هل يواصل البابا الجديد العاصفة الإصلاحية غير المسبوقة ضد المحافظين؟

البابا فرنسيس اتُّهم بالشيوعية... لكنه كان يقول «لست شيوعياً لكن محبة الفقراء هي جوهر الإنجيل»

يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)
يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)
TT

هل يواصل البابا الجديد العاصفة الإصلاحية غير المسبوقة ضد المحافظين؟

يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)
يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)

سال حبر كثير، وسيسيل أكثر منه، في مديح البابا فرنسيس، وفي استحضار العاصفة الإصلاحية غير المسبوقة التي أطلقها في الكنيسة الكاثوليكية وكانت نتائجها دون ما طمح إليه. لكن سال الكثير من الحبر أيضاً في التضرّع والدعاء ليعجّل الله في استدعائه إلى جواره.

في تاريخ الكنيسة باباوات اشتهروا بفظائعهم، وآخرون بفحشهم وارتكابهم كل أصناف المعاصي. وكان فيها أيضاً أحبار قديسون واستثنائيون، وفرنسيس كان منهم؛ ولأجل ذلك كان أعداؤه كثراً، أولاً في محيطه الكنسي، وثانياً في الأوساط السياسية اليمينية المتطرفة التي كانت تخشى مواقفه الثابتة إلى جانب الفقراء والضعفاء والمهمشين، وفي طليعتهم المهاجرون الذين كانت محاربتهم منصة صعود هذه الأحزاب في السنوات الأخيرة الماضية.

كرادلة ينشدون تراتيل مسيحية قبل انعقاد مجمعهم عام 2013 في الفاتيكان (أ.ف.ب)

في العاشر من سبتمبر (أيلول) 2015 خصصت مجلة «نيوزويك» الأميركية غلافها للبابا الأرجنتيني تحت عنوان «هل البابا كاثوليكي؟»، وأردفته بالجواب التالي في عنوان فرعي «طبعاً هو كاثوليكي، لكنك لن تستنتج ذلك من قراءة الصحف».

ومنذ ذلك العام لم تهدأ الحملة الشعواء التي أطلقتها ضده الأوساط اليمينية المتطرفة، بخاصة في الولايات المتحدة، حيث الكنيسة الكاثوليكية تجنح كثيراً إلى التماهي مع الفكر الإنجيلي المحافظ الذي يتمتع بموارد ضخمة وقدرة واسعة على التأثير. لكن فرنسيس نادراً ما كان يردّ على تلك الانتقادات التي كانت تتهمه بالكفر والزندقة أحياناً، والتي قال يوماً عن مطلقيها: «بالحزن والكآبة مليئة أفئدتهم، أشعر بالشفقة عليهم لأنهم يستغلون أدنى فرصة للتكشير عن أنيابهم».

لذلك؛ تبدو مواقف الإدارة الأميركية، من زيارة فانس إلى الحبر الأعظم، وتنكيس الأعلام، وإعلان الرئيس ترمب عن مشاركته وزوجته في جنازة البابا، أقرب إلى ركوب موجة شعبية البابا الراحل منها إلى الإعراب الصادق عن تقدير مواقفه وإرثيه الاجتماعي والسياسي.

السيلفي مع البابا فرنسيس وبعض المهاجرين في بولونيا (أ.ب)

طوال عقود كان الفاتيكان يصرّ على أن الأنباء المتداولة حول التحرش الجنسي في الأوساط الكنسية ليست سوى حملات مغرضة من أعداء الكنيسة أو من الذين يعارضون مواقف البابا مثل اعتراضه على غزو العراق. لكن البابا فرنسيس غيّر خطاب الكنيسة بشكل جذري حول هذا الملف الشائك، وكشف عن أن التحرّش بالقاصرين في حالات عدّة طواه البابا يوحنا بولس الثاني طيلة عقود، وأن الكاردينال راتزينغر، الذي أصبح لاحقاً البابا بنيديكت السادس عشر دخل مكتب سلفه حاملاً ملف الفضائح الجنسية وخرج منه بتعليمات واضحة لتأجيل بتّه إلى ظروف أفضل.

