ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

تصاعد القلق من تقليص الانتشار العسكري الأميركي في القارة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُهيمن على قمة «ناتو» في أنقرة... وأوروبا تبحث سبل «احتوائه»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدَّث مع الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس يوم 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تلتئم قمة الحلف الأطلسي في أنقرة، يومَي الثلاثاء والأربعاء القادَمين، وسط مخاوف أوروبية من خطط الإدارة الأميركية بخفض الحضور العسكري الأميركي في أوروبا، بالتوازي مع تنامي القلق مما تخطِّط له موسكو.

وما يفاقم النظرة الأوروبية التشاؤمية توقع أن يضاعف الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقاداته لحلفائه الأطلسيِّين، الذين لم يستجيبوا لطلبه بالانخراط في الحرب التي أطلقها مع إسرائيل ضد إيران من غير استشارتهم، صبيحة 28 فبراير (شباط) الماضي، ورفض بعض الحلفاء (مثل فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا) السماح لواشنطن باستخدام مطاراتها لهبوط طائراتها الحربية، في طريقها إلى مسرح الحرب في الشرق الأوسط.

إلى ذلك، يدفع اشتداد الهجمات الروسية على أوكرانيا، كما حصل ليل الأربعاء إلى الخميس؛ حيث تعرَّضت كييف لأسوأ الهجمات الجوية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022، الأوروبيِّين لاستشعار الحاجة للحضور العسكري الأميركي الرادع، بينما واشنطن بدأت منذ شهر مايو (أيار) في تقليص عديد القوات ومنظومات السلاح المخصَّصة للجناح الأوروبي لـ«ناتو».

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى الجدل الذي دخلت فيه رئيسة الوزراء الإيطالية مع ترمب على خلفية ادّعاء الأخير أنَّها توسَّلت له لالتقاط صورة معه، وأنَّه تحاشاها، وما أعقب ذلك من تضامن أوروبي مع جورجيا ميلوني ما قد تكون له تبعاته على أجواء القمة الأطلسية.

استياء الرئيس

عدّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، أنَّه «من السخيف» استمرار الولايات المتحدة في علاقتها «الأحادية» مع حلف «ناتو». وكتب على منصته «تروث سوشال»: «لم نجدهم عندما احتجنا إليهم»، مشيراً إلى أنَّ «علاقة واشنطن بحلف (ناتو) ليست متبادلة».

إردوغان وترمب خلال قمة «ناتو» بلاهاي في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ويواصل ترمب انتقاد الحلفاء الأوروبيِّين؛ بسبب موقفهم من الحرب ضد إيران. كما شدَّد على أنَّه يريد من أوروبا أن تتولى المسؤولية عن دفاعها، وذلك بينما تعمل الولايات المتحدة على تقليص التزاماتها. وتضمَّن منشوره رسماً بيانياً يوضِّح حجم إنفاق حلف شمال الأطلسي، حيث تستثمر الولايات المتحدة مبالغ أكبر بكثير من عدد قليل من الدول الأعضاء الأخرى التي شملها الرسم. وبضغط من ترمب، اتّفق قادة «ناتو» في اجتماع العام الماضي على زيادة الإنفاق المتعلّق بالدفاع إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وستُعقَد قمة الحلف المقبلة، التي ستجمع الدول الـ32 الأعضاء، في العاصمة التركية في السابع والثامن من يوليو (تموز).

تقليص الوجود الأميركي

كثيرة هي التهديدات الترومبية للشركاء الأوروبيِّين منذ ولايته الأولى. وتتكاثر الشكاوى العابرة للمحيط الأطلسي التي مفادها بأنَّ الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من تكلفة الدفاع عن أوروبا. وخلال اجتماع وزراء الحلف في بروكسل، يوم الخميس الماضي، كشف وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيت، عمّا تخطِّط له واشنطن، إذ دعا الأوروبيِّين إلى إنشاء ما سماه «ناتو 3.0». وقال إنه «بعد انتهاء الحرب الباردة، يجب العودة إلى تحالف عسكري حقيقي يتمتَّع بقدرات عسكرية فعلية، قادر على تحقيق الردع هنا في القارة الأوروبية، وعلى تولي القيادة في الدفاع التقليدي عن أوروبا».

