مراقبون: لوكاشينكو يفوز بولاية سابعة لكن بيلاروسيا تقترب من نهاية عصره

حليفة موسكو قد تشهد خلال الفترة المقبلة مرحلة انتقالية بسبب وضعه الصحي ويصبح تفكك نظامه سيناريو معقولاً

رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية - مينسك 26 يناير 2025 (د.ب.أ)
رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية - مينسك 26 يناير 2025 (د.ب.أ)
TT

مراقبون: لوكاشينكو يفوز بولاية سابعة لكن بيلاروسيا تقترب من نهاية عصره

رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية - مينسك 26 يناير 2025 (د.ب.أ)
رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية - مينسك 26 يناير 2025 (د.ب.أ)

إعلان فوز الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو بفترة رئاسية سابعة في الانتخابات الرئاسية التي أجريت قبل أيام لم يكن مفاجأة لأحد داخل أو خارج بيلاروس.

وبفوزه بولاية جديدة مدتها 5 سنوات تضاف إلى 30 سنة أمضاها في الرئاسة يصبح أحد أطول رؤساء الدول بقاء في السلطة على مستوى العالم.

لوكاشينكو لدى وصوله للإدلاء بصوته في مينسك 26 يناير (إ.ب.أ)

وفي تحليل نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني قال الدكتور ريهور أستابينيا مدير مبادرة بيلاروس في برنامج روسيا وأوراسيا بالمعهد إن الحملة الانتخابية كانت، بطبيعة الحال، عقيمة وغير مثيرة.

ولكن الإشارة العرضية التي أطلقها لوكاشينكو إلى «التغيير الجيلي في السنوات المقبلة» تستحق النظر. وربما كان من الممكن رفض هذه التصريحات باعتبارها مجرد كلام خطابي لولا الإشارات السابقة التي تشير إلى أن السياسة البيلاروسية قد تشهد خلال الفترة المقبلة مرحلة انتقالية.

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أعاد لوكاشينكو تشكيل النظام السياسي في البلاد لتأمين مستقبله، حيث أنشأ منصباً جديداً لنفسه وهو رئيس الجمعية الشعبية لعموم بيلاروسيا، وهو المنصب الذي يخطط لممارسة السلطة من خلاله عند تنحيه عن منصب الرئيس. كما صدرت ضمانات دستورية لحصانة الرؤساء السابقين. وقد انتشرت التكهنات حول صحة لوكاشينكو لفترة طويلة، وخاصة بين معارضيه، حيث ظهر ضعفه الجسدي بشكل متزايد. كما أصبح يعاني من مشكلات في استخدام السلالم ويحتاج إلى سيارة لقطع مسافات قصيرة.

وفي حين تتواصل المناقشات حول توقيت وطبيعة انتقال السلطة، فضلاً عن النيات الحقيقية للوكاشينكو، فإن التغيير بدأ بالفعل، ومن الصعب التنبؤ بالعواقب، ولكن من المرجح أن تخلق عملية التغيير تحديات للجهات السياسية الفاعلة في بيلاروسيا عبر الطيف السياسي وكذلك للغرب، إلى جانب الكرملين، بحسب أستابينيا مؤسس مركز الأفكار الجديدة للدراسات.

المرشحة للانتخابات الرئاسية هانّا كاناباتسكايا (أ.ب)

وإذا كان النظام السياسي في بيلاروس يتحدث عن الانتقال المستقبلي للسلطة، فإن لوكاشينكو وآلته الدعائية تصر على أنه لا غنى عنه لاستقرار البلاد. في المقابل فإن قائمة الخلفاء المحتملين ليست صغيرة كما قد تبدو. فهي تشمل أبناء لوكاشينكو وكبار المسؤولين التكنوقراط وأعضاء جهاز الأمن البيلاروسي، وقد يحظى بعضهم بدعم الكرملين.

لكن التباين بين هؤلاء المرشحين المحتملين كبير، لدرجة أنه من غير الواضح هل يمكن لأي منهم إحكام قبضته على البلاد دون وجود لوكاشينكو نفسه إلى جانبه. وحتى الآن لم يحظَ أي من هؤلاء المرشحين بأي قدر من الاستقلالية في ممارسة السلطة بما قد يشير إلى أنه يتم إعداده للقيادة. وبالتالي فإن تفكك النظام في حال غياب لوكاشينكو يبدو سيناريو معقولاً.

