الرئيس الإريتري لـ«الشرق الأوسط»: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف

أفورقي يحمل الاتحاد الأفريقي و«الإيغاد» مسؤولية إنهاك الأفارقة وهروبهم على قوارب الموت

TT

الرئيس الإريتري لـ«الشرق الأوسط»: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف

 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)
 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

شنّ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي هجوماً لاذعاً على الاتحاد الأفريقي و«الإيغاد» و«الإيواكس»، وقال إنها ولدت ميتة، محملاً إياها مسؤولية التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدول الأفريقية، مضيفاً أنها سبب في إنهاك الشعوب وإرسالهم إلى رحلات الموت والقذف بهم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ورمي ما تبقى منهم في أحضان الغرب ومصادرة قراراتهم.

أمام ذلك، بدا الرئيس الإريتري متفائلاً بالشراكة السعودية - الأفريقية التي عدّها «ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف إلى التقدم والتنمية الاستدامة، وترفع قدرات 1.2 مليار نسمة، وتعمل على تعظيم الاستثمار في أكثر من 60 في المائة من الموارد الطبيعية على مستوى العالم، المختزنة في القارة السمراء، حيث تأمين الغذاء، في مواجهة الشح الذي يتسبب فيه التغير المناخي».

الرئيس الإريتري تحدث لـ«الشرق الأوسط» من مكان إقامته في فندق الريتز بالعاصمة السعودية الرياض، بعد مشاركته في القمة السعودية ـ الأفريقية في كثير من القضايا، خصوصاً الملفات في قارة أفريقيا والشراكة مع السعودية وملفات الإصلاح الداخلي، فإلى نص الحوار:

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* توصف العلاقات السعودية مع دول أفريقيا بالمميزة، وجاءت القمة السعودية - الأفريقية تتويجاً لهذه العلاقات، وأنتم أحد المشاركين فيها، فما الذي يميز هذه القمة؟

- شكراً لكم، وحقيقة ما يميز القمة السعودية - الأفريقية على غيرها من الاجتماعات والقمم في أكثر من مكان وفي حقب مختلفة، أنها قمة تعزز لشراكة استراتيجية حقيقية بين القارة الأفريقية والسعودية، وتنبع أهميتها أنها انعقدت في ظروف إقليمية ودولية معقدة، فضلاً عما تتمتع به السعودية من مقومات وفرص كبيرة على مختلف الصعد، مقابل ما تتمتع به الدول الأفريقية من ثروات طبيعية هائلة، فضلاً عن قوى بشرية تتجاوز 1.2 مليار نسمة، فضلاً عن أن الموارد في أفريقيا تعادل 60 في المائة من مجمل الموارد الطبية على مستوى العالم.

 

* هذا يقود لسؤال: لماذا لم تستفِد القارة الأفريقية حتى الآن من ثرواتها البشرية والطبيعية الضخمة؟

- حقيقة هناك حزمة تحديات تواجه القارة الأفريقية، فهي قارة مهمشة من قبل العالم الغربي، بالمقارنة مع مثيلاتها من قارات العالم الأخرى، بجانب أن معظمها في حالة عدم استقرار سياسي، وبالتالي عدم استقرار اقتصادي، وهذا ما يجعل القمة السعودية - الأفريقية بمثابة فرصة عظيمة، لتكامل حقيقي بين الطرفين، وبالضرورة أن تكون الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين تكاملية، إذ إن القدرات السعودية كفيلة لاستنهاض القدرات الأفريقية ومواردها الثرية، وسينعكس ذلك إيجاباً على كل قارات العالم، وبالتالي فإن فهمنا لهذه الشراكة أنها تتميز بخصوصية في ظل حقبة تاريخية جديدة بكل ما فيها من أزمات وتحديات، عقب تجاوزنا لآثار الحرب الباردة، وسياسة القطب الأوحد، إذ نتجه لنظام عالمي متعدد الأقطاب، بعد مرور أكثر من 30 عاماً تقودها حقبة القطب الواحد، وآن الأوان لاستكشاف الفرص الوفيرة من الممكنات الاقتصادية الكبيرة في أفريقيا واستثمارها في الشراكات الاستراتيجية الذكية، من أجل تأمين مستقبل الأجيال القادمة، ولا بد أن يكون لدينا فهم صحيح لهذه الشراكة، من خلال تصميم المشروعات الحيوية بعناية وبجدية مشفوعة بخريطة طريق تشتمل على خطط وتنمية قدرات ونحتاج لعمل جاد، لترجمتها على أرض الواقع.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* وما الطريقة المثلى لتحقيق أهداف الشراكة الاستراتيجية مع السعودية؟

- لا بد من تغيير المنهجية التي تسير بها الدول الأفريقية، والعمل على القضاء على الاضطراب السياسي والهشاشة والضعف، الذي تعاني منه كثير من البلدان كما هو الحال في النيجر والسنغال ومالي وبوركينا فاسو، وفي الغابون والسودان ودول منطقة القرن الأفريقي والجوار وغيرها، إذ لا بد من توفيق أوضاعها، والاستيقاظ من أحلام لا تفيد شعوبنا كوننا نمثل 1.2 مليار نسمة وموارد طبيعية متنوعة، إذ لا بد من محاربة الفساد بأنواعه وحوكمة الحكومات والحكم، والتنبه إلى خطورة التدخلات الأجنبية وسد الثغرات التي يمنحها بعض الساسة الأفارقة للعالم الغربي، حتى نكون قادرين على بناء الشراكة الاستراتيجية الحقيقية مع المملكة، التي نطمح بأن تحوّل الفرص الأفريقية إلى مشروعات استثمارية تعزز التنمية المستدامة لشعوب المنطقة.