إلى الذين كانوا يتهمونه بالشيوعية كان يقول: «لست شيوعياً، لكن محبة الفقراء هي جوهر الإنجيل». وقبل يوم من رحيله ذهب إلى سجن روما الكبير وجلس لأكثر من ساعة مح المحبوسين بجرائم مختلفة، وعشية وفاته التقى نائب الرئيس الأميركي لدقائق معدودة لم يلفظ خلالها كلمة واحدة مكتفياً بالمصافحة لتبادل التهاني بعيد الفصح.

تجمُّع لأبناء الجالية الفلسطينية في إيطاليا خلال الموعظة الأسبوعية. قال البابا فرنسيس إن ما يعانيه الفلسطينيون في القطاع «مأساوي ومهين لكرامة الإنسان» (أ.ب)

وقف بقوة ضد الحرب في أوكرانيا، وكان الوضع في غزة من الهواجس التي لم تغب مرة واحدة عن مواعظه وتصريحاته. ويوم قال إن ما يعانيه الفلسطينيون في القطاع «مأساوي ومهين لكرامة الإنسان»، أمطرت عليه الانتقادات من نتنياهو وأعضاء حكومته. ومنذ زيارته الأولى إلى جزيرة لامبيدوزا حتى آخر تصريحاته، رفع لواء الدفاع عن المهاجرين، لكنه فشل في أن تعاملهم الدول والحكومات بالرأفة والإنسانية التي كان يشدد على أنهم يستحقونها، ويقول: «المسيح ذاته كان مهاجراً، والمافيا ليست صنيعة الذين يعبرون البحر ويركبون المخاطر للوصول إلى الشواطئ الإيطالية».

البابا فرنسيس يحيي الكرادلة قبل أسبوع من وفاته (أ.ف.ب)

لم يكن فرنسيس عقائدياً بالمعنى السياسي؛ ولذلك لا يمكن تصنيفه يسارياً أو ثائراً، بل كان إصلاحياً بالمفهوم الاجتماعي، جعل من الدين رسالة إيمان وتضامن، ولم يستخدمه أداةً سياسية كما فعل يوحنا بولس الثاني في «حربه» على الأنظمة الشيوعية.

نشأ في بيئة بيرونية مناهضة للفكر الرأسمالي ولما كانت تمثله الولايات المتحدة بالنسبة لأميركا اللاتينية، وكان من الطبيعي أن تظهر ملامح تلك النشأة في مواقفه الاجتماعية ودفاعه عن الفقراء، وأيضاً في رفضه الكثير من الدعوات لزيارة دول غربية مثل فرنسا والمملكة المتحدة واليابان وإسبانيا، وحمل رسالته إلى الأطراف الفقيرة في العالم، من مدغشقر وموزمبيق إلى جنوب السودان والكونغو، ومن ميانمار إلى بنغلاديش والفلبين إلى منغوليا البوذية التي لا يزيد عدد المسيحيين فيها على 1500.

البابا فرنسيس يلتقي الرئيس دونالد ترمب في الفاتيكان 24 مايو 2017 (أ.ب)

تبقى غير مكتملة ثورة فرنسيس في الكنيسة، ولن نعرف مصيرها قبل معرفة اسم البابا المقبل الذي من المنتظر أن ينعقد مجمع الكرادلة لانتخابه مطالع الشهر المقبل بعد انتهاء فترة الحداد الرسمي ومراسم الدفن نهاية الأسبوع الحالي والتي أرادها البابا الراحل بسيطة ومتقشفة مثل حياته، وأوصى أن يوارى في كاتدرائية السيدة مريم الكبرى وليس في الأضرحة الباباوية داخل الفاتيكان.

أجواء الحزن تخيّم على حاضرة الفاتيكان، ممزوجة بالانهماك في التحضير لمراسم وداع البابا الراحل وانتخاب خلف له في ظروف جيوسياسية بالغة التعقيد ترخي بتداعياتها على كنيسة منقسمة على ذاتها.

