«بروك» جاسوس «كي جي بي» الذي انخرط بالنخبة الفرنسية لعقود

صورة أرشيفية غير مؤرخة تُظهر الصحافي الفرنسي فيليب غرومباخ (غيتي)
صورة أرشيفية غير مؤرخة تُظهر الصحافي الفرنسي فيليب غرومباخ (غيتي)
TT

«بروك» جاسوس «كي جي بي» الذي انخرط بالنخبة الفرنسية لعقود

صورة أرشيفية غير مؤرخة تُظهر الصحافي الفرنسي فيليب غرومباخ (غيتي)
صورة أرشيفية غير مؤرخة تُظهر الصحافي الفرنسي فيليب غرومباخ (غيتي)

كشفت «ليكسبريس»، وهي من كبرى المجلات الفرنسية، أن رئيس تحريرها السابق البارز، فيليب غرومباخ، تجسَّس لصالح الاتحاد السوفياتي لمدة 35 عاماً.

كان غرومباخ شخصية منخرطة بشكل استثنائي في المجتمع الفرنسي لعقود من الزمن. وقد عدّ غرومباخ رؤساء وممثلين وعمالقة أدب أصدقاء مقربين له. عُرف بأنه شخصية أسطورية في الصحافة، وشكّل الاتجاه التحريري لواحدة من أنجح المطبوعات الفرنسية. وعندما توفي عام 2003، قال وزير الثقافة جان جاك أيلاجون إن غرومباخ كان «أحد أكثر الشخصيات احتراماً، ولا تُنسى في وسائل الإعلام الفرنسية»، إلا أنه في المقابل، كان أيضاً «بروك» (غرومباخ) جاسوساً لوكالة الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، وفق تقرير، اليوم (الجمعة)، لشبكة «بي بي سي» البريطانية.

يمكن العثور على دليل شامل عن حياة غرومباخ المزدوجة فيما يسمى بـ«أرشيفات ميتروخين» (التي سُميت على اسم الرائد السوفياتي الذي قام بتهريب آلاف الصفحات من الوثائق من الأرشيف السوفياتي وسلمها إلى بريطانيا في عام 1992. وتم تجميعها لاحقاً في كتاب لكريستوفر أندرو وفاسيلي ميتروخين نفسه).

ومن بين آلاف الصفحات من الوثائق، توجد ملفات تعريفية تحدد خصائص الغربيين الذين تجسسوا لصالح الاتحاد السوفياتي.

قبل أشهر عدة، صديق لإتيان جيرار، محرر الشؤون الاجتماعية في «ليكسبريس» المؤلف المشارك لكشف غرومباخ، اطلع جيرار على أن أحد معارفه الذي كان يبحث في ملفات ميتروخين السوفياتية عثر على إشارات إلى مجلة «ليكسبريس». قالت الوثائق إن عميلاً يحمل الاسم الرمزي «بروك» كان يعمل لدى جهاز «كي جي بي». وأوضح تفاصيل السيرة الذاتية التي تطابقت مع تفاصيل السيرة الذاتية لغرومباخ، مما أثار اهتمام السيد جيرار على الفور.

قال جيرار ﻟ«بي بي سي»: «بدأتُ البحث في الأمر، ووجدت اسم غرومباك مكتوباً باللغة الروسية وبعض الصور... وبعد ذلك أصبحت الأمور أكثر جدية. لقد اتصلتُ بالمخابرات الفرنسية للتأكد من أن بروك هو غرومباخ بالفعل. ومن هناك تصاعدت الأمور».

فيليب غرومباخ (الثاني على اليمين) في صورة التُقطت بغرفة الأخبار في «ليكسبريس» عام 1973 مع فرنسواز جيرو التي شاركت في تأسيس المجلة وأصبحت فيما بعد وزيرة للثقافة والصحافيين هيوغ نيل ومارك أولمان وجان جاك فاوست وروجيه ثيروند (متداولة)

دوافع مادية

وُلِد غرومباخ في باريس عام 1924. وفرّ من فرنسا مع والدته وإخوته في عام 1940، وهو العام الذي غزت فيه ألمانيا النازية، واستولى المارشال فيليب بيتان على السلطة في فرنسا (حكومة فيشي) بنظام متعاون مع النازيين. انضم غرومباخ إلى الجيش الأميركي على الفور تقريباً، وقاتل إلى جانب المقاومة الفرنسية في الجزائر عام 1943. وبعد الحرب، انضم إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، لكنه استقال بعد فترة وجيزة احتجاجاً على تصرفات الحكومة الفرنسية في الحرب بالهند الصينية.