وبكلام أوضح، فإنَّ هيغسيت يُلقي عبء الدفاع التقليدي على عاتق الأوروبيَّين، بينما الردع النووي يبقى بيد الولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، عدَّ القائد الأعلى لقوات «ناتو»، الجنرال الأميركي الطيار أليكسوس غرينكيفيتش، أنَّ الوضع الحالي لجهة التعويل على الشريك الأميركي «غير صحي»، خصوصاً أنَّ واشنطن قد تكون مضطرة للانخراط في أكثر من نزاع.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف «ناتو» في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

ولأن واشنطن عازمة على السير فعلياً بخططها، فقد أعلمت الأوروبيِّين منذ أسابيع عدة بعزمها على تقليص حجم قواتها، الذي كانت تلتزم به في حال حصول نزاع. ونقلت «رويترز» عن مصدر عسكري أميركي، هذا الأسبوع، أنَّ التقليص سيطال طائرات التزوُّد بالوقود جواً، والمقاتلات، والطائرات المسيّرة، والسفن والقاذفات الاستراتيجية وعديد الجنود، مع احتمال إقفال بعض القواعد الأميركية في أوروبا.

وفي إطار نقمته على المستشار الألماني فريدريش ميرتس؛ بسبب الحرب على إيران، أعلن ترمب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا التي تستضيف نحو ثلث القوات الأميركية المرابطة في أوروبا، إضافة إلى أهم قاعدة جوية «رامشتاين». وسبق لترمب أن أعلن سحب قوات من بولندا، إلا أنَّه تراجع لاحقاً عن هذا القرار، لا بل أفاد بأنَّه سينشر 5 آلاف جندي إضافي في هذا البلد.

وأفاد مصدر لـ«رويترز» بأنَّ واشنطن سوف تُخفِّض عدد مقاتلاتها المُخصَّصة لـ«ناتو» بمقدار الثلث، ليصل إلى 99 طائرة، كما سينخفض عدد الطائرات المسيّرة إلى النصف ليبلغ 12 طائرة. وسيتراجع عدد طائرات التَّزوُّد بالوقود إلى 63 طائرة، والقاذفات الاستراتيجية إلى النصف، والحال نفسه تنطبق على المدمرات التي ستتراجع إلى النصف (9 مدمرات). كما ستُخصِّص البحرية الأميركية حاملة طائرات واحدة، بينما ستسحب الغواصة الوحيدة القادرة على حمل صواريخ «كروز».

روته: إطفائي «الأطلسي»

بالنظر لهذا الوضع «غير المريح» بالنسبة للأوروبيِّين، فإنَّ همهم الأول كما يقول مصدران أوروبيَّان في باريس، هو العمل على «إرضاء» ترمب خلال قمة أنقرة لتحقيق عدد من الأهداف الرئيسية: إبقاء الولايات المتحدة منخرطةً في الدفاع عن الجناح الأوروبي للحلف، واجتذاب ترمب مجدداً لتوفير الدعمَين العسكري والمالي لأوكرانيا، والبناء على ما تحقَّق في قمة «مجموعة السبع» الأخيرة في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث بدّل ترمب لهجته ومقاربته للحرب في أوكرانيا وقبِل الاجتماع مرتين بالرئيس فولوديمير زيلينسكي.

