الرئيس الإريتري لـ«الشرق الأوسط»: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف

أفورقي يحمل الاتحاد الأفريقي و«الإيغاد» مسؤولية إنهاك الأفارقة وهروبهم على قوارب الموت

TT

الرئيس الإريتري لـ«الشرق الأوسط»: الشراكة مع السعودية ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف

 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)
 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

شنّ الرئيس الإريتري أسياس أفورقي هجوماً لاذعاً على الاتحاد الأفريقي و«الإيغاد» و«الإيواكس»، وقال إنها ولدت ميتة، محملاً إياها مسؤولية التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدول الأفريقية، مضيفاً أنها سبب في إنهاك الشعوب وإرسالهم إلى رحلات الموت والقذف بهم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، ورمي ما تبقى منهم في أحضان الغرب ومصادرة قراراتهم.

أمام ذلك، بدا الرئيس الإريتري متفائلاً بالشراكة السعودية - الأفريقية التي عدّها «ستنتشل شعوب المنطقة من مستنقع التخلف إلى التقدم والتنمية الاستدامة، وترفع قدرات 1.2 مليار نسمة، وتعمل على تعظيم الاستثمار في أكثر من 60 في المائة من الموارد الطبيعية على مستوى العالم، المختزنة في القارة السمراء، حيث تأمين الغذاء، في مواجهة الشح الذي يتسبب فيه التغير المناخي».

الرئيس الإريتري تحدث لـ«الشرق الأوسط» من مكان إقامته في فندق الريتز بالعاصمة السعودية الرياض، بعد مشاركته في القمة السعودية ـ الأفريقية في كثير من القضايا، خصوصاً الملفات في قارة أفريقيا والشراكة مع السعودية وملفات الإصلاح الداخلي، فإلى نص الحوار:

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* توصف العلاقات السعودية مع دول أفريقيا بالمميزة، وجاءت القمة السعودية - الأفريقية تتويجاً لهذه العلاقات، وأنتم أحد المشاركين فيها، فما الذي يميز هذه القمة؟

- شكراً لكم، وحقيقة ما يميز القمة السعودية - الأفريقية على غيرها من الاجتماعات والقمم في أكثر من مكان وفي حقب مختلفة، أنها قمة تعزز لشراكة استراتيجية حقيقية بين القارة الأفريقية والسعودية، وتنبع أهميتها أنها انعقدت في ظروف إقليمية ودولية معقدة، فضلاً عما تتمتع به السعودية من مقومات وفرص كبيرة على مختلف الصعد، مقابل ما تتمتع به الدول الأفريقية من ثروات طبيعية هائلة، فضلاً عن قوى بشرية تتجاوز 1.2 مليار نسمة، فضلاً عن أن الموارد في أفريقيا تعادل 60 في المائة من مجمل الموارد الطبية على مستوى العالم.

 

* هذا يقود لسؤال: لماذا لم تستفِد القارة الأفريقية حتى الآن من ثرواتها البشرية والطبيعية الضخمة؟

- حقيقة هناك حزمة تحديات تواجه القارة الأفريقية، فهي قارة مهمشة من قبل العالم الغربي، بالمقارنة مع مثيلاتها من قارات العالم الأخرى، بجانب أن معظمها في حالة عدم استقرار سياسي، وبالتالي عدم استقرار اقتصادي، وهذا ما يجعل القمة السعودية - الأفريقية بمثابة فرصة عظيمة، لتكامل حقيقي بين الطرفين، وبالضرورة أن تكون الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين تكاملية، إذ إن القدرات السعودية كفيلة لاستنهاض القدرات الأفريقية ومواردها الثرية، وسينعكس ذلك إيجاباً على كل قارات العالم، وبالتالي فإن فهمنا لهذه الشراكة أنها تتميز بخصوصية في ظل حقبة تاريخية جديدة بكل ما فيها من أزمات وتحديات، عقب تجاوزنا لآثار الحرب الباردة، وسياسة القطب الأوحد، إذ نتجه لنظام عالمي متعدد الأقطاب، بعد مرور أكثر من 30 عاماً تقودها حقبة القطب الواحد، وآن الأوان لاستكشاف الفرص الوفيرة من الممكنات الاقتصادية الكبيرة في أفريقيا واستثمارها في الشراكات الاستراتيجية الذكية، من أجل تأمين مستقبل الأجيال القادمة، ولا بد أن يكون لدينا فهم صحيح لهذه الشراكة، من خلال تصميم المشروعات الحيوية بعناية وبجدية مشفوعة بخريطة طريق تشتمل على خطط وتنمية قدرات ونحتاج لعمل جاد، لترجمتها على أرض الواقع.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* وما الطريقة المثلى لتحقيق أهداف الشراكة الاستراتيجية مع السعودية؟

