الرئيس الإريتري لـ«الشرق الأوسط»: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف

أفورقي يحمل الاتحاد الأفريقي و«الإيغاد» مسؤولية إنهاك الأفارقة وهروبهم على قوارب الموت

TT

الرئيس الإريتري لـ«الشرق الأوسط»: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف

 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)
 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

شنّ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي هجوماً لاذعاً على الاتحاد الأفريقي و«الإيغاد» و«الإيواكس»، وقال إنها ولدت ميتة، محملاً إياها مسؤولية التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدول الأفريقية، مضيفاً أنها سبب في إنهاك الشعوب وإرسالهم إلى رحلات الموت والقذف بهم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ورمي ما تبقى منهم في أحضان الغرب ومصادرة قراراتهم.

أمام ذلك، بدا الرئيس الإريتري متفائلاً بالشراكة السعودية - الأفريقية التي عدّها «ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف إلى التقدم والتنمية الاستدامة، وترفع قدرات 1.2 مليار نسمة، وتعمل على تعظيم الاستثمار في أكثر من 60 في المائة من الموارد الطبيعية على مستوى العالم، المختزنة في القارة السمراء، حيث تأمين الغذاء، في مواجهة الشح الذي يتسبب فيه التغير المناخي».

الرئيس الإريتري تحدث لـ«الشرق الأوسط» من مكان إقامته في فندق الريتز بالعاصمة السعودية الرياض، بعد مشاركته في القمة السعودية ـ الأفريقية في كثير من القضايا، خصوصاً الملفات في قارة أفريقيا والشراكة مع السعودية وملفات الإصلاح الداخلي، فإلى نص الحوار:

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* توصف العلاقات السعودية مع دول أفريقيا بالمميزة، وجاءت القمة السعودية - الأفريقية تتويجاً لهذه العلاقات، وأنتم أحد المشاركين فيها، فما الذي يميز هذه القمة؟

- شكراً لكم، وحقيقة ما يميز القمة السعودية - الأفريقية على غيرها من الاجتماعات والقمم في أكثر من مكان وفي حقب مختلفة، أنها قمة تعزز لشراكة استراتيجية حقيقية بين القارة الأفريقية والسعودية، وتنبع أهميتها أنها انعقدت في ظروف إقليمية ودولية معقدة، فضلاً عما تتمتع به السعودية من مقومات وفرص كبيرة على مختلف الصعد، مقابل ما تتمتع به الدول الأفريقية من ثروات طبيعية هائلة، فضلاً عن قوى بشرية تتجاوز 1.2 مليار نسمة، فضلاً عن أن الموارد في أفريقيا تعادل 60 في المائة من مجمل الموارد الطبية على مستوى العالم.

 

* هذا يقود لسؤال: لماذا لم تستفِد القارة الأفريقية حتى الآن من ثرواتها البشرية والطبيعية الضخمة؟

- حقيقة هناك حزمة تحديات تواجه القارة الأفريقية، فهي قارة مهمشة من قبل العالم الغربي، بالمقارنة مع مثيلاتها من قارات العالم الأخرى، بجانب أن معظمها في حالة عدم استقرار سياسي، وبالتالي عدم استقرار اقتصادي، وهذا ما يجعل القمة السعودية - الأفريقية بمثابة فرصة عظيمة، لتكامل حقيقي بين الطرفين، وبالضرورة أن تكون الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين تكاملية، إذ إن القدرات السعودية كفيلة لاستنهاض القدرات الأفريقية ومواردها الثرية، وسينعكس ذلك إيجاباً على كل قارات العالم، وبالتالي فإن فهمنا لهذه الشراكة أنها تتميز بخصوصية في ظل حقبة تاريخية جديدة بكل ما فيها من أزمات وتحديات، عقب تجاوزنا لآثار الحرب الباردة، وسياسة القطب الأوحد، إذ نتجه لنظام عالمي متعدد الأقطاب، بعد مرور أكثر من 30 عاماً تقودها حقبة القطب الواحد، وآن الأوان لاستكشاف الفرص الوفيرة من الممكنات الاقتصادية الكبيرة في أفريقيا واستثمارها في الشراكات الاستراتيجية الذكية، من أجل تأمين مستقبل الأجيال القادمة، ولا بد أن يكون لدينا فهم صحيح لهذه الشراكة، من خلال تصميم المشروعات الحيوية بعناية وبجدية مشفوعة بخريطة طريق تشتمل على خطط وتنمية قدرات ونحتاج لعمل جاد، لترجمتها على أرض الواقع.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* وما الطريقة المثلى لتحقيق أهداف الشراكة الاستراتيجية مع السعودية؟

- لا بد من تغيير المنهجية التي تسير بها الدول الأفريقية، والعمل على القضاء على الاضطراب السياسي والهشاشة والضعف، الذي تعاني منه كثير من البلدان كما هو الحال في النيجر والسنغال ومالي وبوركينا فاسو، وفي الغابون والسودان ودول منطقة القرن الأفريقي والجوار وغيرها، إذ لا بد من توفيق أوضاعها، والاستيقاظ من أحلام لا تفيد شعوبنا كوننا نمثل 1.2 مليار نسمة وموارد طبيعية متنوعة، إذ لا بد من محاربة الفساد بأنواعه وحوكمة الحكومات والحكم، والتنبه إلى خطورة التدخلات الأجنبية وسد الثغرات التي يمنحها بعض الساسة الأفارقة للعالم الغربي، حتى نكون قادرين على بناء الشراكة الاستراتيجية الحقيقية مع المملكة، التي نطمح بأن تحوّل الفرص الأفريقية إلى مشروعات استثمارية تعزز التنمية المستدامة لشعوب المنطقة.