في حمأة هذه التطورات، يلعب أمين عام الحلف الأطلسي، مارك روته، دور الإطفائي الساعي دوماً لاحتواء غيظ ونقمة ترمب على الأوروبيِّين. والعام الماضي، بمناسبة انعقاد القمة الأطلسية في لاهاي، في شهر يوليو، لم يتردَّد روته في تشبيه ترمب بـ«والدي». ولا يبدو أن روته وضع حدوداً لمحاولة إرضاء ترمب. فخلال زيارته الأخيرة للبيت الأبيض، منتصف الشهر الماضي، للتحضير لقمة أنقرة، حضر روته رسماً بيانياً بأحرف ذهبية حمل عبارة «تريليون ترمب» الذي يجمل زيادات الإنفاق العسكري الأوروبي منذ عام 2017، أي منذ وصول الرئيس الأميركي إلى البيت الأبيض المرة الأولى.

كذلك، ذكّره بأن الأوروبيين قبلوا برفع نسبة إنفاقهم الدفاعي إلى 5 في المائة (باستثناء إسبانيا)، بحلول عام 2035، بينما لا يزال إنفاق عضوَين أطلسيَّين (تشيكيا وسلوفاكيا) دون الحد الأدنى، أي 2 في المائة من الناتج المحلي الخام، بينما الدول الأخرى تجاوزت عتبة 3 في المائة.

وما يسعى إليه أمين عام الحلف الأطلسي هو نزع حجة ترمب الخاصة بتقاعس الأوروبيين عن الوفاء بالتزاماتهم إزاء النادي الأطلسي. ووفق قول مصدر أطلسي لـ«رويترز» الأربعاء، فإنَّ الأوروبيين نجحوا «إلى حد كبير» في سدّ الفراغ الناتج عن تقليص الحضور العسكري الأميركي، وإن ما تنقصهم هي القاذفات الاستراتيجية. وسبق لروته أن أكّد منتصف يونيو (حزيران) أن دولاً أوروبية أطلسية عزَّزت مساهماتها العسكرية، وتعمل على تغطية «الكثير» من الثغرات دون الكشف عن مزيد من تفاصيل.

مضيق «هرمز» مجدداً

ليس ما سبق سوى جانب مما يعتزم الأوروبيون القيام به من أجل «احتواء» الرئيس الأميركي. ذلك أنَّ في جعبتهم أوراقاً أخرى كإعلان الاستعداد لمساعدة واشنطن في ضمان حرية الإبحار في مضيق «هرمز»، من خلال مبادرة فرنسية - بريطانية لتشكيل تحالف بحري دولي يقوم بنزع الألغام من مياه المضيق، ومواكبة الناقلات والبواخر الراغبة بالخروج منه أو الدخول إليه.

وتؤكد باريس ولندن أن 12 دولة مستعدة للمساهمة في المهمتين، وأبرزها إيطاليا وألمانيا وهولندا. لكن العاصمتين متمسكتان بأن «المهمة» سلمية الطابع، ويجب أن تحظى بقبول الولايات المتحدة وإيران وعمان، وأن تكون «مستقلة» عمّا تقوم به القوات الأميركية في المنطقة.

ليس سراً أنَّ ترمب يهوى العقود الكبرى. لذا من المرتقب أن تعلن دول أوروبية عدة إبرام اتفاقات مع شركات السلاح الأميركية الرئيسية، الأمر الذي من شأنه أن يعكس الفائدة التي تجنيها واشنطن من حلفائها الأوروبيين من عقود التسلح، فضلاً عن تمتّعها بـ«حاملة طائرات أرضية من 30 دولة أوروبية». وثمّة مَن يهمس في باريس أنَّ الأوروبيين توافقوا على عدم إثارة أي ملف يمكن أن يُشعر ترمب بأنَّه يستهدفه، مُنوّهين ببراعة الرئيس الفرنسي الذي نجح من خلال دعوة ترمب إلى العشاء خلال «قمة إيفيان»، في إبقائه حتى نهاية أعمال القمة التي استمرت 3 أيام. لكن يبدو أن قمة أنقرة ستكون قصيرة نسبياً، باعتبار أن الرئيس الأميركي كان قد يمتنع عن المشاركة لو لم يكن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان هو الجهة المستضيفة.