- لا بد من تغيير المنهجية التي تسير بها الدول الأفريقية، والعمل على القضاء على الاضطراب السياسي والهشاشة والضعف، الذي تعاني منه كثير من البلدان كما هو الحال في النيجر والسنغال ومالي وبوركينا فاسو، وفي الغابون والسودان ودول منطقة القرن الأفريقي والجوار وغيرها، إذ لا بد من توفيق أوضاعها، والاستيقاظ من أحلام لا تفيد شعوبنا كوننا نمثل 1.2 مليار نسمة وموارد طبيعية متنوعة، إذ لا بد من محاربة الفساد بأنواعه وحوكمة الحكومات والحكم، والتنبه إلى خطورة التدخلات الأجنبية وسد الثغرات التي يمنحها بعض الساسة الأفارقة للعالم الغربي، حتى نكون قادرين على بناء الشراكة الاستراتيجية الحقيقية مع المملكة، التي نطمح بأن تحوّل الفرص الأفريقية إلى مشروعات استثمارية تعزز التنمية المستدامة لشعوب المنطقة.

 

* وماذا عن التعاون مع السعودية في قضايا تأمين البحر الحمر والممرات المائية؟

الشراكة السعودية - الإريترية استراتيجية تكاملية شاملة، وفق خطة تنموية جادة وبتوقيتات محددة، ونطمح لأن تتعزز العلاقات التجارية والاستثمارية وتوسيعها لتشمل منطقة القرن الأفريقي، في مجالات الأمن والصناعات التحويلية، غير أن التعاون الثنائي ليس له سقف محدد، أما على صعيد تأمين واستقرار البحر الأحمر كأحد الممرات المائية الدولية المهمة، فهذا جزء أصيل من شراكتنا الاستراتيجية مع خصوصيتها الجيوسياسية، لمواجهة المهددات الأمنية، ومع الاحتفاظ بالقدرات السيادية لكل بلد مشاطئ للبحر الأحمر لتأمين مياهه الإقليمية، بالتنسيق بين الدول المشاطئة حتى تتزود بآلية لتأمين واستقرار البحر الأحمر وحمايته من التدخلات الخارجية، وإذا احتاج أي من البلدان المشاطئة للاستفادة من مصالحها الخارجية مع دولة أخرى، وفق تنسيق وتشاور وتعاون بين الدول الأعضاء، ومن ثم تطوير الاستثمارات في القدرات والصناعات والطاقة والتعدين والسياحة والتكنولوجيا الحديثة والمياه والزراعة والصحة والتعليم، والثروة السمكية والبنى التحتية والمشروعات الخضراء.

 

* ألا ترى أن هنالك تحديات ربما تعرقل مثل هذه الشراكات الاستراتيجية؟

- نعم، فعلى الرغم مما تتمتع به القارة الأفريقية من مقومات تأمين الغذاء في العالم، فإن هناك تحديات خلقت واقعاً مريراً، يتطلب تعزيز حوكمة المشروعات والعمل معاً للخروج من المستنقع، الذي ما زلنا عالقين فيه منذ عقود، من أزمات ودمار، ما يعوق تحقيق أي شراكة استراتيجية مع أي طرف في العالم، فضلاً عن ضرورة سد الثغرات أمام الدول الغربية التي تنهب ثرواتنا، إذ تحدثت إلى زملائنا في الغرب الأفريقي بهذا الشأن، وضربت لهم مثلاً عن نهب فرنسا لثروات النيجر، خصوصاً اليورانيوم الذي تستخدمه أوروبا في مفاعلات الطاقة النووية والكهربائية وغيرها، على مدى 50 عاماً، دون أن ينال الشعب النيجري منها ما يسد رمقه ويساعده في النهضة الاقتصادية، بسبب أخطاء النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالنيجر، وحقيقة ليست لدينا حساسية في شراكة مع أي دولة غربية مثل فرنسا، إذا تعاملت معنا بعدالة فيما يلي شعوبنا من عائدات مواردنا.

