ولادة متعثرة للحكومة الفرنسية بعد مساومات ومناورات مستفيضة

ماكرون أبقى على 3 وزارات سيادية بين يديه

الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)
TT

ولادة متعثرة للحكومة الفرنسية بعد مساومات ومناورات مستفيضة

الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات وتعيين حكومة مشتركة بين معسكره واليمين التقليدي (إ.ب.أ)

يتعين الاعتراف بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نجح في قلب نتائج الانتخابات البرلمانية، التي جرت جولتها النهائية يوم 7 يوليو (تموز) لصالحه، رغم الهزيمة التي لحقت بمعسكره الذي فقد في البرلمان الجديد نحو 100 نائب، ومعها خسر الأكثرية المطلقة. ويكفي النظر للحكومة الجديدة التي أعلن تشكيلها برئاسة المفوض الأوروبي ميشال بارنييه، بعد مشاورات ومناورات دامت أسبوعين، ليتبين أن ما حصل ليس حكومة جديدة، بل هي أقرب إلى تعديل وزاري.

والدليل على ذلك أن الوزارات الرئيسية، الخارجية والدفاع والاقتصاد، يشغلها وزراء ينتمون إلى المعسكر الرئاسي. والاستثناء الوحيد، على مستوى الوزارات السيادية، يكمن في إيكال وزارة الداخلية وما وراء البحار إلى برونو ريتايو، رئيس مجموعة اليمين التقليدي في مجلس الشيوخ، وهو الأبرز بين الوزراء الذين ينتمون لتياره. وكان أحد الأثمان التي قبل إيمانويل ماكرون وبارنييه بدفعها لحزب «اليمين الجمهوري» (سابقاً الجمهوريون) لقبول الانضمام للحكومة.

عملياً، ونظراً للتحالف الحكومي بين الأحزاب الداعمة لماكرون؛ وهي «معاً من أجل الجمهورية» و«هورايزون» و«الحركة الديمقراطية» و«اليمين الجمهوري» يكون ماكرون قد حقّق ما كان يريد تحقيقه منذ أكثر من سنتين، وهو قيام تحالف بين هذين المكونين. ووفق المحللين كافة، فإن الحكومة الجديدة هي الأكثر يمينية، بل إن بعض طروحات وزرائها، وعلى رأسهم وزير الداخلية الجديد، تدفع بها إلى اليمين المتشدد، فضلاً عن أن بارنييه، الذي أخذ الفرنسيون يعدّونه «الشخصية المفضلة» لديهم، ليس وسطياً.

وما تناوله خلال الأسبوعين الماضيين ينم عن يمينيته، خصوصاً بشأن ملفي الهجرات والأمن والمسائل الاجتماعية، مثل قانون التقاعد. ومنذ تعيينه، لم يتردد معارضوه من العودة إلى برنامجه عندما كان مرشحاً رئاسياً عام 2022، حيث قدّم طروحات محافظة للغاية.

حكومة يمينية بامتياز

صورة مركبة للوزراء الرئيسيين في الحكومة الجديدة التي ولدت بعد 15 يوماً من المشاورات (أ.ف.ب)

تفيد الأرقام أن الحكومة الجديدة تحظى بدعم ما بين 215 و230 نائباً في البرلمان، بينما الأكثرية المطلقة تتطلب 289 نائباً، فيما بقية المجلس تتشكل من نواب «الجبهة الشعبية الجديدة» (أي أحزاب اليسار والخضر)، ونواب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن. والحال أنه من غير الضوء الأخضر الذي أعطته لوبن لترشيح بارنييه، ما كان هذا الأخير سيكلف تشكيل الحكومة. ولكن لوبن، التي وعدت مباشرة أو بالواسطة، الرئيس ماكرون بأن نوابها لن ينضموا إلى نواب اليسار لسحب الثقة من الحكومة لدى أول مناسبة، تريد «ثمناً» لتسامحها يتعين أن تقبضه من خلال «تناغم» سياسات بارنييه في ملفات الهجرات والأمن والمطالب الأخرى. من هنا، تفهم الأسباب التي دفعت ماكرون وبارنييه إلى تسليم حقيبة الداخلية إلى روتايو، كدليل على التجاوب الضمني مع ما تريده لوبن.