مقالات ذات صلة

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

أوروبا ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز) p-circle

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا في ظل التصعيد الميداني المتبادل؟ مع دمار للبنى التحتية وتهديدات أوروبية بمزيد من العقوبات.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب في مؤتمر سياسي للحزب يوم 26 يونيو 2026 (رويترز)

ترمب: «من السخيف» أن تبقي أميركا على دعمها الحالي لـ«الناتو»

كتب ترمب على منصته تروث سوشال «لم نجدهم عندما احتجنا إليهم»، مشيرا إلى أن علاقة واشنطن بحلف الناتو «ليست متبادلة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا طائرة المراقبة والاستطلاع «غلوبال آي» (شركة ساب)

تقرير: «الناتو» يخطط لإحلال طائرات الاستطلاع «غلوبال آي» محل «أواكس»

ذكرت أربعة مصادر لوكالة «رويترز» أن حلف (الناتو) يخطط لاستبدال أسطوله القديم من طائرات الاستطلاع «أواكس» المصنعة في الولايات المتحدة، واستخدام طائرات سويدية.

«الشرق الأوسط» (برلين - باريس)
شؤون إقليمية مداهمة لأحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في إسطنبول (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل العشرات من «داعش» قبل قمة الـ«ناتو»

تواصل السلطات التركية حملاتها على تنظيم «داعش» الإرهابي قبل أيام من انعقاد القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة يوم الثلاثاء المقبل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا من اليسار: الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خلال مؤتمر صحافي يوم 1 يوليو 2026 في وزارة الدفاع بالعاصمة الألمانية برلين (أ.ف.ب)

ألمانيا تعتزم إبرام اتفاقيات لإنتاج أسلحة أميركية على أراضيها

أعلن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الأربعاء، أنّ ألمانيا ترغب في أن تنتج على أراضيها المزيد من الأسلحة الأميركية التي يحتاج إليها جيشها.

«الشرق الأوسط» (برلين)

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
TT

هل يعود ويتكوف وكوشنر إلى وساطة روسيا وأوكرانيا؟

زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)
زيلينسكي خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة (رويترز)

تتزايد المؤشرات إلى احتمال عودة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى ملف الحرب الروسية - الأوكرانية، مع تراجع الانشغال الأميركي النسبي بالمسار الإيراني، وفي وقت دخل فيه الصراع بين موسكو وكييف مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي المتبادل.

وكان ويتكوف وكوشنر قد اضطلعا بدور أساسي في الاتصالات بين روسيا وأوكرانيا مطلع العام، وشاركا في آخر لقاء مباشر معلن بين مسؤولي البلدين في سويسرا في فبراير (شباط). لكن اندلاع المواجهة مع إيران في 28 فبراير نقل اهتمامهما إلى الشرق الأوسط، فيما أكد الرئيس دونالد ترمب لاحقاً أن إدارته قد تستأنف جهود إنهاء الحرب الأوكرانية بعد تجاوز المرحلة الأكثر سخونة في الملف الإيراني.

جاريد كوشنر وستيف ويتكوف قبيل اجتماع رباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في سويسرا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتأتي العودة المحتملة وسط تغير واضح في موقع أوكرانيا الميداني. فقد أثبتت كييف قدرتها على ضرب أهداف عسكرية واقتصادية في مناطق بعيدة داخل روسيا، وألحقت أضراراً بمصافي النفط ومنشآت الوقود وخطوط الإمداد، في حين ردت موسكو بهجمات صاروخية وموجات كثيفة من المسيّرات على المدن الأوكرانية، مؤكدة أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يزال يراهن على تحقيق أهدافه بالقوة.