في الوقت نفسه فإن سيناريو حدوث انتقال منظم للسلطة وفق آلية ديمقراطية غير مستبعد تماماً وكذلك غير مؤكد. فرغم القمع الحكومي، يستخدم جزء كبير من المجتمع وسائل الإعلام المستقلة مصدراً أساسياً للأخبار، مع ارتفاع الأعداد خلال الأزمات -وهو ما من شأنه أن يوفر دفعة للقوى الديمقراطية في البلاد. لكن هذه الوسائط لن تكون كافية وحدها للتأثير على الانتقال. فقد غادر بيلاروسيا ما لا يقل عن 200 ألف شخص منذ انتخابات عام 2020، أغلبهم كانوا يشكلون الجزء الأكثر نشاطاً في المجتمع المعارض للنظام، وهو ما يفقد المعارضة قدراً

مع حليفه بوتين (أ.ب)

كبيراً من قوتها، إلى جانب أن القمع المستمر في بيلاروس يجعل من الصعب على من ظلوا في البلاد أن يكونوا قادرين على تنظيم معارضة فعالة.

وفي هذا الصدد، يبدو أن الكرملين مستعد لكي يكون المستفيد الأساسي من رحيل لوكاشينكو. فالعلاقات بين بيلاروس والغرب في أدنى مستوياتها باستمرار، في حين تمتلك روسيا نفوذاً اقتصادياً وعسكرياً هائلاً داخل البلاد.

على الحدود البيلاروسية البولندية (أ.ف.ب)

ورغم أن لوكاشينكو كان تابعاً للكرملين على الدوام، فإنه يخدم روسيا بشروطه الخاصة. وهو يتلقى دعماً مالياً سخياً من موسكو للالتزام بسياستها الخارجية، لكنه يحتفظ بالسيطرة الكاملة على النظام السياسي في بلاده. في الوقت نفسه تتآكل سيادة بيلاروس تحت حكم لوكاشينكو، ببطء، لكن التآكل قد يتسارع إذا فشل خليفته في إدارة العلاقات مع الكرملين بشكل فعال.

وإذا حاول زعيم بيلاروسي جديد إعادة ضبط العلاقات مع الغرب، فالأرجح أن يكثف الكرملين جهوده لتأكيد سيطرته على جارته، حتى مع استمرار حربه في أوكرانيا. فأهداف الكرملين في بيلاروس مماثلة لأهدافه في أوكرانيا، لكنه يسعى إلى تحقيقها من خلال أساليب مختلفة، مثل التكامل الاقتصادي الأعمق، وإقامة المزيد من المنشآت العسكرية الروسية على أراضيها واستخدام بيلاروس بشكل أكبر أداة ضد الغرب.

ورغم أن العديد من العوامل المؤثرة على انتقال السلطة في بيلاروس لا تزال غير معروفة، وأهمها توقيت وطريقة رحيل لوكاشينكو عنها، فإن الغرب يفتقر إلى أي تأثير في هذه العملية.

فتأثير الغرب على لوكاشينكو وخلفائه المحتملين ضئيل، كما أن أهداف الغرب الواضحة، مثل تأمين إطلاق سراح السجناء السياسيين، تبدو بعيدة المنال، وهو لا يستطيع ممارسة الضغط الاقتصادي على بيلاروس بسبب تدهور العلاقات الاقتصادية إلى حد كبير، وتكيف اقتصاد بيلاروسيا مع هذا الوضع بشكل جيد.

كما أن البنية التحتية الديمقراطية في روسيا من مجتمع مدني ووسائل إعلام حرة وتنظيمات سياسية تآكلت بدرجة كبيرة، نظراً لغياب الدعم الغربي من ناحية وممارسات القمع من جانب النظام الحاكم في مينسك من ناحية أخرى.

ومع ذلك ما زال أمام الغرب فرصة للاستعداد لرحيل لوكاشينكو بطريقة تقلل من نفوذ الكرملين بدلاً من تضخيمه.

وجزء من هذا الاستعداد الالتزام بالسياسة القائمة، بما يعني الحفاظ على بقايا البنية الأساسية المؤيدة للديمقراطية من خلال تمويل المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة. كما أنه من المحتمل أن تؤثر العقوبات الاقتصادية أيضاً على عملية انتقال السلطة والطبقة الحاكمة المستقبلية، والتي من المرجح أن يكون العديد منها غير راضٍ عن القيود التي يعاني منها الاقتصاد البيلاروسي بسبب الصدام مع الغرب.

مقاتلات بيلاروسية في طلعات استعراضية في يوم الاستقلال (أ.ب)

من ناحية أخرى، إذا كان الغرب يأمل في الاستفادة بشكل فعال من رحيل لوكاشينكو، فسوف يحتاج إلى اتخاذ خطوات بعيداً عن السياسة الحالية وتشمل: أولاً: تحديد الحلفاء التكتيكيين المحتملين في مينسك، وأصحاب المصلحة المحتملين لنظام ما بعد لوكاشينكو الذين ينظرون إلى روسيا باعتبارها تهديداً، وتحديد كيفية دعمهم، والبدء في القيام بذلك.

