إدارة ترمب تصعّد خطابها ضد الهجرة في أوروبا

فانس تحدّث عن «موت حضاري»... وهيغسيث حذّر من «آيديولوجيات خطيرة» تصل بحراً

جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)
TT

إدارة ترمب تصعّد خطابها ضد الهجرة في أوروبا

جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة بعد نشر فيديو احتجاز الطالب البريطاني الراحل هنري نواك في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)

جدّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقاداتها لسياسة الهجرة في دول أوروبية، عقب تصريحات لنائب الرئيس جي دي فانس أثارت جدلاً واسعاً في لندن، وأخرى أدلى بها وزير الحرب بيت هيغسيث في نورماندي.

واتهم فانس، الجمعة، بريطانيا بالتعامل مع مقتل طالب أبيض على يد رجل سيخي بطريقة تعكس، على حد قوله، «تراجعاً حضارياً» ناجماً عن «غزو» المهاجرين، في تصريحات أثارت إدانة سريعة من مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي رفض محاولات «التدخل في ديمقراطيتنا». وقال فانس، في منشور على منصة «إكس»، إن هنري نواك، البالغ 18 عاماً، «مات بالطريقة نفسها التي تموت بها الحضارات: متروكاً، ومقيّداً بالأصفاد من جانب سلطات لم تثق به، ولم تكترث لأمره، ومتهماً بجرائم كراهية لم يرتكبها». وأضاف: «مقتله مأساوي بقدر ما هو مثير للغضب».

مقتل طالب بريطاني

وتحوّلت قضية نواك، الذي قُيّد بالأصفاد بينما كان يحتضر بعد تعرضه للطعن على يد فيكروم ديغوا في مدينة ساوثهامبتون بجنوب إنجلترا في ديسمبر (كانون الأول)، إلى محور غضب في أنحاء العالم، كما تسببت في أعمال شغب داخل بريطانيا. وكان ديغوا، البالغ 23 عاماً، قد كذب على الشرطة قائلاً إنه هو الضحية، وإن نواك وجّه إليه إهانات عنصرية.

ودخل الملياردير الأميركي إيلون ماسك، مالك منصة «إكس» وصديق فانس، على خط القضية، ونشر مراراً تعليقات حول تعامل الشرطة مع واقعة الطعن. كما علّقت وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، منددة بما وصفته بـ«شرطة ذات معايير مزدوجة».

ويُعدّ فانس أرفع مسؤول في إدارة الرئيس دونالد ترمب يعلّق على القضية حتى الآن. وقال إن نواك «كان ينبغي أن يكون على قيد الحياة اليوم، وكان سيبقى كذلك لو أن أجيالاً متعاقبة من النخب الأوروبية تمسكت بمواقفها في مواجهة سياسات جلد الذات والغزو الجماعي للمهاجرين، الذين يحتقر كثيرون منهم الغرب ومن يحبونه». وأضاف: «لم يكن هنري أول من يفقد حياته بهذه العبثية، وأخشى ألا يكون الأخير».

ورفضت الحكومة البريطانية التدخل الأميركي في القضية، وقال متحدث باسم رئيس الوزراء كير ستارمر: «رأينا أشخاصاً يحاولون التدخل في ديمقراطيتنا والسعي إلى إذكاء الانقسام في شوارعنا». وأضاف أن عائلة الطالب هنري نواك قالت إنها لا تريد استخدام مقتله «لخلق مزيد من الانقسام أو الكراهية أو التوتر». وكان ستارمر نفسه قد اتهم ماسك، الخميس، بأنه «يحاول تأجيج الانقسام» في بريطانيا.

«آيديولوجيات خطيرة»

جاءت تصريحات فانس في سياق انتقادات أوسع يوجّهها مسؤولون كبار في إدارة ترمب إلى أوروبا بسبب سياسات الهجرة. ففي خطاب ألقاه، السبت، في مقبرة نورماندي الأميركية في كولفيل سور مير، خلال إحياء الذكرى الثانية والثمانين لإنزال الحلفاء في نورماندي، حذّر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث من أن أوروبا تواجه ما سماه «غزواً» من «آيديولوجيات خطيرة» تصل بحراً.