 

* وماذا عن التعاون مع السعودية في قضايا تأمين البحر الحمر والممرات المائية؟

الشراكة السعودية - الإريترية استراتيجية تكاملية شاملة، وفق خطة تنموية جادة وبتوقيتات محددة، ونطمح لأن تتعزز العلاقات التجارية والاستثمارية وتوسيعها لتشمل منطقة القرن الأفريقي، في مجالات الأمن والصناعات التحويلية، غير أن التعاون الثنائي ليس له سقف محدد، أما على صعيد تأمين واستقرار البحر الأحمر كأحد الممرات المائية الدولية المهمة، فهذا جزء أصيل من شراكتنا الاستراتيجية مع خصوصيتها الجيوسياسية، لمواجهة المهددات الأمنية، ومع الاحتفاظ بالقدرات السيادية لكل بلد مشاطئ للبحر الأحمر لتأمين مياهه الإقليمية، بالتنسيق بين الدول المشاطئة حتى تتزود بآلية لتأمين واستقرار البحر الأحمر وحمايته من التدخلات الخارجية، وإذا احتاج أي من البلدان المشاطئة للاستفادة من مصالحها الخارجية مع دولة أخرى، وفق تنسيق وتشاور وتعاون بين الدول الأعضاء، ومن ثم تطوير الاستثمارات في القدرات والصناعات والطاقة والتعدين والسياحة والتكنولوجيا الحديثة والمياه والزراعة والصحة والتعليم، والثروة السمكية والبنى التحتية والمشروعات الخضراء.

 

* ألا ترى أن هنالك تحديات ربما تعرقل مثل هذه الشراكات الاستراتيجية؟

- نعم، فعلى الرغم مما تتمتع به القارة الأفريقية من مقومات تأمين الغذاء في العالم، فإن هناك تحديات خلقت واقعاً مريراً، يتطلب تعزيز حوكمة المشروعات والعمل معاً للخروج من المستنقع، الذي ما زلنا عالقين فيه منذ عقود، من أزمات ودمار، ما يعوق تحقيق أي شراكة استراتيجية مع أي طرف في العالم، فضلاً عن ضرورة سد الثغرات أمام الدول الغربية التي تنهب ثرواتنا، إذ تحدثت إلى زملائنا في الغرب الأفريقي بهذا الشأن، وضربت لهم مثلاً عن نهب فرنسا لثروات النيجر، خصوصاً اليورانيوم الذي تستخدمه أوروبا في مفاعلات الطاقة النووية والكهربائية وغيرها، على مدى 50 عاماً، دون أن ينال الشعب النيجري منها ما يسد رمقه ويساعده في النهضة الاقتصادية، بسبب أخطاء النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالنيجر، وحقيقة ليست لدينا حساسية في شراكة مع أي دولة غربية مثل فرنسا، إذا تعاملت معنا بعدالة فيما يلي شعوبنا من عائدات مواردنا.

خذ مثالاً آخر؛ وهو السودان الذي نقول عنه منذ نعومة أظافرنا، إنه سلة غذاء العالم، وبه ثروات متنوعة لا حصر لها، غير أنه ما زال يتلقى المساعدات من الخارج. أعود فأقول: علينا أن نصحح أوضاعنا الداخلية سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، للاستفادة من أي شراكة مع دول أو قارة، والشراكة مع السعودية فرصة مثالية لمعالجة أخطائنا الداخلية، للاستفادة من مواردنا وشراكاتنا، ومواجهة مهددات مبنية على مفاهيم الإثنيات والعرقيات تشتعل بمجرد التزوير والتلاعب بمفاهيم الديمقراطية والحرية والمشاركة المدنية، بالتشويش والتضليل الإعلامي هنا وهناك تستغله أيادٍ خارجية لتمرير أجندتها في بلداننا الأفريقية، وبالتالي لا بد من تشخيص مشكلات أفريقيا بشكل واقعي كشيء أساسي، مع ضرورة أن تعي الشعوب ذلك، مع التخطيط لاستيعاب ذلك، إذ إن كل اقتصاديات أفريقيا بدائية، مع افتقار للصناعات التحويلية، في ظل حاجة ماسة للتعليم لرفع كفاءة الموارد البشرية، وإيقاف نزيف هجرات الموت لشبابنا إلى أوروبا، وهذا تحدٍ لا يستهان به. أخلص إلى أنه ما لم تحسم أفريقيا مشكلاتها، فلن تكون هناك شراكة مثمرة.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* هل يعني ذلك أن هنالك خلل في التعاطي الأوروبي - الأفريقي في تعظيم قدرات القارة السمراء؟