في عام 1954، تم تعيين غرومباخ للعمل في «ليكسبريس» من قبل مؤسسها جان جاك سيرفان شرايبر.

منذ ذلك الحين فصاعداً، بدأ غرومباخ في الاحتكاك ببعض أبرز الشخصيات الفرنسية في القرن العشرين.

وقد ساعد غرومباخ في إعادة تأهيل سمعة عضو مجلس الشيوخ آنذاك والرئيس المستقبلي فرنسوا ميتران، عندما اتُهم بتدبير عملية اغتيال زائفة في عام 1960، وكان مقرباً من سيرفان شرايبر القوي، والرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، ورجل الدولة البارز بيار منديس فرانس، وغيرهم من الشخصيات السياسية البارزة. وكان الممثلان آلان ديلون وإيزابيل أدجاني ضيفين في حفل زفافه عام 1980، حيث كانت الكاتبة فرنسواز ساغان وبيار بيرغ، المؤسس المشارك لشركة «إيف سان لوران»، الشاهدَيْن القانونيين. وأظهرت الوثائق أن غرومباخ كان جاسوساً طوال هذه المدة.

قد ينظر البعض إلى قراره بالتجسس لصالح الاتحاد السوفياتي بوصفه قصة رومانسية عن الولاء لنظام محكوم عليه بالفشل. لكن ميتروخين نفسه توقع أنه رغم أن الآيديولوجية ربما كانت هي التي اجتذبت غرومباخ في البداية إلى «كي جي بي»، فإنه بعد سنوات قليلة فقط، لم تكن أسباب بقائه جاسوساً مرتبطة بدرجة أقل بالرغبة في تعزيز قضية الشيوعية في أوروبا، بقدر ما تتعلق بسياساته. الرغبة في كسب ما يكفي من المال لشراء شقة في باريس.

وكانت الحوافز المالية جذابة بالتأكيد لغرومباخ للتجسس لصالح السوفيات. فوفقاً لملفات ميتروخين، بين عامي 1976 و1978 فقط، حصل غرومباخ على ما يعادل اليوم 250 ألف يورو (214 ألف جنيه إسترليني) مقابل خدماته لـ«كي جي بي». وفي 3 مناسبات أخرى بالسبعينات، حصل على مكافأة إضافية لكونه واحداً من أفضل 13 جاسوساً سوفياتياً في فرنسا.

ومع ذلك، فمن غير الواضح المهام التي نفَّذها بالضبط. تُظهر ملفات ميتروخين أنه خلال الانتخابات الرئاسية عام 1974، سلمته المخابرات السوفياتية ملفات ملفقة كان الهدف منها خلق توترات بين المرشحين الرئاسيين اليمينيين. رغم أن صحيفة «ليكسبريس» تقتبس من الوثائق قولها إن غرومباخ عُهِد إليه بمهمة «تسوية القضايا الحساسة» و«الاتصال مع ممثلي وقادة الأحزاب والمجموعات السياسية»، إلا أن هناك القليل من الأمثلة الملموسة الأخرى على مساعدة غرومباخ بنشاط للاتحاد السوفياتي. وربما كان هذا هو السبب الذي دفع جهاز «كي جي بي» إلى قطع علاقاته مع غرومباخ في أوائل الثمانينات.

فوفق كتاب ملفات ميتروخين، عدّ عملاء «كي جي بي» في باريس غرومباخ «غير صادق»، وشعروا بأنه بالَغ في قدراته على جمع المعلومات وقيمة ذكائه. قطعوا العلاقة معه في عام 1981.

لعقود من الزمن... كان جاسوس الاستخبارات السوفياتية فيليب غرومباخ يرافق عدداً لا يُحصى من الشخصيات السياسية والمشاهير (غيتي)

اعترف لزوجته بالتجسس

لن نعرف أبداً ما إذا كان غرومباخ قد شعر بالارتياح لأن حياته المزدوجة لم تعد موجودة، أو كيف كان شعوره تجاه السنوات التي قضاها في الخدمة لدى المخابرات السوفياتية (كي جي بي).

