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
TT

ممداني: نتانياهو لا يزال مطلوباً بموجب مذكرة «الجنائية الدولية»

عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)
عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني (د.ب.أ)

ردّ رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني على الانتقادات اللاذعة التي وجهها إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في الأمم المتحدة، الخميس، مؤكدا أن «أي كذبة» لن تغير شيئا في مذكرة اعتقاله الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

وقال ممداني في بيان «كما فعل مرارا، استغل رئيس الوزراء نتانياهو خطابه لتكرار أكاذيب لا أساس لها من الصحة تهدف إلى تجميل صورة الإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق الفلسطينيين. مع ذلك، لا يمكن لأي كذبة أن تغير حقيقة أنه لا يزال مطلوبا بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية».


رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
TT

رئيسة كوستاريكا تقيل وزير الخارجية بسبب لقائه ترمب من دون إبلاغها

رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)
رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز (رويترز)

أقالت رئيسة كوستاريكا لاورا فرنانديز، الخميس، وزير خارجيتها مانويل توفار لحضوره اجتماعاً أمنياً إقليمياً برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عُقد في نيويورك، من دون إبلاغها بذلك.

دونالد ترمب

وقالت فرنانديز إنه كان ينبغي أن تشارك هي في اجتماع دول «درع الأميركتين» المناهض لكارتلات المخدرات، وإن إخفاق توفار في التشاور معها تسبب في «ضرر استراتيجي كبير».


عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
TT

عمالقة الذكاء الاصطناعي يحذّرون من «أخطار وجودية»

لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)
لقطة لمجلس الأمن خلال إحاطة الرئيس التنفيذي لشركة «هاغينغ فايس» كليمنت دولانغ (على الشاشة) بنيويورك (الأمم المتحدة)

استمع أعضاء مجلس الأمن لتحذيرات الرؤساء التنفيذيين لعمالقة الذكاء الاصطناعي؛ «أوبن إيه آي» سام ألتمان، و«أنثروبيك» داريو أموداي، و«هاغينغ فايس» كليمان دولانغ، من تطور بوتيرة يمكن أن تتجاوز قريباً قدرة الدول والشركات والمؤسسات على تنظيمها أو إدارة أخطارها الوجودية المحتملة على البشر.

عُقدت هذه الجلسة غير المألوفة على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بدعوة من فرنسا التي تتولى رئاسة مجلس الأمن للشهر الحالي، وبعد أيام من استنتاج لجنة علمية تابعة للأمم المتحدة أن الحادثة التي وقعت في الصيف، حين اخترقت برامج الذكاء الاصطناعي قيد التقييم في «أوبن إيه آي» أنظمة «هاغينغ فايس» نفسها، لا تقدم أي ضمانات بأن البشر قادرون على إبقاء هذه البرامج تحت السيطرة بشكل موثوق.

وأكّد ألتمان أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث تحول جذري في العلوم والطب والتعليم والاقتصادات، لكنه استدرك محذّراً من أن الأنظمة المستقلة بشكل متزايد يمكن أن تتحرك بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات والمؤسسات على فهمها أو السيطرة عليها. وقال إنه «ينبغي تصميم الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، لا لمجرد زيادة سرعة الآلات».

وإذ لم يتجاهل الأخطار، أضاف ألتمان أن «أي شيء بهذه القوة يثير الرهبة»، مشدداً على أن «هذه اللحظة تستدعي حذراً شديداً».

«دولة العباقرة»

حدّد ألتمان نمطين رئيسيين للفشل؛ الأول هو فقدان السيطرة تماماً على مستقبل الذكاء الاصطناعي. وثانياً، هناك تركز السلطة حيث «لا ينبغي لأي فرد أو شركة أو دولة أن تتمكن من استخدام أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لفرض رؤيتها للعالم على الآخرين»، كاشفاً أن «أوبن إيه آي» أبطأت التطوير من جانب واحد سابقاً بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة.

ودعا إلى وضع معايير «تُصاغ من خلال عمليات ديمقراطية ومن حكومات مسؤولة أمام شعوبها» تشمل القدرات، وتقييم المخاطر، والضمانات، والإبلاغ عن الحوادث.

الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان يقدم إحاطة لمجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي والأمن الدولي (الأمم المتحدة)

ثم قدّم أموداي إحاطة عرَضَ فيها وتيرة التقدم بعبارات صادمة، قائلاً: «قبل أربع سنوات، كان (برنامج الذكاء الاصطناعي) بالكاد يستطيع كتابة سطر واحد من التعليمات البرمجية أو حل مسألة رياضية بسيطة في المرحلة الثانوية. أما اليوم، فهو يكتب معظم التعليمات البرمجية في «أنثروبيك» ويحل مسائل رياضية عالمية شهيرة لم تُحلّ من قبل».

وأضاف أن هذا المسار «لا يحتاج إلا إلى الاستمرار لفترة وجيزة، سنة أو سنتين، وربما أقل» للوصول إلى ما سماه «دولة من العباقرة في مراكز البيانات».

