ماذا تبقَّى من «فاغنر»؟ ومَن سيدير نشاطها خارج البلاد؟

الغموض يحيط بمصير تركة بريغوجين... جيش مسلح وعشرات الشركات

عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)
عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)
TT

ماذا تبقَّى من «فاغنر»؟ ومَن سيدير نشاطها خارج البلاد؟

عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)
عَلم مجموعة «فاغنر» مع العَلم الروسي احتفالاً باليوم الوطني (رويترز)

في حين تتكاثر الروايات حول أسباب تحطم طائرة زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين، فإن ما يشغل بال كثيرين هو عواقب هذا الحادث، وما الذي يمكن أن يغيّره في هيكلية ونشاط المجموعة الناشطة في بلدان عدة خصوصاً في القارة الأفريقية. كان لافتاً أن بريغوجين لقي مصرعه مباشرةً بعد عودته من رحلة غامضة إلى أحد بلدان القارة الذي لم يتم تحديده. ظهر الرجل في شريط فيديو حاملاً بندقية آلية، وحوله صحراء من كل الجهات لا يمكن تحديد معالم البلد من خلالها. وأعلن عزمه على مواصلة العمل في القارة من أجل «عزة روسيا» و«رفاهية وسعادة شعوب القارة».

بريغوجين وكل المجموعة التي رافقته في تلك الرحلة كان على موعد مع الموت بعد مرور ساعات قليلة على بث الشريط. بينما تتركز الأنظار حالياً على الخطوات الأولى التي يمكن أن تتخذها قيادة «فاغنر» أو مَن تبقى منها لإدارة المرحلة المقبلة.

الغموض يسيطر على حادث تحطم طائرة خاصة كانت تقل زعيم «فاغنر» (أ.ف.ب)... وفي الإطار صورة أرشيفية لبريغوجين

تقسيم «فاغنر» إلى جزأين أساسيين

بعد التمرد العسكري في 24 يونيو (حزيران) بدا الموقف تجاه ناشطي «فاغنر» غامضاً للغاية، وكان هذا ملحوظاً بشكل خاص في وسائل الإعلام الحكومية التي أطلقت حملات قوية على «المتمردين»، رغم العفو الذي أصدره الرئيس فلاديمير بوتين عنهم. ورغم أن الكرملين كشف لاحقاً عن أن بوتين استقبل قيادة المجموعة في الكرملين و«تفاهم» معهم على ترتيبات وأولويات المرحلة المقبلة.

ما اتضح من الخطوات الأولى، كان تقسيم مجموعة «فاغنر» إلى جزأين أساسيين، يضم أحدهما المجموعات التي قاتلت في أوكرانيا، والعناصر التي تنتشر في الصفوف الخلفية داخل الأراضي الروسية. هؤلاء تضمّن اتفاق إنهاء التمرد انتقال الجزء الأعظم منهم إلى بيلاروسيا حيث انتشروا في مناطق حدودية استعداداً لمواجهة الموقف في حال اندلع قتال مع بولندا ولاتفيا وفقاً لتصريحات الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو. وتدور أحاديث حالياً حول أن المجموعات التي انتشرت في بيلاروسيا قد تخضع لاحقاً لسلطة لوكاشينكو نفسه الذي أبدى اهتماماً كبيراً بالإفادة من قدرات «فاغنر».

بوتين يتوسط رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف (يسار) ووزير الدفاع سيرغي شويغو (أ.ب)

في أوكرانيا، على الرغم من الإعلان عن انصياع بعض المقاتلين لرغبة وزارة الدفاع عبر توقيع عقود تعاقد معها بهدف مواصلة القتال في هذا البلد، لم تُسمع منذ ذلك الحين أي معلومات تشير إلى أن مقاتلي «فاغنر» لعبوا أدواراً في المعارك الجارية في جنوب وشرق أوكرانيا.

الجزء الثاني، وهو الأكثر أهمية على صعيد تحركات روسيا الخارجية، اشتمل على نحو 14 ألف مقاتل مدرب ومسلح بشكل جيد، وهي المجموعة المنتشرة وفقاً لتقديرات منصات إعلامية قريبة من «فاغنر» في عدد من الدول الأفريقية. هؤلاء كما بدا من تحركات بريغوجين ومن تصريحات كثيرة صدرت عن مركز القرار الروسي، واصلوا الولاء لزعيمهم بريغوجين.