 

* وماذا عن التعاون مع السعودية في قضايا تأمين البحر الحمر والممرات المائية؟

الشراكة السعودية - الإريترية استراتيجية تكاملية شاملة، وفق خطة تنموية جادة وبتوقيتات محددة، ونطمح لأن تتعزز العلاقات التجارية والاستثمارية وتوسيعها لتشمل منطقة القرن الأفريقي، في مجالات الأمن والصناعات التحويلية، غير أن التعاون الثنائي ليس له سقف محدد، أما على صعيد تأمين واستقرار البحر الأحمر كأحد الممرات المائية الدولية المهمة، فهذا جزء أصيل من شراكتنا الاستراتيجية مع خصوصيتها الجيوسياسية، لمواجهة المهددات الأمنية، ومع الاحتفاظ بالقدرات السيادية لكل بلد مشاطئ للبحر الأحمر لتأمين مياهه الإقليمية، بالتنسيق بين الدول المشاطئة حتى تتزود بآلية لتأمين واستقرار البحر الأحمر وحمايته من التدخلات الخارجية، وإذا احتاج أي من البلدان المشاطئة للاستفادة من مصالحها الخارجية مع دولة أخرى، وفق تنسيق وتشاور وتعاون بين الدول الأعضاء، ومن ثم تطوير الاستثمارات في القدرات والصناعات والطاقة والتعدين والسياحة والتكنولوجيا الحديثة والمياه والزراعة والصحة والتعليم، والثروة السمكية والبنى التحتية والمشروعات الخضراء.

 

* ألا ترى أن هنالك تحديات ربما تعرقل مثل هذه الشراكات الاستراتيجية؟

- نعم، فعلى الرغم مما تتمتع به القارة الأفريقية من مقومات تأمين الغذاء في العالم، فإن هناك تحديات خلقت واقعاً مريراً، يتطلب تعزيز حوكمة المشروعات والعمل معاً للخروج من المستنقع، الذي ما زلنا عالقين فيه منذ عقود، من أزمات ودمار، ما يعوق تحقيق أي شراكة استراتيجية مع أي طرف في العالم، فضلاً عن ضرورة سد الثغرات أمام الدول الغربية التي تنهب ثرواتنا، إذ تحدثت إلى زملائنا في الغرب الأفريقي بهذا الشأن، وضربت لهم مثلاً عن نهب فرنسا لثروات النيجر، خصوصاً اليورانيوم الذي تستخدمه أوروبا في مفاعلات الطاقة النووية والكهربائية وغيرها، على مدى 50 عاماً، دون أن ينال الشعب النيجري منها ما يسد رمقه ويساعده في النهضة الاقتصادية، بسبب أخطاء النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالنيجر، وحقيقة ليست لدينا حساسية في شراكة مع أي دولة غربية مثل فرنسا، إذا تعاملت معنا بعدالة فيما يلي شعوبنا من عائدات مواردنا.

خذ مثالاً آخر؛ وهو السودان الذي نقول عنه منذ نعومة أظافرنا، إنه سلة غذاء العالم، وبه ثروات متنوعة لا حصر لها، غير أنه ما زال يتلقى المساعدات من الخارج. أعود فأقول: علينا أن نصحح أوضاعنا الداخلية سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، للاستفادة من أي شراكة مع دول أو قارة، والشراكة مع السعودية فرصة مثالية لمعالجة أخطائنا الداخلية، للاستفادة من مواردنا وشراكاتنا، ومواجهة مهددات مبنية على مفاهيم الإثنيات والعرقيات تشتعل بمجرد التزوير والتلاعب بمفاهيم الديمقراطية والحرية والمشاركة المدنية، بالتشويش والتضليل الإعلامي هنا وهناك تستغله أيادٍ خارجية لتمرير أجندتها في بلداننا الأفريقية، وبالتالي لا بد من تشخيص مشكلات أفريقيا بشكل واقعي كشيء أساسي، مع ضرورة أن تعي الشعوب ذلك، مع التخطيط لاستيعاب ذلك، إذ إن كل اقتصاديات أفريقيا بدائية، مع افتقار للصناعات التحويلية، في ظل حاجة ماسة للتعليم لرفع كفاءة الموارد البشرية، وإيقاف نزيف هجرات الموت لشبابنا إلى أوروبا، وهذا تحدٍ لا يستهان به. أخلص إلى أنه ما لم تحسم أفريقيا مشكلاتها، فلن تكون هناك شراكة مثمرة.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* هل يعني ذلك أن هنالك خلل في التعاطي الأوروبي - الأفريقي في تعظيم قدرات القارة السمراء؟

- الاستعمار الأوروبي للقارة قديماً كان بين أبيض وأسود، ولكن للأسف حالياً يوجد استعمار حديث، يمكن أن أسميه «العبودية الحديثة»، وبهذه المناسبة فإن الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية، كانت لديهم طموحات مشروعة، ونظريات ومعارف وخطط قابلة للتنفيذ، وكانوا يتمتعون بإلهام وأطروحات أقرب لتحقيق تطلعاتهم وأحلامهم والنهوض بالقارة السمراء، غير أن الاستعمار القديم الذي سلم الراية للاستعمار الحديث للعيش أراد لنا البقاء في مربع التخلف والتشرذم، واستغلال قوى «دون تعميم»، تحت شعارات مزيفة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما هي تقيدها، بخططها الاستعمارية بما يضعها في مربع العمالة أكثر من كونها كوادر وطنية، ما سهّل لها نهب الثروات الأفريقية، الأمر الذي يحتم على الأفارقة تغيير المنهج والتعاون لحشد الطاقات للنهوض ببلدانهم ورفاهية شعوبهم، مع ضرورة محاربة الفساد، وعدم تجزئة الحلول والانخراط في تشويش شعارات براقة مزيفة لا تغني ولا تسمن من جوع.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* وماذا عن أداء منظمة «الاتحاد الأفريقي» ومجموعة «الإيغاد»؟