«خطر على البشرية»

كان أموداي صريحاً بالقدر نفسه في شأن الأخطار، فحدَّد فئتين؛ الأولى تتعلّق بسوء الاستخدام، «على سبيل المثال، إساءة استخدام الإرهابيين البيولوجيين لـ(برامج الذكاء الاصطناعي) لصنع أسلحة بيولوجية». أما الفئة الثانية فتتعلق بفقدان السيطرة، مشيراً إلى مسائل «بالغة الخطورة لدرجة أنني أعتقد أنها مسائل مهمة لهذا المجلس، وليس فقط لوزارات الاقتصاد أو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات».

وزاد: «أعتقد أنه إذا أُديرت بشكل سيئ، فقد يشكل الذكاء الاصطناعي خطراً على البشرية جمعاء».

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي متحدثاً عبر الشاشة مع أعضاء مجلس الأمن بنيويورك (الأمم المتحدة)

كذلك، قال أموداي إن شركته «ستبطئ وتيرة العمل بالقدر اللازم... لكن بغض النظر عما نفعله، فإن إدارة هذه المخاطر، في نهاية المطاف، أكبر من أي شركة بمفردها، ولها نطاق صناعي وعالمي».

الدفاع قبل الهجوم

بدوره، عرَضَ دولانغ دراسة حالة واقعية، إذ كشفت شركته، في يوليو (تموز) الماضي، عن هجوم إلكتروني شنّه عليها وكيل ذكاء اصطناعي مستقل. واستخلص ثلاثة دروس؛ أولاً، هناك حاجة لمزيد من الشفافية على مستوى الصناعة. وجادل ثانياً بأن الخطر الأساسي لا يكمن في قدرات هذه التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في توزيعها غير المتكافئ. وقال إن «الخطر الأكبر ليس الذكاء الاصطناعي القوي، بل في عدم تكافئه بين المهاجمين والمدافعين، والشركات الكبرى وبقية العالم، والدول القوية وبقية دول العالم».

وأشار ثالثاً إلى حادثة أخرى أظهرت كيف يمكن لتغطية الذكاء الاصطناعي أن تثير مخاوف الجمهور بلا داعٍ «من خلال تأطيرها بصورة بشرية واستخدامها صوراً خيالية علمية».

وخلال المداولات بين أعضاء المجلس، شبّه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي ترأس الاجتماع، الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بكل من الحاسوب الخيالي في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» وبداية العصر الذري. وقال: «كما كانت الحال مع الذرة آنذاك، يجب على المجتمع الدولي، الآن، تنظيم الذكاء الاصطناعي لتحقيق أقصى استفادة من إمكاناته وتجنب أسوأ العواقب».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يترأس اجتماع مجلس الأمن حول الذكاء الاصطناعي (الأمم المتحدة)

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند: «يخبرنا قادة التكنولوجيا بوضوح تام أنه لا يمكن ترك منع الكوارث من الوقوع في العالم لهم وحدهم. لا يمكننا تجاهلهم لأنهم على حق».

غير أن مستشار البيت الأبيض للشؤون العلمية، مايكل كراتسيوس، رأى أن «المخاوف بشأن التحكم في الذكاء الاصطناعي ليست مُبرراً لوقف تطويره أو تقييده بهيكل حوكمة عالمي جديد». وأضاف: «نريدكم، أنتم حلفاؤنا وشركاؤنا، أن تشاركوا في فوائد هذه التكنولوجيا».

وفي ظل المنافسة الشديدة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، حذّر المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو كونغ من «التكتل في تحالفات ضيقة في قطاع التكنولوجيا، وإجبار الدول الأخرى على الانحياز لأحد الطرفين»، مما يُمكّن قوى عظمى لم يُسمِّها مما سماه «الهيمنة الرقمية».

اختراق نظام حكومي

تزامنت الجلسة مع كشف الحكومة الأسترالية عن نجاح وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة «أوبن إيه آي» في الوصول بصورة غير مصرَّح بها إلى نظام حكومي في يوليو (تموز) الماضي، في واقعةٍ وصفتها الحكومة بأنها الأولى المعروفة التي يتمكَّن فيها وكيل للذكاء الاصطناعي من اختراق أنظمة تكنولوجيا المعلومات الحكومية في البلاد.

ووصل الوكيل في 18 يوليو إلى بوابة «خدمة تقارير إحصاءات ميديكير» التابعة لوزارة الصحة، وهي منصة متاحة للعامة تستضيف بيانات مجمعة عن الإنفاق الصحي وإعانات الأدوية، وتُستخدم على نطاق واسع من جانب الباحثين والأكاديميين. وأكدت الحكومة أن المعلومات الشخصية لم تكن من بين البيانات التي جرى الوصول إليها.

وقالت شركة «أوبن إيه آي» إنها راجعت أنشطة شملت عدداً من الإدارات الحكومية الأسترالية، واكتشفت أن نماذجها «اتخذت إجراءات لم تكن مقصودة». وأبلغت الشركة الحكومة الأسترالية بالحادثة في 10 سبتمبر (أيلول)، وفق رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، الذي انتقد تأخرها في الكشف عن الاختراق. وأُغلقت البوابة بعد الحادثة، ونُقلت البيانات إلى أنظمة أكثر أماناً، وفق وزيرة الخدمات الحكومية كاتي غالاغر.