سعى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، السبت، إلى احتواء التداعيات السياسية للهزيمة القاسية التي مُني بها حزب العمال في الانتخابات المحلية، متعهداً بـ«الاستماع إلى الناخبين من دون الانحياز إلى اليمين أو اليسار». وفي خطوة لافتة، أعلن ستارمر تعيين رئيس الوزراء السابق غوردون براون مستشاراً خاصّاً، ضمن محاولة لإعادة بناء الثقة داخل الحزب واستعادة الدعم الشعبي المتراجع له.
وأعلن مكتب ستارمر تعيين براون، البالغ 75 عاماً، مستشاراً لشؤون التمويل العالمي، إلى جانب تعيين هارييت هارمان مستشارة لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات، في خطوة فُسّرت بأنها استدعاء لـ«الحرس القديم» في مواجهة تصاعد الضغوط الداخلية والمطالبات باستقالته.
خسارة مدوية
يأتي ذلك بعدما تكبّد حزب العمال أسوأ خسارة لحزب حاكم في انتخابات محلية منذ عام 1995، بعد خسارته 1406 مقاعد في المجالس المحلية الإنجليزية، متجاوزاً حتى خسائر حزب المحافظين بقيادة تيريزا ماي عام 2019، التي بلغت 1330 مقعداً، وفق آخر البيانات التي نقلتها «رويترز».
وفي مقال نشرته صحيفة «الغارديان»، قال ستارمر إن «الدرس الأهم هو الاستماع إلى الناخبين»، مؤكداً أن ذلك «لا يعني الانحياز إلى اليمين أو اليسار».

وأضاف: «ارتكبنا أخطاء كان يمكن تجنبها»، مشيراً إلى أن حكومته ستحدد «في الأيام المقبلة» أولوياتها الجديدة للأشهر المقبلة، وسط تكهنات بإجراء تعديل وزاري وشيك.
وأكد ستارمر أنه لن يتنحى رغم الضغوط المتزايدة، قائلاً خلال جولة في جنوب لندن: «لن أنسحب، فهذا سيغرق البلاد في الفوضى»، متعهداً بمنح البريطانيين «أملاً أكبر».
مساعي براون لإنعاش الاقتصاد
وحسب بيان صادر عن رئاسة الوزراء، سيتولى براون العمل على جذب استثمارات دولية جديدة وتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تطوير شراكات تمويلية تدعم الاستثمار في الدفاع والأمن. أما هارمان فستُركّز على ملفات مكافحة كراهية النساء والعنف ضد النساء والفتيات، بالإضافة إلى خلق فرص اقتصادية.
ويُنظر إلى براون بوصفه أحد أبرز مهندسي مشروع «حزب العمال الجديد» خلال عهد توني بلير، الذي قاد الحزب إلى ثلاثة انتصارات انتخابية متتالية بدءاً من عام 1997.
كما يُنسب إليه دور محوري في إنقاذ القطاع المصرفي البريطاني خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، عبر تأميم بنوك كبرى وتحقيق الاستقرار المالي في أثناء توليه رئاسة الحكومة بين عامَي 2007 و2010.
تراجع الأحزاب التقليدية
أظهرت نتائج الانتخابات المحلية تقدماً كبيراً لحزب «الإصلاح» الشعبوي والمناهض للهجرة بقيادة نايجل فاراج، الذي حصد 1453 مقعداً وسيطر على 14 مجلساً محلياً، في مؤشر على تصاعد الغضب الشعبي من الأحزاب التقليدية.

وفي ويلز، فقد حزب العمال السيطرة على البرلمان المحلي للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 1998، لصالح حزب «بلايد كمري» المؤيد للاستقلال. أما في اسكوتلندا فخسر حزب العمال أربعة مقاعد، متعادلاً مع «الإصلاح» عند 17 مقعداً لكل منهما، فيما احتفظ الحزب الوطني الاسكوتلندي بهيمنته بحصوله على 58 مقعداً من أصل 129.
كما شهدت الانتخابات تراجع حزب المحافظين إلى 797 مقعداً فقط، خلف حزب الديمقراطيين الليبراليين الذي حصل على 842 مقعداً، في حين حقق حزب الخضر اليساري بقيادة زاك بولانسكي مكاسب ملحوظة بحصوله على 548 مقعداً. ووصف ستارمر النتائج بأنها «مؤلمة»، لافتاً إلى أن حالة «التشرذم السياسي» تعكس «إحباط الناخبين من الوضع الراهن».
تصاعد دعوات الاستقالة
رغم غياب تحرك رسمي للإطاحة بستارمر حتى الآن، فإن الدعوات المطالبة بتنحيه تتزايد داخل حزب العمال. وقالت الوزيرة السابقة كاثرين ويست، عبر منصة «إكس»، إن «نهجه لا يجدي، والنتائج خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية كارثية بكل معنى الكلمة». وأضافت: «أعلم أنني لا أمثل نفسي فقط، بل كثيرين داخل حزب العمال يرغبون في أن يتنحى عن قيادة الحزب».
كما قال النائب العمالي كلايف بيتس لإذاعة «بي بي سي» إنه يريد من ستارمر أن يتنحى «في المستقبل غير البعيد».
ويواجه ستارمر تحديات متزايدة في ظل استمرار أزمة غلاء المعيشة التي تفاقمت بفعل الحرب في أوكرانيا والتوترات مع إيران، إلى جانب سلسلة من التراجعات السياسية والتغييرات المتكررة في فريقه الاستشاري.
كما أضرت بحكومته قضية تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا لدى الولايات المتحدة، قبل إبعاده لاحقاً بسبب علاقته برجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم ضد قاصرات. ويترقب ستارمر اختباراً سياسياً مهماً الأربعاء المقبل، عندما يلقي الملك تشارلز الثالث خطاب الحكومة أمام البرلمان، مستعرضاً مشروعات القوانين التي تعتزم الحكومة طرحها خلال الدورة البرلمانية المقبلة.