خذ مثالاً آخر؛ وهو السودان الذي نقول عنه منذ نعومة أظافرنا، إنه سلة غذاء العالم، وبه ثروات متنوعة لا حصر لها، غير أنه ما زال يتلقى المساعدات من الخارج. أعود فأقول: علينا أن نصحح أوضاعنا الداخلية سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، للاستفادة من أي شراكة مع دول أو قارة، والشراكة مع السعودية فرصة مثالية لمعالجة أخطائنا الداخلية، للاستفادة من مواردنا وشراكاتنا، ومواجهة مهددات مبنية على مفاهيم الإثنيات والعرقيات تشتعل بمجرد التزوير والتلاعب بمفاهيم الديمقراطية والحرية والمشاركة المدنية، بالتشويش والتضليل الإعلامي هنا وهناك تستغله أيادٍ خارجية لتمرير أجندتها في بلداننا الأفريقية، وبالتالي لا بد من تشخيص مشكلات أفريقيا بشكل واقعي كشيء أساسي، مع ضرورة أن تعي الشعوب ذلك، مع التخطيط لاستيعاب ذلك، إذ إن كل اقتصاديات أفريقيا بدائية، مع افتقار للصناعات التحويلية، في ظل حاجة ماسة للتعليم لرفع كفاءة الموارد البشرية، وإيقاف نزيف هجرات الموت لشبابنا إلى أوروبا، وهذا تحدٍ لا يستهان به. أخلص إلى أنه ما لم تحسم أفريقيا مشكلاتها، فلن تكون هناك شراكة مثمرة.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* هل يعني ذلك أن هنالك خلل في التعاطي الأوروبي - الأفريقي في تعظيم قدرات القارة السمراء؟

- الاستعمار الأوروبي للقارة قديماً كان بين أبيض وأسود، ولكن للأسف حالياً يوجد استعمار حديث، يمكن أن أسميه «العبودية الحديثة»، وبهذه المناسبة فإن الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية، كانت لديهم طموحات مشروعة، ونظريات ومعارف وخطط قابلة للتنفيذ، وكانوا يتمتعون بإلهام وأطروحات أقرب لتحقيق تطلعاتهم وأحلامهم والنهوض بالقارة السمراء، غير أن الاستعمار القديم الذي سلم الراية للاستعمار الحديث للعيش أراد لنا البقاء في مربع التخلف والتشرذم، واستغلال قوى «دون تعميم»، تحت شعارات مزيفة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما هي تقيدها، بخططها الاستعمارية بما يضعها في مربع العمالة أكثر من كونها كوادر وطنية، ما سهّل لها نهب الثروات الأفريقية، الأمر الذي يحتم على الأفارقة تغيير المنهج والتعاون لحشد الطاقات للنهوض ببلدانهم ورفاهية شعوبهم، مع ضرورة محاربة الفساد، وعدم تجزئة الحلول والانخراط في تشويش شعارات براقة مزيفة لا تغني ولا تسمن من جوع.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* وماذا عن أداء منظمة «الاتحاد الأفريقي» ومجموعة «الإيغاد»؟