وسواء كان ذلك بسبب العار أو الشعور المستمر بالولاء، رفض غرومباخ المحاولة الوحيدة المعروفة في عام 2000 التي قام بها الصحافي تييري وولتون لمعرفة المزيد عن السنوات التي قضاها غرومباخ جاسوساً. بدا غرومباخ في البداية وكأنه يعترف بماضيه بشكل غير مباشر، لكنه تراجع لاحقاً، مهدداً بمقاضاة وولتون إذا مضى قدماً في الكتاب الذي كان يخطط له.

أسقط وولتون المشروع، لكن يبدو أن الحادث أثار رغبة غرومباخ في الحديث عن تجربته.

أخبرت أرملته نيكول مؤخراً صحيفة «ليكسبريس» أنه بعد فترة وجيزة من زيارة وولتون، أخبرها زوجها الراحل بالحقيقة. وقالت للمجلة: «أوضح لي أنه كان يعمل لدى المخابرات السوفياتية (كي جي بي) قبل أن نتزوج». وقالت نيكول لصحيفة «ليكسبريس» إنه كان يريد التوقف على الفور عن التجسس للاتحاد السوفياتي، لكنه تعرض للتهديد.

ويقول جيرار إنه لم يكن لديه مشكلة في كشف الحقيقة بشأن رئيس التحرير السابق.

وقال: «كان لدي بالتأكيد شعور بأنني أقوم بعملي. الأمر متروك لنا لإجراء التحقيق، لأنه يعنينا، حتى لو كان ذلك يعني الكشف عن حقائق غير مريحة».

استغرقت كتابة المقال عن غرومباخ في صحيفة «ليكسبريس» 3 أشهر، لكنها أتت بثمارها. وقد تلقّفت كل وسائل الإعلام في فرنسا تقريباً هذه القصة، ربما لأن كثيرين ما زالوا يتذكرون غرومباخ بوصفه شخصية بارزة هيمنت على المشهد الإعلامي الفرنسي لعقود من الزمن.

قد يميل البعض إلى إزالة الغبار عن نسخهم القديمة من صحيفة «ليكسبريس» من سنوات كتابة غرومباخ بحثاً عن رسائل مموهة مؤيدة للاتحاد السوفياتي. لكن من غير المرجح أن يجدوا أي شيء، وفق تقرير «بي بي سي».

في الخمسينات من القرن الماضي، في ظل الفترة الأولى التي قضاها غرومباخ رئيس تحرير، مالت صحيفة «ليكسبريس» إلى اليسار دون تأييد الشيوعية على الإطلاق. وفي السبعينات، عندما تولى غرومباخ زمام القيادة مرة أخرى، انتقلت «ليكسبريس» إلى مساحة وسطية وليبرالية ومعتدلة بشدة.

وكما يشير التقرير المنشور في صحيفة «ليكسبريس»، فإنّ عمل غرومباخ جاسوساً لم يكن يهدف إلى نشر الدعاية على الإطلاق.

وقال جيرار: «لقد كان حريصاً على إبقاء عمله جاسوساً منفصلاً عن عمله محرراً لمجلة». وأضاف: «لكن هذا هو بالضبط سبب نجاح غرومباخ (بالتجسس). أرادت وكالة الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي) منه أن يتمسك بغطائه بوصفه برجوازياً وسطياً لمواصلة (التحليق تحت الرادار)».


مقالات ذات صلة

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أوروبا القائمة بالأعمال البريطانيّة في موسكو داناي دولاكيا (إ.ب.أ)

روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني لاتهامه بالتجسس

أعلنت روسيا، الخميس، طرد دبلوماسيّ بريطانيّ تتّهمه بأنّه عنصر في «الأجهزة السريّة» البريطانيّة، وسط توتر متصاعد بين موسكو والغرب؛ بسبب الحرب في أوكرانيا. …

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المبنى الحالي السفارة الصينية في لندن (أرشيفية - رويترز)

تقرير: غرفة سرّية تحت السفارة الصينية في لندن تثير مخاوف أمنية

كشفت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن الصين تعتزم بناء غرفة سرّية بمحاذاة أكثر كابلات الاتصالات حساسية في بريطانيا، ضمن شبكة تضم 208 غرف سرّية تحت سفارتها الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم يعبّر مسؤولون أميركيون على مدى سنوات عن قلقهم من خطر التجسس (أرشيفية - رويترز)