قنوات أميركية محدودة

تكتسب عودة ويتكوف وكوشنر أهمية إضافية بسبب محدودية القنوات الدبلوماسية الأميركية العاملة على الملف؛ فمنصب السفير الأميركي في موسكو شاغر منذ أكثر من عام، كما استقال القائم بأعمال السفارة في كييف في أبريل (نيسان)، بينما ظل دور وزير الخارجية ماركو روبيو وكبار الدبلوماسيين محدوداً.

وبذلك أصبح المبعوثان، بفضل اتصالهما المباشر بترمب، من أهم قنوات التواصل التي يمكن لموسكو وكييف استخدامها للوصول إلى البيت الأبيض. وأفاد مسؤول أميركي بأنهما حافظا على اتصالات شبه يومية مع مسؤولين روس وأوكرانيين، وعقدا لقاءات غير معلنة خلال فترة انشغالهما بإيران، لكنهما لا يعتزمان السفر لمجرد عقد لقاءات رمزية من دون وجود مقترحات جديدة، بحسب «نيويورك تايمز».

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ​الخميس، إن المسؤول الكبير في وزارة الدفاع الأوكرانية رستم أوميروف أجرى محادثات مع كوشنر ​خلال ‌اليومين ⁠الماضيين. وفي ​كلمة ألقاها ⁠من أحد المواقع التي استهدفت في هجوم روسي مدمر على كييف، بينما كان رجال ⁠الإنقاذ يبحثون بين ‌الأنقاض، ‌قال زيلينسكي إنه ​لا ‌يزال يأمل في ‌أن يزور كوشنر وويتكوف أوكرانيا.

وفي موسكو، تبدو الرغبة قوية في استئناف هذا المسار. ويعتبر الكرملين ويتكوف قناة مباشرة إلى ترمب، خصوصاً في القضايا التي لا تستطيع الدول الأوروبية حسمها، مثل مستقبل عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي ورفع العقوبات. غير أن مسؤولين روساً أبدوا أيضاً استياءهم من عدم انتظام الزيارات وغياب المتابعة المؤسسية، مطالبين بمفاوضات أكثر تنظيماً واستمرارية.

فانس يقف إلى جانب ويتكوف وكوشنر في سويسرا في 21 يونيو 2026 (أ.ب)

ضغط أوكراني متصاعد

وتختلف الظروف الحالية عن تلك التي أحاطت بجولات التفاوض السابقة. فقد وسعت أوكرانيا خلال الأشهر الماضية نطاق ضرباتها، مستفيدة من ارتفاع إنتاجها المحلي من المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، واستهدفت مصافي النفط ومستودعات الوقود والمصانع العسكرية داخل روسيا.

وأدت الهجمات إلى أزمة وقود واسعة، بدأت في شبه جزيرة القرم ثم امتدت إلى مناطق روسية عدة، بينها سيبيريا والشرق الأقصى. وأظهرت تقارير أن الضربات أخرجت ما بين 25 و33 في المائة من طاقة التكرير الروسية من الخدمة في منتصف يونيو، فيما شهدت محطات الوقود طوابير طويلة وتقنيناً في المبيعات وإغلاق عدد كبير من المحطات المستقلة.

كما صعدت كييف هجماتها على القرم، مستهدفة منشآت الكهرباء والوقود وخطوط الإمداد. وتسببت الضربات في انقطاعات للكهرباء والمياه، وفرض قيود شديدة على بيع البنزين، في وقت بات فيه جسر كيرتش يمثل خط الإمداد الرئيسي للمنطقة بعد تعرض المسارات البرية والبحرية الأخرى للخطر.

وتراهن القيادة الأوكرانية على أن تحويل الحرب إلى عبء يومي على الروس، وتهديد القرم التي تحمل قيمة سياسية ورمزية كبيرة لبوتين، قد يدفع الكرملين إلى قبول مفاوضات أكثر جدية. كما تقول كييف إن ضرباتها بعيدة المدى تمثل «عقوبات» تنفذها بالقوة بعدما عجزت الإجراءات الاقتصادية الغربية وحدها عن تغيير حسابات موسكو.