- كما يقولون فإن «الاعتراف بالحق فضيلة»، يتحتم علينا أن نقرّ بأنه لا وجود فعلياً لأي منظومة أفريقية، سواء منظمة «اتحاد أفريقي» أو منظمة «إيغاد»، مع أن المؤسسين كانوا أصحاب إلهام وأفكار ومعارف، فعندما أقرّ الجميع بضعف أداء «منظمة الوحدة الأفريقية»، وفكروا بتجديد بنيتها ومنهجها باسم «الاتحاد الأفريقي» على غرار «الاتحاد الأوروبي»، كانت المحصلة صفراً، وكذلك ينسحب الأمر على منظمة «إيغاد»، ودون الدخول في التفاصيل، لكن كانت المقاربة أو الانتقال من اسم «منظمة الوحدة الأفريقية» إلى «الاتحاد الأفريقي» خاطئة وتفتقر للمنهجية، فلم تكن على قدر مستوى الهموم والأفكار والطروحات المأمولة، ما أفشل مهمة الكتلة الأفريقية أكثر، فكانت عبارة عن تقليد للمنظومات الأوروبية دون إحداث هيكلة حقيقية تصنع بديلاً يناسب المرحلة ويستوعب المستجدات، إذ إن كثيراً من الحكومات والأنظمة السياسية المنضوية تحتها كانت ترهن قراراتها لقوى خارجية بذريعة «مشاورات»، ولذلك فشلت في إيجاد حلول للصراعات الداخلية والخلافات الأفريقية، فلم يخرج نشاطها عن أداء علاقات عامة حتى بعد 20 عاماً، ما يستدعي تشخيص هذه الإشكالية لاستعادة الحياة في كائن مفترض فيه حل مشكلات القارة السمراء، وبسط الأمن والاستقرار وإزالة الخلافات بين دولها وفي داخلها.

أما منظمة «إيغاد» فكانت فكرتها الأولى محاربة الجراد، ثم فكروا في أن تعمل على التنمية، ولكن كانت أمامنا تحديات أمنية تستدعي معالجتها قبل الخوض في برامج تنموية مزعومة، وهذا لم يحدث، فضلاً عن أن الإثنيات والعرقيات والانتماءات شلت أداء المنظومة، ومزقت النسيج الاجتماعي وفق الدين والعرق، مقابل انشغال الحكومات بتلقي الوصايا الخارجية، ففي عام 2006 وقع الغزو الخارجي على مقديشو من قبل قوى عظمى، وما زال تمرير الأجندة الخارجية يتم خلال المنظومات والكتل الأفريقية المختلفة؛ من «اتحاد أفريقي» أو «إيغاد» أو «الإيواكس»، أو «القرن الأفريقي»، كأذرع لمخالب التدخل الخارجي، فمثلاً «الإيواكس» تلوح بالتدخل العسكري في النيجر لاحتواء موقف البلاد، ولكن السؤال المطروح: في مصلحة من سيكون التدخل العسكري؟ سواء في النيجر أو مالي أو بوركينا فاسو؟ إنها مسرحيات تمارس في أفريقيا، تستدعي مواجهتها بشجاعة، مع تقييم موضوعي للحالة الأفريقية، وهيكلة منظوماتها، نحسم أمرها اليوم قبل الغد، بالاعتراف بالفشل والإخفاقات والإتيان بالبديل الفعال، مع ضرورة إشراك الشعوب في العملية الأفريقية، وإلا سيكون المقبل أسوأ، وأدعو لتعبئة أفريقية وفق عمل سياسي دبلوماسي وفق خطة إعلامية غير مضللة، مع الاستعانة بالمفكرين والخبراء في توعية الشعوب بما يحدث، وفق خطط تفصيلية مدروسة، مع إشراك أكبر قاعدة من الشعوب.

 

* في حديثك عن أداء «الاتحاد الأفريقي» و«الإيغاد»... هل تعتقد أنهما عمّقا الأزمة السودانية؟

- الدور الأفريقي في القضية السودان مخزٍ، والسؤال الملح: لماذا يحدث للشعب السوداني ما حدث؟ كل المنظمات الأفريقية فضلاً عن منظمة الأمم المتحدة، فشلت في تحقيق أدنى مستوى من المعالجة للأزمة، فالأزمة السودانية كانت اختباراً حقيقياً لوجودية هذه الكيانات التي درجت على تأجيل الحلول.

