هل يواصل البابا الجديد العاصفة الإصلاحية غير المسبوقة ضد المحافظين؟

البابا فرنسيس اتُّهم بالشيوعية... لكنه كان يقول «لست شيوعياً لكن محبة الفقراء هي جوهر الإنجيل»

يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)
يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)
TT

هل يواصل البابا الجديد العاصفة الإصلاحية غير المسبوقة ضد المحافظين؟

يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)
يبدأ قداس عيد الفصح الساعة الـ8:30 صباحاً بتوقيت غرينتش في «ساحة القديس بطرس» المزيّنة بآلاف الزهور الهولندية (رويترز)

سال حبر كثير، وسيسيل أكثر منه، في مديح البابا فرنسيس، وفي استحضار العاصفة الإصلاحية غير المسبوقة التي أطلقها في الكنيسة الكاثوليكية وكانت نتائجها دون ما طمح إليه. لكن سال الكثير من الحبر أيضاً في التضرّع والدعاء ليعجّل الله في استدعائه إلى جواره.

في تاريخ الكنيسة باباوات اشتهروا بفظائعهم، وآخرون بفحشهم وارتكابهم كل أصناف المعاصي. وكان فيها أيضاً أحبار قديسون واستثنائيون، وفرنسيس كان منهم؛ ولأجل ذلك كان أعداؤه كثراً، أولاً في محيطه الكنسي، وثانياً في الأوساط السياسية اليمينية المتطرفة التي كانت تخشى مواقفه الثابتة إلى جانب الفقراء والضعفاء والمهمشين، وفي طليعتهم المهاجرون الذين كانت محاربتهم منصة صعود هذه الأحزاب في السنوات الأخيرة الماضية.

كرادلة ينشدون تراتيل مسيحية قبل انعقاد مجمعهم عام 2013 في الفاتيكان (أ.ف.ب)

في العاشر من سبتمبر (أيلول) 2015 خصصت مجلة «نيوزويك» الأميركية غلافها للبابا الأرجنتيني تحت عنوان «هل البابا كاثوليكي؟»، وأردفته بالجواب التالي في عنوان فرعي «طبعاً هو كاثوليكي، لكنك لن تستنتج ذلك من قراءة الصحف».

ومنذ ذلك العام لم تهدأ الحملة الشعواء التي أطلقتها ضده الأوساط اليمينية المتطرفة، بخاصة في الولايات المتحدة، حيث الكنيسة الكاثوليكية تجنح كثيراً إلى التماهي مع الفكر الإنجيلي المحافظ الذي يتمتع بموارد ضخمة وقدرة واسعة على التأثير. لكن فرنسيس نادراً ما كان يردّ على تلك الانتقادات التي كانت تتهمه بالكفر والزندقة أحياناً، والتي قال يوماً عن مطلقيها: «بالحزن والكآبة مليئة أفئدتهم، أشعر بالشفقة عليهم لأنهم يستغلون أدنى فرصة للتكشير عن أنيابهم».

لذلك؛ تبدو مواقف الإدارة الأميركية، من زيارة فانس إلى الحبر الأعظم، وتنكيس الأعلام، وإعلان الرئيس ترمب عن مشاركته وزوجته في جنازة البابا، أقرب إلى ركوب موجة شعبية البابا الراحل منها إلى الإعراب الصادق عن تقدير مواقفه وإرثيه الاجتماعي والسياسي.

السيلفي مع البابا فرنسيس وبعض المهاجرين في بولونيا (أ.ب)

طوال عقود كان الفاتيكان يصرّ على أن الأنباء المتداولة حول التحرش الجنسي في الأوساط الكنسية ليست سوى حملات مغرضة من أعداء الكنيسة أو من الذين يعارضون مواقف البابا مثل اعتراضه على غزو العراق. لكن البابا فرنسيس غيّر خطاب الكنيسة بشكل جذري حول هذا الملف الشائك، وكشف عن أن التحرّش بالقاصرين في حالات عدّة طواه البابا يوحنا بولس الثاني طيلة عقود، وأن الكاردينال راتزينغر، الذي أصبح لاحقاً البابا بنيديكت السادس عشر دخل مكتب سلفه حاملاً ملف الفضائح الجنسية وخرج منه بتعليمات واضحة لتأجيل بتّه إلى ظروف أفضل.

إلى الذين كانوا يتهمونه بالشيوعية كان يقول: «لست شيوعياً، لكن محبة الفقراء هي جوهر الإنجيل». وقبل يوم من رحيله ذهب إلى سجن روما الكبير وجلس لأكثر من ساعة مح المحبوسين بجرائم مختلفة، وعشية وفاته التقى نائب الرئيس الأميركي لدقائق معدودة لم يلفظ خلالها كلمة واحدة مكتفياً بالمصافحة لتبادل التهاني بعيد الفصح.