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يضع زهوراً أمام المقبرة الأميركية في كولفيل - سور- مير خلال إحياء ذكرى إنزال الحلفاء بنورماندي (أ.ب)

وقال هيغسيث، رابطاً ملف الهجرة بإرث إنزال نورماندي الذي أطلق تحرير أوروبا الغربية من الاحتلال النازي: «للأسف، تتعرض شواطئ أوروبية مختلفة اليوم للاقتحام من جانب آيديولوجيات مختلفة وخطيرة. على شواطئ إسبانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا، تصل القوارب والرجال». وأضاف: «متى ستفعل العواصم الأوروبية شيئاً حيال هذا الغزو؟ أم أن الأوان قد فات؟ أدعو ألا يكون قد فات، وأؤمن بأنه لم يفت».

وتعكس تصريحات هيغسيث وفانس خطاباً متصاعداً داخل إدارة ترمب تجاه أوروبا، إذ تتّهم واشنطن القارة بأنها تعاني من ضعف في الدفاعات، وعجز عن ضبط الهجرة، وبيروقراطية مفرطة، و«رقابة» على أصوات اليمين المتطرف والقوميين لمنعهم من الوصول إلى السلطة.

متظاهرون اشتبكوا مع قوات الأمن في ساوثهامبتون يوم 2 يونيو (أ.ف.ب)

وكانت وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية، الصادرة العام الماضي، قد حذّرت من أن أوروبا تواجه «محواً حضارياً»، ودعتها إلى تصحيح مسارها إذا أرادت أن تبقى حليفاً موثوقاً به للولايات المتحدة. وأسهمت هذه الوثيقة، إلى جانب تصريحات كبار مسؤولي إدارة ترمب، في زعزعة أسس الشراكة التي حكمت العلاقة الوثيقة بين أوروبا وأقوى حلفائها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما دفعت العواصم الأوروبية إلى التركيز أكثر على الحاجة الملحّة إلى تقليص اعتمادها على التكنولوجيا والدفاع الأميركيين.


مقالات ذات صلة

تقرير: فانس يسعى إلى استمالة ناخبي ترمب الساخطين لتشكيل تحالف «يميني جديد»

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: فانس يسعى إلى استمالة ناخبي ترمب الساخطين لتشكيل تحالف «يميني جديد»

كشف تقرير جديد عن أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يسعى إلى تشكيل تحالف جديد يضم ناخبين سبق أن أيدوا الرئيس دونالد ترمب، لكنهم باتوا يشعرون بخيبة أمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من طائرة الرئاسة في مطار مدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب: فانس تواصل مع إيران لمساعدتها في الحصول على إمدادات طبية

قال ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن تواصل نائبه جي دي فانس مع إيران كان بهدف مساعدة طهران في الحصول على إمدادات طبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب) p-circle

فانس يمتنع عن تأييد نتنياهو ويركز على الانتخابات الأميركية

امتنع نائب الرئيس الأميركي، الاثنين، عن تأييد إعادة انتخاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وذلك بعد يوم من إعلان الرئيس ترمب تأييده لنتنياهو الذي يواجه ضغوطاً كبيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ حرائق في «ميدان الجمهورية» بباريس أمس (إ.ب.أ)

فانس يُرجع أعمال العنف في فرنسا إلى الهجرة وسياسات «الاندماج»

عدَّ نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أنَّ الهجرة ومشكلة «الاندماج» هما السبب وراء أعمال العنف التي شهدتها فرنسا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن طائرة في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

فانس: لم نر أي دليل قاطع عن صلات لإيران بحادث «فلاي دبي»

​قال جي دي فانس نائب الرئيس ‌الأميركي، ‌​الاثنين، ‌إنه ⁠لم ​يرَ حتى ⁠الآن أي دليل ⁠قاطع على ‌تورط ‌إيراني ​في ‌واقعة طائرة ‌«فلاي دبي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

لحمايتهم من الاستدراج... «سناب شات» تعطّل خاصية للأطفال في بريطانيا

شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
TT

لحمايتهم من الاستدراج... «سناب شات» تعطّل خاصية للأطفال في بريطانيا

شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)
شعار تطبيق «سناب شات» (رويترز)

قالت ‌هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، الجمعة، إن منصة «سناب شات» بدأت تعطيل خاصية «البحث عن أصدقاء» بشكل تلقائي للمستخدمين الأطفال في بريطانيا، ​في خطوة وصفتها الهيئة بأنها مهمة للحد من مخاطر الاستدراج عبر الإنترنت.

وتساعد هذه الخاصية المستخدمين في العثور على أصدقاء جدد وإضافتهم.