كذلك، فإن تعدد المنابر كان ذريعة للتدخل الخارجي، بجانب أن القوى السياسية الفاشلة عقدت عملية الحلول الممكنة للأزمة، فمن الأهمية توحيد المنابر، ولذا أعتقد أن منبر جدة يكفي لقيادة المفاوضات السودانية دون حتى الاستعانة الأميركية، بحكم الرابط الجغرافي والتاريخي، فمشكلة السودان مشكلة القارة ودول المنطقة ككل، وبالضرورة لا بد أن تكون لدينا فيها مساهمة إيجابية، مع يقيني بأن الحلّ بيد السودانيين أنفسهم، ولكن يمكن الاستفادة من المساهمات للذين يساندون السودان وشعبه، بمنهجية وموضوعية.

الرئيس الإريتري يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: بشير صالح)

* لماذا طال أمد الحرب في السودان؟

- منذ عام 2020 و2021 و2022، أحاول أن أفهم ما يحدث في السودان، وجدت أن التعقيدات في المشهد السوداني نتاج تدخلات وأجندات خارجية، ومن دون جدلية، أستطيع القول إن النظام السابق علّم السودانيين كيفية أن يحسنوا اختياراتهم، ولذلك انطلقت الانتفاضة بشكل عفوي، فالشعب عبأ نفسه بنفسه، وليس لأي قوى سياسية أو حزب، الحق في أن يدعي تبني ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019، فالادعاء شيء معيب، لأن عملية بناء الدولة في السودان كانت عملية مستمرة منذ استقلاله في عام 1956، إذ إن الشعب السوداني وقتها يتمتع بثقافة ومعرفة وفرص أفضل مما كان عليه الأفارقة الآخرون، ولكن بالحديث عن عهد الإنقاذ فإنه حدث إفراغ سياسي، فجاءت بعده الثورة، فالمرحلة الانتقالية التي تحتاج إلى قراءة صحيحة، ولكن للأسف تعرضت لعملية غسل من قبل الأجندات الخارجية بمساعدة داخلية، لأن السودان مستهدف من حيث الموقع الجغرافي والسياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي، فنجم عن ذلك التعقيدات والمشكلات التي انتهت بالأزمة الحالية، لخلق منصة لتعقيدات أخرى لما بعد السودان، وأنا لدي مسودة مبادرة ولكن ليست للإعلام أو النشر، ويمكن طرحها لدول الجوار، لأن السودان مهم للجميع ليس فقط دول الجوار، وفي النهاية للسودانيين الحق في اتخاذ قراراتهم للوصول إلى برّ الأمان، وهي تختلف عن أطروحات بعض السياسيين، التي ترتبط ببعض الأجندة الخارجية، المقدمة في عدة عواصم أفريقية.

 

* وهل من الممكن إطلاعنا على هذه المبادرة والإفصاح عنها؟

- المبادرة سأعرضها على دول الجوار، ولكن لن أفصح عنها للإعلام، غير أنني من دون أي مجاملة، أؤمن بأن الشعب السوداني يتمتع بثقافة ووعي لا يتوفران لدى كثير من الشعوب الأخرى، بسبب التجارب الثرية التي أسهموا فيها منذ استقلال السودان في عام 1956، فهم مؤهلون لحل مشكلاتهم، ولديهم خيارات يمكنهم مشاركتها مع دول الجوار إذا أرادوا، مع أهمية التشخيص السليم للأزمة دون أي تحيز أو ارتباط بأي أجندة خارجية، ولذلك أرى في توحيد المنابر التفاوضية بمنبر واحد كمنبر جدة، بعيداً عن التعقيدات المصدرة من الخارج، يمكن بكل هدوء من خلاله إيجاد حل للأزمة السودانية، خلال عام أو عامين على الأكثر، من خلال خريطة طريق واضحة وفق خطوات واقعية سليمة، مسنودة بدعم كل من يتمنى خيراً للسودان، حتى لا تحدث كارثة للسودان، كانفصال جنوب السودان، وما كان ذلك ليحدث، وهذا ليس رأيي أنا، وإنما رأي الجنوبيين أنفسهم، حيث وجدت الأجندة الخارجية والتدخلات في تعميق مفهوم الانفصال الذي كان الدكتور جون قرنق يحمل فكرة أخرى للسودان الواحد، وفي ذلك عبرة لا بد من الاستفادة منها لاحتواء الأزمة السودانية بشكل يوحده لا يفتته، بعيداً عن طرح الأفكار المغرضة التي تحاول اتساع الفجوة بين العسكر والمدنيين والتمسك بقضايا جدلية لا طائل منها.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* لكن هنالك قوى سياسية أخرى في السودان...