- كما يقولون فإن «الاعتراف بالحق فضيلة»، يتحتم علينا أن نقرّ بأنه لا وجود فعلياً لأي منظومة أفريقية، سواء منظمة «اتحاد أفريقي» أو منظمة «إيغاد»، مع أن المؤسسين كانوا أصحاب إلهام وأفكار ومعارف، فعندما أقرّ الجميع بضعف أداء «منظمة الوحدة الأفريقية»، وفكروا بتجديد بنيتها ومنهجها باسم «الاتحاد الأفريقي» على غرار «الاتحاد الأوروبي»، كانت المحصلة صفراً، وكذلك ينسحب الأمر على منظمة «إيغاد»، ودون الدخول في التفاصيل، لكن كانت المقاربة أو الانتقال من اسم «منظمة الوحدة الأفريقية» إلى «الاتحاد الأفريقي» خاطئة وتفتقر للمنهجية، فلم تكن على قدر مستوى الهموم والأفكار والطروحات المأمولة، ما أفشل مهمة الكتلة الأفريقية أكثر، فكانت عبارة عن تقليد للمنظومات الأوروبية دون إحداث هيكلة حقيقية تصنع بديلاً يناسب المرحلة ويستوعب المستجدات، إذ إن كثيراً من الحكومات والأنظمة السياسية المنضوية تحتها كانت ترهن قراراتها لقوى خارجية بذريعة «مشاورات»، ولذلك فشلت في إيجاد حلول للصراعات الداخلية والخلافات الأفريقية، فلم يخرج نشاطها عن أداء علاقات عامة حتى بعد 20 عاماً، ما يستدعي تشخيص هذه الإشكالية لاستعادة الحياة في كائن مفترض فيه حل مشكلات القارة السمراء، وبسط الأمن والاستقرار وإزالة الخلافات بين دولها وفي داخلها.

أما منظمة «إيغاد» فكانت فكرتها الأولى محاربة الجراد، ثم فكروا في أن تعمل على التنمية، ولكن كانت أمامنا تحديات أمنية تستدعي معالجتها قبل الخوض في برامج تنموية مزعومة، وهذا لم يحدث، فضلاً عن أن الإثنيات والعرقيات والانتماءات شلت أداء المنظومة، ومزقت النسيج الاجتماعي وفق الدين والعرق، مقابل انشغال الحكومات بتلقي الوصايا الخارجية، ففي عام 2006 وقع الغزو الخارجي على مقديشو من قبل قوى عظمى، وما زال تمرير الأجندة الخارجية يتم خلال المنظومات والكتل الأفريقية المختلفة؛ من «اتحاد أفريقي» أو «إيغاد» أو «الإيواكس»، أو «القرن الأفريقي»، كأذرع لمخالب التدخل الخارجي، فمثلاً «الإيواكس» تلوح بالتدخل العسكري في النيجر لاحتواء موقف البلاد، ولكن السؤال المطروح: في مصلحة من سيكون التدخل العسكري؟ سواء في النيجر أو مالي أو بوركينا فاسو؟ إنها مسرحيات تمارس في أفريقيا، تستدعي مواجهتها بشجاعة، مع تقييم موضوعي للحالة الأفريقية، وهيكلة منظوماتها، نحسم أمرها اليوم قبل الغد، بالاعتراف بالفشل والإخفاقات والإتيان بالبديل الفعال، مع ضرورة إشراك الشعوب في العملية الأفريقية، وإلا سيكون المقبل أسوأ، وأدعو لتعبئة أفريقية وفق عمل سياسي دبلوماسي وفق خطة إعلامية غير مضللة، مع الاستعانة بالمفكرين والخبراء في توعية الشعوب بما يحدث، وفق خطط تفصيلية مدروسة، مع إشراك أكبر قاعدة من الشعوب.

 

* في حديثك عن أداء «الاتحاد الأفريقي» و«الإيغاد»... هل تعتقد أنهما عمّقا الأزمة السودانية؟

- الدور الأفريقي في القضية السودان مخزٍ، والسؤال الملح: لماذا يحدث للشعب السوداني ما حدث؟ كل المنظمات الأفريقية فضلاً عن منظمة الأمم المتحدة، فشلت في تحقيق أدنى مستوى من المعالجة للأزمة، فالأزمة السودانية كانت اختباراً حقيقياً لوجودية هذه الكيانات التي درجت على تأجيل الحلول.

كذلك، فإن تعدد المنابر كان ذريعة للتدخل الخارجي، بجانب أن القوى السياسية الفاشلة عقدت عملية الحلول الممكنة للأزمة، فمن الأهمية توحيد المنابر، ولذا أعتقد أن منبر جدة يكفي لقيادة المفاوضات السودانية دون حتى الاستعانة الأميركية، بحكم الرابط الجغرافي والتاريخي، فمشكلة السودان مشكلة القارة ودول المنطقة ككل، وبالضرورة لا بد أن تكون لدينا فيها مساهمة إيجابية، مع يقيني بأن الحلّ بيد السودانيين أنفسهم، ولكن يمكن الاستفادة من المساهمات للذين يساندون السودان وشعبه، بمنهجية وموضوعية.

