ماذا يعني انسحاب موسكو رسمياً من معاهدة القوات التقليدية في أوروبا؟

أُسدل الستار على آخر ضوابط التسلح ونشر القدرات الحربية في القارة

جنود روس بالساحة الحمراء في ذكرى دخول روسيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية (أ.ف.ب)
جنود روس بالساحة الحمراء في ذكرى دخول روسيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية (أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني انسحاب موسكو رسمياً من معاهدة القوات التقليدية في أوروبا؟

جنود روس بالساحة الحمراء في ذكرى دخول روسيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية (أ.ف.ب)
جنود روس بالساحة الحمراء في ذكرى دخول روسيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية (أ.ف.ب)

دقَّ إعلان روسيا، الثلاثاء، الانسحاب رسمياً من معاهدة الحد من القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، المسمار الأخير في نعش الاتفاقيات الدولية والمعاهدات التي تنظِّم عمليات الرقابة على التسلح وتحركات القوات المسلحة في أرجاء القارة.وعلى الرغم من أن الخطوة كانت منتظَرة منذ وقت، فإن إعلانها أعاد التذكير بتداعيات المواجهة المتفاقمة بين روسيا والغرب، على الأمن الأوروبي والعالمي، خصوصاً مع انهيار كل قنوات الاتصال، وإطلاق أيدي الطرفين في حشد الأسلحة والمعدات الحربية على جانبي الحدود.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر حفل وضع إكليل من الزهور بمناسبة يوم المُدافع عن الوطن عند قبر الجندي المجهول بجوار جدار الكرملين وسط موسكو (أرشيفية - رويترز)

وأعلنت الخارجية الروسية أن موسكو «انسحبت رسمياً بدءاً من منتصف ليل الثلاثاء، من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا» التي أُبرمت عام 1990 إبان الحرب الباردة وجرى التوقيع عليها بعد عام من سقوط جدار برلين. ووُصفت المعاهدة بأنها غَدَت جزءاً «من التاريخ».

كانت المعاهدة قد وضعت قيوداً على قيام حلف شمال الأطلسي وروسيا (حلف وارسو في ذلك الوقت) بنشر معدات حربية أو تحريك الجيوش على طول المناطق الحدودية بين الطرفين. وهدفت إلى منع أيٍّ من طرفَي الحرب الباردة من حشد قوات تمكِّنه من شن هجوم سريع ضد الطرف الآخر في أوروبا. ومع تدهور العلاقات بعد وصول الرئيس فلاديمير بوتين للسلطة في عام 2000 ومواجهته نشاط الحلف الغربي الذي واصل التمدد على مقربة من الحدود الروسية، بدأت موسكو بالتلويح بمراجعة موقفها حيال المعاهدة، ثم علّقت مشاركتها فيها عام 2007 قبل أن توقف مشاركتها الفعالة في تنفيذ بنودها عام 2015. وبعد مرور عام على اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، أقرّ البرلمان الروسي قانونا يقضي بالانسحاب نهائياً من المعاهدة، ووقَّع الرئيس الروسي في مايو (أيار) الماضي مرسوماً ببطلان المعاهدة.

احتفالات بالساحة الحمراء في ذكرى دخول روسيا الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية (أ.ف.ب)

وأوضحت وزارة الخارجية الروسية أن «معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا أُبرمت في نهاية الحرب الباردة عندما بدأ تشكيل هيكل جديد للأمن العالمي والأوروبي على أساس أن التعاون بين الأطراف فعال وممكن». وحمّلت واشنطن مسؤولية انهيار المعاهدة عبر الإشارة إلى أن الدفع الأميركي باتجاه توسيع حلف الناتو أسفر عن تقويض أسس الأمن في أوروبا، وأضافت أن قبول عضوية فنلندا في الناتو وطلب السويد الانضمام إلى الحلف يعنيان عملياً أن المعاهدة «ماتت».

كما قالت الوزارة إنه «حتى الحفاظ الرسمي على معاهدة القوات التقليدية في أوروبا أصبح غير مقبول من وجهة نظر المصالح الأمنية الأساسية لروسيا»، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها لم يصدقوا على معاهدة القوات التقليدية في أوروبا المعدلة لعام 1999.