بالنظر إلى ما سبق، فإن حكومة بارنييه تواجه ألغاماً وتحديات كثيرة، وتفتقد الانسجام والدعم المطلق حتى من نواب المعسكر الماكروني. وبأي حال، ثمة قناعة راسخة أن ماكرون لن يتردد، الصيف المقبل، في حل البرلمان مرة جديدة من أجل تغيير التوازنات الحالية داخله، حيث تشكّل 3 مجموعات كبيرة؛ أولاها مجموعة اليسار، تليها مجموعة المعسكر الماكروني، وثالثتها مجموعة اليمين المتطرف.

ومنذ اليوم الأول من عمر الحكومة، وصف أوليفيه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، الحكومة بأنها «رجعية تشكل استهزاء بالديمقراطية»، مؤكداً أن حزبه سيعمد إلى طرح الثقة بالحكومة سريعاً، فيما عدّها زعيم حزب «فرنسا الأبية» والمرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون «فاقدة للشرعية السياسية»، داعياً إلى التخلص منها «بأسرع وقت».

وحثّ الرئيس (الاشتراكي) السابق فرنسوا هولند، المعروف باعتداله، رفاقه في الحزب إلى عدم التأخر في طرح الثقة. وبانتظار أن يعود مجلس النواب إلى الالتئام، وأن يستمع النواب إلى البرنامج الذي من المفترض ببارنييه أن يقدّمه في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، فإن تعبير اليسار عن رفض ما يسمونه «سرقة نتائج الانتخابات» يتخذ 3 أشكال؛ أولها مسار تنحية ماكرون في البرلمان بالاستناد إلى النصوص الدستورية. وثانيها تواصل المظاهرات كل يوم سبت في باريس وكثير من المدن الكبرى والمتوسطة، وثالثها سحب الثقة من الحكومة.

مخاطر السقوط في البرلمان

رئيسا الحكومة السابق والحالي غابرييل أتال وميشال بارنييه لدى احتفالية التسلم والتسليم يوم 5 سبتمبر (أ.ف.ب)

بيد أن ماكرون مطمئن بالنسبة للمسار الأول بالغ التعقيد قانونياً، الذي يتطلب تبنيه تصويت ثلثي النواب والشيوخ لصالحه. والحال أن أمراً كهذا غير متوافر. كذلك، فإن المظاهرات لن تُفضي إلى إسقاط الحكومة أو استقالتها، لأنها حتى اليوم لم تحشد ما يكفي من الدعم الشعبي، خصوصاً أن نسبة من المواطنين تريد أن تعطيها الفرصة لكي تبدأ العمل، وأن تنظر لاحقاً في النتائج.

وبأي حال، يعدّ المحللون أن سقوط بارنييه سيوجد مشكلة مستعصية، وسيعيد الأزمة السياسية إلى المربع الأول، باعتبار أن توازنات البرلمان لن تتغير، وأنه لن يحق لماكرون، وفق النصوص الدستورية، حل مجلس النواب مجدداً قبل مرور عام كامل على حلّه المرة الأولى. أما تضافر اليسار واليمين المتطرف لإسقاط الحكومة، فإنه مستبعد أقله على المدى المنظور، لأن لوبن ستمثل، بدءاً من أول أكتوبر (تشرين الأول) أمام محكمة الجنايات في باريس مع 26 من زملائها، للاشتباه في اختلاس أموال أوروبية مخصصة لتوظيف مساعدين برلمانيين من أجل دفع رواتب موظفي التجمع الوطني. وتطعن زعيمة الحزب في التهم الموجهة إليها. ولذا، سيكون من الصعب عليها وعلى نوابها أن يخوضوا معركتين في وقت واحد: سياسية وقضائية. من هنا، فإن سقوط الحكومة السريع ليس مرتقباً.