وذكرت الهيئة أن هذا التغيير سيجعل من الصعب على الغرباء الاتصال بالأطفال على المنصة التي تعدّها من كبرى الخدمات الإلكترونية وأكثرها شعبية بين الأطفال في بريطانيا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقالت الهيئة في مايو (أيار) إن ‌32 في المائة ‌من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ​8 ‌و12 عاماً ​في بريطانيا يستخدمون «سناب شات»، رغم أن الحد الأدنى للسن المسموحة بها على المنصة هو 13 عاماً.

وقال أوليفر غريفيث، مدير مجموعة السلامة على الإنترنت التابعة للهيئة، إن هذا التغيير «كان ينبغي أن يحدث منذ فترة طويلة»، وإن الهيئة ستراقب تطبيق «سناب شات» لهذه الحماية الجديدة خلال هذا الشهر.

والتزمت المنصة بإجراء هذا التغيير في ‌مايو (أيار)، وأبلغت الهيئة في ‌الآونة الأخيرة بأن إجراءات التحقق ​الفعّالة من العمر لمن هم ‌دون 18 عاماً ستدخل حيز التنفيذ بحلول نهاية ‌العام.

وقال متحدث باسم «سناب شات» إن المنصة «ستواصل تعزيز إجراءات الحماية مع تطوّر المخاطر، وستعمل بشكل بناء مع الهيئة وخبراء السلامة والأسر والشبان، للمساعدة في ضمان بقاء (سناب شات) مكاناً آمناً للتواصل ‌والتعبير عن الذات».

وهناك مخاوف منذ فترة طويلة بشأن الاستدراج عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأجرت الجمعية الوطنية لمنع القسوة ضد الأطفال تحليلاً لبيانات الشرطة البريطانية في عام 2025، وتبيّن أن 40 في المائة من الجرائم المسجلة، التي تنطوي على اتصال جنسي بطفل وتم تحديد المنصة المستخدمة فيها، وقعت على «سناب شات».

وضغطت الهيئة على شركات التكنولوجيا الكبرى لاتخاذ تدابير أقوى لمكافحة الاستدراج. وأوضحت الهيئة أن الاستدراج الإلكتروني يمكن أن تكون له عواقب مدمرة على الأطفال تدوم مدى الحياة.

وأصدرت الهيئة من جديد تحذيراً لشركات التكنولوجيا الأخرى التي لا تتصدى ​لمخاطر الاستدراج، قالت ​فيه إن هذه الشركات تخاطر بغرامات تصل إلى 10 في المائة من إجمالي إيراداتها العالمية.


نشطاء يقتحمون موقع بناء مركز بيانات لمايكروسوفت في هولندا

الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
TT

نشطاء يقتحمون موقع بناء مركز بيانات لمايكروسوفت في هولندا

الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)
الشرطة الهولندية تلقي القبض على متظاهرة في موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام (أ.ف.ب)

اقتحم ‌متظاهرون، اليوم الجمعة، موقع بناء مركز بيانات لشركة مايكروسوفت في أمستردام، في بداية مظاهرات ستستمر يومين، وتأتي في إطار تنامي ردود الفعل الغاضبة عالمياً من التوسع ​السريع في القدرات الحاسوبية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وقال تحالف يسمى «أوقفوا مراكز البيانات القذرة» إن جماعات نشطاء أعلنت تنظيم فعاليات في 16 دولة، اليوم الجمعة وغداً السبت. ويحشد التحالف الجماعات المعنية بحماية البيئة وحملات الحقوق الرقمية لدعم الدعوات إلى وقف أعمال البناء واسعة النطاق.

وتجمع أكثر من 100 ناشط، اليوم الجمعة، في موقع بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت في أمستردام، وتحركوا في مسيرة قبل اقتحام الموقع ‌وتسلقوا رافعات وعلقوا ‌بالونات ورقصوا في وجود الشرطة. وحمل بعضهم ​لافتات ‌كتب عليها «تباً ​لمركز بياناتكم»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال المتظاهر سام فان دير بيك: «مراكز البيانات هذه تدمر عالمنا. يصبح غير قابلاً للعيش عليه بسبب كل الموارد التي تستهلكها. لهذا السبب نحن هنا اليوم».

تظاهر أكثر من 100 ناشط في موقع بناء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي لشركة مايكروسوفت في أمستردام (إ.ب.أ)

وذكرت شركة «بيور داتا سنترز» مالكة الموقع، التي تعتزم استثمار أكثر من مليار دولار وتدعمها «أوكتري» المملوكة لـ«بروكفيلد»، إنها ملتزمة بالتواصل مع الأطراف المعنية في المنطقة.