البابا فرنسيس يصافح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال اجتماع بين الأديان في أبوظبي عام 2015 (أ.ب)

أول اجتماع للكرادلة ينعقد الثلاثاء بالحاضرين منهم في روما، حيث تبدأ المشاورات التمهيدية لاختيار البابا الجديد، في حين بدأت تظهر الترجيحات الأولى في الأوساط الكنسية والإيطالية والدولية وهي جزء من المناورات المعهودة لطرح الأسماء. غموض كثيف يكتنف هذه المرحلة التي تتميز بمجمع كرادلة يضمّ أكبر عدد من الناخبين في تاريخه، موزعين على 71 جنسية ومعظمهم غير معروفين من الجمهور العريض، وبعضهم لا يتكلم حتى اللغة الإيطالية.

ومن باب التبسيط، يمكن القول إن الانقسام داخل المجمع هو بين الكرادلة الإصلاحيين الذين يرغبون في مواصلة المسار الذي حدَّده البابا فرنسيس، وأولئك المحافظين الذين عارضوه بشدة ويطمحون للعودة بالكنيسة إلى المواقف السابقة. ونظراً لحدة المواجهة التي سادت بين الجناحين في السنوات الماضية؛ ثمة خشية من إطلاق حملات تضليلية وأنباء مزيفة للتأثير على قرارات الكرادلة واختياراتهم. ويقود الجناح المحافظ أسقف نيويورك الكاردينال تيموتي دولان والألماني غيرهارد مولير، بينما يبرز في الجناح الإصلاحي الكاردينال جان كلود هولريتش من لوكسمبورغ الذي يعدّ صغر سنه (66 عاماً) عائقاً في وجه انتخابه، والكندي مايكل زيرني اليسوعي هو أيضاً مثل البابا الراحل.

زيلينسكي مع البابا فرانسيس (إ.ب.أ)

في عام 2005 احتاج المجمع أربع دورات انتخابية لانتخاب البابا بينيدكت، وفي عام 2013 خمس دورات لانتخاب البابا فرنسيس، لكن يرجَّح أن يحتاج إلى أكثر هذه المرة كما حصل في عام 1978 عند انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني بعد ثماني جولات تبيّن لاحقاً أنها شهدت تدخلات سياسية على أرفع المستويات من الدول الكبرى. وما يزيد من تعقيدات هذه الدورة أن الفائز يحتاج إلى نيل ما لا يقلّ عن 90 صوتاً، أي ثلثي الناخبين، وبالتالي لا يكفي أن يؤيّده أحد الجناحين المتصارعين داخل الكنيسة؛ إذ لا بد أن يكون انتخابه شبه توافقي.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعرقل طقوس «الفصح» في «كنيسة القيامة»... وإدانات دولية واسعة

المشرق العربي بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يقيم صلاةً بمناسبة أحد الشعانين بعد أن منعته إسرائيل من الوصول إلى كنيسة القيامة (أ.ف.ب)

إسرائيل تعرقل طقوس «الفصح» في «كنيسة القيامة»... وإدانات دولية واسعة

في إجراء لم يحدث «منذ قرون»، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس من دخول «كنيسة القيامة» لإقامة «قداس أحد الشعانين» ضمن طقوس الاحتفال بعيد الفصح.

كفاح زبون (رام الله) شوقي الريّس (روما) «الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

قال أحد كبار رجال الدين الكاثوليك إن الفاتيكان سيعزّز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب، لكنه يريد تجنّب «العسكرة».