قوات «فاغنر» في أفريقيا (أ.ب)

بريغوجين نفسه لم يُخفِ ذلك، وأعلن في مناسبات نادرة ظهر فيها على العلن بعد التمرد أنه سيواصل إدارة مجموعته في القارة الأفريقية، بل إنه عقد أيضاً لقاءات على هامش القمة الروسية-الأفريقية التي انعقدت في سان بطرسبرغ الشهر الماضي. وبعد ذلك ظهر في شريط فيديو قال إنه يدعم سلطات الانقلاب في النيجر وأعلن عن استعداده لإرسال قواته إلى هذا البلد. هذه التحركات رافقها الكثير من الغموض على المستوى الرسمي، حيال شخص بريغوجين وحيال مستقبل نشاط المجموعة.

وفي حين أعلنت وزارة الخارجية أن «فاغنر» سوف تواصل أداء المهام الأمنية والعسكرية في بلدان أفريقية، لم يتطرق الكرملين أو أي مركز قرار روسي آخر، إلى فرضيات حول مستقبل قيادة بريغوجين هذه المجموعات.

حل التشكيلات شبه العسكرية

في الآونة الأخيرة، ترددت معطيات على وسائل الإعلام بأن موسكو تتجه لحل كل التشكيلات شبه العسكرية وإقرار قانون ينظّم عمل الشركات الأمنية الخاصة. لكنّ خبراء روسيين جادلوا في هذا الموضوع، على اعتبار أن حل «فاغنر» بقرار من الحكومة الروسية ليس ممكناً، كون المجموعة مسجلة كشركة خدمات أمنية في خارج البلاد ولا توجد سجلات لها في دوائر قانونية روسية.

رغم ذلك، برزت فرضيات عدة، تحوم بالدرجة الأولى حول احتمال إعادة بناء هيكلية هذه المجموعة الناشطة خارج الأراضي الروسية. في هذا الإطار يبدو احتمال فرض رقابة أو سيطرة عليها من جانب وزارة الدفاع مستبعداً للغاية، لعدة أسباب أولها أن مقاتلي «فاغنر» لا يَدينون بالولاء أصلاً للوزارة، ولديهم تعبئة منهجية ضد أركان الوزارة وأبرز شخصياتها.

لكن الأهم من ذلك، أن فرض سيطرة وزارة الدفاع على المجموعة سوف يعني تحميل موسكو مسؤولية علنية ومباشرة عن نشاط المجموعة في بلدان عدة وهو أمر سعت موسكو إلى تجنبه طوال السنوات الماضية.

المعسكر القريب من قرية تسيل في بيلاروسيا (إ.ب.أ)

الخيار الأفضل كما تشير تقديرات هو انتقال أفراد المجموعة إلى شركات أمنية أخرى. ونقلت مصادر استخبارات غربية أن بعض هذه الشركات يتنافس حالياً لضم مقاتلي «فاغنر» إلى صفوفه.

وهناك خيار يقوم على الإبقاء على هيكلية «فاغنر» كما هي مع تكليف شخصية من قيادييها يَدين بالولاء للكرملين بإدارة نشاطها خلال المرحلة المقبلة. في هذا الموضوع يشير بعض الخبراء إلى لقاء بوتين مع قيادة «فاغنر» بعد مرور أيام على التمرد العسكري. في ذلك اللقاء حضر نحو 30 شخصاً من أبرز القادة الميدانيين للمجموعة، ولا يمكن استبعاد أن الكرملين قرر بعد هذا الاجتماع مَن سيتولى إدارة «فاغنر» لاحقاً.

في كل الأحوال، ومهما كان مصير إدارة المجموعة في أفريقيا، فإن أوساطاً روسية تبدو واثقة أن مصيراً مختلفاً ينتظر مجموعات «فاغنر» التي ما زالت تنشط في سوريا. هنا لن ترغب وزارة الدفاع، وفقاً لخبراء، في التخلي عن سيطرة كاملة ومباشرة على نشاط المجموعة لأن ذلك قد يُسفر عن أضرار جدية على النشاط العسكري الروسي في هذا البلد. هذا قد يعني أن موسكو ستقوم بحملة تطهير واسعة داخل صفوف المجموعة في سوريا لإطاحة الشخصيات التي قد لا تدين بالولاء لوزارة الدفاع.

تركة بريغوجين

في إطار الحديث عن مصير «فاغنر» بعد رحيل بريغوجين، برز أيضاً حديث عن تركة الرجل، وكيف سيتم التعامل معها. ومع كل الانتقادات التي يوجهها البعض إلى بريغوجين كونه «لم ينجح في إدارة حساباته المتعلقة بالصراع مع وزارة الدفاع»، و«لم يفهم جيداً حجم دوره ومساحة ملعبه داخل خلافات النخب الروسية»، لكن الجميع في المقابل يقرّ بأن بريغوجين كان رجل أعمال ناجحاً للغاية.

كان بريغوجين يمتلك عشرات المطاعم، وقام على مدى سنوات طويلة بتزويد الجيش الروسي بالطعام والمستلزمات المتعلقة بالغذاء. كما أنه كسب عقوداً طويلة الأمد لإمداد المدارس والمعاهد التعليمية بالمنتجات الغذائية أيضاً.

ضباط شرطة روس أمام مقر «فاغنر» في سان بطرسبرغ (أ.ف.ب)

لكن هذا كان الشق المعلن فقط من نشاطه التجاري. والشيء الرئيسي هو أنه بمساعدة القوة العسكرية في بلدان تشتعل فيها حروب، دخل سوق الموارد الطبيعية بقوة. على الأقل توجد لائحة معلنة ببعض ممتلكاته التي يسيطر الغموض على مصيرها بعد رحيله وبينها شركة «يوروبوليس» لإنتاج المواد الهيدروكربونية في سوريا. تأسست في عام 2020. وسجلت الشركة إيرادات بقيمة 134 مليون دولار وأرباحاً بقيمة 90 مليون دولار؛ وبعد مرور عام، بلغت الإيرادات 400 ألف دولار فقط، لكن الميزانية العمومية للشركة بلغت 92 مليون دولار. وشركة «إم إنفست» المتخصصة في تعدين الذهب في السودان. وفي عام 2021 بلغت إيراداتها 2.6 مليون دولار. وهناك شركتان (لم يتم كشف تفاصيل عنهما) لكنهما متخصصتان في شحن المعدات الصناعية في السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى. والإيرادات في عام 2021 زادت على 6 ملايين دولار. فضلاً عن شركة «ميركوري» المتخصصة في قطاع النفط والغاز في سوريا. حتى عام 2021 حققت الشركة 67 مليون دولار.

عناصر من «فاغنر» بجانب دباباتهم في روستوف أون دون (أ.ب)

ومع اللائحة المعلنة هناك حديث عن شركات عدة بتسميات مختلفة متخصصة في استخراج ونقل الماس والذهب من بلدان أفريقية، وهذه الشركات لا توجد أي تفاصيل تؤكد حجم عائداتها السنوية، وفقاً لمصادر إعلامية روسية. ولدى بريغوجين أيضاً يخت بقيمة 6 ملايين دولار، وطائرة خاصة، وعشرات القصور والمنازل المنتشرة في مناطق عدة.


مقالات ذات صلة

منظمة العفو تتهم الجيش المالي وعناصر «فاغنر» الروسية بارتكاب جرائم حرب

أفريقيا عناصر من مجموعة «أفريكا كوربس» - «فاغنر» سابقاً - في مالي (أ.ب)

منظمة العفو تتهم الجيش المالي وعناصر «فاغنر» الروسية بارتكاب جرائم حرب

اتهمت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجيش المالي وعناصر من مجموعة «فاغنر» الروسية شبه العسكرية بارتكاب جرائم حرب.

«الشرق الأوسط» (دكار)
شمال افريقيا مقاتلا «فاغنر» السابقان المفرج عنهما (وسائل إعلام ليبية)

«الوطني الليبي» يُشارك في تحرير مقاتلين سابقين بـ«فاغنر» في مالي

أفادت مصادر روسية وليبية متطابقة بأن نجل القائد العام للجيش الوطني الليبي ونائبه الفريق صدام حفتر اضطلع بدور في الإفراج عن اثنين من المقاتلين الروس السابقين

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

البابا ليو يستأنف العمل من المستشفى بعد جراحة لاستئصال سرطان

البابا ليو يتحدث مع طبيبه الخاص لويجي كاربوني لدى وصوله إلى مستشفى «جيميلي» قبيل خضوعه لجراحة لاستئصال عقيدة بالرئة في العاصمة الإيطالية روما يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)
البابا ليو يتحدث مع طبيبه الخاص لويجي كاربوني لدى وصوله إلى مستشفى «جيميلي» قبيل خضوعه لجراحة لاستئصال عقيدة بالرئة في العاصمة الإيطالية روما يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

البابا ليو يستأنف العمل من المستشفى بعد جراحة لاستئصال سرطان

البابا ليو يتحدث مع طبيبه الخاص لويجي كاربوني لدى وصوله إلى مستشفى «جيميلي» قبيل خضوعه لجراحة لاستئصال عقيدة بالرئة في العاصمة الإيطالية روما يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)
البابا ليو يتحدث مع طبيبه الخاص لويجي كاربوني لدى وصوله إلى مستشفى «جيميلي» قبيل خضوعه لجراحة لاستئصال عقيدة بالرئة في العاصمة الإيطالية روما يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)

التقى البابا ليو الرابع عشر، الخميس، أحدَ كبار مساعديه، واستأنف العمل من المستشفى، فيما أفاد الأطباء بأن رئته تعافت جيداً بعد خضوعه لجراحة لاستئصال عُقيدة سرطانية، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلن الفاتيكان أن البابا ليو استقبل وكيل الشؤون العامة في أمانة سر دولة الفاتيكان، أو من يُعرف بـ«البديل»، رئيس الأساقفة باولو روديلي، واستأنف العمل من المستشفى. ويتولى روديلي جانباً كبيراً من الأعمال الإدارية اليومية للكرسي الرسولي.

وأوضح التحديث الصادر عن الطبيب الشخصي للبابا ليو، الدكتور لويجي كاربوني، ورئيس قسم جراحة الصدر في مستشفى «جيميلي»، الدكتور ستيفانو مارجاريتورا، أن نتائج الفحوص التي خضع لها البابا بعد الجراحة ظلت ضمن المعدلات الطبيعية، وأن جلسة العلاج الطبيعي التي خضع لها، الخميس، شملت تمارين للحركة الكاملة، فيما كان يمارس أنشطته اليومية بصورة مستقلة.

وقال الطبيبان إن «الأشعة السينية للصدر أظهرت تعافياً جيداً للرئة التي خضعت للجراحة. وبوجه عام، يسير تعافي البابا بعد الجراحة وفق ما هو متوقع».


الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت المملكة المتحدة عام 2026 الصيف الأكثر حراً منذ بدء تسجيل البيانات، إذ تخللته موجات حر عدة وجفاف استثنائي ناجم عن نقص غير مسبوق في هطول الأمطار منذ بدء تسجيل البيانات عام 1836.

وتعاني أكثر من 80 في المائة من مساحة إنجلترا حالياً من الجفاف، مع استمرار هطول الأمطار بمعدلات دون المتوسط خلال أشهر الخريف.

وقال رئيس وكالة البيئة، فيليب دافي، إن «الحرارة القياسية خلال الصيف والجفاف الشديد جعلا مواردنا المائية تحت ضغط هائل».

وأُعلنت حالة «الجفاف الشديد» في مقاطعات كورنوال وديفون ودورست وسومرست وإيست ساسكس وويست ساسكس الإنجليزية، وهي أعلى درجات الجفاف خطورة، وتُعلن عند تسجيل «مؤشرات منخفضة بشكل استثنائي على مدى فترة طويلة».

وجاء الإعلان في وقت انخفض منسوب المياه في خزانين رئيسيين بجنوب غرب إنجلترا، يزوّدان نحو 400 ألف عقار بالمياه، إلى أقل من 20 في المائة من سعتهما التخزينية.

وقالت وكالة البيئة إن منسوب المياه في الخزانات «يُفترض أن يبلغ نحو 75 في المائة في هذا الوقت من العام».

وحسب الحكومة، شهد جنوب شرقي إنجلترا وجنوب غربها الفترة الأكثر جفافاً بين أبريل (نيسان) وسبتمبر (أيلول) منذ أكثر من قرن.

ويقول علماء إن تغيّر المناخ يزيد من حدة الظواهر الجوية، مثل الجفاف وموجات الحر، ما يؤدي إلى تسجيل مستويات قياسية بوتيرة متزايدة.

وحتى الأسبوع الماضي، بلغ متوسط مستويات المياه في الخزانات في أنحاء إنجلترا 54 في المائة، فيما لم تتلقَ البلاد سوى 10 في المائة من متوسط هطول الأمطار المعتاد في أكتوبر (تشرين الأول).

وحضّت الحكومة شركات المياه على مراقبة الكميات التي تسحبها من الموارد الطبيعية، وشجعت المستهلكين على ترشيد استهلاكهم، فيما فُرضت بالفعل قيود على استخدام المياه في مناطق عدة.

وقالت وزيرة البيئة أنجيلا إيغل إن «هذا المستوى من الجفاف لم نشهد له مثيلاً منذ عقود».

وتأثرت قطاعات عدة بأشهر الجفاف، من المزارعين وصيادي الأسماك إلى رجال الإطفاء الذين قالوا إن الجفاف الشديد للنباتات والأراضي أدى إلى اندلاع حرائق غابات صعبة المكافحة خلال الصيف.

ومنذ أغسطس (آب)، تعقد الحكومة اجتماعاً أسبوعياً لـ«المجموعة الوطنية للجفاف»، بمشاركة هيئة الأرصاد الجوية وشركات المياه وخبراء وممثلين للمزارعين.


تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
TT

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

بدا، الخميس، أن الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية»، وفقاً لتعليقات وسائل إعلام روسية. وعكست تصريحات زيلينسكي الحادة تجاه واشنطن، واتهامه ترمب بـ«الخيانة»، وبأنه «لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ»، إضافة إلى توجيهه باستئناف الضربات على مصافي النفط الروسية، أن الأزمة باتت قريبة من خط «اللاعودة».

أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وفي استثمار سريع للوضع، صعّدت موسكو لهجتها تجاه الرئيس الأوكراني، واتهمته بأنه «يقوّض فرص السلام، ويبدّد جهود المفاوضين الأميركيين». وأعلن الناطق باسم «الكرملين»، ديمتري بيسكوف، أن «المساعي الأميركية لتسوية الأزمة في أوكرانيا تصطدم بعدم رغبة كييف في إحلال السلام». وقال، في إفادة صحافية، إن الجهود الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة بشأن عملية السلام تصطدم بمواقف متعنتة من جانب كييف، لافتاً إلى أن توجيه ضربات جديدة ضد مصافي النفط الروسية، رغم التحذيرات الأميركية ومبادرة هدنة الطاقة التي طرحها ترمب، يعكس بوضوح أن الجانب الأوكراني يسعى إلى تقويض الجهود الأميركية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (يسار) ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وأضاف الناطق: «أود أن أذكركم بتصريح نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك. لقد قال إنه لم يكن هناك أي وقف لإطلاق النار من جانب أوكرانيا. واستمرت الضربات على مصافي النفط لدينا، وعلى منشآت قطاع الطاقة في هذه الأيام؛ لذلك لا يوجد أي جديد هنا».

وأضاف أن «النظام الأوكراني في كييف، بمواصلته شن هجمات على هذه المنشآت (الطاقة)، يجعله، بلا شك، في صدام جاد مع جهود السلام التي تبذلها الولايات المتحدة، أي المفاوضين الأميركيين، الذين يبذلون، في الحقيقة، جهوداً حثيثة للغاية لتحريك عملية السلام بطريقة أو بأخرى».

وكان الرئيس الأميركي قد طالب زيلينسكي بوضوح بوقف استهداف مصافي النفط الروسية، عادّاً أن ذلك يزعزع استقرار سوق الطاقة العالمية، فيما أفادت تقارير إعلامية بأن واشنطن قد تتوقف عن تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية، وتقطع اتصالات «ستارلينك» عنها، إذا أصرّت كييف على ضرب المصافي الروسية.

وفي السياق ذاته، وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف موقف زيلينسكي من «صفقة الديزل» المبرمة بين موسكو وواشنطن بأنه «تحدٍّ مباشر وصريح لترمب». وقال، عقب قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا، في باكو: «لقد طُرحت الصفقة، ودعمناها، لكن السيد زيلينسكي صرّح مراراً وتكراراً بأنه لا ينبغي إزعاجي بصفقة الديزل هذه، بل يجب تزويدي بصواريخ (باتريوت) بدلاً منها. أحتاج إلى مواصلة مهاجمة قطاع الطاقة الروسي، بما في ذلك مصافي النفط».

وأشار الوزير إلى أن «هذا السلوك أصبح مألوفاً لدى رئيس نظام كييف، الذي يعتقد أن العالم بأسره مدين له، وأنه ملزم بعدم فعل أي شيء في المقابل». وقال إن موقف زيلينسكي يُظهر عدم استعداده لاتخاذ أي إجراء بنّاء.

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة 8 يوليو الماضي (أ.ب)

وكان زيلينسكي قد أطلق، ليلة الخميس، مواقف سياسية وتصريحات حادّة عكست حجم التوتر والشرخ المتصاعد في العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن، مؤكداً شعوره المباشر بـ«الخيانة» عقب الإعلان الأميركي عن التوصل إلى اتفاق تجاري وسياسي لشراء وقود الديزل من روسيا، ومحذراً من أن «خسارة الشريك الأميركي القوي تضعف الجبهة الأوكرانية في مواجهة الهجمات الروسية المتصاعدة».

وأوضح زيلينسكي، في حوار تلفزيوني مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، أن توجه إدارة ترمب نحو الاتفاق مع الكرملين لخفض تكاليف الطاقة قبيل انتخابات التجديد النصفي يُمثل «انحيازاً لطرف واحد، والوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ»، مشدداً على أن القضية بالنسبة إلى كييف لا تتعلق بمجرد صفقات تجارية، بل بوجود الدولة وحماية الأطفال والمواطنين.

وتزامن هذا السجال السياسي مع تهديدات صريحة وجهتها واشنطن، تعتزم بموجبها وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الحيوية وعرقلة صفقات شراء الأسلحة الأميركية عبر الشركاء الأوروبيين، إذا استمرت القوات الأوكرانية في استهداف مصافي النفط والبنية التحتية للطاقة في العمق الروسي.

جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وتكتسب البيانات الاستخباراتية الأميركية أهمية وجودية وتكتيكية بالنسبة إلى غرف العمليات ومنظومات الدفاع الجوي الأوكرانية، إذ توفر إنذاراً مبكراً بشأن منصات إطلاق الصواريخ الباليستية، وتساعد على تحديد مساراتها وتوقيتات الضربات بدقة قبل وصولها إلى أهدافها. وفي ظل انهيار «هدنة الطاقة» المفترضة واستمرار القصف الروسي الذي تسبب في انقطاع الكهرباء عن أكثر من 600 ألف شخص، كثّف زيلينسكي تحركاته الدبلوماسية في العاصمة البريطانية لندن؛ حيث أجرى محادثات رفيعة المستوى مع رئيس الوزراء أندي بيرنهام والملك تشارلز، سعياً إلى تأمين بدائل للتسليح والدعم الاستخباراتي والمالي اللازم لتعويض التراجع الحاد في التنسيق الميداني مع واشنطن.

وجاءت خطوة زيلينسكي لاحقاً بإعلان استئناف الضربات على مصافي النفط الروسية لتشكل تحدياً مباشراً وجدياً لترمب. وقال زيلينسكي في مقابلة مع صحيفة «فاينانشيال تايمز»: «رفع الحظر انتهى الأمر، لقد أبلغت العسكريين بذلك»، وذلك غداة محاولة أوكرانية استهداف مصفاتين في مقاطعتي ريازان وساراتوف.

وكان ترمب قد أعلن، الأحد الماضي، دخول «هدنة في قطاع الطاقة» بين روسيا وأوكرانيا حيّز التنفيذ فوراً. ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول في البيت الأبيض أن الهدنة، وفق فهم ترمب، تقتصر على وقف الهجمات المتبادلة على مصافي النفط.

وفيما أعلنت موسكو أنها «تبحث تفاصيل الهدنة» مع الجانب الأميركي، واصلت تنفيذ ضربات واسعة على البنى التحتية للكهرباء والطاقة في أوكرانيا.

في المقابل، قال زيلينسكي، إن بلاده امتنعت عن ضرب المصافي الروسية ومنشآت الطاقة عموماً منذ إعلان ترمب، متهماً روسيا بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية. قبل أن يعود بعد يومين لإعلان استئناف الضربات على المنشآت الروسية للطاقة.

على صعيد متصل، دخل مزوّد خدمة «ستارلينك» بقوة على خط الأزمة بين واشنطن وكييف، بعد تقارير أوكرانية رسمية عن إبطاء الخدمة خلال اليومين الماضيين، ما ألحق أضراراً بالغة بنظام الدفاع الجوي الأوكراني. وأفادت صحيفة «تلغراف» بأن القوات الأوكرانية اضطرت إلى إلغاء عدد من المهام بالطائرات المسيّرة بعد إبطاء خدمة «ستارلينك».وذكرت الصحيفة أن مشغّلي الطائرات المسيّرة رصدوا انقطاعات حادة في الاتصالات مع الطائرات سريعة الحركة، استمرت بين 10 و20 ثانية، ما أثّر في تشغيل المسيّرات التي تعتمد على «ستارلينك» للتحكم فيها أثناء الطيران.

وأشارت إلى أن هذه الانقطاعات دفعت القوات الأوكرانية إلى إلغاء بعض المهام، إذ أصبحت أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة أهدافاً سهلة للقوات الروسية. وحذّر زيلينسكي من تداعيات تعطيل خدمات «ستارلينك»، واصفاً الخطوة بأنها «خطأ فادح» قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، في حين أشار إلى أن القيود المفروضة على الخدمة في أوكرانيا تعوق عمل الطائرات المسيّرة، بما في ذلك استخدامها في مهام الدفاع الجوي.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وفي تقرير آخر، ذكرت الصحيفة أن إبطاء الخدمة أثّر في قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات متوسطة المدى، وكذلك في استخدام الطائرات المسيّرة الاعتراضية للتصدي للهجمات الروسية بعيدة المدى. ورغم أن واشنطن نفت رسمياً تقليص التعاون الاستخباراتي مع كييف أو قطع الدعم المعلوماتي الذي توفره «ستارلينك»، فإن رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك برّر، في اليوم السابق، هذا التطور بالقول إن «الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية مخصصة للأغراض المدنية والدفاعية فقط».

وأوضح ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، أن «ستارلينك» خدمة تجارية مملوكة للشركة، وتخضع لسيطرتها، لافتاً إلى أن استخدامها يقتصر على الأنشطة المدنية أو الدفاعية، ولا يشمل العمليات العسكرية الهجومية، التي عدّ أنها لا تتناسب مع طبيعة الخدمة التجارية.

عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

وأكد رجل الأعمال، الذي تربطه بترمب علاقات متأرجحة، أن مواقف الرجلين السلبية حيال زيلينسكي تبدو متطابقة. وجدّد ماسك، الخميس، دعوته إلى رحيل الرئيس الأوكراني، وذلك بعد وقت قصير من تأكيده أن أي تباطؤ في خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفّرها شركته في أوكرانيا يعود إلى الجيش الأميركي، وبالتالي إلى الرئيس دونالد ترمب.

وقال رئيس شركة «سبيس إكس»: «حان الوقت لرحيل زيلينسكي». وكتب على منصته «إكس» أنه حال بقاء زيلينسكي في منصبه «تتواصل المجزرة»، مضيفاً: «حان الوقت لرحيل زيلينسكي عن السلطة، واختيار قيادة جديدة لأوكرانيا تكون قادرة على دفع عملية السلام».