ثانيا: التحدث مع النظام البيلاروسي الحالي بشروط بالطبع، والتفاوض معه لإنهاء القمع وإطلاق سراح السجناء السياسيين. وقد تكون هذه الخطوة الأكثر أهمية لخلق بعض الأمل في التغيير في بيلاروس، فإذا لم يكن لدى المجتمع المدني الوقت للتعافي قبل بدء المرحلة الانتقالية، فلن يكون قادراً على التأثير في أحداثها.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

طالب الرئيس الأوكراني بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة، وأشاد الرئيس الأميركي بنظيره الروسي، ويعتقد أن «أوكرانيا قد هُزمت عسكرياً».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن بلاده تعيش حالة من الجمود في انتظار استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

أوكرانيا تطلب توضيحاً من أميركا بشأن مقترح روسيا لوقف إطلاق النار

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف ستطلب توضيحات من فريق الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب بشأن تفاصيل مقترح روسيا لوقف إطلاق نار قصير الأمد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

بروكسل تدرس تشديد شروط قرض 100 مليار دولار لكييف وسفيرة أميركا لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب) p-circle

فون دير لاين تتهم روسيا بإقامة «ستار حديدي رقمي»

اتهمت رئيسة المفوضية الأوروبية، روسيا، الأربعاء، بإقامة «ستار حديدي رقمي» عبر تقييد اتصال مواطنيها بالإنترنت للتستر على تدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة العقوبات.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
TT

فرنسا تستضيف اجتماعاً مخصصاً لحل الدولتين في يونيو

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (رويترز)

أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الخميس، أن باريس ستستضيف اجتماعاً دولياً في 12 يونيو (حزيران) مخصصاً لحل الدولتين للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال بارو، في رسالة مصورة بُثت خلال تجمع من أجل السلام في تل أبيب، إن باريس ستستضيف «مؤتمراً دولياً حتى تتمكن منظمات المجتمع المدني الإسرائيلية والفلسطينية من إيصال أصواتها»، عقب قرار فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين في سبتمبر (أيلول).

والاجتماع من تنظيم ائتلاف «حان الوقت» الذي يقدّم نفسه على أنه تحالف يضم 80 منظمة تعمل معاً لإنهاء النزاع من خلال اتفاق سياسي يضمن لكلا الشعبين الحق في تقرير المصير والحياة الآمنة.

وشارك مئات الأشخاص في المسيرة التي نُظمت، بعد ظهر الخميس، في تل أبيب، بحسب صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعارض حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إحدى أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل، قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة تماماً في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتعمل هذه الحكومة على أرض الواقع على جعل حل الدولتين مستحيلاً، مع توسيعها نطاق الأنشطة الاستيطانية.


الادعاء العام الفرنسي يشتبه في ضلوع مراهق بهجوم سيبراني ضخم

خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
TT

الادعاء العام الفرنسي يشتبه في ضلوع مراهق بهجوم سيبراني ضخم

خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)
خلال الهجوم الإلكتروني تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية والأسماء الكاملة وعناوين البريد الإلكتروني وتواريخ الميلاد وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف (رويترز)

أعلن مكتب المدعي العام في باريس، الخميس، عن اشتباه السلطات الفرنسية في وقوف مراهق (15 عاماً) وراء هجوم سيبراني واسع النطاق استهدف المنصة الوطنية للوثائق وأوراق الهوية وتسجيل المركبات، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

ويعتقد المحققون أن الفتى هو «المخترق» الذي قام بعرض ما بين 12 إلى 18 مليون سجل بيانات مسروق من موقع الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة للبيع.

وذكرت وزارة الداخلية الفرنسية أن الهجوم طال نحو 11.7 مليون حساب، مؤكدة في الوقت ذاته أن البيانات الحيوية (البيومترية) والمستندات المرفقة لم يتم الوصول إليها.

وقد تم احتجاز المراهق على ذمة التحقيقات.

ويتيح موقع الوكالة الوطنية للوثائق المؤمنة للمستخدمين تقديم الطلبات وحجز المواعيد، من بين خدمات أخرى.