رد روسي عنيف

وتبادلت روسيا وأوكرانيا القصف، الجمعة، غداة أعنف هجوم شنّته موسكو على كييف بالمسيرات والصواريخ منذ بدء غزوها للبلاد وأودى بـ30 شخصاً. وأعلن الرئيس الأوكراني، الخميس، أن أوكرانيا سترد «بالتأكيد» على هذا الهجوم. وقال خلال جولة تفقدية للمواقع المتضرّرة: «تقصف روسيا أهدافاً مدنية كي تدفع أوكرانيا إلى التخلّي عن الدولة بكلّ بساطة، ولتحدث شرخاً بين المجتمع المدني والجيش. هذا ما كانت تعوّل عليه طوال الحرب. ولن يحدث ذلك أبداً».

وأسفرت ضربات جديدة على جانبي الحدود عن سقوط قتلى مدنيين في البلدين المتحاربين. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، أن منظومات الدفاع الجوي اعترضت ودمرت 155 طائرة مسيرة أوكرانية فوق الأراضي الروسية خلال الليل.

صورة من موقع ضربة صاروخية روسية في كييف بأوكرانيا 25 يونيو 2026 (رويترز)

وقُتل خمسة أشخاص، الجمعة، في هجوم أوكراني على سوق في جزء تحتله روسيا من منطقة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا، وفق ما أفاد الحاكم المعين من الكرملين، وذلك غداة هجوم روسي واسع على العاصمة الأوكرانية. وقال الحاكم المعين من روسيا يفغيني باليتسكي عبر «تلغرام»: «تأكد حتى الآن مقتل خمسة سكان في هجوم معاد متعمد على سوق مدينة توكماك». لكن الضغوط الأوكرانية لم تؤد حتى الآن إلى تراجع روسي واضح. فقد كثفت موسكو هجماتها بالصواريخ والمسيّرات، واستهدفت كييف ومدناً أخرى، ما أوقع عشرات القتلى وألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية الأوكرانية.

أناس يحتمون في محطة مترو الأنفاق خلال غارة روسية ليلية على كييف (رويترز)

وتواصل القوات الروسية في الوقت نفسه محاولات التقدم في منطقة دونيتسك، رغم الخسائر البشرية المرتفعة. وتراهن موسكو على تفوقها في حجم الذخائر والصواريخ وقدرتها على استنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية، بينما لا تزال كييف تعتمد بصورة كبيرة على الدعم الغربي لحماية مدنها ومنشآتها الحيوية.

وكشف سفير المهام الخاصة في وزارة الخارجية الروسية، روديون ميروشنيك، عن مقتل ما يقرب من 8500 مدني روسي جراء هجمات شنتها القوات الأوكرانية منذ عام 2022.

واعترف بوتين بوجود نقص في الوقود، لكنه قلل من حجمه، معتبراً أن الهدف الأوكراني هو إثارة الانقسام داخل المجتمع الروسي وإجبار قواته على وقف تقدمها. ويشير هذا الموقف إلى أن الكرملين لا يزال يرى الأزمة قابلة للاحتواء، ولا يعدُّها سبباً كافياً لتعديل مطالبه المتعلقة بالأراضي الأوكرانية وعضوية الناتو والضمانات الأمنية.

وساطة بلا اختراق سريع

يمكن لتراجع أولوية الملف الإيراني أن يتيح لويتكوف وكوشنر استئناف تحركاتهما، خصوصاً أن موسكو تطالب بعودتهما، فيما أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استياءه من عدم زيارتهما كييف حتى الآن، مطالباً واشنطن بأفعال تتجاوز التصريحات.