السجن 16 عاماً لبحّار أميركي سابق أدين بتسريب معلومات عن سفن حربية للصين

أُدين بحار سابق في البحرية الأميركية ببيع كتيّبات تقنية للصين، وحُكم عليه بالسجن لأكثر من 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم قارب يبحر عبر مدخل بحري متجمد خارج مدينة نوك في غرينلاند 6 مارس 2025 (أ.ب) play-circle

لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟

يجعل موقع غرينلاند، فوق الدائرة القطبية الشمالية، أكبر جزيرة في العالم عنصراً أساسياً في الاستراتيجيات الأمنية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا نظام الدفاع الصاروخي الباليستي «آرو3» خلال سلسلة اختبارات اعتراض حية أميركية - إسرائيلية فوق ألاسكا بالولايات المتحدة (رويترز - أرشيفية) play-circle

الجيش الألماني يفشل في اعتراض مسيّرات حلقت فوق منظومة «آرو 3» الإسرائيلية

أبرزت وثيقة داخلية للجيش الألماني أنه أخفق في اعتراض طائرات مسيّرة عبر نظام الدفاع الجوي «آرو3».

«الشرق الأوسط» (برلين)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)
بوتين خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب الخميس (أ.ف.ب)

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي، وقال خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب، الخميس، إن العالم ينزلق نحو مزيد من التصعيد. وأوضح أنه إلى جانب الأزمات القديمة المستفحلة، تظهر بؤر توتر جديدة؛ بسبب ميل أطراف، وصفها بأنها «الأقوى»، إلى التصرفات الأحادية وسياسات الإملاء والهيمنة.

وأكد الرئيس الروسي انفتاح بلاده على الحوار مع البلدان الغربية، التي قال إن العلاقات بها وصلت إلى أدنى مستوياتها، واقترح إحياء الحوار مع البلدان الأوروبية بشأن مبادئ الأمن المشترك التي اقترحتها روسيا في وقت سابق، عادّاً أن هذا المدخل يشكل عنصراً مهماً لدفع التسوية في أوكرانيا.

وتسلم بوتين خلال المراسم أوراق اعتماد 32 سفيراً جديداً؛ بينهم ممثلون لـ11 دولة مصنفة لدى روسيا ضمن الدول «غير الصديقة»، منها فرنسا وإيطاليا والنرويج والسويد، بالإضافة إلى سفراء بلدان قال بوتين إنها «حليفة وشريكة لروسيا منذ سنوات طويلة»، مثل أفغانستان وكوبا وسريلانكا وبيرو. ومن المنطقة العربية تسلم بوتين أوراق اعتماد سفراء المملكة العربية السعودية ومصر ولبنان والجزائر.

بوتين يخاطب السفراء الأجانب الجدد (رويترز)

واستهل بوتين المراسم بخطاب سياسي تضمن قراءة لعلاقات بلاده مع البلدان التي حضر ممثلوها، بالإضافة إلى رؤيتها مسار العلاقات الدولية بشكل عام. وقال الرئيس الروسي إن الأزمة الأوكرانية خلقت تهديداً مباشراً لبلاده، مؤكداً انفتاح موسكو على التوصل إلى تسوية في أسرع وقت ممكن. وقال إن موسكو تدعو إلى سلام طويل الأمد، لكنه أعرب عن أسفه؛ لأنه «ليس الجميع يرغب في إحلال السلام، بما في ذلك كييف والعواصم الداعمة لها... لا تبدو مستعدة لذلك، لكننا نأمل أن يأتي الاعتراف بهذه الحاجة عاجلاً أم آجلاً. وحتى ذلك الحين، فستواصل روسيا السعي بثبات لتحقيق أهدافها».

وتحدث عن العلاقة بالبلدان الغربية، وقال إنها «تمر بأسوأ مراحلها، رغم أن الأطراف كانت بَنَت في أوقات سابقة علاقات تعاون مثمرة». وأعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات بالبلدان الأوروبية إلى مسارها الصحيح»، واقترح العودة لمناقشة مقترحات بلاده التي قُدمت نهاية عام 2021 لبناء هيكل أمني عادل وشامل في أوروبا، ورأى أن هذا من شأنه أن يساعد بحل النزاع في أوكرانيا.