- للأسف لا توجد قوى سياسية بالمعنى، ولا أعترف بها وليس منها جدوى، مجرد انزلاقات لا بد من الحذر منها، لأنها تصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية وتخلق فرصة للانتهازية والمزايدة وتعقيد العملية السياسية وتأجيل الحلول، والتدخلات الخارجية.

 

* تعيش غزة وضعاً مأساوياً ومعها القضية الفلسطينية، هل هنالك دور سواء على مستوى القارة الأفريقية أو جمهورية إريتريا لوقف إطلاق النار؟

- الوضع في غزة مؤلم جداً بكل ما تعنيه الكلمة، حيث إنها عرت النظام العالمي، وفضحت المزايدات والمواقف الدولية والدول العظمى، إذ إنني قبل 30 عاماً، اختلفت مع بعض أعضاء الحركات الفلسطينية، واختلفت مع الراحل الزعيم ياسر عرفات، وكنت أقول له إن طرح عملية «حل الدولتين» مجرد خدعة لن تجد طريقها للنفاذ، لأنه أريد بها تأجيل الحلول وطمس القضية الفلسطينية، حينها أخذ خلافي معهم بأننا متهورون وعاطفيون، واليوم بعد أكثر من 30 عاماً من الخلاف معهم، اتضح لهم أنني كنت على صواب، حيث أخذ طرح «حلّ الدولتين» كذريعة للتهرب من الحلول الحقيقية، وكذلك خدعة اتفاقيات أوسلو وما بعدها، إذ ليس من بديل لحق تقرير الفلسطينيين وأمن واستقرار المنطقة، فالمأساة الحالية في غزة حالياً تطرح السؤال: لماذا تم تأجيل الحلول إلى كل هذا الوقت الطويل؟ فالشعب الفلسطيني يدفع الثمن باهظاً لكل التبريرات التي تخدر الجسم ولا تعالج المرض، فمن الغرابة بمكان أن نصدق مسرحية إسرائيل بشعار «حق الدفاع عن النفس»، بينما تزج بالفلسطينيين في السجون على مدى عقود، فضلاً عن القتل المستمر، غير أن المظاهرات التي انتظمت بالعالم، يمكن تأطيرها لخلق حالة شعبية عالمية لمواجهة الصلف الإسرائيلي.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (تصوير: بشير صالح)

* على المستوى الداخلي، هل حققت خطتكم لتحسين الوضع الاقتصادي أهدافها؟

- بكل صراحة لم نحقق حتى الآن أكثر من 25 في المائة من طموحاتنا وقدراتنا، ولكن نعمل وفق خطط لتعزيز الفهم الصحيح لتحسين الوضع الاقتصادي، وخلق فرص وتحديد الأولويات وهي كهرباء وطاقة وبنية تحتية وخدمات مطلوبة لكل الصناعات، مع إدارة تنمية الموارد المائية كالسدود والاستفادة من السدود واستخدام التكنولوجيا الحديثة للزراعة وتطويرها، بجانب صناعات تحويلية من خضراوات وفواكه وثروات سمكية، ومواشٍ وألبان.

نسعى لتحقيق استقرار في المورد المائي الذي تجاوزنا حالياً فيه نسبة 40 في المائة، أما التعدين فهو من القطاعات الأساسية المستهدفة بالتطوير، مع أننا لم نتجاوز 5 في المائة من القدرات المتوفرة، ولدينا نسب كبيرة من الكوبالت والمنجنيز والذهب والنحاس والزنك ومعادن أخرى، ونعمل على تحسين البنى التحتية والطرق والمواصلات وتوفير الطاقة، لإطلاق المشروعات التنموية والصناعية، ما يحفزنا لإطلاق شراكات مع جيراننا، وفي مقدمتهم السعودية، بجانب شراكات مع دول أخرى مثل الصين وأستراليا وكندا وأوروبا، لتعزيز التنمية المستدامة.