كثيرة هي التحديات التي تواجهها حكومة بارنييه، وأوّلها إيجاد الانسجام بين مكوناتها ودعمها للعمل بوجهة واحدة. وتحديها الثاني عنوانه إقرار ميزانية عام 2025، التي تأخر إيصالها إلى مكتب البرلمان ليبدأ النظر في فقراتها، علماً أنه يتعين على وزارة المالية أن تعمد إلى اقتطاع مخصصات بالمليارات. والحال أن فرنسا بعيدة جداً عن معاييير الاتحاد، الذي يفرض على أعضائه ألا يزيد عجز الميزانية عن 3 بالمائة، فيما عجز فرنسا يجاور 6 بالمائة. وتجدر الإشارة الى أن ديون فرنسا تزيد على 3 آلاف مليار يورو.

الحقائب السيادية بيد ماكرون

تفتقر الحكومة الجديدة إلى شخصيات سياسية وازنة، لأن أنظار هذه الشخصيات شاخصة نحو الاستحقاقات الانتخابية، ولا تريد أن «تحرق أجنحتها» في حكومة قصيرة العمر. ونجح ماكرون في الإبقاء على وزير الدفاع سيباستيان لوكورنو في منصبه، وعيّن في الخارجية جان نويل بارو، الذي كان سكرتير دولة للشؤون الأوروبية في الحكومة السابقة. وينتمي بارو إلى «الحركة الديمقراطية» الوسطية، ولا تعرف عنه مواقف محددة، ولا شك أنه سيكون أداة طيعة بيدي ماكرون كما حال لوكورنو.

وعيّن بنجامين حداد وزيراً للشؤون الأوروبية، وكان انتخب نائباً في الانتخابات الأخيرة على اللائحة الرئاسية. بيد أن حداد معروف بميوله الأطلسية وبتأييده المطلق لأوكرانيا وإسرائيل. وسبق له أن عمل في واشنطن لصالح المركز اليميني المعروف «أتلانتيك كاونسل». أما أنطوان أرماند، فتسلّم حقيبة المالية، وهو بالغ من العمر 33 عاماً. وقد انتخب على اللائحة الرئاسية نائباً مرتين، وكان يفترض به أن يترأس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب لو لم يعطَ حقيبة المالية، التي هي الأخطر في الوقت الراهن. وعُيّن إلى جانبه لوران سان مارتان، بصفته سكرتير دولة.

وإلى جانب وزراء الوسط واليمين، هناك وزير «يساري» واحد هو وزير العدل ديديه ميغو، الاشتراكي السابق البالغ من العمر 72 عاماً، وسبق له أن تقلد مناصب إدارية رفيعة، وانتخب نائباً لفترات طويلة.


مقالات ذات صلة

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

العالم لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

يعتزم الرئيس الفرنسي خلال لقائه المرتقب مع نظيره الأميركي، الاثنين، التحدث معه «بصراحة» لمحاولة «توجيهه نحو القرارات الصائبة»، ولا سيما في شأن أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر الإليزيه (رويترز)

خطة فرنسية لتحرير الملاحة في «هرمز» 6 أشهر

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجتمع بالرئيسين الأميركي والإيراني في نيويورك لبحث مقترح فرنسي لتحرير الملاحة في مضيق هرمز لفترة 6 أشهر.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك بكييف يوم 6 سبتمبر الحالي (أ.ب) p-circle

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية... وماكرون يهدد بالرد على «الهجمات الهجينة»

زيلينسكي يستقبل قادة 7 دول في قمة إقليمية، وماكرون يهدد بالرد على الهجمات الهجينة، وروسيا تتعرض لهجوم بمئات المسيّرات مع بدء الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (كييف - لندن)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان وماكرون يبحثان جهود تعزيز أمن المنطقة

بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصالٍ هاتفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

انطلاق محاكمة حادثة تحطّم طائرة شرم الشيخ سنة 2004 أبريل المقبل في فرنسا

عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)
عُثر على حطام الطائرة قبالة سواحل منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر (أ.ف.ب - أرشيفية)