الرئيس الإريتري يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)

* لماذا طال أمد الحرب في السودان؟

- منذ عام 2020 و2021 و2022، أحاول أن أفهم ما يحدث في السودان، وجدت أن التعقيدات في المشهد السوداني نتاج تدخلات وأجندات خارجية، ومن دون جدلية، أستطيع القول إن النظام السابق علّم السودانيين كيفية أن يحسنوا اختياراتهم، ولذلك انطلقت الانتفاضة بشكل عفوي، فالشعب عبأ نفسه بنفسه، وليس لأي قوى سياسية أو حزب، الحق في أن يدعي تبني ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019، فالادعاء شيء معيب، لأن عملية بناء الدولة في السودان كانت عملية مستمرة منذ استقلاله في عام 1956، إذ إن الشعب السوداني وقتها يتمتع بثقافة ومعرفة وفرص أفضل مما كان عليه الأفارقة الآخرون، ولكن بالحديث عن عهد الإنقاذ فإنه حدث إفراغ سياسي، فجاءت بعده الثورة، فالمرحلة الانتقالية التي تحتاج إلى قراءة صحيحة، ولكن للأسف تعرضت لعملية غسل من قبل الأجندات الخارجية بمساعدة داخلية، لأن السودان مستهدف من حيث الموقع الجغرافي والسياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فنجم عن ذلك التعقيدات والمشكلات التي انتهت بالأزمة الحالية، لخلق منصة لتعقيدات أخرى لما بعد السودان، وأنا لدي مسودة مبادرة ولكن ليست للإعلام أو النشر، ويمكن طرحها لدول الجوار، لأن السودان مهم للجميع ليس فقط دول الجوار، وفي النهاية للسودانيين الحق في اتخاذ قراراتهم للوصول إلى برّ الأمان، وهي تختلف عن أطروحات بعض السياسيين، التي ترتبط ببعض الأجندة الخارجية، المقدمة في عدة عواصم أفريقية.

 

* وهل من الممكن إطلاعنا على هذه المبادرة والإفصاح عنها؟

- المبادرة سأعرضها على دول الجوار، ولكن لن أفصح عنها للإعلام، غير أنني من دون أي مجاملة، أؤمن بأن الشعب السوداني يتمتع بثقافة ووعي لا يتوفران لدى كثير من الشعوب الأخرى، بسبب التجارب الثرية التي أسهموا فيها منذ استقلال السودان في عام 1956، فهم مؤهلون لحل مشكلاتهم، ولديهم خيارات يمكنهم مشاركتها مع دول الجوار إذا أرادوا، مع أهمية التشخيص السليم للأزمة دون أي تحيز أو ارتباط بأي أجندة خارجية، ولذلك أرى في توحيد المنابر التفاوضية بمنبر واحد كمنبر جدة، بعيداً عن التعقيدات المصدرة من الخارج، يمكن بكل هدوء من خلاله إيجاد حل للأزمة السودانية، خلال عام أو عامين على الأكثر، من خلال خريطة طريق واضحة وفق خطوات واقعية سليمة، مسنودة بدعم كل من يتمنى خيراً للسودان، حتى لا تحدث كارثة للسودان، كانفصال جنوب السودان، وما كان ذلك ليحدث، وهذا ليس رأيي أنا، وإنما رأي الجنوبيين أنفسهم، حيث وجدت الأجندة الخارجية والتدخلات في تعميق مفهوم الانفصال الذي كان الدكتور جون قرنق يحمل فكرة أخرى للسودان الواحد، وفي ذلك عبرة لا بد من الاستفادة منها لاحتواء الأزمة السودانية بشكل يوحده لا يفتته، بعيداً عن طرح الأفكار المغرضة التي تحاول اتساع الفجوة بين العسكر والمدنيين والتمسك بقضايا جدلية لا طائل منها.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* لكن هنالك قوى سياسية أخرى في السودان...

- للأسف لا توجد قوى سياسية بالمعنى، ولا أعترف بها وليس منها جدوى، مجرد انزلاقات لا بد من الحذر منها، لأنها تصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية وتخلق فرصة للانتهازية والمزايدة وتعقيد العملية السياسية وتأجيل الحلول، والتدخلات الخارجية.

 

* تعيش غزة وضعاً مأساوياً ومعها القضية الفلسطينية، هل هنالك دور سواء على مستوى القارة الأفريقية أو جمهورية إريتريا لوقف إطلاق النار؟

- الوضع في غزة مؤلم جداً بكل ما تعنيه الكلمة، حيث إنها عرت النظام العالمي، وفضحت المزايدات والمواقف الدولية والدول العظمى، إذ إنني قبل 30 عاماً، اختلفت مع بعض أعضاء الحركات الفلسطينية، واختلفت مع الراحل الزعيم ياسر عرفات، وكنت أقول له إن طرح عملية «حل الدولتين» مجرد خدعة لن تجد طريقها للنفاذ، لأنه أريد بها تأجيل الحلول وطمس القضية الفلسطينية، حينها أخذ خلافي معهم بأننا متهورون وعاطفيون، واليوم بعد أكثر من 30 عاماً من الخلاف معهم، اتضح لهم أنني كنت على صواب، حيث أخذ طرح «حلّ الدولتين» كذريعة للتهرب من الحلول الحقيقية، وكذلك خدعة اتفاقيات أوسلو وما بعدها، إذ ليس من بديل لحق تقرير الفلسطينيين وأمن واستقرار المنطقة، فالمأساة الحالية في غزة حالياً تطرح السؤال: لماذا تم تأجيل الحلول إلى كل هذا الوقت الطويل؟ فالشعب الفلسطيني يدفع الثمن باهظاً لكل التبريرات التي تخدر الجسم ولا تعالج المرض، فمن الغرابة بمكان أن نصدق مسرحية إسرائيل بشعار «حق الدفاع عن النفس»، بينما تزج بالفلسطينيين في السجون على مدى عقود، فضلاً عن القتل المستمر، غير أن المظاهرات التي انتظمت بالعالم، يمكن تأطيرها لخلق حالة شعبية عالمية لمواجهة الصلف الإسرائيلي.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* على المستوى الداخلي، هل حققت خطتكم لتحسين الوضع الاقتصادي أهدافها؟