- الاستعمار الأوروبي للقارة قديماً كان بين أبيض وأسود، ولكن للأسف حالياً يوجد استعمار حديث، يمكن أن أسميه «العبودية الحديثة»، وبهذه المناسبة فإن الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية، كانت لديهم طموحات مشروعة، ونظريات ومعارف وخطط قابلة للتنفيذ، وكانوا يتمتعون بإلهام وأطروحات أقرب لتحقيق تطلعاتهم وأحلامهم والنهوض بالقارة السمراء، غير أن الاستعمار القديم الذي سلم الراية للاستعمار الحديث للعيش أراد لنا البقاء في مربع التخلف والتشرذم، واستغلال قوى «دون تعميم»، تحت شعارات مزيفة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما هي تقيدها، بخططها الاستعمارية بما يضعها في مربع العمالة أكثر من كونها كوادر وطنية، ما سهّل لها نهب الثروات الأفريقية، الأمر الذي يحتم على الأفارقة تغيير المنهج والتعاون لحشد الطاقات للنهوض ببلدانهم ورفاهية شعوبهم، مع ضرورة محاربة الفساد، وعدم تجزئة الحلول والانخراط في تشويش شعارات براقة مزيفة لا تغني ولا تسمن من جوع.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* وماذا عن أداء منظمة «الاتحاد الأفريقي» ومجموعة «الإيغاد»؟

- كما يقولون فإن «الاعتراف بالحق فضيلة»، يتحتم علينا أن نقرّ بأنه لا وجود فعلياً لأي منظومة أفريقية، سواء منظمة «اتحاد أفريقي» أو منظمة «إيغاد»، مع أن المؤسسين كانوا أصحاب إلهام وأفكار ومعارف، فعندما أقرّ الجميع بضعف أداء «منظمة الوحدة الأفريقية»، وفكروا بتجديد بنيتها ومنهجها باسم «الاتحاد الأفريقي» على غرار «الاتحاد الأوروبي»، كانت المحصلة صفراً، وكذلك ينسحب الأمر على منظمة «إيغاد»، ودون الدخول في التفاصيل، لكن كانت المقاربة أو الانتقال من اسم «منظمة الوحدة الأفريقية» إلى «الاتحاد الأفريقي» خاطئة وتفتقر للمنهجية، فلم تكن على قدر مستوى الهموم والأفكار والطروحات المأمولة، ما أفشل مهمة الكتلة الأفريقية أكثر، فكانت عبارة عن تقليد للمنظومات الأوروبية دون إحداث هيكلة حقيقية تصنع بديلاً يناسب المرحلة ويستوعب المستجدات، إذ إن كثيراً من الحكومات والأنظمة السياسية المنضوية تحتها كانت ترهن قراراتها لقوى خارجية بذريعة «مشاورات»، ولذلك فشلت في إيجاد حلول للصراعات الداخلية والخلافات الأفريقية، فلم يخرج نشاطها عن أداء علاقات عامة حتى بعد 20 عاماً، ما يستدعي تشخيص هذه الإشكالية لاستعادة الحياة في كائن مفترض فيه حل مشكلات القارة السمراء، وبسط الأمن والاستقرار وإزالة الخلافات بين دولها وفي داخلها.

أما منظمة «إيغاد» فكانت فكرتها الأولى محاربة الجراد، ثم فكروا في أن تعمل على التنمية، ولكن كانت أمامنا تحديات أمنية تستدعي معالجتها قبل الخوض في برامج تنموية مزعومة، وهذا لم يحدث، فضلاً عن أن الإثنيات والعرقيات والانتماءات شلت أداء المنظومة، ومزقت النسيج الاجتماعي وفق الدين والعرق، مقابل انشغال الحكومات بتلقي الوصايا الخارجية، ففي عام 2006 وقع الغزو الخارجي على مقديشو من قبل قوى عظمى، وما زال تمرير الأجندة الخارجية يتم خلال المنظومات والكتل الأفريقية المختلفة؛ من «اتحاد أفريقي» أو «إيغاد» أو «الإيواكس»، أو «القرن الأفريقي»، كأذرع لمخالب التدخل الخارجي، فمثلاً «الإيواكس» تلوح بالتدخل العسكري في النيجر لاحتواء موقف البلاد، ولكن السؤال المطروح: في مصلحة من سيكون التدخل العسكري؟ سواء في النيجر أو مالي أو بوركينا فاسو؟ إنها مسرحيات تمارس في أفريقيا، تستدعي مواجهتها بشجاعة، مع تقييم موضوعي للحالة الأفريقية، وهيكلة منظوماتها، نحسم أمرها اليوم قبل الغد، بالاعتراف بالفشل والإخفاقات والإتيان بالبديل الفعال، مع ضرورة إشراك الشعوب في العملية الأفريقية، وإلا سيكون المقبل أسوأ، وأدعو لتعبئة أفريقية وفق عمل سياسي دبلوماسي وفق خطة إعلامية غير مضللة، مع الاستعانة بالمفكرين والخبراء في توعية الشعوب بما يحدث، وفق خطط تفصيلية مدروسة، مع إشراك أكبر قاعدة من الشعوب.

 

* في حديثك عن أداء «الاتحاد الأفريقي» و«الإيغاد»... هل تعتقد أنهما عمّقا الأزمة السودانية؟

- الدور الأفريقي في القضية السودان مخزٍ، والسؤال الملح: لماذا يحدث للشعب السوداني ما حدث؟ كل المنظمات الأفريقية فضلاً عن منظمة الأمم المتحدة، فشلت في تحقيق أدنى مستوى من المعالجة للأزمة، فالأزمة السودانية كانت اختباراً حقيقياً لوجودية هذه الكيانات التي درجت على تأجيل الحلول.