كان حلف شمال الأطلسي قد ندَّد سابقاً بقرار موسكو الانسحاب من المعاهدة، معتبراً أنه يقوّض الأمن الأوروبي - الأطلسي. وأدان الحلف، الثلاثاء، القرار الروسي، وقال إنه يعتزم بناءً على ذلك تعليق العمل بالمعاهدة إذا لزم الأمر. وأضاف في بيان: «يدين الحلفاء قرار روسيا الانسحاب من معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا وحربها العدوانية على أوكرانيا التي تتعارض مع أهداف المعاهدة. انسحاب روسيا هو أحدث حلقة في سلسلة من الإجراءات التي تقوض بشكل منهجي الأمن الأوروبي - الأطلسي». وتابع: «بالتالي تعتزم الدول الأعضاء في معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا بناءً على ذلك تعليق العمل بالمعاهدة إذا لزم الأمر، حسب حقوقها بموجب القانون الدولي. هذا قرار يحظى بدعم كامل من جميع أعضاء الحلف». وقررت الحكومة الألمانية عدم الالتزام بمعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا، وذلك كردّ فعل على انسحاب روسيا منها.

وقال متحدث باسم الخارجية الألمانية، الثلاثاء، إن الاستمرار في تطبيق المعاهدة فقد الجزء الأكبر من فائدته على صعيد السياسة الأمنية والحد من التسلح بعد الانسحاب الروسي. وأضاف المتحدث أن قرار تعليق المعاهدة من جانب جمهورية ألمانيا الاتحادية اتُّخذ في إطار تنسيق وثيق مع الحلفاء في الحلف، منوهاً إلى أن هذا لا يعني انسحاباً صريحاً لألمانيا من المعاهدة، وقال إن تطبيق المعاهدة من جديد سيظل ممكناً في حال حدوث تغيير جذري في سلوك روسيا.

ويعد الانسحاب من هذه المعاهدة خطوة إضافية تستكمل سلسلة انسحابات مماثلة من المعاهدات التي ضمنت الأمن في القارة الأوروبية، وكان البرلمان الروسي قد أقر قبل أسابيع قليلة قانوناً يقضي بالانسحاب من معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، ووقَّع بوتين مرسوماً بهذا الشأن قبل أسبوع.

وبالطريقة نفسها، حمّلت موسكو المسؤولية عن انهيار تلك المعاهدة لواشنطن. وقال رئيس مجلس الدوما فياتشيسلاف فولودين، إن روسيا ألغت التصديق على المعاهدة بسبب موقف الولايات المتحدة غير المسؤول من الأمن العالمي ومعاييرها المزدوجة. وصحيح أن موسكو أعلنت أن انسحابها من تلك المعاهدة لا يعني تلقائياً استئناف التجارب النووية، لكنها ربطت هذا الموقف بتصرفات واشنطن.

وقال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، الأسبوع الماضي، إن موسكو لن تستأنف التجارب النووية إلا إذا قامت واشنطن بذلك. قبل ذلك، كانت روسيا قد علقت العمل بمعاهدة «نيو ستارت» مع الولايات المتحدة التي تعد الآلية الوحيدة بين البلدين التي تضمن الحفاظ على مستويات تسليحهما النووي والحد من تصعيد حرب نووية.

وأقر البرلمان الروسي بغرفتيه قانونَ تعليق عمل البلاد بالمعاهدة بعد مرور يوم واحد على إعلان الرئيس فلاديمير بوتين تعليق العمل بها. وكان بوتين قد برر قراره بأن «الغرب يسعى لهزيمتنا وتدمير مواقعنا النووية، لهذا توجب على روسيا تعليق مشاركتها في معاهدة نيو ستارت».

وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن خلال مؤتمر صحافي في مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسيل (أ.ف.ب)

وتخلق الانسحابات المتتالية من المعاهدات والآليات التي تنظم الرقابة على التسلح، وضعاً جديداً في أوروبا والعالم، لأنها تُلغي كل قنوات الاتصال والحوار وتطلق أيدي روسيا وحلف شمال الأطلسي للقيام بأنشطة عسكرية تشمل السلاح النووي والقدرات التقليدية من دون رقابة.

وعقب انطلاق الحرب بأوكرانيا في فبراير (شباط) 2002 أعلنت روسيا نشر قوات الردع النووي الاستراتيجية، ووضعها بحالة التأهب الخاصة للقتال لمنع أي دعم غربي للقوات الأوكرانية. وقال الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية وقتها إن «قوات الردع الاستراتيجي مصممة لردع العدوان على روسيا وحلفائها، بما في ذلك حالة نشوب حرب باستخدام الأسلحة النووية».