- بكل صراحة لم نحقق حتى الآن أكثر من 25 في المائة من طموحاتنا وقدراتنا، ولكن نعمل وفق خطط لتعزيز الفهم الصحيح لتحسين الوضع الاقتصادي، وخلق فرص وتحديد الأولويات وهي كهرباء وطاقة وبنية تحتية وخدمات مطلوبة لكل الصناعات، مع إدارة تنمية الموارد المائية كالسدود والاستفادة من السدود واستخدام التكنولوجيا الحديثة للزراعة وتطويرها، بجانب صناعات تحويلية من خضراوات وفواكه وثروات سمكية، ومواشٍ وألبان.

نسعى لتحقيق استقرار في المورد المائي الذي تجاوزنا حالياً فيه نسبة 40 في المائة، أما التعدين فهو من القطاعات الأساسية المستهدفة بالتطوير، مع أننا لم نتجاوز 5 في المائة من القدرات المتوفرة، ولدينا نسب كبيرة من الكوبالت والمنجنيز والذهب والنحاس والزنك ومعادن أخرى، ونعمل على تحسين البنى التحتية والطرق والمواصلات وتوفير الطاقة، لإطلاق المشروعات التنموية والصناعية، ما يحفزنا لإطلاق شراكات مع جيراننا، وفي مقدمتهم السعودية، بجانب شراكات مع دول أخرى مثل الصين وأستراليا وكندا وأوروبا، لتعزيز التنمية المستدامة.

 

* ماذا عن الإصلاح السياسي في البلاد؟ وهل سيتم استيعاب المعارضة؟

- من دون تفاصيل لا توجد معارضة، ولكن توجد عمالة بالخارج، ويمكنك أن تسأل الشعب سيجيبك، إذ النضال والكفاح المسلح للشعب على مر السنين خلق حالة من اللحمة والتضامن، وخلق حالة سياسية وثقافية ضامنة لوحدة الشعب، ولو هناك خلافات في بعض الآراء لا تكون معارضة، وإنما وجهة نظر يؤخذ بها للمصلحة، ولكن للأسف المعارضة أصبحت موضة يرتزق منها بعض الفئات في بعض البلاد.


مقالات ذات صلة

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

تحليل إخباري زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون.

إيلي يوسف (واشنطن)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي وحرمه يستقبلا ولد الغزواني وزوجته خلال زيارتهما إلى باريس (أ.ف.ب)

الغزواني ينفي وجود أي قواعد عسكرية فرنسية في موريتانيا

نفى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في لقاء مع صحافيين فرنسيين في باريس، ليل الجمعة-السبت، وجود أي قواعد عسكرية فرنسية في بلاده.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيسة الوزراء الإيطالية بحثت مع الرئيس الجزائري تعزيز التعاون في وقف تدفقات المهاجرين السريين (الرئاسة الجزائرية)

«حراك أوروبي» مكثف في الجزائر لتأمين الحدود ومكافحة الهجرة

تتسارع الجهود الأوروبية بشكل لافت خلال الأسابيع الأخيرة لدفع الجزائر نحو لعب دور «دركي المتوسط» يتولى مهمة لجم تدفقات الهجرة السرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن الموريتاني (أ.ف.ب)

موريتانيا: توقيف 40 ناشطاً خلال مسيرة منددة باعتقال حقوقيين

فرقت قوات مكافحة الشغب الموريتاني، اليوم الخميس، مسيرة احتجاجية لحركة انبعاث التيار الانعتاقي «إيرا» الحقوقية المناهضة للعبودية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحتج لدى العراق على «هجمات انطلقت من أراضيه»

استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية، وسلّمته مذكرة احتجاج عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

تصاعد العنف في نيجيريا والجماعات الإرهابية توسّع نفوذها

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

تصاعد العنف في نيجيريا والجماعات الإرهابية توسّع نفوذها

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

تواجه نيجيريا موجة متجددة من العنف من قبل جماعات مسلحة مع اقتراب الانتخابات، في وقت أسفرت فيه هجمات، في شمال شرقي البلاد عن مقتل ضباط كبار، في حين يحذّر محللون من ترسّخ حضور جماعات إرهابية في الغرب.

وتُعدّ مسألة الأمن تحدياً مزمناً في البلاد؛ من عصابات الخطف المعروفة بـ«قُطَّاع الطرق»، إلى نزاعات المزارعين والرعاة، ونزاع انفصالي مستمر في الجنوب الشرقي، إضافة إلى نشاط إرهابي مستمر منذ 17 عاماً، وفقًا لما أوردته «وكالة الأنباء الفرنسية».