كذلك، فإن تعدد المنابر كان ذريعة للتدخل الخارجي، بجانب أن القوى السياسية الفاشلة عقدت عملية الحلول الممكنة للأزمة، فمن الأهمية توحيد المنابر، ولذا أعتقد أن منبر جدة يكفي لقيادة المفاوضات السودانية دون حتى الاستعانة الأميركية، بحكم الرابط الجغرافي والتاريخي، فمشكلة السودان مشكلة القارة ودول المنطقة ككل، وبالضرورة لا بد أن تكون لدينا فيها مساهمة إيجابية، مع يقيني بأن الحلّ بيد السودانيين أنفسهم، ولكن يمكن الاستفادة من المساهمات للذين يساندون السودان وشعبه، بمنهجية وموضوعية.

الرئيس الإريتري يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)

* لماذا طال أمد الحرب في السودان؟

- منذ عام 2020 و2021 و2022، أحاول أن أفهم ما يحدث في السودان، وجدت أن التعقيدات في المشهد السوداني نتاج تدخلات وأجندات خارجية، ومن دون جدلية، أستطيع القول إن النظام السابق علّم السودانيين كيفية أن يحسنوا اختياراتهم، ولذلك انطلقت الانتفاضة بشكل عفوي، فالشعب عبأ نفسه بنفسه، وليس لأي قوى سياسية أو حزب، الحق في أن يدعي تبني ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019، فالادعاء شيء معيب، لأن عملية بناء الدولة في السودان كانت عملية مستمرة منذ استقلاله في عام 1956، إذ إن الشعب السوداني وقتها يتمتع بثقافة ومعرفة وفرص أفضل مما كان عليه الأفارقة الآخرون، ولكن بالحديث عن عهد الإنقاذ فإنه حدث إفراغ سياسي، فجاءت بعده الثورة، فالمرحلة الانتقالية التي تحتاج إلى قراءة صحيحة، ولكن للأسف تعرضت لعملية غسل من قبل الأجندات الخارجية بمساعدة داخلية، لأن السودان مستهدف من حيث الموقع الجغرافي والسياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فنجم عن ذلك التعقيدات والمشكلات التي انتهت بالأزمة الحالية، لخلق منصة لتعقيدات أخرى لما بعد السودان، وأنا لدي مسودة مبادرة ولكن ليست للإعلام أو النشر، ويمكن طرحها لدول الجوار، لأن السودان مهم للجميع ليس فقط دول الجوار، وفي النهاية للسودانيين الحق في اتخاذ قراراتهم للوصول إلى برّ الأمان، وهي تختلف عن أطروحات بعض السياسيين، التي ترتبط ببعض الأجندة الخارجية، المقدمة في عدة عواصم أفريقية.

 

* وهل من الممكن إطلاعنا على هذه المبادرة والإفصاح عنها؟

- المبادرة سأعرضها على دول الجوار، ولكن لن أفصح عنها للإعلام، غير أنني من دون أي مجاملة، أؤمن بأن الشعب السوداني يتمتع بثقافة ووعي لا يتوفران لدى كثير من الشعوب الأخرى، بسبب التجارب الثرية التي أسهموا فيها منذ استقلال السودان في عام 1956، فهم مؤهلون لحل مشكلاتهم، ولديهم خيارات يمكنهم مشاركتها مع دول الجوار إذا أرادوا، مع أهمية التشخيص السليم للأزمة دون أي تحيز أو ارتباط بأي أجندة خارجية، ولذلك أرى في توحيد المنابر التفاوضية بمنبر واحد كمنبر جدة، بعيداً عن التعقيدات المصدرة من الخارج، يمكن بكل هدوء من خلاله إيجاد حل للأزمة السودانية، خلال عام أو عامين على الأكثر، من خلال خريطة طريق واضحة وفق خطوات واقعية سليمة، مسنودة بدعم كل من يتمنى خيراً للسودان، حتى لا تحدث كارثة للسودان، كانفصال جنوب السودان، وما كان ذلك ليحدث، وهذا ليس رأيي أنا، وإنما رأي الجنوبيين أنفسهم، حيث وجدت الأجندة الخارجية والتدخلات في تعميق مفهوم الانفصال الذي كان الدكتور جون قرنق يحمل فكرة أخرى للسودان الواحد، وفي ذلك عبرة لا بد من الاستفادة منها لاحتواء الأزمة السودانية بشكل يوحده لا يفتته، بعيداً عن طرح الأفكار المغرضة التي تحاول اتساع الفجوة بين العسكر والمدنيين والتمسك بقضايا جدلية لا طائل منها.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* لكن هنالك قوى سياسية أخرى في السودان...

- للأسف لا توجد قوى سياسية بالمعنى، ولا أعترف بها وليس منها جدوى، مجرد انزلاقات لا بد من الحذر منها، لأنها تصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية وتخلق فرصة للانتهازية والمزايدة وتعقيد العملية السياسية وتأجيل الحلول، والتدخلات الخارجية.