وقال بوتين: «ليس من قبيل الصدفة أن يُقال: السلام لا يأتي من تلقاء نفسه، بل يُبنى، ويستمر كل يوم. السلام يتطلب جهداً ومسؤولية واختياراً واعياً.» وزاد أنه «لا يمكن ضمان أمن الدول على حساب دول أخرى؛ فالأزمة الأوكرانية ناجمة عن تجاهل المصالح المشروعة لروسيا». ورأى بوتين أن العلاقات الدولية تنزلق نحو الأسوأ... و«يتدهور الوضع على الساحة الدولية بشكل متصاعد. تعاني عشرات الدول من الفوضى وانعدام القانون، وتفتقر إلى الموارد اللازمة للدفاع عن نفسها». ومن دون أن يشير إلى الولايات المتحدة مباشرة، زاد: «تتضاءل الدبلوماسية والسعي إلى التوافق والحلول التوافقية، لمصلحة أعمال أحادية الجانب وخطيرة. وبدلاً من الحوار بين الدول، نسمع مونولوغ (حوار ذاتي) أولئك الذين، بحكم قوتهم، يرون أنه من حقهم فرض إرادتهم، وتلقين الآخرين أساليب العيش، وإصدار الأوامر». وقال إن موسكو ملتزمة «الحفاظ على علاقاتها بالراغبين في التعاون، وتدعو إلى تعزيز دور الأمم المتحدة في الشؤون العالمية». وأكد: «ستواصل روسيا اتباع نهج سياسي متوازن والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب».

عدد من السفراء الأجانب خلال تقديمهم أوراق اعتمادهم لموسكو (رويترز)

وفي سياق متصل، أمرت السلطات الروسية، الخميس، دبلوماسياً بريطانياً بمغادرة البلاد بناء على مزاعم بالتجسس، وهي الاتهامات التي وصفتها المملكة المتحدة بأنها «دون أساس». وقال «جهاز الأمن الاتحادي (إف إس بي)» الروسي إن عضو طاقم السفارة عمل لمصلحة الاستخبارات البريطانية. وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن اعتماد الدبلوماسي قد أُلغي، وأنه يجب الآن أن يغادر البلاد خلال أسبوعين. واستُدعيت القائمة بالأعمال في السفارة البريطانية لدى روسيا، داناي دولاكيا، إلى مقر الوزارة بموسكو لتسلم الإخطار.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها «تدرس بعناية» الرد على طرد روسيا دبلوماسياً بريطانياً، مضيفة أن هذه ليست أول مرة يوجه فيها الكرملين اتهامات «كيدية ودون أساس» ضد الموظفين.


الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
TT

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)
شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب)

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا. وتمسك الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف بمواقف بلاده تجاه أسس التسوية السياسية، لكنه شدد على حرص موسكو على إبلاغ واشنطن بوجهات نظرها تجاه المحادثات الجارية حول أوكرانيا، محذراً أوكرانيا الخميس من أن نافذة التفاوض مع روسيا بشأن إنهاء الحرب المتواصلة منذ نحو أربعة أعوام تضيق، داعياً الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى حسم موقفه بشأن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة.

وقال الناطق، الخميس، في أول إفادة صحافية شاملة حول ملف المفاوضات في العام الجديد، إن بلاده منفتحة على حوار مع واشنطن، وتترقب وصول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر إلى العاصمة الروسية قريباً. ولم يحدد بيسكوف موعد الزيارة المرتقبة، لكنه لمّح إلى ترتيبات جارية لإنجاحها، وقال إن الكرملين سوف يعلن عن تفاصيلها لاحقاً.

الفريق الأميركي الذي يضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مبعوثي الرئيس دونالد ترمب (أ.ب)

وقال بيسكوف: «أجرى الأميركيون كثيراً من المحادثات مع الأوكرانيين والأوروبيين على حد سواء. ومن المهم أن يُبلغ الجانب الروسي أيضاً بوجهة نظره بشأن المحادثات الجارية». في إشارة مباشرة إلى أن بوتين يستعد لإبلاغ الجانب الأميركي بمواقفه تجاه التعديلات التي طرأت على خطة السلام الأميركية والأفكار التي نوقشت في اجتماعات باريس أخيراً، بما في ذلك الأفكار المتعلقة بإحلال قوات أجنبية تابعة لبلدان أوروبية في أوكرانيا في مرحلة ما بعد إبرام اتفاق سلام.