لكن العودة الأميركية لن تضمن اختراقاً سريعاً؛ فروسيا وأوكرانيا تدخلان أي مفاوضات محتملة وهما مقتنعتان بأن استمرار العمليات العسكرية قد يحسن شروطهما. موسكو تراهن على تقدمها البطيء وقدرتها على ضرب المدن، بينما تعتمد كييف على نقل الحرب إلى الداخل الروسي وإضعاف قطاع الطاقة والضغط على القرم. لذلك قد تركز المرحلة الأولى من الوساطة على احتواء التصعيد، وحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية، واستئناف تبادل الأسرى والجثامين، بدلاً من التوصل إلى اتفاق سلام شامل. أما ملفات الأراضي والقرم والناتو، فستظل العقبات الأكبر أمام أي تسوية. وفي ظل غياب بديل دبلوماسي واضح، تبدو عودة ويتكوف وكوشنر مرجحة، لكنها ستكون عودة إلى حرب أكثر اتساعاً وتعقيداً، لا إلى مفاوضات أصبحت أقرب إلى الحل.

شخص يحتمي بمحطة مترو الأنفاق في أثناء الغارات الروسية على كييف ويتابع مباراة بلجيكا والسنغال (أ.ف.ب)

اجتماع الناتو في أنقرة

ويجتمع قادة حلف شمال ‌الأطلسي، الأسبوع المقبل، في أنقرة، حيث يسعى الأوروبيون إلى تنحية الخلافات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب جانباً حول عدة قضايا مشتركة بما في ذلك أوكرانيا، في وقت تقلص فيه واشنطن التزاماتها تجاه الحلف.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إن القمة المقررة يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين ستظهر وفاء الدول الأوروبية بتعهداتها بزيادة الإنفاق الدفاعي لردع أي هجوم روسي محتمل، مشيراً إلى أنه سيتم توقيع صفقات تسليح بعشرات المليارات من الدولارات.

ومن المتوقع أيضاً أن يجدد القادة التزامهم بمواصلة تمويل إمدادات الأسلحة لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي. وسيشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير ‌زيلينسكي في مأدبة ‌عشاء يستضيفها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ​الذي ‌سيعقد ⁠كذلك ​محادثات ثنائية مع ⁠ترمب. ويأمل زيلينسكي في عقد اجتماع مع ترمب على هامش القمة.


فرنسا تعلن تفكيك شبكة لتهريب مهاجرين سوريين

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا تعلن تفكيك شبكة لتهريب مهاجرين سوريين

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

أودع سوري، يبلغ 36 عاماً، الحبس الاحتياطي في فرنسا؛ للاشتباه في إدارته شبكة مهرّبين تنقل مهاجرين عبر غويانا إلى الأراضي الفرنسية، وفق ما أعلن، الخميس، مدعي عام إبينال في شرق فرنسا، فريديريك ناهون.

وأوضح المدعي العام في بيان، نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» الجمعة، أن التحقيق بدأ بعد معلومة تلقاها مكتب مكافحة تهريب المهاجرين في ميتز بشرق فرنسا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بشأن شبكة لتهريب مهاجرين سوريين... وكان الموقوف، وهو سوري الجنسية أيضاً، مقيماً في إبينال.

وفتحت النيابة تحقيقاً أولياً، وأظهرت التحريات أن «شبكة المهرّبين، التي كانت تُدار من إبينال، كانت تنقل مهاجرين سوريين من بلدهم الأصلي إلى غويانا الفرنسية، مروراً بتركيا وفنزويلا والبرازيل». وكان معظم هؤلاء يقدمون طلبات لجوء في كايين، قبل التوجه إلى فرنسا والاستقرار غالباً في الشرق.

مهاجرون يستقلون قارباً صغيراً قبالة سواحل بيرك بفرنسا في محاولة لعبور القنال الإنجليزي... 15 يونيو 2026 (د.ب.أ)

وبحسب المحققين، مرَّ بين 400 و600 مهاجر عبر هذه الشبكة بين عامَي 2021 و2025. وحدَّد المحققون أيضاً تحويلات مالية إلى الخارج، خصوصاً إلى البرازيل، عبر وسطاء مختلفين.