 

* تعيش غزة وضعاً مأساوياً ومعها القضية الفلسطينية، هل هنالك دور سواء على مستوى القارة الأفريقية أو جمهورية إريتريا لوقف إطلاق النار؟

- الوضع في غزة مؤلم جداً بكل ما تعنيه الكلمة، حيث إنها عرت النظام العالمي، وفضحت المزايدات والمواقف الدولية والدول العظمى، إذ إنني قبل 30 عاماً، اختلفت مع بعض أعضاء الحركات الفلسطينية، واختلفت مع الراحل الزعيم ياسر عرفات، وكنت أقول له إن طرح عملية «حل الدولتين» مجرد خدعة لن تجد طريقها للنفاذ، لأنه أريد بها تأجيل الحلول وطمس القضية الفلسطينية، حينها أخذ خلافي معهم بأننا متهورون وعاطفيون، واليوم بعد أكثر من 30 عاماً من الخلاف معهم، اتضح لهم أنني كنت على صواب، حيث أخذ طرح «حلّ الدولتين» كذريعة للتهرب من الحلول الحقيقية، وكذلك خدعة اتفاقيات أوسلو وما بعدها، إذ ليس من بديل لحق تقرير الفلسطينيين وأمن واستقرار المنطقة، فالمأساة الحالية في غزة حالياً تطرح السؤال: لماذا تم تأجيل الحلول إلى كل هذا الوقت الطويل؟ فالشعب الفلسطيني يدفع الثمن باهظاً لكل التبريرات التي تخدر الجسم ولا تعالج المرض، فمن الغرابة بمكان أن نصدق مسرحية إسرائيل بشعار «حق الدفاع عن النفس»، بينما تزج بالفلسطينيين في السجون على مدى عقود، فضلاً عن القتل المستمر، غير أن المظاهرات التي انتظمت بالعالم، يمكن تأطيرها لخلق حالة شعبية عالمية لمواجهة الصلف الإسرائيلي.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* على المستوى الداخلي، هل حققت خطتكم لتحسين الوضع الاقتصادي أهدافها؟

- بكل صراحة لم نحقق حتى الآن أكثر من 25 في المائة من طموحاتنا وقدراتنا، ولكن نعمل وفق خطط لتعزيز الفهم الصحيح لتحسين الوضع الاقتصادي، وخلق فرص وتحديد الأولويات وهي كهرباء وطاقة وبنية تحتية وخدمات مطلوبة لكل الصناعات، مع إدارة تنمية الموارد المائية كالسدود والاستفادة من السدود واستخدام التكنولوجيا الحديثة للزراعة وتطويرها، بجانب صناعات تحويلية من خضراوات وفواكه وثروات سمكية، ومواشٍ وألبان.

نسعى لتحقيق استقرار في المورد المائي الذي تجاوزنا حالياً فيه نسبة 40 في المائة، أما التعدين فهو من القطاعات الأساسية المستهدفة بالتطوير، مع أننا لم نتجاوز 5 في المائة من القدرات المتوفرة، ولدينا نسب كبيرة من الكوبالت والمنجنيز والذهب والنحاس والزنك ومعادن أخرى، ونعمل على تحسين البنى التحتية والطرق والمواصلات وتوفير الطاقة، لإطلاق المشروعات التنموية والصناعية، ما يحفزنا لإطلاق شراكات مع جيراننا، وفي مقدمتهم السعودية، بجانب شراكات مع دول أخرى مثل الصين وأستراليا وكندا وأوروبا، لتعزيز التنمية المستدامة.

 

* ماذا عن الإصلاح السياسي في البلاد؟ وهل سيتم استيعاب المعارضة؟

- من دون تفاصيل لا توجد معارضة، ولكن توجد عمالة بالخارج، ويمكنك أن تسأل الشعب سيجيبك، إذ النضال والكفاح المسلح للشعب على مر السنين خلق حالة من اللحمة والتضامن، وخلق حالة سياسية وثقافية ضامنة لوحدة الشعب، ولو هناك خلافات في بعض الآراء لا تكون معارضة، وإنما وجهة نظر يؤخذ بها للمصلحة، ولكن للأسف المعارضة أصبحت موضة يرتزق منها بعض الفئات في بعض البلاد.


مقالات ذات صلة

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

شمال افريقيا عبد العاطي يبحث في نيويورك مع بدر بن حمد البوسعيدي تطورات المشهد الإقليمي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

ملف الوساطة بين أميركا وإيران يتصدّر لقاءات مصر في الأمم المتحدة

ناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجهود المبذولة والمقترحات التي يجري طرحها من أجل التوصل لاتفاق يؤدي إلى احتواء التوتر وخفض التصعيد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي الرئيس السيسي يجري محادثات مع رئيس «تيار الحكمة» العراقي في القاهرة الخميس (الرئاسة المصرية)

السيسي يشدد على دعم مصر لأمن العراق واستقراره

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على «حرص بلاده الدائم على أمن واستقرار العراق»، وذلك خلال استقباله رئيس «تيار الحكمة» العراقي.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

أكدت مصادر في منظمات إنسانية أن هناك ممارسات عنصرية تُستخدم عمداً، لإرغام المهاجرين على مغادرة تونس، فيما تسمى «عمليات العودة الطوعية».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الناشط الحقوقي التونسي العياشي الهمامي (متداولة)

متهم في قضية «التآمر على أمن تونس» يبدأ إضراباً عن الطعام

أعلن المحامي والناشط الحقوقي التونسي البارز، العياشي الهمامي، الموقوف بسجن المرناقية وسط تونس العاصمة، اليوم (الجمعة)، الدخول في إضراب عن الطعام.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)

الحكومة الموريتانية تستأنف اجتماعاتها وسط جدل سياسي محتدم

عادت الحكومة الموريتانية إلى اجتماعاتها الأسبوعية، الأربعاء، بعد 3 أسابيع من التوقف بسبب عطلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونصف أعضاء الحكومة.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الكونغو: مقتل 14 شخصاً إثر تحطم طائرة بينهم اثنان من كبار المسؤولين العسكريين

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
TT

الكونغو: مقتل 14 شخصاً إثر تحطم طائرة بينهم اثنان من كبار المسؤولين العسكريين

عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة العسكرية لجمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

قال الجيش الكونغولي، الجمعة، إن 14 شخصا على الأقل، بينهم مسؤولان عسكريان بارزان، لاقوا حتفهم في حادث تحطم طائرة.

