للمرة الأولى منذ 5 سنوات... تركيا تشارك باجتماع غير رسمي للاتحاد الأوروبي

مستثناة من التوسعة... وقبرص وملف الديمقراطية أهم العقبات أمام عضويتها

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)
TT

للمرة الأولى منذ 5 سنوات... تركيا تشارك باجتماع غير رسمي للاتحاد الأوروبي

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (الخارجية التركية)

تشارك تركيا في الاجتماع غير الرسمي لوزراء خارجية الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي (غيمنيتش) الذي يعقد في بروكسل، الخميس، للمرة الأولى منذ 5 سنوات. ومن المقرر أن يحضر وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الاجتماع بناءً على الدعوة الموجهة من الاتحاد الأوروبي، والتي عدّتها الخارجية التركية إشارة إلى إدراك التكتل ضرورة تطوير العلاقات مع تركيا في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.

وتهدف اجتماعات «غيمنيتش» إلى توفير بيئة غير رسمية لوزراء خارجية دول الاتحاد لتبادل وجهات النظر بحرية بشأن القضايا الدولية، وتطوير وجهات نظر واستراتيجيات مشتركة عبر تنسيق السياسة الخارجية واستراتيجيات الأمن.

موقف أوروبي

واستبق الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، مشاركة تركيا في الاجتماع، بالتعبير عن قلق التكتل من تنامي النفوذين التركي والروسي في شمال أفريقيا.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وبوريل خلال قمة رؤساء دول وحكومات جنوب أوروبا في يونيو الماضي (الخارجية التركية)

وقال بوريل، خلال مؤتمر: «أوروبا إلى أين»، الذي عُقِد في إسبانيا، الأحد الماضي: «يجب أن نشعر بالقلق إزاء ما يحدث في أفريقيا، كان هناك فرنسيون وإيطاليون في ليبيا. لم يكونوا دائماً في وئام، لكنهم كانوا هناك، اليوم لم يعد هناك أوروبيون في ليبيا، لم يعد هناك سوى أتراك وروس، القواعد الموجودة على الساحل الليبي لم تعد مملوكة للأوروبيين، بل لتركيا وروسيا، هذا ليس نظام البحر المتوسط ​​الذي تصورناه».

وتدهورت العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها في 15 يوليو (تموز) 2016، وفشلت جهود إزالة الخلافات التي عمقت من جمود مفاوضات انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي التي انطلقت رسمياً عام 2005 وتوقفت فعلياً منذ عام 2012.

وجاء ذلك بعد أشهر من توقيع الاتحاد الأوربي وتركيا في 18 مارس (آذار) من عام 2016 اتفاقية اللاجئين وإعادة قبول المهاجرين غير الشرعيين، وكان الهدف الرئيسي من الاتفاقية إزالة العقبات التي تعترض عملية الانضمام، وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي الموقّعة بين الجانبين في 1995، وإعفاء الأتراك من تأشيرة «شنغن»، زيادة الحوار على جميع المستويات.

ونتيجة لذلك؛ قدم الاتحاد الأوروبي 6 مليارات يورو لدعم تركيا في تحمل أعباء اللاجئين السوريين؛ بهدف منع وصول المهاجرين إلى دول الاتحاد، بينما وجد الاتحاد الأوروبي أسباباً مختلفة لعدم الوفاء بالأجزاء الأخرى من الاتفاقية؛ وهو ما يثير غضب تركيا.

قادة الاتحاد الأوروبي أضافوا مزيداً من الصعوبات لمساعي تركيا للانضمام إلى التكتل خلال قمتهم في بروكسل في أبريل الماضي مشترطين حل القضية القبرصية (أرشيفية)

عقبات أمام تركيا

وقال السفير التركي المتقاعد رئيس اللجنة التنفيذية لمنتدى الشؤون العالمية، سليم يانال، إن تصريحات بوريل تعبّر عن الرأي المشترك للاتحاد الأوروبي تجاه تركيا. وأضاف أن هناك سببين رئيسيين للموقف المتشدد من جانب الاتحاد فيما يتعلق بقبول انضمام تركيا واستئناف مفاوضات عضويتها، الأول هو قضية قبرص، والآخر هو سجل تركيا السيئ في مجال حقوق الإنسان وسيادة القانون وحرية التعبير.