ووجَّهت نيابة إبينال طلب مساعدة قضائية دولية في قضية جنائية إلى السلطات البرازيلية. وأوقف المشتبه به، الاثنين، على ذمة التحقيق، وكان يدير شركة تحمل اسم «سلطانة تورز» تعرض على المرشحين للهجرة دفع ما بين 800 وألف دولار للوصول إلى الأراضي الفرنسية. وعثر المحققون على «مقاطع فيديو ترويجية» لهذه الشركة عبر تطبيق «واتساب».

وأُحيل المشتبه به إلى القضاء الخميس، ووُضع في الحبس الاحتياطي في انتظار مثوله في الثالث من سبتمبر (أيلول) أمام المحكمة، خصوصاً بتهم «مساعدة أجنبي على الدخول، أو التنقل، أو الإقامة بصورة غير نظامية في فرنسا، ضمن عصابة منظمة».


فرنسا تفكّك شبكة لتهريب مهاجرين سوريين

موظفا أمن وشرطة يتفقدان منزلاً مؤقتاً بعد عملية إخلاء في شمال باريس... 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
موظفا أمن وشرطة يتفقدان منزلاً مؤقتاً بعد عملية إخلاء في شمال باريس... 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تفكّك شبكة لتهريب مهاجرين سوريين

موظفا أمن وشرطة يتفقدان منزلاً مؤقتاً بعد عملية إخلاء في شمال باريس... 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
موظفا أمن وشرطة يتفقدان منزلاً مؤقتاً بعد عملية إخلاء في شمال باريس... 1 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أُودع سوري يبلغ 36 عاماً الحبس الاحتياطي في فرنسا للاشتباه في إدارته شبكة مهرّبين تنقل مهاجرين عبر غويانا إلى الأراضي الفرنسية، وفق ما أعلن، الخميس، مدعي عام إبينال في شرق فرنسا فريديريك ناهون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح المدعي العام، في بيان، أن التحقيق بدأ بعد معلومة تلقاها مكتب مكافحة تهريب المهاجرين في ميتز بشرق فرنسا في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بشأن شبكة لتهريب مهاجرين سوريين.

وكان الموقوف، وهو سوري الجنسية أيضاً، مقيماً في إبينال.

وفتحت النيابة تحقيقاً أولياً، وأظهرت التحريات أن «شبكة المهرّبين، التي كانت تُدار من إبينال، كانت تنقل مهاجرين سوريين من بلدهم الأصلي إلى غويانا الفرنسية، مروراً بتركيا وفنزويلا والبرازيل».

وكان معظم هؤلاء يقدّمون طلبات لجوء في كايين، قبل التوجه إلى فرنسا والاستقرار غالباً في الشرق.

وبحسب المحققين، مرّ بين 400 و600 مهاجر عبر هذه الشبكة بين عامي 2021 و2025. وحدّد المحققون أيضاً تحويلات مالية إلى الخارج، وخصوصاً إلى البرازيل، عبر وسطاء مختلفين.

ووجّهت نيابة إبينال طلب مساعدة قضائية دولية في قضية جنائية إلى السلطات البرازيلية.

وأُوقف المشتبه به، الاثنين، على ذمة التحقيق، وكان يدير شركة تحمل اسم «سلطانة تورز» تعرض على المرشحين للهجرة دفع ما بين 800 وألف دولار للوصول إلى الأراضي الفرنسية. وعثر المحققون على «مقاطع فيديو ترويجية» لهذه الشركة عبر تطبيق «واتساب».

وأُحيل المشتبه به إلى القضاء الخميس ووُضع في الحبس الاحتياطي في انتظار مثوله في الثالث من سبتمبر (أيلول) أمام المحكمة، خصوصاً بتهم مساعدة أجنبي على الدخول أو التنقل أو الإقامة بصورة غير نظامية في فرنسا ضمن عصابة منظمة.