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
العالم البابا ليو الرابع عشر يخاطب الناس في ساحة القديس بطرس بمدينة الفاتيكان يوم 17 ديسمبر 2025 (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان ينتقد توظيف الدين لتبرير العنف والنزعة القومية

انتقد البابا ليو الرابع عشر، بابا الفاتيكان، اليوم الخميس، الزعماء السياسيين الذين يستغلون المعتقدات الدينية لتبرير الصراعات أو السياسات القومية.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
شؤون إقليمية البابا ليو يتفقد الطراز المعماري لجامع السلطان أحمد في إسطنبول خلال زيارته له يوم 29 نوفمبر (أ.ب)

بابا الفاتيكان يتجول داخل جامع السلطان أحمد في ثالث أيام زيارته إلى تركيا

زار البابا ليو الـ14 جامع السلطان أحمد في إسطنبول المعروف بـ«الجامع الأزرق» في أول زيارة لدار عبادة ومعلم إسلامي بارز منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)

بابا الفاتيكان يوجّه من تركيا رسائل للوحدة والسلام

شهد اليوم الثاني من زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر لتركيا نشاطاً مكثفاً عبر برنامج مزدحم، وأمضى اليوم متنقلاً بين مدينتَي إسطنبول وبورصة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

قال متحدث باسم صادق خان: «هذا حادث خطير للغاية وقد تمت إحالته إلى مديرية المعايير المهنية بشرطة العاصمة» (أ.ب)
قال متحدث باسم صادق خان: «هذا حادث خطير للغاية وقد تمت إحالته إلى مديرية المعايير المهنية بشرطة العاصمة» (أ.ب)
TT

ضباط شرطة «يتركون حقيبة أسلحة» خارج منزل عمدة لندن

قال متحدث باسم صادق خان: «هذا حادث خطير للغاية وقد تمت إحالته إلى مديرية المعايير المهنية بشرطة العاصمة» (أ.ب)
قال متحدث باسم صادق خان: «هذا حادث خطير للغاية وقد تمت إحالته إلى مديرية المعايير المهنية بشرطة العاصمة» (أ.ب)

تركت شرطة لندن المسلحة التي تحرس عمدة لندن صادق خان حقيبة أسلحة خارج منزله وعثر عليها أحد الأشخاص من عامة الناس. وتقوم شرطة العاصمة بمراجعة ما حدث وتم إعفاء خمسة ضباط من واجباتهم في الخطوط الأمامية. وقالت القوة المعنية في بيان: «نحن ندرك المخاوف التي قد يسببها هذا الأمر وتم إطلاق مراجعة داخلية على الفور لظروف الواقعة».

مبنى شرطة لندن «اسكوتلاند يارد» (أ.ب)

وقال متحدث باسم صادق خان: «هذا حادث خطير للغاية، وقد تمت إحالته إلى مديرية المعايير المهنية بشرطة العاصمة. ويجب على شرطة العاصمة الآن اتخاذ جميع الخطوات لضمان عدم تكرار مثل هذا الحادث مرة أخرى».

وذكرت صحيفة «ذا صن» الشعبية الواسعة الانتشار أن الحقيبة كانت تحتوي على بندقية نصف آلية «إم بي 5» من طراز «هيكلر آند كوخ» ومسدس من طراز «غلوك» وصاعق كهربائي وذخيرة. وقال عامل السقالات غوردان غريفيث للصحيفة إن صديقته عثرت على الحقيبة ملقاة على طريق بجانب الرصيف في جنوب لندن مساء الثلاثاء. وأضاف غريفيث أنه أصيب بـ«الصدمة» بعد اكتشاف ما كان بداخل الحقيبة. وقال للصحيفة: «لم أصدق عيني والتقطت بعض الصور كدليل على ما وجدناه». وتابع: «اتصلت بالشرطة وأخبرتهم بما وجدته، وفي غضون دقائق قليلة جاءوا لتسلم الأسلحة. وعندما وصلوا، أصيبوا بالصدمة حقاً. ونظروا في الحقيبة بعناية وأخذوها سريعاً».