وربط قادة دول الاتحاد في قمتهم ببروكسل في أبريل (نيسان) الماضي، تقدم مفاوضات انضمام تركيا بحل القضية القبرصية، ما عدّته أنقرة «مثالاً جديداً على افتقار الاتحاد الأوروبي إلى رؤية استراتيجية فيما يتعلق بتركيا والتطورات العالمية».

وأكدت المفوضية الأوروبية، في تقريرها السنوي حول التقدّم في المفاوضات مع تركيا لعام 2023 الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وصلت إلى طريق مسدودة، في ظل إخفاقات شديدة على صعيد الديمقراطية وسيادة القانون، وعدم جديتها في القيام بالإصلاحات التي يدعمها، على الرغم من التأكيد المستمر على هدف الحصول على العضوية الكاملة.

إردوغان أعلن خلال الذكرى الـ50 للتدخل العسكري التركي في قبرص تمسكه بحل الدولتين في الجزيرة رغم رفض الاتحاد الأوروبي (الرئاسة التركية)

عقدة قبرص

ورغم أنه من مصلحة تركيا، بكل تأكيد، أن تحقق تقدماً على مسار الديمقراطية وسيادة القانون، فلا ينبغي لأحد، بحسب يانال، أن يتوقع إحراز أي تقدم فيما يتصل بالقضية القبرصية، ما دام القبارصة اليونانيون يرفضون النظر إلى القبارصة الأتراك على قدم المساواة.

وعدّ يانال أنه ليس لدى القبارصة اليونانيين أي نية لتغيير موقفهم لأنهم الطرف الشرعي في نظر الاتحاد الأوروبي وغيره، وكان القبارصة اليونانيون يعولون على عملية انضمام تركيا لإجبارها على تقديم تنازلات. ومع ذلك، نأى أعضاء آخرون في الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا وألمانيا، بأنفسهم عن تركيا من خلال منع إجراء حوار هادف ومنعوا ذلك من الحدوث.

إردوغان ناقش علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش قمة «ناتو» الأخيرة في واشنطن (الرئاسة التركية)

وعلى الرغم من أن عملية الانضمام بدأت في عام 2005، فإنها توقفت بعد فترة، ولم يقم الاتحاد الأوروبي بدعوة تركيا إلى أي مؤتمرات قمة بعد عام 2004 حتى أزمة الهجرة في عام 2015. بل إن فرنسا أعلنت أن حل المشكلة القبرصية لن يكون كافياً. ولم يعد يتم ذكر تركيا، التي تتمسك بحل الدولتين في قبرص، في سياق توسعة الاتحاد الأوروبي، لكن بروكسل تتذكر أنقرة عندما تطالب جميع المرشحين بالامتثال لعقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا.

إردوغان التقى المستشار الألماني أولاف سولتش على هامش قمة «ناتو» الأخيرة في واشنطن (الرئاسة التركية)

ويعتقد أونال أن السبب الأكبر لاستثناء تركيا من أي حديث عن توسعة الاتحاد، هو السبب الثقافي، حتى لو لم يتم تضمين الدين أو الثقافة، لشكل مباشر، في معايير عضوية الاتحاد.

ولفت إلى أن القضية الأخيرة، التي تقف ضد تركيا، هي أنها إذا أصبحت عضواً فسوف تتمتع بالحقوق والامتيازات التي تتمتع بها ألمانيا، فيما يتعلق بعدد السكان (85 مليوناً في تركيا و84 مليوناً في ألمانيا)؛ ولذلك، ما لم يغير الاتحاد الأوروبي هيكله أو ينشئ أنواعاً مختلفة من العضوية، فإن تركيا ليس لديها أي فرصة للانضمام إليه.