 

* ماذا عن الإصلاح السياسي في البلاد؟ وهل سيتم استيعاب المعارضة؟

- من دون تفاصيل لا توجد معارضة، ولكن توجد عمالة بالخارج، ويمكنك أن تسأل الشعب سيجيبك، إذ النضال والكفاح المسلح للشعب على مر السنين خلق حالة من اللحمة والتضامن، وخلق حالة سياسية وثقافية ضامنة لوحدة الشعب، ولو هناك خلافات في بعض الآراء لا تكون معارضة، وإنما وجهة نظر يؤخذ بها للمصلحة، ولكن للأسف المعارضة أصبحت موضة يرتزق منها بعض الفئات في بعض البلاد.


مقالات ذات صلة

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

إعلام فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

مالك القعقور
شمال افريقيا جانب من المظاهرات التي شهدتها شوارع العاصمة تونس (أ.ف.ب)

تونسيون يتظاهرون للمطالبة بالحريات والإفراج عن المعتقلين السياسيين

خرجت مسيرة معارضة لحكم الرئيس التونسي قيس سعيد، السبت، وسط العاصمة للمطالبة بالحريات والإفراج عن المعتقلين السياسيين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا صورة أرشيفية لطوابير شراء الخبز في العاصمة بعد أزمة الدقيق (أ.ف.ب)

تونس: تقرير رقابي يكشف خسائر مهولة في 11 مؤسسة عمومية

كشف تقرير رقابي سنوي لمحكمة المحاسبات في تونس عن خسائر تقدر بأكثر من 369 مليون دولار أميركي (أكثر من مليار دينار تونسي) في 11 مؤسسة وشركة عمومية.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم العربي وزير الدفاع اليمني الفريق الركن محسن الداعري (الشرق الأوسط)

العليمي يطيح وزير الدفاع اليمني ويحيله للتقاعد

أطاح رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الفريق الركن محسن الداعري من منصبه، وأحاله للتقاعد.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والدكتور فؤاد حسين (الخارجية السعودية)

وزيرا خارجية السعودية والعراق يناقشان المستجدات

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع الدكتور فؤاد حسين نائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية العراق، المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)
طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

نيجيريا: «المسيَّرة» ترسم ملامح الحرب على الإرهاب

طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)
طائرة مسيَّرة تجارية صغيرة الحجم استخدمها عناصر من «داعش» لشن هجوم في نيجيريا (إعلام محلي)

حذَّرت تقارير أمنية في نيجيريا من حصول تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» على طائرات مسيَّرة متطورة، ينوي استخدامها في هجمات إرهابية جديدة، بينما قرر أحد المقربين من الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، استثمار 11.7 مليون دولار في شركة نيجيرية ناشئة للطائرات المسيَّرة؛ ما ينذر بتغير في ملامح الحرب على الإرهاب في بلد يقطنه ربع مليار نسمة، ويعدّ أكبر منتج للنفط في القارة الأفريقية.

وقالت صحيفة «بريميوم تايم» النيجيرية في برقية إخبارية نشرتها الثلاثاء، إنها اطلعت على «تقرير أمني سري» يحذّر من تخطيط «داعش» «لاستخدام طائرات مسيَّرة ضد تشكيلات عسكرية ودوريات عاملة في مناطق صراع رئيسية عبر ولايتي يوبي وبورنو».

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطّلعة قولها إن «قادة (داعش) أكملوا ترتيبات تنفيذ هجمات باستخدام طائرات مسيَّرة عدة في وقت واحد ضد أهداف مختارة»، وأضافت الصحيفة أن «مقاتلين موالين للتنظيم في محور (مثلث تمبكتو) وغابة سامبيسا تسلّموا مؤخراً دفعة جديدة تُقدَّر بنحو 35 طائرة مسيَّرة».