وأضافت الشركة: «نطلب بكل احترام من الموجودين في الموقع المغادرة بأمان والدخول معنا في حوار بشأن المشروع ‌وأي مخاوف قد تكون لديهم».

ومن المقرر أيضاً ‌خروج مسيرة في دبلن، وتنظيم احتجاج ​أمام مبنى البرلمان في وارسو، ومظاهرة ‌ضد مركز بيانات آخر لمايكروسوفت في الدنمارك ضمن إجراءات أخرى.

وقالت مايكروسوفت ‌إنها تتفهم أن الناس لديهم مشاعر قوية تجاه المشروع وتحترم حقهم في التعبير عنها سلمياً، لكنها لن تتغاضى عن أي أعمال غير قانونية.

وتتنامى ردود الفعل السلبية من إسبانيا إلى الهند والولايات المتحدة التي شهدت أمس الخميس انخفاض ‌أسهم شركات التكنولوجيا بشكل حاد بسبب مخاوف من أن يفرض الحزب الديمقراطي بعد سيطرته على الكونغرس لوائح أكثر صرامة تحد من ازدهار الذكاء الاصطناعي.

ويقول نشطاء إن مراكز البيانات تضغط على إمدادات الكهرباء والمياه، وتتنافس مع قطاع الإسكان والشركات الأخرى على الموارد الشحيحة، وتهدد الأهداف المناخية. ويشيرون أيضاً إلى فقدان الوظائف والمخاطر المحتملة على الأمن الشخصي والوطني من جراء تركز السلطة في أيدي الشركات التكنولوجية الخاصة والكبرى.

وتدفع شركات التكنولوجيا بحجة أن مراكز البيانات ضرورية لتلبية الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتوفير بنية تحتية حيوية للشركات والحكومات والمستهلكين.

وذكر تحالف «أوقفوا مراكز البيانات القذرة» أنه لا يعارض التقدم ولا يدعو إلى إغلاق مراكز البيانات القائمة، بل يقول إن بناء مراكز ​جديدة كبيرة يجب أن ​يتوقف حتى تضع الحكومات قواعد أوضح.

ويوجد في هولندا نحو 200 مركز بيانات إما أن يعمل أو قيد التخطيط أو الإنشاء.


«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل
TT

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

«الخريف الحار» انطلق في فرنسا... والحراك الطلابي والنقابي متواصل

دأبت الأجهزة الأمنية في فرنسا، المُكلفة بمواكبة المظاهرات، بغض النظر عن الجهة التي تدعو إليها، على خفض أعداد الأشخاص الذين يسيرون فيها. وفي المقابل، فإن النقابات والجمعيات المعنية تعمل بشكل منهجي على تضخيم الأعداد التي تلبي دعوات التظاهر. وما حصل اليوم الجمعة، لم يشذ عن هذه القاعدة.

فوزارة الداخلية قدّرت عدد المتظاهرين بـ575 ألف نسمة، وفي المقابل، فإن نقابة «كونفدرالية العمل» أكدت في بيان لها أن أعدادهم وصلت إلى 1.5 مليون متظاهر، والثابت أن العدد الحقيقي يقع بين هذين الحدين، ما يعني عملياً أن «خميس التعبئة» الذي دعت إليه 8 نقابات من القطاعين العام والخاص، وانضم إليه الطلاب والمزارعون والعاملون في قطاع النقل والاتصالات، بما في ذلك الوسائل الإعلامية العامة، لاقى نجاحاً لا يمكن التشكيك به.

ولعل أفضل دليل على ذلك أن سيباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة، عجّل في الدعوة لعقد «مؤتمر اجتماعي» الاثنين 9 نوفمبر (تشرين الثاني) يدور حصراً حول القدرة الشرائية والرواتب، بحضور نقابات العمال والموظفين وجمعيات رجال الأعمال والحكومة.