تنطلق محاكمة كارثة تحطّم طائرة شرم الشيخ في مصر أمام القضاء الفرنسي في 26 أبريل (نيسان)، وفق ما أفاد مصدر قضائي، الثلاثاء، بعد 23 عاماً على الحادث الذي أودى بـ148 شخصاً، بينهم 135 فرنسياً، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان محمد نور، المصري البالغ 72 عاماً والرئيس السابق لمجلس إدارة شركة الطيران المنخفض التكلفة «فلاش إيرلاينز» التي صُفّيت لاحقاً، أُحيل في مارس (آذار) 2025 إلى محكمة الجنح في باريس بتهمة القتل غير العمد.

ومن المقرر أن تُعقد محاكمته بين 26 أبريل و11 يونيو (حزيران) 2027 أمام الدائرة المختصة بالحوادث الجماعية والصحة العامة.

وبحسب قرار الإحالة الصادر عن قضاة التحقيق، الذي اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، سيُحاكم نور خصوصاً للاشتباه في أنه، بصفته رئيساً لشركة «فلاش إيرلاينز»، «أنشأ أو أسهم في إنشاء» الظروف التي أتاحت وقوع الحادث، و/أو لم يتخذ التدابير اللازمة لتفاديه.

وفي الثالث من يناير (كانون الثاني) 2004، سقطت طائرة تابعة لـ«فلاش إيرلاينز» في البحر الأحمر بعد ثلاث دقائق من إقلاعها من مدينة شرم الشيخ الساحلية، ما أسفر عن مقتل ركابها الفرنسيين الـ135 وأفراد طاقمها الـ13، في واحدة من أكثر كوارث الطيران دموية التي راح ضحيتها فرنسيون.

وبعد قرار بحفظ القضية عام 2017، أمرت محكمة استئناف باريس عام 2019، بناء على طلب عائلات الضحايا، باستئناف التحقيق على يد قضاة مختصين بالحوادث الجماعية، معتبرة أن المحاولات المبذولة خلال التحقيق للحصول على إفادات الرئيس السابق لمجلس إدارة «فلاش إيرلاينز» كانت «غير كافية».

ووُجّهت إلى نور رسمياً تهمة القتل غير العمد في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2021.

ويأخذ عليه قضاة التحقيق قصوراً في تدريب الطيارين، ومنح قائد الطائرة صفة قبطان بسرعة مفرطة، وعدم ضمان حصول الطيارين على فترات راحة كافية بين الرحلات.

ويواجه رجل الأعمال المصري عقوبة تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة مقدارها 450 ألف يورو.


ترمب يوقع اتفاقاً يبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية

الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يوقع اتفاقاً يبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية

الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي مصافحاً رئيسة وزراء الدنمارك في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتفاقاً مع الدنمارك وغرينلاند يهدف إلى تعزيز أمن القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، ليخفف التوترات بشأن دعواته المتكررة لأن تصبح غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة. وإلى جانب ترمب، وقّعت الاتفاقية رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، ورئيس وزراء غرينلاند ينس - فريدريك نيلسن. وقال ترمب، قبل توقيع الاتفاق مباشرة: «هذا أمر هائل بالنسبة لأوروبا والولايات المتحدة وللجميع. وبالنسبة لغرينلاند، سيكون الأمر مذهلاً».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع نظرائه من دول وأقاليم القطب الشمالي (رويترز)

ويأتي توقيع الاتفاق الثلاثاء، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بعد أيام من إعلان ترمب عن الاتفاق الذي يستهدف تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الجزيرة الجليدية الشاسعة، مع إبقائها تحت السيطرة الدنماركية. ولم تقدم الحكومات سوى تفاصيل قليلة عن الاتفاق قبل التوقيع.

وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، صباح الثلاثاء، قدّم ترمب تفاصيل محدودة عن الاتفاق. وقال: «سنبدأ على الفور عملية تطوير وجود عسكري كبير في المواقع المناسبة»، بما في ذلك «بناء قاعدتين عسكريتين كبيرتين للغاية». وكان ترمب أصرّ في السابق على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى «الاستيلاء على غرينلاند» لمنع روسيا أو الصين من فعل الشيء نفسه. وعلى الرغم من أن ترمب قال إنه يفضل «عقد صفقة» بشأن الجزيرة، فإنه أضاف: «بطريقة أو بأخرى، سنحصل على غرينلاند»، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي.

وكان قد جرى التوصل إلى الاتفاق الأسبوع الماضي، وهي أرض تابعة للدنمارك، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وعندما رفض ترمب استبعاد استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية للاستحواذ على الجزيرة، أدّى ذلك إلى نشوب أزمة دبلوماسية داخل حلف شمال الأطلسي في يناير (كانون الثاني)، وأجبر الدنمارك وحكومة الجزيرة على الدخول في مفاوضات مكثفة.

ورحّب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الثلاثاء، بالاتفاق الأمني، ووصفه بأنه «خطوة إيجابية للتعاون عبر (الأطلسي) و(الأمن) في القطب الشمالي». وكتب عبر منصة «إكس»: «الاتحاد الأوروبي مستعد لمواصلة العمل بشكل وثيق مع غرينلاند والدنمارك وشركائنا عبر (الأطلسي) من أجل منطقة قطبية شمالية سلمية وآمنة ومزدهرة»، قائلاً إن الاتفاق «يرتكز على احترام السيادة والسلامة الإقليمية وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير».

منظر عام لمدينة نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

ووصف وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الاتفاق بأنه ضمان في مواجهة النفوذ الصيني في الجزيرة القطبية ذات الأهمية الاستراتيجية في القطب الشمالي. ونقلت شبكة «فوكس نيوز»، الثلاثاء، عن روبيو وصفه الاتفاق بأنه «رائع» و«لا تاريخ انتهاء له». وأضاف: «إنه يسمح لنا ببناء العدد اللازم من القواعد العسكرية». ويتيح الاتفاق للولايات المتحدة والدنمارك فحص الاستثمارات الأجنبية المستقبلية بشكل مشترك.

وذكر روبيو أن الهدف هو تجنب الاستيقاظ في يوم، وإدراك أنه «حسناً، أجل، الجيش الصيني ليس هنا، لكن شركاتهم تملك جميع الموانئ، وشركاتهم تملك الأرض».

ومن المقرر أن يصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن الأربعاء في زيارة تستمر عدة أيام، يلتقي خلالها ترمب. ويمكن أن يلقي اتفاق غرينلاند بظلاله على الاجتماع. قال الكرملين، الثلاثاء، إن الاتفاقية بين ​الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند شأن يخص الأطراف المعنية، مضيفاً أن التعاون ‌بين روسيا ‌وواشنطن ​في ‌منطقة القطب ⁠الشمالي ​ليس أمراً مدرجاً ⁠حالياً على جدول الأعمال.

وردّاً على سؤال عما إذا كان ‌التعاون في القطب الشمالي مطروحاً للنقاش بين ⁠موسكو ⁠وواشنطن؟ قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين: «في الوقت الراهن، مسألة التعاون في القطب الشمالي ليست على جدول الأعمال. فالأميركيون والدول الأخرى بالقطب الشمالي يرفضون التعاون ​مع ​روسيا».

قالت 3 مصادر مطلعة لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة تعتزم إعادة فتح قاعدة عسكرية سابقة تعود إلى حقبة الحرب الباردة في جنوب غرينلاند، إلى جانب الوجود عسكرياً في قاعدة على الساحل الشرقي، تستخدمها حالياً دوريات الزلاجات الدنماركية، وذلك بموجب الاتفاق الذي تم توقيعه بين الأطراف الثلاثة؛ الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند.