تجمُّع لأبناء الجالية الفلسطينية في إيطاليا خلال الموعظة الأسبوعية. قال البابا فرنسيس إن ما يعانيه الفلسطينيون في القطاع «مأساوي ومهين لكرامة الإنسان» (أ.ب)

وقف بقوة ضد الحرب في أوكرانيا، وكان الوضع في غزة من الهواجس التي لم تغب مرة واحدة عن مواعظه وتصريحاته. ويوم قال إن ما يعانيه الفلسطينيون في القطاع «مأساوي ومهين لكرامة الإنسان»، أمطرت عليه الانتقادات من نتنياهو وأعضاء حكومته. ومنذ زيارته الأولى إلى جزيرة لامبيدوزا حتى آخر تصريحاته، رفع لواء الدفاع عن المهاجرين، لكنه فشل في أن تعاملهم الدول والحكومات بالرأفة والإنسانية التي كان يشدد على أنهم يستحقونها، ويقول: «المسيح ذاته كان مهاجراً، والمافيا ليست صنيعة الذين يعبرون البحر ويركبون المخاطر للوصول إلى الشواطئ الإيطالية».

البابا فرنسيس يحيي الكرادلة قبل أسبوع من وفاته (أ.ف.ب)

لم يكن فرنسيس عقائدياً بالمعنى السياسي؛ ولذلك لا يمكن تصنيفه يسارياً أو ثائراً، بل كان إصلاحياً بالمفهوم الاجتماعي، جعل من الدين رسالة إيمان وتضامن، ولم يستخدمه أداةً سياسية كما فعل يوحنا بولس الثاني في «حربه» على الأنظمة الشيوعية.

نشأ في بيئة بيرونية مناهضة للفكر الرأسمالي ولما كانت تمثله الولايات المتحدة بالنسبة لأميركا اللاتينية، وكان من الطبيعي أن تظهر ملامح تلك النشأة في مواقفه الاجتماعية ودفاعه عن الفقراء، وأيضاً في رفضه الكثير من الدعوات لزيارة دول غربية مثل فرنسا والمملكة المتحدة واليابان وإسبانيا، وحمل رسالته إلى الأطراف الفقيرة في العالم، من مدغشقر وموزمبيق إلى جنوب السودان والكونغو، ومن ميانمار إلى بنغلاديش والفلبين إلى منغوليا البوذية التي لا يزيد عدد المسيحيين فيها على 1500.

البابا فرنسيس يلتقي الرئيس دونالد ترمب في الفاتيكان 24 مايو 2017 (أ.ب)

تبقى غير مكتملة ثورة فرنسيس في الكنيسة، ولن نعرف مصيرها قبل معرفة اسم البابا المقبل الذي من المنتظر أن ينعقد مجمع الكرادلة لانتخابه مطالع الشهر المقبل بعد انتهاء فترة الحداد الرسمي ومراسم الدفن نهاية الأسبوع الحالي والتي أرادها البابا الراحل بسيطة ومتقشفة مثل حياته، وأوصى أن يوارى في كاتدرائية السيدة مريم الكبرى وليس في الأضرحة الباباوية داخل الفاتيكان.

أجواء الحزن تخيّم على حاضرة الفاتيكان، ممزوجة بالانهماك في التحضير لمراسم وداع البابا الراحل وانتخاب خلف له في ظروف جيوسياسية بالغة التعقيد ترخي بتداعياتها على كنيسة منقسمة على ذاتها.

البابا فرنسيس يصافح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال اجتماع بين الأديان في أبوظبي عام 2015 (أ.ب)

أول اجتماع للكرادلة ينعقد الثلاثاء بالحاضرين منهم في روما، حيث تبدأ المشاورات التمهيدية لاختيار البابا الجديد، في حين بدأت تظهر الترجيحات الأولى في الأوساط الكنسية والإيطالية والدولية وهي جزء من المناورات المعهودة لطرح الأسماء. غموض كثيف يكتنف هذه المرحلة التي تتميز بمجمع كرادلة يضمّ أكبر عدد من الناخبين في تاريخه، موزعين على 71 جنسية ومعظمهم غير معروفين من الجمهور العريض، وبعضهم لا يتكلم حتى اللغة الإيطالية.