رهانات الحكومة

ما كان رئيس الحكومة ليستعجل جمع السلطات العامة والنقابات وأرباب العمل حول طاولة واحدة، لولا استشعاره أمرين: الأول، حالة الاحتقان التي تسود المجتمع الفرنسي جرّاء تراجع القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والدنيا، بفعل التضخم وارتفاع الأسعار اللذين يثقلان كاهل الاقتصاد، وهو ما عكسته كثافة المشاركة في المظاهرات، فضلاً عن الإضرابات التي شملت عدداً من القطاعات. والثاني، تداخل المطالب بين الطلاب والعمال والموظفين و«السترات الصفراء» والمزارعين وفئات اجتماعية أخرى، تشكو جميعها من عجزها عن مواجهة ارتفاع أسعار الفائدة، والتضخم الذي يستنزف مدخراتها، في وقت تراوح فيه الرواتب مكانها.

وتجدر الإشارة إلى أن مشروع الميزانية الذي قدّمته الحكومة إلى مجلسي النواب والشيوخ لا يلبي هذه المطالب، إذ رفضه مجلس النواب بالإجماع، باعتباره مشروعاً تقشفياً لا يستجيب، بأي حال، للمطالب المطروحة. ومن الواضح أن فرنسا تشهد حالة من الاحتقان الشعبي، في ظل تصاعد المزايدات السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية أبريل (نيسان) المقبل.

ويحدث ذلك في ظل حكومة لا تحظى بأغلبية نيابية في مجلس النواب، فيما تنتهي الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون بعد أقل من 6 أشهر. وتزيد الأوضاع المالية من حدة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، في ظل بلوغ الدين العام الفرنسي نحو 3600 مليار يورو، فيما يُتوقع أن تقترب تكلفة خدمة الدين من 80 مليار يورو مع نهاية العام الحالي.

ويعني ذلك عملياً أن الحكومة تواجه حالة من الهيجان الاجتماعي من غير أن تكون متمكنة من أوراق تتيح لها المواجهة والتعامل بجدية مع الحراك. وبكلام آخر، فإن الصندوق الحكومي شبه فارغ، وتلبية ما يريده المتظاهرون في القطاعين العام والخاص وما يدعو إليه طلاب التعليمين الثانوي والجامعي... كل ذلك يحتاج إلى أموال، وهذه الأموال «مفقودة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)

الفصل بين المطالب

منذ أن انطلق حراك طلاب التعليم الثانوي في أواسط سبتمبر (أيلول) الماضي ضعيفاً ومعزولاً، لم تدرك السلطات أهميته، ولم توله الجدية اللازمة إلا بعد انطلاق مبادرات إقفال الثانويات وبدء المظاهرات. إلا أن الحكومة أخطأت، في بداية الحراك، باستخدام القوة المفرطة ضد طلاب لا تزال أغلبيتهم يافعة.

ولعل أفضل دليل على ذلك أن ثلاثة أرباع المقبوض عليهم في أول مظاهرة كبيرة (نحو 2000 شاب) كانوا من القاصرين. كذلك، لم تكن المطالب «ثورية»، إذ تركزت على توفير الأساتذة البدلاء، وتحسين الأوضاع المادية في المدارس المتهالكة، والتخلي عن منصة توجيه الطلاب إلى المرحلة الجامعية، المعروفة باسم «باركور سوب». ثم انضم الطلاب الجامعيون إلى الحراك تضامناً مع زملائهم، قبل أن يتسع نطاقه ليشمل النقابات، ثم حركة «السترات الصفراء».

وبلغ الاحتقان ذروته في المظاهرات التي عمّت باريس ومرسيليا وليون، وهي المدن الثلاث الرئيسية، إلى جانب عشرات المدن المتوسطة، وانتهى معظمها، في 17 من الشهر الماضي، بأعمال عنف وشغب.

ولم تتردد السلطات في توجيه الاتهامات إلى حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، الذي يتزعمه المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون، بالسعي إلى «تسييس» الحراك واستغلاله لأغراض انتخابية.

والجمعة، تظاهر في باريس، بين مقري مجلس الشيوخ ورئاسة الحكومة، نحو 50 رئيساً للجامعات والكليات وممثلاً عنهم، للمطالبة بمزيد من الاهتمام الحكومي بالمدارس والجامعات.

الطلاب في شارع «ريفولي» في قلب باريس في سياق حراكهم للمطالبة بتحسين أوضاع المدارس والجامعات (رويترز)

ما حدث وتطوّر لاحقاً هو أن أعمال العنف، وما رافقها من سرقة ونهب، وتحويل الشوارع والساحات إلى ميادين للكر والفر بين مجموعات «بلاك بلوك» من أقصى اليسار والقوى الأمنية، دفعت السلطات، وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، إلى النظر بجدية في المطالب المطروحة والتعاطي معها، قدر الإمكان، بإيجابية.