مقالات ذات صلة

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

شمال افريقيا رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي يعود النفط لواجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة لتسوية خلافاتها.

علاء حموده (القاهرة )
الاقتصاد صمامات الغاز بموقع تخزين الغاز الطبيعي في زسانا بالمجر التي ما زالت تعتمد على الغاز الروسي (رويترز)

تراجع أسعار الغاز في أوروبا مع تقليل ترمب من احتمالات توجيه ضربة لإيران

تراجعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بعد تصريح ترمب بأنه ليست لديه خطط فورية لتوجيه ضربات إلى إيران، مما خفف المخاوف من تجدد التصعيد في حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

موريتانيا بحثت مع إسبانيا جهود تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، في إطار التعاون مع موريتانيا والاتحاد الأوروبي.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا صورة توضيحية تحمل شعار «جيميناي» (رويترز)

مستشار أوروبي: روبوت «غوغل» للدردشة ربما ينتهك قواعد حقوق النشر

قال مستشار لدى أعلى محكمة بأوروبا إن استخدام شركة غوغل للأخبار الصحافية في روبوت الدردشة الخاص بها يشكل انتهاكاً لقواعد حقوق النشر.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رفوف مبردة فارغة في أحد متاجر «ديلهايز» في بلجيكا عقب عطل تقني أثّر على أنظمة التبريد والتجميد (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يتحرك لاحتواء تداعيات الهجمات الإلكترونية على أنظمة التبريد

عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعين لبحث تداعيات الاختراق الإلكتروني الذي استهدف أنظمة التبريد الاثنين، ومناقشة سبل التنسيق مع الدول الأعضاء.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
TT

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)

أعلن جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (إس بي يو)، الأربعاء، إقالة مسؤولَين رفيعين ورد اسماهما في تحقيق على صلة بمراكز اتصال احتيالية.

وقال جهاز الأمن الداخلي إن رئيسه أوليكسندر بوكلاد، أعفى مسؤولَين كبيرَين في الجهاز من مهامهما بعد ورود اسميهما في تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد (نابو).

وأضاف في بيان عبر تلغرام أن بوكلاد يتوقّع إجراء تحقيق «شفاف وموضوعي ونزيه» من جانب المكتب، رغم التوتر بين المؤسستين. وتفاقم الخلاف بينهما العام الماضي بعدما حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي تقليص استقلالية مكتب مكافحة الفساد.

من جهته، قال مكتب مكافحة الفساد، إن أحد مسؤولي جهاز الأمن «هدد باستخدام سلاح ناري» ومنع المحققين من دخول مواقع كانوا ينفذون فيها عمليات تفتيش الأربعاء.

ووفقًا للمكتب، فإن مسؤولين كبارًا في جهاز الأمن والنيابة العامة والشرطة دفعوا رشاوى لعناصر من أجهزة إنفاذ القانون مقابل غض الطرف عن أنشطة مراكز اتصال احتيالية.

وأضاف أن عمليات الاحتيال استهدفت أوكرانيين وأجانب، وشملت بيع مخدرات وإنتاج سجائر مقلدة وعملات أجنبية مزورة.

واتهم مجموعة إجرامية مؤلفة من 12 شخصًا على الأقل بتنظيم «اعتداءات وخطف وهجمات مخطط لها».

وكانت التحقيقات دفعت المدعي العام الأوكراني رسلان كرافتشينكو إلى الاستقالة في أيلول/سبتمبر بعد تفتيش مكاتب تابعة له، علمًا أنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرها سويسرا، يوفر قطاع مراكز الاتصال الاحتيالية في أوكرانيا وظائف لنحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل نحو ثلثي العاملين في القطاع المصرفي.

وتقدّر المبادرة أن هذه الأنشطة تدر إيرادات قد تصل إلى مليار دولار شهريًا.


زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.