ومن باب التبسيط، يمكن القول إن الانقسام داخل المجمع هو بين الكرادلة الإصلاحيين الذين يرغبون في مواصلة المسار الذي حدَّده البابا فرنسيس، وأولئك المحافظين الذين عارضوه بشدة ويطمحون للعودة بالكنيسة إلى المواقف السابقة. ونظراً لحدة المواجهة التي سادت بين الجناحين في السنوات الماضية؛ ثمة خشية من إطلاق حملات تضليلية وأنباء مزيفة للتأثير على قرارات الكرادلة واختياراتهم. ويقود الجناح المحافظ أسقف نيويورك الكاردينال تيموتي دولان والألماني غيرهارد مولير، بينما يبرز في الجناح الإصلاحي الكاردينال جان كلود هولريتش من لوكسمبورغ الذي يعدّ صغر سنه (66 عاماً) عائقاً في وجه انتخابه، والكندي مايكل زيرني اليسوعي هو أيضاً مثل البابا الراحل.

زيلينسكي مع البابا فرانسيس (إ.ب.أ)

في عام 2005 احتاج المجمع أربع دورات انتخابية لانتخاب البابا بينيدكت، وفي عام 2013 خمس دورات لانتخاب البابا فرنسيس، لكن يرجَّح أن يحتاج إلى أكثر هذه المرة كما حصل في عام 1978 عند انتخاب البابا يوحنا بولس الثاني بعد ثماني جولات تبيّن لاحقاً أنها شهدت تدخلات سياسية على أرفع المستويات من الدول الكبرى. وما يزيد من تعقيدات هذه الدورة أن الفائز يحتاج إلى نيل ما لا يقلّ عن 90 صوتاً، أي ثلثي الناخبين، وبالتالي لا يكفي أن يؤيّده أحد الجناحين المتصارعين داخل الكنيسة؛ إذ لا بد أن يكون انتخابه شبه توافقي.


مقالات ذات صلة

الفاتيكان يعلن انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر»... والحرمان الكنسي لأساقفتها

أوروبا البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)

الفاتيكان يعلن انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر»... والحرمان الكنسي لأساقفتها

رد الفاتيكان بقوة على جمعية تقليدية رسَّمت أساقفة دون موافقة البابا، ليعلن الفاتيكان انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر» والحرمان الكنسي لأساقفتها.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
العالم البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

دعا البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، جمعية كاثوليكية تقليدية إلى التراجع عن خطّتها القاضية بتعيين أساقفة جدد من دون موافقة الفاتيكان.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في نابولي (رويترز)

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

قال البابا ليو الرابع عشر إنه يشعر بأنه «أول المبارَكين» لدى احتفاله، بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، وذلك خلال زيارة لجنوب إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بومبيي)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر الاثنين بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له.

«الشرق الأوسط» (روما)
المشرق العربي بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يقيم صلاةً بمناسبة أحد الشعانين بعد أن منعته إسرائيل من الوصول إلى كنيسة القيامة (أ.ف.ب)

إسرائيل تعرقل طقوس «الفصح» في «كنيسة القيامة»... وإدانات دولية واسعة

في إجراء لم يحدث «منذ قرون»، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس من دخول «كنيسة القيامة» لإقامة «قداس أحد الشعانين» ضمن طقوس الاحتفال بعيد الفصح.

كفاح زبون (رام الله) شوقي الريّس (روما) «الشرق الأوسط» (تل أبيب)

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا


جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
TT

«عدوى» الاحتجاجات الفرنسية تتوسّع في أوروبا


جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الألبانية تيرانا (أ.ف.ب)

توسّعت موجة الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح فرنسا لتصل إلى دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، في حين تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد، ونقص فرص العمل، وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث يوم السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمحتجين، في حين أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو.

وفي مدينة ليموج، أضرم محتجون النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية، الذي احترق بدرجة كبيرة.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «لا شيء يبرر» أعمال العنف التي تخللتها الاحتجاجات، مبدياً «الغضب والعار» حيال ما حصل، وتوعد من «دمروا ونهبوا» بالمحاسبة.


ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
TT

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الأحد، معلقاً على تظاهرات الأمس وما رافقها من أعمال تخريب ونهب: «نشعر جميعاً هذا المساء بالغضب والعار»، داعياً إلى التمييز بين المتظاهرين الذين يعبّرون عن «مطالب مشروعة» ومرتكبي «أعمال النهب والتحطيم».

وقال ماكرون في كلمة تلفزيونية خاطب فيها الفرنسيين إن «رؤية تخريب شوارع مدننا أمر لا يحتمل»، مؤكداً «دعمه» لأصحاب المتاجر والمحلات التي تعرضت للنهب.

وأوردت حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم اعتقال نحو 2400 شخص، أمس، في فرنسا، خلال يوم من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة تخللته أعمال عنف، فضلاً عن إصابة نحو 1000 من عناصر الشرطة والدرك جروح سبعة منهم خطيرة.


«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.