عمدة لندن صادق خان الذي تُركت حقيبة أسلحة خارج منزله وعثر عليها أحد الأشخاص (رويترز)

من جانب آخر، ألقت الشرطة البريطانية، السبت، القبض على شخص رابع في واقعة إحراق سيارات إسعاف تابعة لمؤسسة خيرية يهودية في شمال لندن الشهر الماضي. ويتعلق الاعتقال بشخص لم يتم الكشف عن هويته، للاشتباه بضلوعه في الهجوم الذي وقع في 23 مارس (آذار)، عندما جرى إضرام النيران في 4 سيارات إسعاف كانت متوقفة أمام كنيس يهودي في منطقة غولدرز غرين، فيما وصفه ممثلو الادعاء بأنه هجوم موجه ومدبر ضد اليهود.

ووجهت السلطات البريطانية الاتهام إلى 3 أشخاص بعد استهداف 4 سيارات إسعاف تابعة للجالية اليهودية في هجوم متعمد شمال غربي لندن. ومن المقرر أن يمثل حمزة إقبال (20 عاماً) وريحان خان (19 عاماً)، وهما مواطنان بريطانيان وصبي (17 عاماً)، يحمل الجنسيتين البريطانية والباكستانية، أمام محكمة وستمنستر السبت. وتم اتهام الثلاثة بالحرق العمد بسبب التهور فيما يتعلق بتعريض حياة آخرين للخطر، وذلك بعد إلقاء القبض عليهم في إطار تحقيق لشرطة مكافحة الإرهاب.

وتم إشعال النار في 4 سيارات إسعاف تابعة لشركة «هاتزولا»، وهي خدمة إسعاف يقودها متطوعون وتعمل في منطقة غولدرز غرين، ما تسبب في انفجار عبوات الغاز المخزنة في المركبات، وفقاً لوكالة الأنباء البريطانية «بي إيه ميديا».

الشرطة تفتش أحد المتظاهرين الداعمين لفلسطين في وسط لندن (أ.ب)

وقالت هيلين فلاناجان، رئيسة شرطة مكافحة الإرهاب في لندن: «منذ هذا الهجوم المروع الأسبوع الماضي، عملنا بشكل مستمر للتحقيق وتحديد المسؤولين». وأضافت: «وصل التحقيق الآن إلى مرحلة تم فيها توجيه الاتهام إلى ثلاثة أشخاص وسيمثلون الآن أمام المحكمة».

ولم يتسبب الهجوم بأي إصابات، لكن الشرطة قالت إنها تتعامل معه على أنه جريمة كراهية معادية للسامية. وبينما لم يجرِ الإعلان عن الهجوم على أنه جريمة إرهابية، فإن عناصر مكافحة الإرهاب يقودون التحقيق.

وأعلنت جماعة لم تكن معروفة سابقاً في بريطانيا وتطلق على نفسها «حركة أصحاب اليمين الإسلامية»، واتهمت بأنها على صلة بإيران، مسؤوليتها عن الهجوم. وسبق للجماعة أن أعلنت مسؤوليتها عن هجمات مشابهة في بلجيكا وهولندا.

وأشار مسؤولون في سلطات مكافحة الإرهاب في فرنسا إلى أن الجماعة نفسها قد تكون متورطة بمخطط تم إحباطه لتفجير فرع «بنك أوف أميركا» في باريس يوم 28 مارس.

ومنذ حريق «غولدرز غرين»، تعهّدت الشرطة بتشديد التدابير الأمنية في محيط المواقع اليهودية في لندن.

وفي سياق متصل وقع انفجار عند مدخل مركز داعم لإسرائيل في هولندا ما تسبب بأضرار مادية محدودة، بحسب ما أعلنت الشرطة السبت، بينما نبّهت المنظمة إلى «نمط مثير للقلق» من الحوادث المشابهة في أوروبا. وقالت ناطقة باسم الشرطة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن المركز الذي تديره منظمة «مسيحيون من أجل إسرائيل» غير الربحية في مدينة نايكيرك (وسط) كان خالياً عندما وقع الانفجار عند بوابته ليل الجمعة. وجاء في بيان للشرطة أن «التحقيقات كشفت أن شخصاً يرتدي ملابس سوداء وضع عبوة متفجرة»، داعية أي شهود محتملين على ما جرى، للإدلاء بإفاداتهم.