وزير الدفاع السويدي بال جونسون في أستوكهولم يتكلم حول انضمام بلاده للناتو (أ.ب)

وتضم القوات الاستراتيجية الروسية الصواريخ الاستراتيجية والطائرات والقاذفات بعيدة المدى المجهَّزة بصواريخ عابرة للقارات وأسلحة دقيقة موجهة بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية.

كذلك تضمّ قاذفات الطيران بعيدة المدى والغواصات والسفن، الممكن استخدامها في إطلاق أسلحة تقليدية أو صواريخ حاملة لرؤوس نووية. وفي 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، عاد الرئيس الروسي لتأكيد أن استعمال أسلحة نووية تكتيكية أمر مطروح على طاولة خططه العسكرية. لكنه ربط ذلك بتعرض بلاده لخطر وجودي. وفي وقت لاحق أعلنت موسكو نقل أسلحة نووية إلى بيلاروسيا لتغدو في أقرب نقطة من الحدود مع بلدان أوروبية تدخل في عداد حلف الأطلسي. وأسفرت تلك التطورات عن ارتفاع المخاوف من انزلاق الوضع في أوروبا إلى مواجهة قد تستخدم فيها أسلحة نووية أو مكونات ذات قدرات تدميرية هائلة. وتأتي الخطوة الأخيرة بالانسحاب من معاهدة القوات التقليدية لتضيف خطراً جديداً يتمثل في إطلاق أيدي موسكو لتوسيع عمليات حشد القوات والأسلحة التقليدية على طول الحدود الغربية، وهو أمر بدأته موسكو منذ وقت لكنه قد يتخذ حالياً طابعاً علنياً مباشراً بسبب انتهاء القيود التي فرضتها المعاهدة. وكان وزير الدفاع سيرغي شويغو، قد أعلن في وقت سابق أن بلاده شكّلت فرقاً عسكرية جديدة في المناطق الغربية من البلاد يُنتظر وفقاً للتطور الأخير أن تحظى بتوسيع وأن يتم مدها بقدرات حربية كبيرة.


مقالات ذات صلة

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

أوروبا الزعماء في قمة «الدفاع عن الديمقراطية» (إ.ب.أ)

سانشيز «غير قلق» حيال تهديدات بتعليق عضوية بلاده في «الناتو»

رسالة بريد إلكتروني داخلية بوزارة الدفاع الأمريكية احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة دول أعضاء في الحلف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب) p-circle

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

قال مسؤول أميركي لـ«رويترز» إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي.

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

روته يطالب تركيا بزيادة القدرات الدفاعية لـ«ناتو» لمواجهة التهديدات

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ضرورة سعي الحلف إلى زيادة قدراته الدفاعية في ظل التقلبات المتزايدة في بيئة الأمن العالمي

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال كلمة في شركة «أسيلسان» للدفاع ضمن زيارته الرسمية لتركيا (أ.ف.ب)

أمين حلف «الأطلسي» من تركيا: إيران تبث الرعب والفوضى

أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الأربعاء، في أنقرة، أن الحلف «سيقوم دائماً بما يلزم للدفاع عن تركيا».

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

«الناتو» يعترض طائرات عسكرية روسية خلال تحليقها فوق بحر البلطيق

اعترض حلف شمال الأطلسي (ناتو) قاذفات استراتيجية ومقاتلات روسية حلّقت فوق بحر البلطيق يوم الاثنين.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)

قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
TT

قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

أعلن قصر بكنغهام، اليوم الأحد، أن الزيارة التي سيقوم بها الملك تشارلز ملك بريطانيا وقرينته كاميلا إلى الولايات ‌المتحدة لمدة أربعة ‌أيام ستجري ‌كما هو مقرر لها، وذلك عقب واقعة إطلاق نار حدثت خلال حفل عشاء حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال ‌متحدث ‌باسم القصر، وفقاً لوكالة «رويترز»: «بعد ‌مناقشات جرت على ‌جانبي المحيط الأطلسي طوال اليوم، وبناء على نصيحة الحكومة، ‌يمكننا تأكيد أن الزيارة الرسمية لجلالتيهما ستجري كما هو مخطط لها».