سيارة شرطة في ولاية كادونا شمال نيجيريا (رويترز)

ويراهن الرئيس بولا تينوبو، الذي يسعى لإعادة انتخابه، في يناير (كانون الثاني) المقبل، على إصلاحات اقتصادية واسعة، لكنه أشرف أيضاً على نشر قوات أميركية في البلاد، مع تصاعد موجات العنف واستقطابها اهتماماً دولياً.

وقال عضو مجلس الشيوخ عن ولاية بورنو، شمال شرقي البلاد، محمد علي ندومي، إن «هناك ازدياداً في العنف، سواء قتل المدنيين أو العسكريين، وبالطبع عمليات الخطف».

وأضاف أن نحو 400 من سكان دائرته في قرية نغوشي محتجزون لدى إرهابيين، بعد خطفهم في وقت سابق من أبريل (نيسان) الحالي.

وبدأ النشاط الإرهابي في نيجيريا عام 2009 مع انتفاضة «بوكو حرام»، وبلغ ذروته قبل نحو عقد حين سيطر على مساحات واسعة من الأراضي، فيما تواجه القوات حالياً عدة فصائل منشقَّة، وأحياناً متنافسة فيما بينها.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

ويقول باحثون إن الحرب تفاقمت خلال العام الماضي، مع مقتل ضابطَيْن برتبة لواء، خلال خمسة أشهر. وشهدت مدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو، هجومين انتحاريين، أحدهما في مسجد في يناير (كانون الثاني)، في مؤشر على عودة هجمات دامية داخل المدن.

وسجّل مرصد «أكليد»، ومقره الولايات المتحدة، مقتل نحو 4518 شخصاً في حوادث مرتبطة بالإرهاب خلال عام 2025، وهو أعلى عدد منذ 2015، ويشمل مدنيين وقوات حكومية وجماعات مسلحة وإرهابيين.

وفي ولاية بورنو، قُتل أكثر من 500 مدني، العام الماضي، على يد الجماعات الإرهابية، مقارنةً بـ299 في 2024، وفق «المرصد».

وأرجع ندومي تصاعد العنف جزئياً إلى «هجمات انتقامية»، بعد إعلان حالة الطوارئ في نوفمبر (تشرين الثاني) التي «كثّف فيها الجيش عملياته».

من جانبه، قال المدير السابق لجهاز الاستخبارات الداخلية، مايك إيجيوفور، إن «الهجمات تميل إلى الارتفاع، مع اقتراب الانتخابات»، مضيفاً أن الحكومة تريد «وضع حد لذلك»، لكن «يبقى أن نرى ما إذا كانت تفعل ما يكفي».

استنفار أمني في نيجيريا عقب هجوم إرهابي (أرشيفية)

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبوجا لعدم بذل «جهود كافية لحماية المسيحيين»، وهو طرح يقول خبراء إنه يبسّط المشهد، في بلد يُقتل فيه المدنيون عبر انتماءات دينية مختلفة.

وعزّز تينوبو التعاون مع واشنطن عبر صفقات تسليح وتبادل معلومات ونشر قوات أميركية في مهمة تدريبية. لكن استراتيجية تركيز الجنود في معسكرات محصنة، منذ 2019، جعلت المناطق الريفية عرضة للهجمات.

ومع تكيّف الجماعات الإرهابية، نجحت هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي في غرب أفريقيا على مواقع عسكرية، بمساعدة تجهيزات، مثل أجهزة الرؤية الليلية والطائرات المسيّرة، وفق باحثين.

وأطلقت الحكومة بعض الإصلاحات، بينها إنشاء جهاز جديد لحراسة الغابات. كما أمر تينوبو بسحب الشرطة من مهام الحماية الخاصة لكبار الشخصيات، لكن باحثين يرون أن القرار «بقي حبراً على ورق»..

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وفي الوقت نفسه، يحذّر محللون من ترسّخ اثنين من أبرز التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل داخل غرب نيجيريا.

وأظهرت مقاطع فيديو هذا الشهر اشتباكات بين مقاتلين من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل» في ولاية كيبي، ولم يعلن أي من الطرفين مسؤوليته.

وقال الباحث وسيم نصر إن هذه الجماعات «تتحرك بحرية» في المناطق الحدودية بين النيجر ونيجيريا وبنين. وأشار إلى أن «تنظيم الدولة الإسلامية في الساحل» يسعى لتعزيز وجوده في شمال غربي نيجيريا «لتقوية صلاته مع (تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا)».

من جهته، قال الباحث جيمس بارنيت إن الطرفين «يبدوان مرتاحين نسبياً في المنطقة، بعدما رسّخا وجودهما بما يكفي لمنافسة جماعات أخرى».

وأضاف أن «التهديد الأكبر لكل منهما يأتي من الآخر، وليس من القوات النيجيرية».


بآخر مرحلة من جولته الأفريقية... البابا يحذر من «خطر مأساوي» يهدد مستقبل البشرية

البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)
البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)
TT

بآخر مرحلة من جولته الأفريقية... البابا يحذر من «خطر مأساوي» يهدد مستقبل البشرية

البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)
البابا ليو الرابع عشر خلال زيارة لرئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو في القصر الرئاسي بمالابو (رويترز)

حذر ​البابا ليو بابا الفاتيكان، الثلاثاء، من أن مستقبل ‌البشرية مهدد ‌بأن ​يقوض «على نحو ‌مأساوي» ⁠بسبب ​الحروب المستمرة ⁠في العالم وانهيار القانون الدولي، وذلك في ⁠خطاب قوي ‌ألقاه ‌في ​غينيا ‌الاستوائية ‌ضمن جولته الأفريقية التي تشمل 4 دول، وفقاً لوكالة «رويترز».

