أوروبا تنظم دفاعاتها «لئلا يتجاوزها التاريخ»... بحلول 2030

خوفاً من روسيا وسحب المظلة الأميركية

مقاتلتان إسبانيتان تشاركان في تدريبات لـ«الناتو» في جنوب إسبانيا الاثنين (أ.ب)
مقاتلتان إسبانيتان تشاركان في تدريبات لـ«الناتو» في جنوب إسبانيا الاثنين (أ.ب)
TT

أوروبا تنظم دفاعاتها «لئلا يتجاوزها التاريخ»... بحلول 2030

مقاتلتان إسبانيتان تشاركان في تدريبات لـ«الناتو» في جنوب إسبانيا الاثنين (أ.ب)
مقاتلتان إسبانيتان تشاركان في تدريبات لـ«الناتو» في جنوب إسبانيا الاثنين (أ.ب)

أوروبا خائفة، ومصادر خوفها عديدة، أولها روسيا التي تواصل حربها على أوكرانيا، وتتأهب لفرض اتفاقية سلام ستمكنها، بفضل التغيرات الجذرية التي لحقت بالسياسة الأميركية منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، من «هضم» شبه جزيرة القرم؛ وثانيها إشاحة الشريك الأميركي نظره عن القارة القديمة، وتراجع اهتمامه بـ«حلف شمال الأطلسي» (ناتو) لتوجيه الاهتمام نحو الصين، ما يعني أن حقبة الـ75 عاماً التي عاشتها أوروبا في ظل الحماية الأميركية ربما انتهت.

ويشهد الحلف حالياً عملية تحول جذرية بسبب ضغوط واشنطن على حلفائها الأوروبيين لدفعهم نحو تحمل المزيد من الأعباء الدفاعية في إطار الدفاع التقليدي، فيما تدور اتصالات بعيدة عن الأضواء للنظر في احتمال أن تحل المظلة النووية الفرنسية مكان المظلة النووية الأميركية. وقد فتح المستشار الألماني الجديد، فردريتش ميرتس، الباب أمام مشاورات من هذا النوع، وكذلك فعل الرئيس البولندي، أندريه دودا، علماً بأن وارسو كانت، حتى أمد قريب، أكثر الدول تمسكاً بالحماية الأميركية.

الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته يحتفلان بمرور 70 عاماً على انضمام ألمانيا للحلف الأطلسي في بروكسل الاثنين (د.ب.أ)

أمن القارة الأوروبية

بالنظر إلى ما سبق، ولأن ما يحصل يقلق الأوروبيين، ليس فقط مصير أوكرانيا، بل مستقبل أمنهم الخاص، وأمن القارة الأوروبية، فقد قرروا السير بخطة تسلح طموحة ليس على مستوى الاتحاد الأوروبي كمجموعة، ولكن أيضاً على مستوى أعضائه الـ27. ووعى الاتحاد الأوروبي أن أولى أولوياته يجب أن تكون زيادة قدراته الدفاعية، وتعزيز منظوماته العسكرية. والطريق إلى ذلك يمر عبر زيادة إنفاقه العسكري. ولذا، عقد قادة الاتحاد ثلاثة اجتماعات على مستوى القمة من أجل النظر في صورة الدفاع الأوروبي بحلول العام 2030. فيما عمدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى بلورة مخطط توجيهي تحت عنوان: «أن نكون جاهزين (دفاعياً) في العام 2030» يرصد التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها أوروبا، والوسائل التي تمكنها من مواجهتها، فضلاً عن النصوص التشريعية المفترض إقرارها لهذا الغرض.

ثمة سؤال يُطرح: لماذا اختارت المفوضية الأوروبية العام 2030 هدفاً لإنجاز مشاريعها الدفاعية؟ الجواب جاء على لسان كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، والتي قالت إن «غالبية وكالات الاستخبارات الأوروبية تعتقد أن روسيا قد تقدم على اختبار قدرات الاتحاد الأوروبي الدفاعية بعد فترة تتراوح بين 3 و5 سنوات». وفي الوثيقة التي قدمتها فون دير لاين، جاء أن «النظام العالمي يتعرض لتغيرات لا مثيل لها منذ العام»، مشيرة إلى التهديد الروسي، وأيضاً الصيني، وأطراف أخرى إقليمية. وفي كلمة لها في كوبنهاغن، في 18 مارس (آذار) قالت فون دير لاين: «لا يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن يتجاوزنا التاريخ... بحلول عام 2030، يجب أن يكون لأوروبا وضع دفاعي أوروبي قوي. والاستعداد لعام 2030 يعني إعادة التسلح، وتطوير القدرات الضرورية لردع موثوق به. ولكي نكون مستعدين لهذا الاستحقاق، علينا أن نبدأ العمل الآن. وهنا يأتي دور الاتحاد الأوروبي».

الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير والأمين العام لـ«الناتو» مارك روته يحتفلان بمرور 70 عاماً على انضمام ألمانيا للحلف الأطلسي في بروكسل الاثنين (د.ب.أ)

إعادة تنظيم الدفاع الأوروبي

يعي الجميع أن التسلح شأن سيادي لكل دولة في الاتحاد. من هنا، فإن المفوضية ترى أن دورها يكمن في المساعدة على توفير التمويل، وفي تليين القوانين الأوروبية الخاصة بعجز الميزانيات. وأهم ما جاءت به المسؤولة الأوروبية أمران؛ الأول: اقتراح خطة لرصد 800 مليار يورو (إضافية) للدفاع الأوروبي حتى العام 2030، بحيث تعمد المفوضية إلى اقتراض 150 مليار يورو، خطوة أولى، تكون في تصرف الدول الأعضاء لتغرف منها على إنفاقها الدفاعي. ويريد أعضاء آخرون اقتراضاً أكبر، نظراً للصعوبات المالية التي تعاني منها دول أوروبية كثيرة، بما فيها ألمانيا وفرنسا اللتان تتمتعان بأكبر اقتصادين داخل الاتحاد. وتعمل حكومات كثيرة على عصر الإنفاق في مجالات عديدة، وتخصيص الوفر منها للدفاع. وحددت المفوضية شروط الاستخدام الخاصة بسبعة قطاعات عسكرية رئيسة أبرزها: أنظمة الدفاع الجوي، الصواريخ، المسيرات، الحرب السيبرانية... ويدفع الاتحاد أعضاءه للقيام بمشتريات جماعية تشمل على الأقل عضوين، وألا تقل نسبة المكونات الأوروبية في أنظمة السلاح المشتراة عن 65 في المائة. والأمر الثاني: وضع القانون الذي يفرض احتواء عجز الميزانيات الأوروبية عند حدود 3 في المائة جانباً بحيث لا يحتسب تخطي هذه النسبة، إذا كان الإنفاق على الشؤون الدفاعية، شرط ألا يتجاوز 1.5 من الناتج الداخلي الخام، وذلك لأربع سنوات، بدءاً من يونيو (حزيران) المقبل.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في روما على هامش دفن البابا فرنسيس يوم الأحد (إ.ب.أ)

إضافة إلى ما سبق، تريد المفوضية العمل على إعادة تنظيم الصناعات الدفاعية الأوروبية المشتتة، وأحياناً المتنافسة فيما بينها، من أجل مزيد من الدمج، والتنسيق، والبرامج المشتركة. والجديد الذي جاءت به المفوضية أنه يتيح التعاون مع دول وشركات لا تعود للاتحاد، مثل النرويج، ودول البلقان، وكندا، وحتى تركيا... وثمة تفاصيل أخرى فنية لا تضيف شيئاً على التوجه الرئيس، ولكنها تندرج كلها في سياق هدف واحد هو تعزيز الصناعات الدفاعية الأوروبية، وصولاً إلى ما يدعو إليه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون منذ سنوات، أي «الاستقلالية الاستراتيجية» و«السيادة الدفاعية». ويبدو هذا الهدف بعيداً، إذ إن 60 في المائة من التجهيزات العسكرية الأوروبية، حتى اليوم، مصدرها الولايات المتحدة.

يقول أندريوس كوبيليوس، مفوض الدفاع في الاتحاد: «نحن في الاتحاد نعد 450 مليون مواطن أوروبي، ولا يجب أن نكون معولين في دفاعنا على 340 مليون أميركي بوجه 140 مليون روسي عجزوا عن التغلب على 38 مليون أوكراني».

إنها أرقام صحيحة، لكن يتعين وضعها في سياقها، فميزانية الدفاع الأميركية بلغت العام الماضي 797 مليار دولار، أي ما يساوي تقريباً ثلاثة أضعاف ميزانيات الاتحاد الأوروبي مجتمعة.


مقالات ذات صلة

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزيرة الخارجية البريطانية: نشعر بقلق بالغ من العلاقات بين روسيا وإيران

وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)
وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر مع نظيرها الفرنسي جان نويل بارو في فو دو سيرنيه قرب باريس حيث يُعقد لقاء وزراء خارجية دول مجموعة السبع (رويترز)

عبّرت وزيرة الخارجية ​البريطانية إيفيت كوبر، اليوم (الجمعة)، عن قلق بريطانيا وحلفائها في ‌مجموعة ‌السبع البالغ ​من ‌تنامي ⁠العلاقات ​بين روسيا وإيران، ⁠وذلك بعد اتهام القوى الأوروبية لموسكو بمساعدة طهران ⁠في استهداف ‌القوات ‌الأميركية ‌في ‌الشرق الأوسط.

وقالت كوبر، قبيل انعقاد قمة مجموعة ‌السبع في فرنسا: «نشعر بقلق بالغ إزاء ⁠العلاقات ⁠القائمة منذ وقت طويل بين روسيا وإيران فيما يتعلق بالقدرات المشتركة».

ودعت إلى تسوية سريعة للحرب في الشرق الأوسط. وقالت: «نحن بوضوح شديد نريد أن نرى تسوية سريعة لهذا النزاع تعيد إرساء الاستقرار الإقليمي». وأضافت «لا يمكن السماح لإيران بأخذ الاقتصاد العالمي رهينة عبر مضيق» هرمز الحيوي «لطرق الشحن الدولية وحرية الملاحة».


وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير الدفاع الألماني: أوروبا آمنة من صواريخ إيران بفضل «الناتو»

بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)
بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني خلال زيارته قاعدة عسكرية في بريسبان بأستراليا في 27 مارس 2026 (د.ب.أ)

بدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس المخاوف بشأن مدى الصواريخ الإيرانية التي يمكن نظرياً أن تصل أيضاً إلى أهداف في أوروبا.

وقال الوزير خلال زيارة إلى ثكنة عسكرية أسترالية قرب مدينة بريسبان على الساحل الشرقي لأستراليا: «أوروبا آمنة، خاصة أن ألمانيا لا تدافع عن نفسها بمفردها في إطار الدفاع الجوي، بل يتم ذلك في سياق قوات الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأشار بيستوريوس أيضاً إلى بناء نظام الدفاع الجوي «آرو 3» الذي تم شراؤه من إسرائيل، والذي سيكون جاهزاً للاستخدام قريباً، وقال: «هذا يمثّل قفزة كبيرة إلى الأمام. ما زلت أتذكر الأصوات المنتقدة عندما قمنا بشرائه. كان يقال إنه لا توجد أصلاً صواريخ يتعين على هذا النظام التصدي لها».

ومن المفترض أن يكون «آرو 3» قادراً على تدمير الصواريخ المعادية حتى على ارتفاعات تزيد على 100 كيلومتر، وهي قدرة لا تمتلكها القوات المسلحة الألمانية حتى الآن. ويُعد موقع سلاح الجو في شونيفالده/هولتسدورف على الحدود بين ولايتي سكسونيا-أنهالت وبراندنبورغ الألمانيتين، والذي يضم ميداناً للتدريب العسكري، أول ثلاثة مواقع مخطط لها لتمركز نظام «آرو» بها في ألمانيا.

وقال بيستوريوس بشأن مدى أنظمة الأسلحة الباليستية الإيرانية: «بالطبع يمكن نظرياً لهذه الصواريخ أن تصل إلى أوروبا. لكننا - بصراحة - كنا نعرف ذلك من قبل. السؤال هو: بأي تسليح وبأي دقة؟ ولهذا فإننا نعتمد على قدرة الدفاع المشتركة التي تم تشكيلها في إطار الناتو».

وفيما يتعلق بالدفاع الجوي، أشار الوزير أيضاً إلى أن الصواريخ الموجهة لنظام «باتريوت» الأميركي ستصنعها قريباً في ألمانيا شركة «إم بي دي إيه» للصناعات الدفاعية، وقال: «لكن -لأكون صريحاً - لا يمكننا الإسراع أكثر من ذلك. لقد تم إطلاق هذا المشروع بالفعل في وقت مبكر».


حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.