وأضاف: «الملك وقرينته ممتنان للغاية لجميع الذين عملوا بسرعة لضمان استمرار ذلك، ويتطلعان إلى بدء الزيارة غداً».

ويبدأ الملك تشارلز الثالث زيارة إلى الولايات المتحدة الاثنين تشمل مهمة دبلوماسية حساسة وهي تخفيف التوترات بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، مع تجنّب «قضية إبستين» التي تعد شوكة في خاصرة العائلة المالكة.

رسمياً يُقدّم قصر باكنغهام هذه الزيارة التي تستغرق أربعة أيام، وتم تنظيمها بناء على طلب الحكومة البريطانية، بوصفها فرصة «للاحتفال بالروابط التاريخية» بين البلدين لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. لكن نادراً ما أثارت زيارة ملكية كل هذا الجدل. فمع أن دونالد ترمب نجل سيدة اسكوتلندية ومعجب كبير بالعائلة المالكة، ووصف الملك بأنه «رجل رائع» الخميس على شبكة «بي بي سي»، إلا أنه كثّف هجماته على حلفائه البريطانيين منذ نهاية فبراير (شباط)، عندما أبدت لندن لأول مرة تحفظاتها بشأن الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران.

وهاجم الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل». كما سخر من الجيش البريطاني وقلّل من شأن مساهمته في التحالف الدولي الذي خاض الحرب ضد «طالبان» في أفغانستان.

ودفعت تلك الهجمات بعض أعضاء البرلمان، مثل زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، إلى المطالبة بتأجيل الزيارة. وقد أيّد هذا الرأي 48 في المائة من البريطانيين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» في بداية أبريل (نيسان).


«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان جميع المدعوين إلى مأدبة عشاء مراسلي البيت الأبيض، مساء السبت، ينتظرون كلمة الرئيس دونالد ترمب الذي شارك في هذا الحفل بعد سنوات من المقاطعة. كان الصحافيون المدعوون، وبينهم «الشرق الأوسط»، يترقبون ما سيقوله الرئيس ترمب، خصوصاً مع تاريخه الطويل في انتقاد الصحافيين ودورهم، حسبما يعتقد، في نشر «الأخبار المزيفة». دخل الرئيس ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب إلى القاعة الكبرى في فندق «واشنطن هيلتون» وسط تصفيق حذر وأنظار متلهفة. كان الجو يمزج بين الرسمية والتوتر الخفي؛ صحافيون، سياسيون، نجوم هوليوود، وشخصيات بارزة من الكونغرس وأعضاء إدارة ترمب يجلسون على موائد مزينة بأناقة. لم تمضِ دقائق قليلة على دخول ترمب حتى انفجر الوضع. سُمع صوت إطلاق نار خارج القاعة مباشرة. في لحظات، تحوّلت القاعة إلى مشهد يشبه أفلام الأكشن الهوليوودية التي نراها على الشاشات الكبيرة. اندفع عملاء الشرطة السرية بأسلحتهم المسحوبة، صرخوا... تحركوا... انخفضوا تحت الطاولات، وأحاطوا الرئيس الأميركي والسيدة الأولى والوزراء وأعضاء الكونغرس. تم إجلاء ترمب وميلانيا بسرعة مذهلة من فوق المنصة، وسط فوضى منظمة. وفي القاعة، كانت ردود الأفعال الإنسانية تلقائية ومتنوعة، تعكس الطبيعة البشرية في مواجهة الخطر المفاجئ. لاحظت «الشرق الأوسط» بعض الحاضرين يختبئون تحت الموائد بحثاً عن غطاء، بينما وقف آخرون على الكراسي والطاولات محاولين استطلاع ما يحدث أو تصوير اللحظة بهواتفهم.

موظفوون في فندق «واشنطن هيلتون» لجأوا إلى مدخل خلفي بعدإطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان المشهد مرعباً وغير واقعي في الوقت نفسه؛ كأن الجميع أصبح جزءاً من فيلم إثارة، لكن الرصاص حقيقي والخوف حقيقي. شوهد رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، يركض مسرعاً نحو باب الخروج، وستيفن ميلر يحاول الخروج وهو يختبئ خلف زوجته الحامل، محاولاً حمايتها بجسده. في لحظة مؤثرة، شاهدت «الشرق الأوسط» أيضاً إريكا، أرملة الناشط اليميني تشارلي كيرك، منهارة تماماً تبكي بحرقة. اقترب منها كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وأخذها إلى أحد الممرات الجانبية في الفندق، يحاول تهدئتها بلطف وهو يمسك بيدها.