في الوقت ذاته، جدد بيسكوف موقف بلاده تجاه الرئيس زيلينسكي الذي تتهمه موسكو بعرقلة جهود السلام. وأعلن الناطق أن الكرملين يتفق في هذا الشأن مع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي كان قد قال، الخميس، إن موسكو ترغب في إبرام اتفاق سلام، بينما يواصل زيلينسكي عرقلة التقدم في المفاوضات. وقال بيسكوف للصحافيين، رداً على تصريح ترمب: «يمكننا الاتفاق على هذا. هذا هو الواقع».

وقال الناطق باسم الرئاسة الروسية إنّ «الوضع يتدهور يوماً بعد يوم بالنسبة إلى نظام كييف، والنافذة المتاحة لاتخاذ قراراته تضيق»، مضيفاً: «حان الوقت لأن يتحمل زيلينسكي مسؤولياته، ويتخذ القرار المناسب». وأوضح: «يتدهور الوضع يوماً بعد يوم بالنسبة لنظام كييف. لقد تحدثنا عن هذا الأمر. ونطاق صنع القرار في نظام كييف يضيق. وقد قلنا العام الماضي إنه قد حان الوقت لكي يتحمل زيلينسكي المسؤولية ويتخذ القرار المناسب. وحتى الآن لم تفعل كييف ذلك».

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس (أ.ف.ب)

ولم يؤكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، صحة تقارير أفادت بأن روسيا قد توافق على نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، شريطة مشاركة الصين ودول الجنوب العالمي.

وعندما سئل عما إذا كان بوتين مستعداً فعلاً لإبلاغ الجانب الأميركي بموافقته على نشر قوات أجنبية يتم الاتفاق على هويتها بين الطرفين، قال بيسكوف: «لا أستطيع تأكيد ذلك».

وكان بيسكوف قد صرح سابقاً بأن موقف روسيا من وجود وحدات عسكرية أجنبية في أوكرانيا معروف جيداً، ومتسق تماماً، وواضح. وشدّدت وزارة الخارجية الروسية على أن أي سيناريو يتضمن نشر قوات تابعة لحلف «الناتو» في أوكرانيا غير مقبول بتاتاً بالنسبة لروسيا، وينطوي على خطر تصعيد حاد. ووصفت الوزارة سابقاً التصريحات الصادرة في المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى بشأن إمكانية نشر قوات من دول «الناتو» في أوكرانيا بأنها تحرّض على استمرار الأعمال العدائية. لكن رغم ذلك كله، برزت تقارير تشير إلى أن الكرملين قد يوافق في النهاية على نشر قوات من بلدان لم تشارك في العمليات العسكرية ودعم أوكرانيا، مثل الصين وبيلاروسيا وبعض البلدان الأخرى.

ويقول خبراء مقربون من الكرملين إن هذا قد يشكل استجابة مشروطة من جانب موسكو لمتطلبات الضمانات الأمنية التي تطالب بها كييف وعواصم أوروبية.

رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف (ا.ب)

وفي وقت سابق، ذكرت وكالة «بلومبرغ» نقلاً عن مصادر، أن ويتكوف وكوشنر يرغبان في مناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وعرض مسودات خطط التسوية في اجتماع محتمل قبل نهاية الشهر الحالي مع بوتين. ووفقاً لمعطيات، فإن أجندة الوفد الأميركي تشتمل إلى جانب ملف الضمانات الأمنية التي ستقدمها الولايات المتحدة وأوروبا لأوكرانيا لضمان التزامها بأي اتفاق سلام، مسائل إعادة إعمار البلاد بعد الحرب.

انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز)

​وميدانياً قال رئيس هيئة أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف، ‌الخميس، ⁠إن ​القوات ‌الروسية سيطرت على أكثر من 300 كيلومتر مربع ⁠من الأراضي ‌الأوكرانية خلال ‍النصف الأول من يناير (كانون الثاني). وقالت روسيا إنها ​سيطرت على 6640 كيلومتراً ⁠مربعاً من الأراضي في أوكرانيا العام الماضي.

بدوره، أعلن سلاح الجو الأوكراني، في بيان عبر تطبيق «تلغرام»، الخميس، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 61 من أصل 82 طائرة مسيّرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على أوكرانيا خلال الليل.

وأقر زيلينسكي بأن الوضع في أوكرانيا يزداد تفاقماً بعد ما يقرب من أربع سنوات من الحرب، سواء على الجبهات أو بالنسبة للمدنيين في أنحاء البلاد، مع استمرار موجة البرد الشديد.