وندد ‌ليو، أول بابا أميركي، بما ⁠وصفه «باستعمار» ⁠موارد الأرض من النفط والمعادن، معتبراً أنه يؤجج صراعات مميتة.

ووصل البابا، الثلاثاء، إلى غينيا الاستوائية إحدى أكثر دول القارة الأفريقية انغلاقاً، وحيث ستتجه الأنظار في المرحلة الرابعة والأخيرة من جولته الأفريقية إلى مواقفه المرتقبة حيال مسألتَي التعددية السياسية والحريات العامة، وهما من القضايا الحساسة في هذا البلد.

وبعد 3 أيام أمضاها في أنغولا، غادر البابا الأميركي لواندا صباحاً متوجهاً إلى مالابو، العاصمة السابقة لهذا البلد الواقع في وسط أفريقيا الذي يحكمه منذ عام 1979 تيودورو أوبيانغ نغويما (83 عاماً)، صاحب الرقم القياسي العالمي في أطول بقاء في السلطة بين رؤساء الدول في أنظمة غير ملكية.

وحظي البابا لدى وصوله إلى مطار مالابو باستقبال رسمي وشعبي حافل، حيث عزفت فرقة نحاسية في أثناء نزوله من الطائرة، وسار على السجادة الحمراء برفقة الرئيس أوبيانغ نغويما، كما استقبله المئات في أجواء احتفالية، مردّدين الترانيم الدينية وعبارات الترحيب، بينما ارتفعت أصوات أبواق الفوفوزيلا، وكان كثير من المحتشدين يرتدون قمصاناً تحمل صورته.

وقالت المواطنة آنا ماري سوفيندا البالغة من العمر 55 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «زيارة البابا لغينيا الاستوائية نعمة عظيمة وبركة كبيرة. أود أن يصلي البابا بشكل خاص من أجل الشباب».

وخلال الرحلة، أشاد ليو الرابع عشر بالبابا فرنسيس أمام الصحافيين في ذكرى مرور عام على وفاته.

ويسير ليو الرابع عشر بعد 44 عاماً على خطى البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي كان أول بابا يزور غينيا الاستوائية، علماً أن نسبة الكاثوليك من سكان هذا البلد النفطي البالغ عددهم مليوني نسمة تقارب 80 في المائة، بفعل الاستعمار الإسباني.

البابا ليو الرابع عشر (يسار) يلتقي رئيس غينيا الاستوائية تيودور أوبيانغ نغويما مباسوغو (يمين) بالقصر الرئاسي في مالابو (إ.ب.أ)

واعتمد ليو الرابع عشر منذ بداية جولته الماراثونية في 13 أبريل (نيسان) لهجة أكثر حزماً في شأن عدد من القضايا، فدعا أكثر من مرة إلى العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد، واحترام حقوق الإنسان.

أما في غينيا الاستوائية، فيُتوقَّع أن يكون خطابه قائماً على توازن دقيق بين رغبته في دعم الأتْباع، وحرصه على عدم الإيحاء بأنه مؤيد للنظام المتهم بالاستبداد وبالانتهاك المستمر لحقوق الإنسان، إذ إن معظم المعارضين المطلوبين من السلطات يعيشون في إسبانيا، ومنها كذلك تبث معظم وسائل الإعلام المستقلة.

ودأبت المنظمات الحقوقية غير الحكومية الدولية على توجيه أصابع الاتهام إلى سلطات غينيا الاستوائية في شأن استشراء الفساد، وقمع المعارضة الذي يتجلى في الاعتقالات التعسفية، والتضييق على الحريات العامة.

وتزيّن صور عملاقة للبابا ولافتات ترحيب، إلى جانب أعلام الفاتيكان وغينيا الاستوائية، شوارع مالابو الواقعة في جزيرة بيوكو في خليج غينيا. وتؤدي جوقات الكنائس طوال مدة زيارته نشيداً وُضِع تحديداً على شرفه.

ورأى خوان راؤول، أحد سكان مالابو، أن هذه الزيارة فرصة لتحقيق اللُّحمة الوطنية، متمنياً أن تُحدِث «تغييرات روحية».

«معاناتنا»

تباينت الآراء في سوق سيمو الكبيرة بوسط مالابو؛ إذ أمل بعض التجار في جني مكاسب من هذه الزيارة، بينما أعرب آخرون عن تحفظاتهم.

وقالت بائعة الطماطم أنيتا أوي: «البابا يأتي من أجل المسؤولين. زيارته لن تفيدنا في شيء؛ لأنه لن يأتي لإقناع الطبقة الحاكمة بأن تأخذ في الحسبان معاناتنا وتظلماتنا، بدلاً من أن تستغل خيرات البلد للإثراء».

وتعاني غالبية السكان من الفقر مع أن نصيب الفرد من الدخل في غينيا الاستوائية يُعَدّ من بين الأعلى في أفريقيا، بفضل العائدات النفطية تحديداً.

وأعرب رئيس حزب «التقاطع من أجل الديمقراطية الاجتماعية» أندريس إيسونو أوندو عن خشيته من أن تتسبب هذه الزيارة في معاناة إضافية للغينيين الاستوائيين بفعل «الضرر الاقتصادي» الذي قد يلحق بهم جرّاءها، وهو ما «لا يريده البابا»، بحسب زعيم الحزب المعارض الوحيد المسموح به.