بقايا متفحمة لإحدى سيارات الإسعاف الأربع التابعة لمنظمة «هاتزولا» في شمال لندن (رويترز)

وأعربت المنظمة عن «صدمتها» حيال ما قالت إنه «نمط مثير للقلق» لحوادث تستهدف مواقع يهودية ومؤيدة لإسرائيل في هولندا وبلجيكا المجاورة. وأفادت في منشور على شبكات التواصل الاجتماعي بأن «الأضرار كانت محدودة لكن الأثر كبير»، معتبرة أن وقوع الحادث «عشية عيد الفصح، المناسبة الأهم بالنسبة للمسيحيين، يجعله أكثر تأثيراً».

من جانبها، حذّرت الشرطة من أنه ما زال من المبكر تحديد دافع للحادثة. وأضافت أن التحقيقات ما زالت جارية ولم يتمّ توقيف أي شخص حتى اللحظة.

تأتي الحادثة بعد سلسلة هجمات مشابهة وقعت خلال الليل في هولندا وبريطانيا وبلجيكا، على وقع الحرب في الشرق الأوسط. ومنذ اندلاع الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أُحرقت مركبة في أنتويرب البلجيكية واستُهدف معبدان يهوديان في مدينتي لييج في بلجيكا وروتردام في هولندا. كما استُهدفت مدرسة يهودية في أمستردام.


بريطانيا: اعتقال شخص رابع في واقعة الحرق العَمد لسيارات إسعاف منظمة يهودية

بقايا متفحمة لإحدى سيارات الإسعاف الأربع التابعة لمنظمة «هاتزولا» اليهودية والتي أُضرمت فيها النيران في حادثة تقول الشرطة إنها تُعامَل كجريمة كراهية معادية للسامية في شمال غربي العاصمة البريطانية لندن (رويترز)
بقايا متفحمة لإحدى سيارات الإسعاف الأربع التابعة لمنظمة «هاتزولا» اليهودية والتي أُضرمت فيها النيران في حادثة تقول الشرطة إنها تُعامَل كجريمة كراهية معادية للسامية في شمال غربي العاصمة البريطانية لندن (رويترز)
TT

بريطانيا: اعتقال شخص رابع في واقعة الحرق العَمد لسيارات إسعاف منظمة يهودية

بقايا متفحمة لإحدى سيارات الإسعاف الأربع التابعة لمنظمة «هاتزولا» اليهودية والتي أُضرمت فيها النيران في حادثة تقول الشرطة إنها تُعامَل كجريمة كراهية معادية للسامية في شمال غربي العاصمة البريطانية لندن (رويترز)
بقايا متفحمة لإحدى سيارات الإسعاف الأربع التابعة لمنظمة «هاتزولا» اليهودية والتي أُضرمت فيها النيران في حادثة تقول الشرطة إنها تُعامَل كجريمة كراهية معادية للسامية في شمال غربي العاصمة البريطانية لندن (رويترز)

قال ممثلو الادعاء اليوم (السبت) إن الشرطة البريطانية ألقت القبض على شخص رابع في واقعة إحراق سيارات إسعاف تابعة لمنظمة يهودية في شمال لندن الشهر الماضي، وذلك في محكمة بلندن؛ حيث مثُل 3 رجال متهمين بالفعل في القضية.

ووُجِّهت لكل من: حمزة إقبال (20 عاماً)، وريحان خان (19 عاماً)، وشاب يبلغ من العمر 17 عاماً لا يمكن الكشف عن اسمه لأسباب قانونية، اتهامات بإضرام النار في 4 سيارات إسعاف تابعة لمنظمة «هاتزولا»، وهي منظمة تطوعية غير ربحية، تستجيب لحالات الطوارئ الطبية، في 23 مارس (آذار)، بينما كانت متوقفة بالقرب من كنيس يهودي في منطقة جولدرز جرين، شمال لندن.