على صعيد آخر، أعلن بيسكوف أن بلاده ما زالت تنتظر رداً من الولايات المتحدة على مبادرة تمديد معاهدة «ستارت الجديدة» التي اقترحها الرئيس الروسي قبل أشهر. وزاد أن هذا الموضوع بات حيوياً للغاية، علماً بأن المعاهدة ينتهي العمل بها بعد نحو أسبوعين.

وكان بوتين اقترح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تمديداً مؤقتاً لمدة عام للاتفاقية، على أن يعمل الطرفان الروسي والأميركي على إطلاق مفاوضات لإبرام اتفاقية جديدة أكثر شمولية.

سيارات بساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأكد بوتين أن بلاده سوف تلتزم بشكل أحادي ببنود الاتفاقية لمدة عام، وتتطلع لأن يقوم الجانب الأميركي بالتزام مماثل، لكن موسكو لم تتلق منذ ذلك الحين رداً على اقتراحها، رغم أن الرئيس الأميركي وصف مبادرة بوتين بأنها «جيدة».

وقال بيسكوف الخميس: «نحن بانتظار ردٍّ على مبادرة بوتين. نعد هذا الموضوع بالغ الأهمية. ونعتقد، بالطبع، أن وثيقةً ومعاهدةً أكثر ملاءمةً ستكون ضروريةً للجميع. لكن التوصل إلى مثل هذه المعاهدة عمليةٌ معقدةٌ للغاية، وتستغرق وقتاً طويلاً».

وتضع «ستارت 2» قيوداً متبادلة على نشر الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وتحدد سقفاً لإنتاج الرؤوس النووية ووسائل حملها، لكنّ الجانبين الروسي والأميركي تحدثا عن ضرورة تحديث تلك المعاهدة. وتشترط واشنطن ضم الصين إلى أي معاهدة جديدة، بينما ترفض بكين ذلك، بينما تشترط موسكو توسيع المعاهدة الجديدة لتشمل الرقابة على ترسانتي فرنسا وبريطانيا النوويتين. وقال بيسكوف، رداً على سؤال في هذا الشأن: «موقف الصين من معاهدة ستارت الجديدة معروف جيداً، وروسيا تحترمه».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال خطابه السنوي مع نهاية العام في موسكو (أ.ف.ب)

مضيفاً في المقابل أن «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح في وقت سابق بأنه من المستحيل مناقشة قضايا الاستقرار الاستراتيجي دون الأخذ في الاعتبار قدرات فرنسا وبريطانيا»، مؤكداً أن العمل على إبرام معاهدة جديدة أكثر اتساعاً وملاءمةً للواقع الجديد سوف يمر بتعقيدات كبيرة، ويحتاج إلى فترة طويلة، ما يعزز التوجه الروسي لإعلان تمديد مؤقت للمعاهدة الحالية بالتوافق بين موسكو وواشنطن.


بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصُّل إلى تسوية.

ونقلت وكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء عن بوتين قوله، في أثناء لقائه السفراء المعتمدين لدى بلاده في بداية العام الجديد، إن تقدّم حلف شمال الأطلسي (ناتو) نحو حدود روسيا يخالف الوعود التي قطعها الحلف.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وأكد بوتين أن تجاهل المصالح «المشروعة» لروسيا هو ما أدى إلى نشوب الأزمة الأوكرانية، لافتاً إلى أن الأجيال القديمة التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت قادرةً على الاتفاق على مبادئ التواصل الدولي.

كان تلفزيون «آر تي» الروسي قد نقل عن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف قوله، في وقت سابق من يوم الخميس، إن بوتين لا يزال منفتحاً بشأن التسوية مع أوكرانيا.

وقال بيسكوف إن موسكو توافق على ما ذكره الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تصريحه بأن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «يبطئ» عملية التسوية مع روسيا.

في الوقت نفسه، نقلت وكالة «سبوتنيك» عن الكرملين، قوله، إن روسيا تعدّ استمرار الحوار مع الولايات المتحدة أمراً ضرورياً ومهماً.

وقال المتحدث باسم الكرملين، إن الوضع في كييف «يتدهور يوماً بعد يوم، وقد حان الوقت لكي يتخذ زيلينسكي قراراً»، دون أن يفصح عمّا يعنيه بهذا القرار.