الشرطة تحاول إبعاد الجمهور عن فندق «واشنطن هيلتون» بعد إطلاق نار خارج قاعة الاحتفالات مساء السبت (إ.ب.أ)

تم إجلاء الجميع من القاعة والفندق بسرعة. خرجوا إلى الشارع، وجلسوا ساعات طويلة خارج الفندق وسط طوق أمني محكم. حاصرت سيارات الشرطة والإسعاف كل الشوارع المحيطة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق فوق الرؤوس في دوائر مستمرة، تخترق صمت الليل بصوت محركاتها. كان الجو بارداً ومشحوناً بالتوتر؛ صحافيون يتحدثون بهمس، بعضهم يحاول الاتصال بزملائه أو عائلاته، وآخرون يدونون ملاحظاتهم، أو يبثون مباشرة عبر الهواتف، ولم يتمكن أحد من العودة إلى الفندق تلك الليلة. استمر تحليق طائرات الهليكوبتر والتوتر، ثم أُعلن لاحقاً أن شخصاً مسلحاً حاول اقتحام نقطة تفتيش، وتمت السيطرة عليه. لم يُصب الرئيس ترمب ولا السيدة الأولى ولا أي من كبار المسؤولين بأذى. كانت تلك الليلة تذكيراً قاسياً بأن الواقع السياسي في واشنطن يمكن أن يتحول في ثوانٍ إلى دراما إنسانية مكثفة. بين الترقب لخطاب رئاسي محتمل ينتقد «الإعلام المزيف»، وبين صوت الرصاص والإجلاء السريع، تجلت هشاشة الأمان حتى في أكثر المناسبات رسمية.


سويسرا تطالب إيطاليا بتكاليف علاج ضحايا حريق ليلة رأس السنة

سويسريون يشعلون الشموع أمام حانة في منتجع تزلج سويسري اشتعلت بها النيران ليلة رأس السنة (رويترز)
سويسريون يشعلون الشموع أمام حانة في منتجع تزلج سويسري اشتعلت بها النيران ليلة رأس السنة (رويترز)
TT

سويسرا تطالب إيطاليا بتكاليف علاج ضحايا حريق ليلة رأس السنة

سويسريون يشعلون الشموع أمام حانة في منتجع تزلج سويسري اشتعلت بها النيران ليلة رأس السنة (رويترز)
سويسريون يشعلون الشموع أمام حانة في منتجع تزلج سويسري اشتعلت بها النيران ليلة رأس السنة (رويترز)

قال المكتب الحكومي المسؤول عن شؤون التأمينات الاجتماعية في سويسرا إن الحكومة ستطالب روما بتغطية تكاليف علاج مواطنين إيطاليين أصيبوا في حريق إحدى الحانات بمنتجع كران مونتانا جنوب غربي سويسرا، في جبال الألب ليلة رأس السنة، الذي أودى بحياة 41 شخصاً.

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تزيد هذه المطالبة من توتر العلاقات بين البلدين، ووصفت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني يوم الجمعة هذ الطلب بأنه «مشين»، في أعقاب نشر تقرير عن إرسال فواتير إلى أسر مصابي الحريق.

وأكد مكتب التأمينات الاجتماعية الاتحادي في بيان أرسله لـ«رويترز»، في ساعة متأخرة من مساء أمس (السبت)، خطط سويسرا لاسترداد الأموال التي أنفقتها على العلاج في المستشفيات، لكنه قال إن ذلك لن يكون مطلوباً من أسر المصابين.

وذكر المكتب أنه بموجب الاتفاقات الحالية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وسويسرا، سيتلقى المصابون الفواتير الخاصة بهم لأغراض التحقق فقط، موضحاً أنه سيجري تحميل التكاليف إلى شركة التأمين الصحي الأجنبية المعنية.

وقالت ميلوني في منشور على «فيسبوك»، مساء الجمعة: «إذا جرى تقديم هذا الطلب المشين رسمياً، فإنني أعلن أن إيطاليا سترفضه رفضاً قاطعاً، ولن تتعامل معه بأي شكل من الأشكال».

وأضافت: «أثق في حس المسؤولية لدى السلطات السويسرية وآمل أن يتبين أن هذا التقرير لا أساس له من الصحة على الإطلاق».