وأقدمت الحكومة على أمرين: الأول، تعزيز المواكبة الأمنية للمظاهرات عن طريق نشر 70 ألفاً من رجال الشرطة والدرك والوحدات الخاصة بمكافحة الشغب، والاستعانة بمجموعات من الجيش لتجنب يوم آخر كـ«السبت الأسود». والثاني، إطلاق سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي الطلاب في قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة، أفضت إلى اقتراحات أعلنها وزيرا «التربية» و«التعليم العالي»، تضمنت مجموعة من الإصلاحات، بيد أن ممثلي غالبية الطلاب عدّتها «غير كافية»، وبالتالي فإن الحراك تواصل.

الحكومة مقيدة اليدين

ما فعلته السلطات مع الطلاب تسعى إلى استنساخه مع النقابات العمالية، بحيث تقيم فاصلاً بين الجهتين. ويبدو من الصعب التكهن بما ستسفر عنه اجتماعات يوم الاثنين (9 نوفمبر). واستبق لو كورنو الاجتماع بتأكيده، الخميس، أنه رغم الأوضاع المعروفة، فإن الحكومة «ستعمد إلى الاستجابة للمسائل الخاصة بالقدرة الشرائية والرواتب».

لكن مصدراً في قصر الإليزيه صرّح لصحيفة «لوموند» (عدد الجمعة - السبت) بأن «القمة الاجتماعية (التي دعا إليها لو كورنو) تعني المطالبة بموارد مالية، والحال أن الأموال غير متوفرة». وطلب رئيس الحكومة من وزير العمل تقديم خلاصات الاجتماعات التي عقدها، فيما كلّف وزير الميزانية باستكمال تواصله مع ممثلي الموظفين.

حقيقة الأمر أن الحكومة تجد يديها مقيدتين: فمن جهة، يمانع أرباب العمل، بشكل عام، في منح الموظفين والعمال علاوات على رواتبهم، بما فيها رواتب الحد الأدنى. إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على جميع شركات القطاع الخاص. فمجموعة «توتال إنرجيز»، مثلاً، العاملة في قطاع الطاقة، حققت أرباحاً تجاوزت 7 مليارات يورو في الفصل الثالث من العام الحالي.

ويبلغ الحد الأدنى للأجور حالياً، بعد احتساب الضرائب، 1478 يورو. وثمة مَن يقترح رفعه إلى 1500 يورو، أو أكثر من ذلك بقليل، فيما تطالب النقابات بزيادة أكبر بكثير، لكن زيادة مثل هذه تبدو «سخيفة» بالنظر إلى أسعار السلع والخدمات راهناً.

ومن جهة ثانية، تتخوف السلطات، ومعها أرباب العمل، من أن أي زيادة في الحد الأدنى للأجور ستفتح الباب على مصراعيه، وتدفع الآخرين إلى المطالبة، بدورهم، بزيادات.

أوركسترا «العالم الجديد» تعزف في ساحة «ريبوبليكا» في باريس قبل انطلاق مظاهرة يوم الخميس (أ.ف.ب)

وبانتظار اجتماعات الاثنين، يتواصل الحراك السبت، مع إطلاق دعوات للتجمع والتظاهر، بما في ذلك في باريس. فقد دعت «تنسيقية السترات الصفراء» إلى «الفصل الرابع» من الحراك الاجتماعي، احتجاجاً على غلاء الأسعار، امتداداً لما حصل الخميس، ومواصلةً للضغط على الحكومة.

وتقدمت «التنسيقية» بطلب للتظاهر في باريس بين ساحتي ريبوبليك وناسيون، وهو ما وافقت عليه مديرية الشرطة. وانضم الطلاب إلى دعوة «التنسيقية».

وجاء في بيان لـ«الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا»، الجمعة، أن الطلاب مدعوون إلى المشاركة «لأنهم لن يتراجعوا عن أي شيء، ومن أجل أن تتجاوب الحكومة» مع مطالبهم. وإلى جانب باريس، ثمة 11 مظاهرة أخرى مرتقبة السبت في مدن أخرى، منها طولون وبيزانسون وكركاسون ونيم وأورليان وبواتيه، بعضها للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية، وبعضها الآخر دعماً للشعب الفلسطيني...

قطار «الخريف الحار» انطلق في فرنسا ويصعب، منذ اليوم، التعرف على المحطة التي سيتوقف عندها.