وذكر مصدران أن الموقعين هما نارسارسواك، التي تقلص عدد سكانها إلى بضع عشرات، منذ أن أغلقت الولايات المتحدة قاعدة «بلوي ويست وان» العسكرية في خمسينات القرن الماضي، إلى جانب ميسترسفيج، وهي نقطة عسكرية نائية تستخدمها حالياً دورية سيريوس للزلاجات التي تجرها الكلاب، وهي وحدة من القوات الخاصة الدنماركية.

رئيسة الوزراء الدنماركية ورئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس حكومة غرينلاند في نوك عاصمة غرينلاند (إ.ب.أ)

ولم يُنشر نص الاتفاق علناً، وقالت المصادر، التي طلبت عدم كشف هوياتها، إن تفاصيله لن تصبح نهائية قبل توقيعه. ولم ترد حكومتا الدنمارك وغرينلاند ولا البيت الأبيض بعدُ على طلبات للتعليق.

وتقول الدنمارك إن الاتفاق يضع أمن منطقة القطب الشمالي تحت إشراف حلف شمال الأطلسي بدلاً من أن يبقى محصوراً بين الولايات المتحدة والدنمارك وحدهما.

وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، إن الاتفاق سيبقي غرينلاند تحت السيادة الدنماركية، واصفة إياه بأنه «اتفاق جيد» يصبّ في مصلحة جميع الأطراف، بحسب ما ذكرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وقالت فريدريكسن، لوسائل إعلام محلية: «لن نتنازل عن السيادة، وأستطيع أن أضمن أنني لن أفعل ذلك أبداً بصفتي رئيسة وزراء الدنمارك». وأضافت فريدريكسن أنه «من الممكن تماماً الحفاظ على السيادة مع تعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع».

وتقع غرينلاند بين القطب الشمالي وأميركا الشمالية، وتحتوي على موارد هائلة من الطاقة. وكانت مستعمرة في السابق قبل أن تصبح أراضي شبه مستقلة تابعة لمملكة الدنمارك.


الكرملين منفتح على محادثات مع «البديل من أجل ألمانيا»

دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)
دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)
TT

الكرملين منفتح على محادثات مع «البديل من أجل ألمانيا»

دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)
دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين (د.ب.أ)

أعربت روسيا اليوم الثلاثاء عن استعدادها لإجراء محادثات مع «حزب البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، في أعقاب النجاح الكبير الذي حققه الحزب الموالي للكرملين في انتخابات الولايات الأخيرة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وقال دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين في تصريحات نقلتها وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء إن تصريحات «حزب البديل من أجل ألمانيا» بشأن استئناف العلاقات مع روسيا «تثير إعجابنا».

وفاز حزب «البديل من أجل ألمانيا» المناهض للمهاجرين، في الانتخابات الإقليمية التي جرت في ولاية مكلنبورج - فوربومرن شمال شرقي ألمانيا أول من أمس الأحد، محققاً أكثر من ضعف نتائجه السابقة.

كما حقق الحزب مكاسب كبيرة في برلين، بعد أسبوعين من فوزه في الانتخابات في ولاية ساكسونيا - أنهالت القريبة، حيث يجري محادثات لتشكيل أول حكومة يمينية متطرفة في ألمانيا منذ الحقبة النازية.

وأفاد بيسكوف بأن النجاح الانتخابي الأخير الذي حققه الحزب يظهر أنه يتمتع بشعبية متزايدة بشكل مطرد بوصفه قوة سياسية، ورحب كذلك باستعداده لبناء علاقات مع موسكو.

وذكر: «بالطبع، تبدو مثل هذه التصريحات أكثر ملاءمة بالنسبة لنا من تلك التي أدلى بها (المستشار الألماني فريدريش) ميرتس، الذي لم يميز نفسه بشكل أساسي إلا من خلال تصريحات المواجهة الموجهة إلى الاتحاد الروسي».

وسخرت القيادة الروسية بشكل متكرر من المستشار الألماني ميرتس ووصفته بأنه «داعية للحرب» و«كاره لروسيا» بسبب دعم بلاده لأوكرانيا.

وعلى الجانب الآخر، يدعو «حزب البديل من أجل ألمانيا» إلى إنهاء عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا وكذلك وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا.