ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

منح خصوم موسكو فرصة للتحرك

عناصر من مجموعة «فاغنر» و«فيلق أفريقيا» أرسلتهم روسيا لمساعدة جيوش بلدان الساحل على التصدي للمتطرفين (أرشيفية - متداولة)
عناصر من مجموعة «فاغنر» و«فيلق أفريقيا» أرسلتهم روسيا لمساعدة جيوش بلدان الساحل على التصدي للمتطرفين (أرشيفية - متداولة)
TT

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

عناصر من مجموعة «فاغنر» و«فيلق أفريقيا» أرسلتهم روسيا لمساعدة جيوش بلدان الساحل على التصدي للمتطرفين (أرشيفية - متداولة)
عناصر من مجموعة «فاغنر» و«فيلق أفريقيا» أرسلتهم روسيا لمساعدة جيوش بلدان الساحل على التصدي للمتطرفين (أرشيفية - متداولة)

بعد مرور عامين على وفاة يفغيني بريغوجين، زعيم مجموعة «فاغنر» الروسية، تبدو خطط الكرملين في القارة الأفريقية وكأنها تواجه اختباراً صعباً يكشف حدود النفوذ الروسي هناك؛ فقد كان بريغوجين قد بنى لنفسه مكانة قوية داخل عدد من العواصم الأفريقية، عبر الجمع بين المرتزقة والمصالح التجارية والالتفاف على الضغوط الغربية.

لكن انهيار شبكته العسكرية والتجارية بعد تمرده على الرئيس فلاديمير بوتين ثم مقتله في حادث تفجير طائرته، ترك فراغاً لم يتمكن «فيلق أفريقيا» الجديد التابع لوزارة الدفاع الروسية من ملئه بالفاعلية نفسها.

تجد موسكو نفسها اليوم في موقع دفاعي بعدما كانت توصف قبل فترة وجيزة بأنها قوة صاعدة في أفريقيا. فالفيلق الذي أسسته لتولي أدوار «فاغنر»، فشل في إعادة إنتاج النجاحين المالي والسياسي الذي ميز المرحلة السابقة. بعض مشاريع «فاغنر» في مالي وأفريقيا الوسطى والسودان انهارت أو تقلصت، فيما أبدت المجالس العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو نوعاً من «ندم المشتري»، بعد أن طردت القوات الغربية وقبلت بالدعم الروسي.

متظاهرون يرفعون لافتة كُتب عليها «شكراً فاغنر» خلال تجمع جماهيري في باماكو في 19 فبراير 2022 بعد أن أعلنت فرنسا انسحاب قواتها من مالي (أ.ف.ب)

بحسب تقرير في «وول ستريت جورنال»، يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، ولو في شكل تدريبات محدودة، بعدما تبين أن الرهان على موسكو لم يوفر الأمن الموعود.

في المقابل، ترى الاستراتيجيات الغربية أن تراجع موسكو يفتح نافذة لإعادة التموضع في الساحل الأفريقي. غير أن القوانين الأميركية التي تقيد التعامل مع الأنظمة العسكرية تدفع واشنطن للبحث عن بدائل، مثل تدريب قوات محلية في دول ثالثة، فيما تجري شركات أمنية خاصة، مثل تلك التي يديرها الأميركي إريك برينس، محادثات مع عواصم أفريقية لتقديم خدماتها.

هذا التنافس يعكس تراجع اليد الروسية في المنطقة التي شهدت خلال العام الماضي سقوط نحو 11 ألف قتيل، بسبب تمرد جماعات إسلامية متطرفة، نصفهم تقريباً في معارك مباشرة، وفق بيانات مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية.

صورة من مقطع فيديو نُشر 20 مايو 2023 على «تلغرام» التابع للخدمة الصحافية لشركة «كونكورد» المرتبطة برئيس «فاغنر» يفغيني بريغوجين الذي يظهر واقفاً أمام عَلَم وطني روسي مع جنوده (أ.ف.ب)

حضور «فاغنر» في مالي شكّل نموذجاً صارخاً لفشل موسكو في تحويل المرتزقة إلى مكسب استراتيجي؛ فرغم أن باماكو دفعت 10 ملايين دولار شهرياً للمرتزقة، منذ أواخر 2021؛ فإن النتائج جاءت عكسية. تقارير بحثية، بينها تقرير صادر عن منظمة «سينتري» المناهضة للفساد، كشفت أن عمليات «فاغنر» في مالي اتسمت بالعشوائية والقسوة، إذ ارتكب المرتزقة مجازر ضد المدنيين، وأثاروا الرعب داخل المؤسسة العسكرية؛ ما أدى إلى تقويض التعاون المحلي وزيادة فرص تجنيد المتمردين. وحتى المشاريع الاقتصادية التي روجت لها «فاغنر» لم تحقق عائداً، إذ لم يتمكن مقاتلوها من الوصول إلى مناجم الذهب التي كانوا يعوّلون عليها بسبب انعدام الأمن، فيما تأخر دفع مستحقاتهم لأشهر.

عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)

رحيل «فاغنر» من مالي منتصف 2024 مثّل اعترافاً ضمنياً بالفشل. وحين حاول «فيلق أفريقيا» ملء الفراغ والتأكيد على التزام موسكو، لم تمضِ أيام حتى تعرضت قافلة مشتركة من قواته والقوات المالية لكمين في شمال البلاد أدى إلى مقتل العشرات وتدمير نصف عرباته المدرعة. وفي أفريقيا الوسطى، التي كانت أحد أبرز مراكز نفوذ «فاغنر»، اقتصرت أنشطة الروس الجدد على التدريب العسكري داخل الثكنات، فيما يتعرضون لضغط من موسكو لإعادة التفاوض على عقود مالية مباشرة، ما قلل من تأثيرهم الفعلي على الأرض.

أما في السودان؛ فقد انهارت الشراكة التي رعتها «فاغنر» هناك، بعد مقتل بريغوجين. محاولات موسكو لتأمين مناجم الذهب وحمايتها باءت بالفشل، مع تعرضها لهجمات وعمليات سطو، وصولاً إلى انسحاب الحراس الروس في منتصف 2025. وفي بوركينا فاسو، لم يختلف المشهد كثيراً؛ إذ استدعيت قوة روسية صغيرة للقتال في أوكرانيا بعد بضعة أشهر من وصولها، بينما يقتصر وجود الفيلق حالياً على مهام محدودة في مجال الطائرات المسيّرة وحماية قائد المجلس العسكري.

أرشيفية لعنصرين من «فاغنر» في مالي (متداولة)

هذا التراجع الروسي منح خصوم موسكو فرصة للتحرك؛ فقد زار مبعوثون أميركيون وفرنسيون عدداً من العواصم الأفريقية لبحث سبل استئناف التعاون العسكري، فيما أرسلت باريس عناصر لتدريب قوات أفريقية في أراضيها. بالنسبة إلى العديد من الأنظمة التي انجذبت في البداية إلى وعود بريغوجين بالدعم غير المشروط، باتت النتائج مخيبة، لا سيما بعد أن تبيّن أن موسكو، المنخرطة أساساً في حرب أوكرانيا، لا تملك الموارد الكافية لتأمين حضور فاعل في أكثر من جبهة.

خبراء أمنيون غربيون يرون أن إخفاقات «فاغنر» و«فيلق أفريقيا» تكشف محدودية القوة الروسية عندما تغيب القيادة الفردية والمرونة المالية التي كان بريغوجين يوفرها. فروسيا الرسمية، المحكومة بقيود بيروقراطية وتحديات عسكرية داخلية، لم تتمكن من تحويل وجودها العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام. على العكس، ساهمت تدخلاتها في تدهور الوضع الأمني في الساحل، الذي تحول اليوم إلى ساحة مواجهة بين الإرهابيين والغرب، في ظل فراغ لم تعد موسكو قادرة على ملئه.

عناصر «فاغنر» في مالي (أ.ب)

المرحلة التي تلت بريغوجين أظهرت بوضوح أن روسيا، رغم طموحاتها، عاجزة عن ترسيخ حضور طويل الأمد في أفريقيا بالأسلوب الذي حاولت فاغنر ابتكاره. وبينما تحاول موسكو إعادة صياغة أدواتها، عبر «فيلق أفريقيا»، تبدو أبواب القارة مفتوحة مجدداً أمام منافسين دوليين، من الولايات المتحدة وفرنسا، إلى لاعبين من القطاع الخاص، وهو ما يضعف الرهان الروسي على أن أفريقيا ستظل إحدى ساحات نفوذه الصاعدة في عالم ما بعد الحرب الباردة.


مقالات ذات صلة

خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

العالم بوتين وبجانبه شي جينبينغ خلال حفل استقبال بـ«قاعة الشعب الكبرى» في بكين (أ.ب) p-circle

خلف مراسم الاستقبال... كيف ميّزت الصين بين ترمب وبوتين؟

بدا أنَّ ترتيب استقبال كل من ترمب وبوتين في بكين متطابق عمداً؛ بهدف إبراز قدرة الصين على استضافة قادة واشنطن وموسكو بالقدر نفسه من الفخامة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب) p-circle

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة»

روسيا والصين لتعزيز «علاقة راسخة» في مواجهة «عالم مضطرب وتحديات جديدة» وعارضتا استئناف الحرب بالشرق الأوسط وحذرتا من خطر العودة إلى «قانون الغاب»

رائد جبر (موسكو)
العالم جنود صينيون يسيرون خلال عرض عسكري في بكين (رويترز - أرشيفية)

صحيفة ألمانية: الجيش الصيني درّب سرّاً جنوداً في الجيش الروسي

درّب الجيش الصيني سرّاً على أراضيه المئات من الجنود الروس، نُشر بعضهم في أوكرانيا، حسبما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

حذّرت روسيا من هجمات أوكرانية بطائرات مسيّرة تنطلق من دول البلطيق، مؤكدة أن عضوية «الناتو» لن تمنع الردّ الانتقامي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
رياضة عالمية الفريق الروسي للجمباز حصد ذهبية أولمبياد باريس تحت علم اللجنة الأولمبية الروسية (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يدافع عن قراره رفع القيود عن رياضيي روسيا وبيلاروسيا

دافع الاتحاد الدولي للجمباز، الثلاثاء، عن قراره رفع جميع القيود المفروضة على الرياضيين من روسيا وبيلاروسيا.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))

مسلّحون من «بوكو حرام» يقتلون 33 صياداً وحطاباً في نيجيريا

جنود من جيش نيجيريا خلال عملية ضد "بوكو حرام" (أرشيفية - صحافة محلية)
جنود من جيش نيجيريا خلال عملية ضد "بوكو حرام" (أرشيفية - صحافة محلية)
TT

مسلّحون من «بوكو حرام» يقتلون 33 صياداً وحطاباً في نيجيريا

جنود من جيش نيجيريا خلال عملية ضد "بوكو حرام" (أرشيفية - صحافة محلية)
جنود من جيش نيجيريا خلال عملية ضد "بوكو حرام" (أرشيفية - صحافة محلية)

قتل مسلّحون من جماعة «بوكو حرام» 33 صيادا وحطّابا في هجومين منفصلين في ولاية بورنو المضطربة في شمال شرق نيجيريا.

وأسفر الهجومان اللذان وقعا الاثنين عن مقتل 27 صيادا في مقاطعة مافا وستة حطابين في مقاطعة ديكوا، وفق جماعة مناهضة للجهاديين ومسؤول في اتحاد للصيادين في المنطقة.

وقالت جماعة «باباكورا كولو» المناهضة للجهاديين والتي تساعد الجيش «اعترض الصيادين مقاتلون من بوكو حرام على دراجات نارية على مسافة كيلومترين من بلدة مافا (...) قُتل جميع الصيادين الـ27 رميا بالرصاص».

وقال عبد الله ساني، وهو مسؤول في اتحاد للصيادين في عاصمة الولاية مايدوغوري التي تبعد 52 كيلومترا، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، إنهم كانوا عائدين بصيد من الأسماك الرئوية صادوها من بركة جافة، مقدما الحصيلة نفسها.

وفي وقت سابق، قتل مسلّحون من «بوكو حرام» ستة حطابين بالرصاص أثناء جمعهم الحطب في أحراج خارج قرية مالام ماجا في مقاطعة ديكوا المجاورة، وفق جماعة «باباكورا كولو.»


رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)
جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)
TT

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)
جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

أعلنت رواندا أنها ستُبقي على قواتها المنتشرة في شمال موزمبيق، حيث توجد استثمارات هائلة في المناطق الغنية بالغاز الطبيعي، ولكن نفس المنطقة تواجه منذ سنوات الخطر المتزايد لتنظيم «داعش» الذي أرغمت هجماته المتكررة المستثمرين على تعليق أنشطتهم عدة مرات.

يجلس السكان على متن شاحنة عسكرية موزمبيقية تنقلهم عبر مياه الفيضانات التي أغلقت طريقاً في مقاطعة بوان بموزمبيق (أ.ف.ب)

وقال وزير خارجية رواندا أوليفييه ندوهونجيريهي، الثلاثاء، إن رواندا ستبقي على قواتها في المنطقة بعد أن نجحت حكومة موزمبيق في تأمين التمويل اللازم لمواصلة العملية العسكرية، وذلك بعد أشهر من تحذيرات رواندا من أنها ستسحب قواتها بسبب غياب ضمانات مالية كافية، وسط أنباء تفيد بتردد الاتحاد الأوروبي في تجديد دعمه للمهمة.

وأوضح وزير خارجية رواندا أن بلاده ستواصل العمل «بشكل مباشر» مع موزمبيق، إثر تردد الأوروبيين في استمرار تغطية «صندوق السلام الأوروبي» لجزء من تكاليف العملية، وقال إن سلطات موزمبيق أكدت أنها ستستمر في تمويل هذا الانتشار، دون تحديد قيمة التمويل أو مدته.

ناقلة نفط ترفع علم موزمبيق التي قالت فرنسا إنها جزء من أسطول الظل الروسي (رويترز)

وكتب الوزير على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إن التعاون بين الحكومتين كان مثمراً وسيستمر بالزخم نفسه، حيث تحظى جهود قوات الأمن الرواندية في كابو ديلغادو بتقدير كبير من الدولة الشقيقة موزمبيق».

ونشرت رواندا نحو 4 آلاف جندي في موزمبيق عام 2021، بناءً على طلب من السلطات الموزمبيقية، وذلك لمساعدتها في مواجهة تنظيم «داعش»، الذي فرض حينها سيطرته على أجزاء من إقليم «كابو ديلغادو» الغني بالغاز الطبيعي.

أعمال شغب في موزمبيق ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

ويُعزى إلى التدخل العسكري الرواندي الفضل في السماح بعودة الاستقرار النسبي، مما مهد الطريق لاستئناف أنشطة أكبر مشروع استثماري للغاز الطبيعي المسال في أفريقيا بقيمة تتجاوز 20 مليار دولار أميركي، تقوده شركة «توتال إنيرجي» الفرنسية بالتعاون مع شركات عالمية أخرى. وهو مشروع استراتيجي يمثل شريان الحياة الاقتصادي لمستقبل موزمبيق بعد سنوات من التوقف القسري والاضطراري الناتج عن التهديدات الأمنية المباشرة.

هروب 6 آلاف سجين على الأقل من سجن شديد الحراسة في العاصمة (أرشيفية - رويترز)

وتراهن موزمبيق على اتفاقية أمنية وقعتها مع رواندا، لم تنشر أو تكشف حيثياتها ولا تفاصيلها، ولكنها تسمح بنشر قوات رواندية، ستكون هي الداعم الوحيد في مواجهة «داعش»، بعد الانسحاب الكامل لبعثة قوات مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (سادك) من شمال موزمبيق، بسبب صعوبات لوجستية ومالية.

ورغم ما حققته القوات الرواندية من نجاحات على الأرض، من خلال استعادة السيطرة على الموانئ الاستراتيجية والمناطق السكنية الحيوية، فإن تنظيم «داعش» لا يزال يمتلك القدرة على شن هجمات بين الفينة والأخرى، وتتزايد المخاوف من أن يعيد جمع صفوفه لشن هجمات أكبر.

واستهدف التنظيم الإرهابي قبل أسبوعين منجماً للألماس في شمال موزمبيق، يصنف كأكبر منجم للمعدن النفيس في العالم، تديره شركة «روبي» البريطانية، التي اضطرت إلى إخلاء الموقع في أعقاب الهجوم، الذي استهدف أيضاً نحو 220 منزلاً وكنيسة للمسيحيين في المنطقة.

وتتحدث التقارير عن تصاعد في أنشطة التنظيم التي تستهدف مناجم الذهب والأحجار الكريمة الصغيرة والحرفية في مناطق واسعة من شمال موزمبيق.

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

وكشف بحثٌ أجراه «مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها»، ونشره منتدى الدفاع الأفريقي التابع للحكومة الأميركية، أن الأنشطة الإرهابية في منطقة «كابو ديلغادو»، ارتفعت بنسبة 51 في المائة ما بين عامي 2024 و2025، وهو ما أرجعه المشروع إلى انسحاب قوات مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك).

وأشار المشروع في تحليله إلى أن القوات الرواندية تواصل جهودها في شمال موزمبيق لمواجهة ما يُقدَّر بنحو 350 مقاتلاً من تنظيم «داعش»، ولكن المشروع أكد أن التنظيم الإرهابي بدأ يغير استراتيجيته في عام 2026، ليتوجه نحو فرض الحصار الاقتصادي.


الجيش المالي يعلن تحييد «عدة» إرهابيين قرب منجم للذهب

جنود خلال دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز)
جنود خلال دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

الجيش المالي يعلن تحييد «عدة» إرهابيين قرب منجم للذهب

جنود خلال دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز)
جنود خلال دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو 27 أبريل 2026 (رويترز)

أعلن الجيش المالي أنه نجح في تحييد عناصر إرهابية خلال قصف بالقرب من منجم استراتيجي للذهب في ولاية غاو، شمال مالي، وهي الولاية التي يسعى تنظيم «القاعدة» لتعزيز نفوذه فيها، ولكن الجيش المدعوم بقوات روسية يعتمد على سلاح الجو في مواجهة مقاتلي التنظيم الإرهابي.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

وقالت قيادة الأركان العامة للجيش المالي، في بيان، إنها نفذت الاثنين عملية عسكرية بعد أن «مكنت عمليات المراقبة من رصد مركبة مصحوبة بدراجات نارية ونحو عشرة أفراد، حول مركز قيادة (للجيش) يقع على بعد 5 كيلومترات شمال منجم الذهب في إنتيليلت وعلى بعد 16 كيلومتراً شمال نتاهاكا». وأضافت قيادة أركان الجيش أنه «بعد مرحلة من التتبع والمطاردة، تم استهداف المركبة بنجاح بواسطة سلاح الجو التابع للقوات المسلحة المالية، وأسفرت هذه الضربة عن تحييد عدة إرهابيين وتدمير جميع معداتهم اللوجستية».

وأكدت قيادة الأركان العامة للجيش أن «عمليات الاستطلاع والتمشيط مستمرة في المنطقة»، وشددت على أنها «ماضية بعزم والتزام حتى القضاء على الإرهاب».

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي آسيمي غويتا (وسط) خلال حضوره الخميس جنازة وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا (رويترز)

وقالت تقارير محلية إن المنطقة التي نفذت فيها العملية العسكرية «تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة»، ولكنها في الوقت ذاته «تواجه تحديات أمنية كبيرة»، وذلك في إشارة إلى أنها أصبحت بؤرة لمقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، حيث يستهدف التنظيم مناجم الذهب بصفتها مصدر تمويل رئيسياً لأنشطته في منطقة الساحل.

وأضاف نفس المصدر أن منطقة غاو «لا تزال تشكل أحد المراكز الرئيسية للعمليات العسكرية التي يخوضها الجيش المالي، والقوات الروسية» منذ هجمات 25 أبريل (نيسان) الماضي التي شنها مقاتلو «القاعدة» بالتحالف مع متمردي «جبهة تحرير أزواد» ضد عدة مدن مالية، بما فيها العاصمة باماكو وغاو وكيدال. وأوضح المصدر ذاته أنه «أمام العمليات العسكرية لتأمين ولاية غاو، تحاول الجماعات الإرهابية الحفاظ على جيوب نفوذ لها هناك، لا سيما في المناطق الريفية والمحاور الاستراتيجية المرتبطة بالمناطق التعدينية وممرات التنقل».

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

قصف عرس

وبينما يكثف الجيش المالي المدعوم من روسيا، عملياته العسكرية في شمال ووسط مالي ضد التنظيمات الإرهابية والمتمردين، واجه اتهامات بالتورط في انتهاكات في حق المدنيين، وهي اتهامات يرفضها الجيش المالي بشكل مستمر.

وفي هذا السياق، قالت مصادر محلية إن مسيرة تابعة للجيش المالي قصفت يوم الأحد الماضي، مدنيين كانوا يستعدون لإقامة عرس محلي في قرية تين، وسط مالي، ما خلف عشرة قتلى على الأقل، وفق مصادر محلية.

مسلحون على دراجات نارية قرب الموقع الذي هاجمته القوات المالية (أ.ف.ب)

وقال أحد سكان منطقة تين، حيث وقعت الضربات، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «10 من أبنائنا» قتلوا، وأضاف: «ما كان من المفترض أن يكون لحظة فرح في القرية تحول إلى حزن هائل»، ونقلت الوكالة عن مصدر أمني: «وقعت المأساة بينما كان القرويون يستعدون للنسخة الثانية من هذا الزفاف الجماعي التقليدي، وهو حدث ثقافي رئيسي لهذه المنطقة».

وأضاف أن الضربات استهدفت «موكباً من الدراجات النارية يتبع بعضها بعضاً». وتابع: «هذا بالتأكيد ما لفت انتباه الطائرات المسيرة». ولم تعلق الحكومة المالية على ما أوردته المصادر المحلية.

من جهة أخرى، أصدرت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» بياناً اتهمت فيه الجيش المالي والفيلق الأفريقي الروسي بتصفية 31 مدنياً من أربع عائلات في قرية ساراكالا بولاية سيقو، يوم الخميس الماضي، وقالت المجموعة الإرهابية إن أغلب الضحايا من «الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنتين وستة عشر عاماً».

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

قنابل عنقودية

على صعيد آخر، اتهمت «جبهة تحرير أزواد» الجيش المالي باستخدام «قنابل عنقودية» في قصفه لمواقع في شمال ووسط مالي، وقالت إن «العديد من الغارات الجوية التي استهدفت السكان المدنيين وممتلكاتهم في منطقتي تمبكتو وكيدال منذ بداية شهر مايو (أيار) الحالي، أظهرت بشكل واضح الاستخدام المتكرر للقنابل العنقودية من قبل المجلس العسكري الحاكم في باماكو وحلفائه من المرتزقة الروس».

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

وأضافت الجبهة في بيان صادر عن الناطق باسمها محمد المولود رمضان أن مالي وقعت على مواثيق واتفاقيات دولية تحظر تصنيع وتخزين واستخدام القنابل العنقودية، داعية إلى «تحرك دولي عاجل وفوري إزاء هذه الانتهاكات الخطيرة». وخلصت الجبهة، التي تسعى لاستقلال إقليم أزواد في شمال مالي، إلى أن «المجلس العسكري يلجأ إلى استخدام هذه القنابل بسبب طبيعتها العشوائية وآثارها الإنسانية الكارثية على السكان المدنيين»، مؤكدة أنها وثقت بالأدلة استخدام هذه القنابل.