أما الشاب الناشط في حزب «الديمقراطية في غينيا الاستوائية» الحاكم جوفينو أباغا فقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنّ «مجيء البابا بيننا (...) بركة إلهية، من دون تمييز في العِرق أو الانتماء السياسي».

ويُلقي ليو الرابع عشر في مالابو، الثلاثاء، كلمة أمام الرئيس وأعضاء من الحكومة والسلك الدبلوماسي والمجتمع المدني، إضافة إلى ممثلين عن الوسط الثقافي.

ويُقيم، الأربعاء، قداساً في مونغومو، مسقط الرئيس أوبيانغ، ويزور مدرسة تكنولوجية تحمل اسم البابا الراحل فرنسيس.

ثم يتوجه إلى العاصمة الاقتصادية باتا لإحياء ذكرى ضحايا انفجار وقع عام 2021 داخل معسكر للجيش، أودى بحياة أكثر من 108 أشخاص، كذلك يتفقد معتقلِي سجن باتا.


أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
TT

أكبر حزب في تيغراي يعلن استعادة حكم المنطقة والسلام بشمال إثيوبيا في خطر

مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)
مزارعون محليون يسيرون بجوار دبابة يُزعم أنها تابعة للجيش الإريتري مهجورة على جانب الطريق في دانسا جنوب غربي ميكيلي بمنطقة تيغراي بإثيوبيا (أ.ف.ب)

قال الحزب السياسي الرئيسي في تيغراي إنه يستعيد السيطرة على حكومة المنطقة، مما يعني فعلياً إلغاء اتفاق السلام مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية الذي أنهى أحد أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين.

وأصدرت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هذا البيان في منشور على «فيسبوك»، أمس الأحد، متهمة الحكومة الاتحادية بانتهاك اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب التي استمرت عامين. وجاء في البيان أن الحكومة أثارت نزاعاً مسلحاً داخل تيغراي، وحجبت الأموال اللازمة لدفع رواتب الموظفين المدنيين في المنطقة، ومددت ولاية رئيس الإدارة المؤقتة دون استشارة الحزب. وأضاف البيان «إنها (الحكومة الاتحادية) في عجلة من أمرها لشن حرب دموية مرة أخرى».

نازحون داخل مخيّم خارج ميكيلي عاصمة تيغراي في 12 فبراير 2025 (أ.ب)

ودفع هذا الإعلان جيتاشو رضا، المتحدث السابق باسم الحزب ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، لأن يكتب على «إكس» أمس الأحد أن بيان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يشكل «رفضاً واضحاً» للوضع الذي أرسته اتفاقية بريتوريا بعد الحرب.

وقال جيتاشو، الذي شغل منصب رئيس الإدارة المؤقتة في تيغراي قبل خلافه مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإبعاده وتعيين آخر في المنصب في العام الماضي: «يجب على المجتمع الدولي... أن يتحرك لدرء خطر اندلاع صراع كارثي في منطقة لا تستطيع تحمله».

ولم ترد بيلين سيوم المتحدثة باسم رئيس الوزراء آبي أحمد على طلب للتعليق على مزاعم الجبهة.

ولم يتسن الاتصال بمسؤولي الجبهة على الفور للتعليق.

ويقدر باحثون أن الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2020 و2022 بين القوات التي تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي والجيش الإثيوبي أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص جراء العنف المباشر وانهيار الرعاية الصحية والمجاعة. واندلعت الحرب بعد انهيار العلاقات بين جبهة تحرير شعب تيغراي، وهي حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي سيطر على السياسة الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، وآبي أحمد، الذي أنهى تعيينه رئيساً للوزراء في عام 2018 هيمنة الجبهة. انتهت الحرب في أواخر عام 2022 باتفاق بريتوريا، الذي توسط فيه الاتحاد الأفريقي، والذي دعا إلى تشكيل إدارة مؤقتة لتيغراي، يتم إنشاؤها من خلال الحوار بين الجانبين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في المنطقة حتى يمكن تنظيم انتخابات جديدة.

ورغم إحراز بعض التقدم في تنفيذ الاتفاق، فقد تعرضت عملية التنفيذ لضغوط في الأشهر الأخيرة، حيث اندلعت اشتباكات مسلحة منذ يناير (كانون الثاني) بين قوات الجبهة والجيش الاتحادي ومقاتلين موالين للحكومة. ورداً على انتهاكات مزعومة من جانب الحكومة، قالت الجبهة في بيانها إنها ستستعيد السلطة التنفيذية والتشريعية في تيغراي بدلاً من الإدارة المؤقتة، وستعزز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة والدول المجاورة. وكانت الحكومة الاتحادية قد أكدت في وقت سابق التزامها باتفاق بريتوريا واتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا في عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية من عام 1998 إلى عام 2000.

ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بشكل مستقل من مزاعم الجبهة بشأن الانتهاكات المزعومة للاتفاق من قبل الحكومة.

ولم يتسن على الفور الحصول على تعليق من المتحدث باسم الاتحاد الأفريقي نور محمد بشأن قرار الجبهة استعادة الإدارة السابقة. ونفت الجبهة وإريتريا التعاون بينهما. وخاضت إريتريا، التي وقعت اتفاق سلام مع إثيوبيا في عام 2018، الحرب دعماً للجيش الإثيوبي خلال الحرب الأهلية في تيغراي. لكنها استاءت مؤخراً مما تعتبره تعليقات تهديدية من آبي أحمد، الذي يؤكد أن إثيوبيا الحبيسة لها حق في الوصول إلى البحر.