والمسؤولان العسكريان هما الليفتنانت جنرال موتومبو كاتالاي تيندي، رئيس المحكمة العسكرية، والليفتنانت جنرال باكومي ليكوليا، المراجع العام للقوات المسلحة.

وقال المتحدث باسم الجيش الكونغولي، الميجور جنرال إيفومي إيكينج، في بيان «بالإضافة إلى الجنرالين، فقد 12 فردا من الوفد وأفراد طاقم الطائرة حياتهم أيضا في هذا الحادث».

وكانت الطائرة عائدة إلى العاصمة كينشاسا من مدينة كيكويت جنوب غرب الكونغو عندما أصيبت بعطل فني وتحطمت في كينجي حيث توفي جميع من كانوا على متنها، وفقا لمسؤولين محليين.

وقال إيكينج إنه تم فتح تحقيق لتحديد سبب الحادث.

ويقاتل الجيش الكونغولي عشرات الجماعات المتمردة، بما في ذلك جماعة «إم 23» المتمردة المدعومة من رواندا في شرق البلاد منذ العام الماضي، بعد سلسلة من الهجمات أدت إلى استيلاء الجماعات المتمردة على مدن رئيسية.


اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
TT

اضطرابات تيغراي... هل يتكرر سيناريو 2020 أم تحصل موجة صدام أوسع؟

أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يقفون حراساً على أحد شوارع مدينة حميرة إثيوبيا (رويترز)

بعد شهور من المناوشات، تتجه «جبهة تحرير تيغراي» إلى فصل جديد من المعارك مع الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا عززها انضمام قوى أخرى عبر تدشين تحالف مسلح لإسقاط الحكومة، وسط مخاوف من اتساع نطاق القتال.

وما يحدث يعيد للأذهان معارك عام 2020 بين الجانبين، التي شهدت مقتل الآلاف وانتهت بعد وساطات توجت بـ«اتفاق بريتوريا» في 2022، ومنذ ذلك الحين لم تخل تلك الفترة من اتهامات بانتهاك الاتفاق من الطرفين.

ويرى برلماني إثيوبي لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة لن تكرر سيناريو الحرب السابقة ولن تقود الاضطرابات الحالية لموجة صدام أوسع وستحسم المعارك في فترة قصيرة.

ويتفق معه محلل إثيوبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «جبهة تيغراي» رغم انضمامها لتحالف مسلح قبل أيام، فإن لديها تصدعات داخلية وقلة في العتاد والسلاح وتتمركز فقط في 3 مناطق من 12 منطقة بالإقليم، مستبعداً توسع الحرب.

النزاع يتسع

وشهدت مناطق في شمال إثيوبيا، الجمعة، انقطاعاً في خدمة الإنترنت، حسبما أفاد موقع «نت بلوكس» المتخصص في رصد اضطرابات الشبكات، مع احتدام المعارك بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، بحسب ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك هذا الأسبوع، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.

ويخشى الأهالي تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات، وحصار الإمدادات الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على إقليم تيغراي خلال الحرب الأهلية الأخيرة (2020-2022)، التي أودت بقرابة 600 ألف شخص.

وهذا السيناريو يحمل أيضاً هذه المرة، تشابهاً مع تكرار «جبهة تحرير تيغراي» استراتيجيتها في حرب 2020، وتقدمها جنوباً عبر إقليم أمهرة نحو العاصمة أديس أبابا، وسط هدف محتمل من الهجوم في إقليم عفر وهو قطع خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها الغالبية العظمى من شحنات التجارة الدولية لإثيوبيا بما فيها الوقود.

وشنّت الجبهة بالفعل هجمات على إقليمي أمهرة وعفر، مؤكدة أنها تردّ بذلك على هجمات شنتها القوات الفيدرالية.

مخاوف من توسع دائرة الاضطرابات في إثيوبيا (رويترز)

ويري البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن التطورات العسكرية الأخيرة في إقليم تيغراي «لن تعود بالبلاد إلى مأساة حرب عام 2020، من جراء تراجع قدرات جبهة تحرير شعب تيغراي وفقدانها للحاضنة الشعبية؛ حيث يُقاد أبناء الإقليم إلى القتال قسراً وسط استياء شعبي من جراء تداعيات الحروب السابقة التي لم يتفادَ المواطنون آثارها بعد».

ولا يختلف معه المحلل في الشأن الإثيوبي، عبد الشكور عبد الصمد، مؤكداً أن «ما يُثار إعلامياً بشأن التطورات العسكرية في إقليم تيغراي ينطوي على تضخيم ومبالغات مخالفة للواقع»، مشيراً إلى أن المواجهات الميدانية «تقتصر حالياً على 3 جبهات فقط من أصل 12 جبهة بالإقليم، وما يجري هو توظيف إعلامي وحرب نفسية تهدف للضغط ليس أكثر».