ووصف رئيس الوزراء كير ستارمر الواقعة آنذاك بأنها «هجوم حرق متعمد معادٍ للسامية ومثير للصدمة الشديدة».

أفراد من الشرطة يقفون حراساً خلال مسيرة وسط العاصمة البريطانية لندن يوم 15 مارس 2026 (د.ب.أ)

وذكر موقع «سايت إنتليجنس» الإلكتروني أن جماعة مسلحة متعددة الجنسيات موالية لإيران، تُدعَى «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم. وأضاف الموقع أن الجماعة كانت وراء حرائق مماثلة في أوروبا.

ويقود ضباط مكافحة الإرهاب التحقيق، ولكن الواقعة لا تعامَل حتى الآن على أنها عمل إرهابي.

وقال مدعٍ عام من دائرة الادعاء الملكي، إن الشرطة تعتقد أن 4 أشخاص شاركوا في تنفيذ الهجوم، بينما أُلقي القبض على شخص رابع في المحكمة صباح اليوم، في إطار تحقيق لا يزال جارياً.

ووُجهت إلى 3 رجال تهمتا الحرق العمد بقصد إتلاف الممتلكات، والإهمال الجسيم الذي قد يعرض الأرواح للخطر. ويحمل اثنان منهم الجنسية البريطانية، بينما يحمل الثالث الجنسيتين البريطانية والباكستانية.

ووُضع الثلاثة رهن الحبس الاحتياطي، وأُمر باحتجاز الشاب البالغ من العمر 17 عاماً في مركز احتجاز للأحداث.

وقالت فرقة إطفاء لندن إن أسطوانات عدة في السيارات انفجرت، ما أدى إلى تحطم نوافذ بنايات مجاورة. ولم يتم الإبلاغ عن وقوع إصابات.

ووفقاً للشرطة ومنظمات مجتمعية، تصاعدت الهجمات على اليهود ومؤسساتهم في بريطانيا منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أشعل فتيل الحرب في قطاع غزة.


خيارات أوروبا في مضيق هرمز محدودة ومحفوفة بالمخاطر

سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)
سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)
TT

خيارات أوروبا في مضيق هرمز محدودة ومحفوفة بالمخاطر

سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)
سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)

عندما اجتمع مسؤولون كبار من 40 دولة افتراضياً، هذا الأسبوع؛ لمناقشة سبل إعادة حركة الملاحة إلى مضيق هرمز، قدَّم وزير الخارجية الإيطالي مقترحاً يدعو إلى إنشاء «ممر إنساني» يسمح بمرور آمن للأسمدة وسلع أساسية أخرى متجهة إلى الدول الفقيرة.

هذا الطرح، الذي كشفت عنه روما بعد الاجتماع، كان واحداً من مقترحات أوروبية ودولية عدة تهدف إلى تجنّب تفاقم خطر الأمن الغذائي نتيجة الحرب. لكنه لم يحظَ بتأييد المشاركين، وانتهى الاجتماع من دون خطة ملموسة لإعادة فتح المضيق؛ عسكرياً، أو بوسائل أخرى.

يواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً من الرئيس دونالد ترمب لنشر أصول عسكرية فوراً؛ لإنهاء إغلاق إيران للمضيق، واحتواء أزمة الطاقة والاقتصاد العالمية المتصاعدة. غير أنَّهم رفضوا الاستجابة بإرسال سفن حربية الآن، وبدلاً من ذلك يخوضون نقاشاً محتدماً حول كيفية إعادة فتح الممر الحيوي بعد انتهاء الحرب. لكنهم يواجهون صعوبةً في التوافق على خطة عمل.

ويعكس ذلك بطء آليات الدبلوماسية الأوروبية، فضلاً عن تعدد الأطراف المعنية بضمان أمن المضيق بعد الحرب، بما في ذلك دول الخليج. كما تشترط دول عدة، بينها إيطاليا وألمانيا، أن يحظى أي تحرك دولي بغطاء من الأمم المتحدة، ما قد يبطئ التحرُّك أكثر. ومن المقرَّر أن يناقش القادة العسكريون هذه المسألة الأسبوع المقبل.