وخلال الهجوم الذي وقع منتصف الشهر الجاري، تم الاستيلاء على بيانات تشمل أسماء المستخدمين الإلكترونية، والأسماء الكاملة، وعناوين البريد الإلكتروني، وتواريخ الميلاد، وفي بعض الحالات العناوين البريدية وأرقام الهواتف.


تشارلز الثالث يعلن «تضامنه الدائم» مع الأميركيين في «نصب 11 سبتمبر»

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

تشارلز الثالث يعلن «تضامنه الدائم» مع الأميركيين في «نصب 11 سبتمبر»

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)
ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

يختتم العاهل البريطاني الملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، الخميس، زيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام، بمراسم وداع رسمية في واشنطن يحضرها الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب، في ختام زيارة طغت عليها أبعاد رمزية ودبلوماسية في ظل توترات سياسية بين البلدين.

ومن المقرر أن يضع الملك إكليلاً من الزهور في «مقبرة أرلينغتون الوطنية» في ولاية فرجينيا، حيث يرقد عشرات الآلاف من قتلى الحروب الأميركية، إضافة إلى عدد من الرؤساء وقضاة المحكمة العليا السابقين، قبل أن يتوجه مع الملكة إلى برمودا.

تخفيف التوتر

وجاءت الزيارة التي تزامنت مع الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، في وقت تشهد فيه العلاقات بين لندن وواشنطن توتراً على خلفية حرب إيران، وانتقادات الرئيس الأميركي لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب عدم انضمام بلاده إلى العمليات العسكرية.

وشكّل خطاب الملك أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي أبرز محطات الزيارة، أعقبه عشاء رسمي في البيت الأبيض، حيث شدد تشارلز على عمق الروابط العسكرية والثقافية بين البلدين، وعلى أهمية «حلف شمال الأطلسي»، في وقت يواصل فيه ترمب انتقاد أداء الحلف.

وفي نيويورك، أكد الملك «تضامنه الدائم مع الشعب الأميركي»، خلال زيارته النصب التذكاري لضحايا هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، حيث وضع برفقة الملكة باقة من الورود البيضاء ورسالة بخط اليد عند موقع برجَي مركز التجارة العالمي. وجاء في الرسالة: «نكرم ذكرى الأشخاص الذين فقدوا حياتهم بشكل مأساوي... ونقف متضامنين بشكل دائم مع الشعب الأميركي في مواجهة خسارتهم الفادحة»، وذلك بمناسبة مرور 25 عاماً على الهجمات التي أودت بحياة نحو 3 آلاف شخص.

والتقى تشارلز وكاميلا خلال الزيارة عائلات الضحايا والمسعفين الأوائل ومسؤولين محليين، كما رافقهما رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ، الذي يرأس مؤسسة النصب التذكاري والمتحف.

علاقات متجذّرة

كما شارك الملك في فعالية أقيمت في دار «كريستيز» للمزادات، ركزت على الروابط الثقافية بين ضفتَي الأطلسي ودعم مؤسسة «كينغز تراست» للشباب، بحضور شخصيات بارزة، من بينها آنا وينتور وليونيل ريتشي ودوناتيلا فيرساتشي وستيلا مكارتني.

وأكّد تشارلز خلال المناسبة أن العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة «متجذرة في الإبداع المشترك والقيم»، مضيفاً: «معاً نكون أقوى». كما ناقش فرص الاستثمار في المملكة المتحدة مع قادة أعمال، بينهم مسؤولو شركات كبرى مثل «ألفابت» و«بلاكستون».

وفي إطار برنامج الزيارة، قام الملك أيضاً بزيارة مشروع للزراعة المستدامة في حي هارلم، في حين شاركت الملكة كاميلا في فعالية ثقافية في مكتبة نيويورك العامة احتفاءً بمرور مائة عام على شخصية «ويني ذي بوه»، بحضور الممثلة سارة جيسيكا باركر والكاتب هارلان كوبن.

وشهدت الزيارة إجراءات أمنية مشددة، جاءت بعد أيام من محاولة اغتيال استهدفت ترمب في واشنطن، في حين وصف مسؤولون بريطانيون الاستقبال الأميركي بأنه «حافل»، تضمن مراسم رسمية، وإطلاق 21 طلقة تحية، وعشاء دولة.

ورغم الأجواء الاحتفالية، ألقت الخلافات السياسية بظلالها على الزيارة، إلا أن تشارلز سعى في خطابه أمام الكونغرس إلى تهدئة التوتر، قائلاً: «مهما كانت خلافاتنا... فإننا نقف صفاً واحداً في تصميمنا على دعم الديمقراطية»، مؤكداً أن شراكة البلدين «وُلدت من رحم الخلاف، لكنها لم تكن أقل قوة بسببه».