وقبل أيام، أعلنت 7 جماعات معارضة للحكومة الفيدرالية في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، عن تحالف يهدف إلى إطاحة السلطة الحاكمة في أديس أبابا.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة عام 1991وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء عام 2018، ما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن «اتفاق بريتوريا» للسلام في 2022 أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنت الحكومة الاتحادية آنذاك ضربات بالطيران المُسيّر على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

وتتزايد المخاوف من تحول الصراع في إثيوبيا إلى نزاع إقليمي أوسع نطاقاً، في وقت تحظى «جبهة تحرير تيغراي» بدعم من إرتيريا التي يقول مراقبون إنها تتخوف من غزو إثيوبيا لأراضيها بهدف الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.

ورغم ذلك، يعدّ البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد، أن التحالفات بين فصائل معارضة «ستكون هشة وستعمق عزلتها وتفقدها أي ثقة لدى الشارع الإثيوبي»، مؤكداً أن الحكومة المركزية برئاسة آبي أحمد «باتت اليوم أكثر قوة وتفوقاً من أي وقت مضى، بفضل التطوير الشامل وتحديث الترسانة العسكرية بالتقنيات والتكنولوجيا الحديثة، مقارنة ببدايات الأزمة التي تولى فيها السلطة وسط تحديات وتجهيزات محدودة».

ويؤكد البرلماني الإثيوبي أن «المواجهات الجارية لن تتعدى كونها جولات محدودة ستُحسم خلال فترة قصيرة ثم تعود إثيوبيا إلى مسار الاستقرار والأمن».

واستبعد عبد الصمد امتداد رقعة المواجهات أو اندلاع حرب شاملة، مستنداً إلى حالة الانقسام المدني والعسكري التي تعاني منها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وانشقاق قياداتها الميدانية البارزة، فضلاً عن النقص الحاد في العتاد والسلاح مقارنة بوضعها في المواجهات السابقة.

أزمات

وبينما لا يزال نحو مليون نازح في إقليم تيغراي، يبدو الوضع مع المواجهات الجديدة صعباً، مع مسارعة سكان الإقليم منذ الخميس إلى تخزين المواد الغذائية والنقد والسلع الأساسية، وقال سامويل غيبري سلاسي (37 عاماً)، الذي يعمل في متجر للتوابل في ميكيلي، عاصمة تيغراي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «توجد مخاوف عميقة من احتمال انقطاع الخدمات المصرفية وشبكات الاتصالات والكهرباء وإمدادات السلع الأساسية مرة أخرى».

ولذا يؤكد البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التحالفات الجديدة بلا حاضنة شعبية وستفقد تأثيراتها سريعاً.

وأكد عبد الصمد أن التحالفات المعلنة بين مجرد هيكل ولد ميتاً لا تعكس أي ثقل حقيقي على الأرض في ظل تلك الأزمات الشعبية، مشدداً على أن التطورات المرتقبة لن تتعدى كونها خروقاً أو تحديات أمنية محدودة ومحصورة، قد تؤدي إلى بعض التبعات السياسية والأمنية الروتينية، دون أن تشكل تهديداً يتجاوز هذا النطاق.


مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
TT

مقعد دائم وحق الفيتو... هل تدخل أفريقيا مجلس الأمن؟

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)
رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

رفع قادة أفريقيا بقوة مطالب إصلاح مجلس الأمن الدولي خلال جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة منذ يومين في مدينة نيويورك، وذلك بالدعوة إلى حصول القارة الأفريقية على مقعدين دائمين في المجلس مع حق «الفيتو»، وهي مطالب تواجه تحديات كبيرة.

وفي خطاباتهم أمام الجمعية العامة، شدد القادة الأفارقة على أن القارة، التي تُمثل ربع أعضاء الأمم المتحدة، تعاني «الإقصاء»، معتبرين أن استمرار هذا الوضع «يضعف شرعية الأمم المتحدة، ويتناقض مع مبدأ المساواة في السيادة».

رونالد أوزي لامولا وزير العلاقات الخارجية الجنوب أفريقي يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (رويترز)

الخطاب الأفريقي

كان خطاب رئيس كينيا، ويليام روتو، هو الأقوى والأكثر صرامة، حين قال إن «كل أمة ذات سيادة، ومتساوية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، وفيما يتعلق بأخطر قضايا الحرب والسلام، تمتلك 5 دول سلطة دائمة لا تمتلكها الدول الـ188 الأخرى».

وأوضح روتو أن «أفريقيا تضم 54 دولة عضواً، أي أكثر من ربع هذه الجمعية، ومع ذلك ليس لها صوت دائم في الهيئة المنوط بها المسؤولية الرئيسية عن السلم والأمن الدوليين»، مشيراً إلى أن أفريقيا كثيراً ما تكون موضوع قرارات مجلس الأمن، «لكنها مستبعدة بشكل دائم من النقاش».

فيما أكد رئيس غانا، جون دراماني ماهاما، أن «أفريقيا هي موطن لـ1.5 مليار نسمة، أي أكثر من 18 في المائة من البشرية، وتُشكل أكبر كتلة تصويت إقليمية في هذه الجمعية العامة، ومع ذلك، لا تزال بلا مقعد دائم واحد في مجلس الأمن، وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق».