لكن، قبل كل شيء، يكشف هذا التعثُّر مدى صعوبة تأمين المضيق في ظلِّ سلام هش - سواء بالنسبة لأوروبا أو غيرها. فجميع الخيارات المطروحة لا تبدو مضمونةً، حتى على افتراض توقف القتال الرئيسي.

مرافقة بحرية

طرح مسؤولون فرنسيون، بينهم الرئيس إيمانويل ماكرون، فكرة أن تتولى السفن الحربية مرافقة السفن التجارية عبر المضيق بعد الحرب. كما دفعت الولايات المتحدة باتجاه أن ترافق الدول سفنها التي ترفع أعلامها الوطنية.

يكمن التحدي في أنَّ المرافقة البحرية مكلفة، وقد لا تكون أنظمة الدفاع الجوي كافية لصدِّ بعض الهجمات، مثل الطائرات المسيّرة إذا استأنفت إيران الهجمات. وتساءل وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: «ما الذي يتوقَّعه العالم - أو دونالد ترمب - من بضع فرقاطات أوروبية في مضيق هرمز لتحقيق ما لا تستطيع البحرية الأميركية تحقيقه وحدها؟!».

إزالة الألغام

أبدت ألمانيا وبلجيكا استعداداً لإرسال كاسحات ألغام لتطهير المضيق بعد الحرب.

لكن قادة عسكريين غربيين يشكّكون في أن إيران زرعت ألغاماً أصلاً، خصوصاً أن بعض سفنها لا تزال تعبر المضيق. وبالتالي قد يكون دور هذه الكاسحات محدوداً.

دعم جوي

يقوم هذا الخيار على نشر مقاتلات وطائرات مسيّرة لاعتراض أي هجمات إيرانية على السفن.

لكن هذا الخيار مكلف أيضاً وغير مضمون. فإيران قادرة على تنفيذ هجمات بسيطة - حتى عبر زورق سريع - وقد يكون نجاح عدد محدود منها كافياً لإخافة شركات التأمين ومالكي السفن ومنعهم من العبور.

مزيج عسكري ودبلوماسي

تقوم هذه الخطة على استخدام الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لردع إيران، إلى جانب نشر أدوات عسكرية متعددة لضمان التنفيذ. ودعت ألمانيا الصين إلى استخدام نفوذها «بشكل بنّاء»؛ للمساعدة في إنهاء النزاع.

ويعدُّ هذا الخيار مكلفاً كذلك وغير مضمون، خصوصاً أن الجهود الدبلوماسية لم تنجح حتى الآن في وقف القتال. ومع ذلك، قد يكون الحل الأكثر واقعية في ظلِّ غياب بدائل أفضل.

ماذا إذا فشلت كل الخيارات؟

أفاد مسؤولون إيرانيون بأنَّهم سيواصلون السيطرة على حركة الملاحة في المضيق بعد الحرب، مع خطط لفرض رسوم عبور على السفن، رغم أنَّ المضيق يُفترَض أن يكون ممراً مفتوحاً بموجب القانون الدولي.

ويهدِّد استمرار الإغلاق بكارثة اقتصادية عالمية، إذ تعتمد دول كثيرة على هذا الممر البحري لنقل الوقود والأسمدة وسلع أساسية أخرى. وفي حين تلوح بوادر نقص في بعض المناطق، تواجه أوروبا ارتفاعاً في أسعار النفط والغاز والأسمدة، ما يثير مخاوف من تضخم مرتفع وتباطؤ اقتصادي.

وقال هانس كونيغ، المدير في شركة «أورورا إنرجي ريسيرش» في برلين إن «التهديد الأكبر حالياً هو الركود التضخمي... ارتفاع الأسعار يخنق النمو الضعيف المتوقع هذا العام».

* خدمة «نيويورك تايمز»