وأكد ماهاما: «يجب منح أفريقيا تمثيلاً دائماً في مجلس الأمن، بكامل الحقوق والمسؤوليات»، مشدداً على أن «إصلاح مجلس الأمن ليس منةً لأفريقيا؛ بل هو حتمية لشرعية ومصداقية وبقاء الأمم المتحدة».

لقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الجلسة السنوية الـ81 لقادة العالم (أ.ف.ب)

من جهته، قال رئيس نيجيريا بولا أحمد تينوبو، في خطاب ألقاه نائبه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن «العالم في عام 2026 لا يمكن أن يظل أسيراً لتوزيع القوة الذي كان قائماً في عام 1945. ولا يمكن لأفريقيا أن تستمر في ملء جدول أعمال مجلس الأمن وتظل غائبة عن عضويته الدائمة».

وطالب رئيس نيجيريا بضرورة أن تحصل أفريقيا على مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي، مع حق «الفيتو»، بالإضافة إلى 5 مقاعد غير دائمة.

العقبة الأولى

وتعتمد السردية الأفريقية على أن مجلس الأمن الدولي تأسس عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أفريقيا تحت الاستعمار الغربي؛ حيث إنه من أصل 51 عضواً مؤسساً للأمم المتحدة لم يكن هناك سوى 4 دول أفريقية هي: مصر، وإثيوبيا، وليبيريا، وجنوب أفريقيا. وفي هذا السياق قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن هذا الوضع «غير عادل، ولا يمكن الدفاع عنه».

إد مليباند وزير الخارجية البريطاني خلال جلسة لمجلس الأمن (أ.ف.ب)

ولكن مطالب الإصلاح التي ترفعها أفريقيا تتطلب تعديلاً لميثاق الأمم المتحدة، وهذا يحتاج إلى موافقة ثلثي الجمعية العامة، وموافقة جميع الأعضاء الدائمين الخمسة، حسب المادة 108 من الميثاق، وهنا تكمن العقبة الكبرى.

وتؤيد الولايات المتحدة منح أفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن، دون حق «الفيتو»، وهو موقف ترفضه الدول الأفريقية؛ لأنه في نظرها يكرس هرمية جديدة، ويمنحها «عضوية من الدرجة الثانية».

أما روسيا والصين فتُظهران تعاطفاً خطابياً مع «الجنوب العالمي»، ولكنها أصدرت تحذيراً واضحاً من فتح الميثاق، بسبب مخاوف من أي خطوة قد تضعف نفوذها أو قد تفتح الباب أمام منافسين مثل الهند واليابان، لدخول مجلس الأمن. فيما فرنسا وبريطانيا تظهران قدراً من الانفتاح النسبي، ولكن مع كثير من الحذر.

الرئيس البوروندي السابق وعضو لجنة العقلاء في الاتحاد الأفريقي (رويترز)

نماذج إصلاح

وسط الضغط الأفريقي، تبرز نماذج إصلاح جديدة، منها ما تقترحه «مجموعة الأربعة»، التي تضم ألمانيا والبرازيل والهند واليابان، والتي تضغط من أجل الحصول على مقاعد دائمة لنفسها، مع حصول أفريقيا على مقعدين دائمين.

أما مجموعة «التوحد من أجل التوافق»، فتعارض بشكل صريح منح أي مقاعد دائمة جديدة، وتفضل التوسع في المقاعد غير الدائمة فقط، في ظل تحذيرات من أن توسيع مجلس الأمن إلى 26 عضواً قد يزيد الشرعية، لكنه يُقلل الفعالية والسرعة في اتخاذ القرارات، خصوصاً في الأزمات.

ومن هنا يبرز السياق الجيوسياسي الراهن؛ حيث إن التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا والحرب في الشرق الأوسط، تجعل القوى الكبرى أقل استعداداً للتنازل عن أدوات السيطرة، بل إن الإصلاح قد يبدو «ترفاً» في أوقات الاستقطاب الحاد.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يلقي كلمة بلاده أمام الجمعية العامة (أ.ف.ب)

الصراع الداخلي

وفي الوقت الذي يجمع فيه قادة أفريقيا، في خطاباتهم، على مطلب إصلاح مجلس الأمن ومنح القارة مقعدين دائمين، لا يمتلكون آلية واضحة لتحديد الدول التي ستشغل هذين المقعدين، في ظل تنافس قوي بين مراكز القوة في القارة.

ويحتدم التنافس بين دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والجزائر والمغرب وإثيوبيا، ما يزيد من تعقيد الموقف الأفريقي، إذ يبدو أن إصلاح مجلس الأمن قد يفتح باباً لصراعات داخلية في القارة، ويُعيد إلى الواجهة تاريخاً من الحروب الإقليمية الدامية.

ورغم وجود اتفاقية تنص على أن الاتحاد الأفريقي هو الجهة التي ستختار ممثلي القارة في مجلس الأمن، فإنها لا تحدد آلية واضحة لذلك، ما يجعل حسم المسألة صعباً. وتوصف هذه المنافسة بأنها «معركة صامتة»، يؤجل الأفارقة الخوض فيها خشية أن تضعف موقفهم في الأمم المتحدة.