وحسب المصدر نفسه، فإن الطائرات المسيَّرة وصلت إلى معاقل التنظيم الإرهابي، عبر ممر في بحيرة تشاد، وهو مسار لوجيستي معروف تستخدمه الجماعات الإرهابية التي تنشط على حدود شمال شرقي نيجيريا، مع تشاد والكاميرون والنيجر.

شركة تصنيع «الدرونز» يوجد مصنعها الرئيسي في العاصمة النيجيرية أبوجا (موقع الشركة الناشئة)

وقال مسؤولون أمنيون إن التنظيم الإرهابي أخضع الطائرات المسيّرة التي حصل عليها لرحلات اختبار، وتبيّن أنها جاهزة للاستخدام العملياتي؛ ما أثار مخاوف داخل الجيش من تصعيد مرتقب في استخدام التنظيم لتكتيكات «الحرب غير المتكافئة».

وتشير التقارير الأمنية منذ سنوات إلى أن تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» طوَّر برنامجه الخاص للطائرات المسيَّرة، وأصبح يعتمد عليها بشكل كبير في مهام الاستطلاع أو العمليات الهجومية؛ ما شكل تحولاً جوهرياً في الحرب الدائرة في شمال نيجيريا منذ 2009.

وحسب التقارير، فإن التنظيم الإرهابي كان يستخدم طائرات مسيّرة تجارية جرى تعديلها لمراقبة تحركات القوات، وتصحيح نيران الهاون، وفي حالات محدودة لإلقاء عبوات ناسفة محلية الصنع على مواقع عسكرية.

ولكن هنالك مخاوف من تطور برنامج الطائرات المسيّرة لدى «داعش»، حيث بدأت المؤشرات تؤكد أن التنظيم الإرهابي لديه توجه مشابه لما تشهده جماعات متطرفة في مناطق صراع أخرى، حيث يُعاد توظيف طائرات منخفضة التكلفة لتعويض أوجه القصور أمام الجيوش النظامية.

وحقق الجيش النيجيري مكاسب كبيرة في حربه على الإرهاب خلال السنوات الأخيرة؛ ما أدى إلى إضعاف عدد من معاقل المسلحين وقتل أو اعتقال قادة بارزين، غير أن التنظيمات الإرهابية بما في ذلك «داعش» و«بوكو حرام»، واصلت تكييف تكتيكاتها، فيما يتعلق باستخدام العبوات الناسفة البدائية، وتنفيذ كمائن على طرق الإمداد، ومؤخراً توجهت بصورة متزايدة، نحو الاستطلاع الجوي.

وأفادت مصادر أمنية بأن المعلومات الاستخباراتية الأخيرة، أسفرت عن ظهور مطالب داخل الجيش النيجيري باتخاذ إجراءات عاجلة وقوية لمكافحة الطائرات المسيّرة، من أجل تحييد التهديد الناشئ وحماية الجنود على خطوط المواجهة.

في المقابل، لا يبدو أن التوجه نحو برامج الطائرات المسيَّرة مقتصر على التنظيمات الإرهابية، حيث ظهرت في نيجيريا شركات خاصة ناشئة في مجال تطوير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، من أبرزها شركة «Terrahaptix»، التي أسسها مهندسان نيجيريان عام 2024 وحققت نجاحات كبيرة في أقل من عامين.

مهندسون في الشركة النيجيرية الناشئة يختبرون طائرة مسيَّرة جديدة (موقع الشركة الناشئة)

الشركة تأسست على يد ناثان نواتشوكو (22 عاماً) وماكسويل مادوكا (24 عاماً)؛ بهدف مواجهة الإرهاب الذي يهدد الأمن في أفريقيا عموماً، ونيجيريا على وجه الخصوص، ولكنها نجحت في لفت انتباه رجل الأعمال الأميركي جو لونسديل، أحد أكثر الداعمين صخباً وثراءً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، حسب ما نشرت صحيفة «بلومبرغ» في تقرير، الاثنين.

لونسديل، هو مؤسس شركة «Palantir Technologies» عام 2004، قبل أن يغادرها ليؤسس عام 2015 شركة «8VC»، واشتهر بكونه أحد أبرز الداعمين لترمب، ويخاطر بالاستثمار في مشاريع ريادية؛ وذلك ما قاده ليكون أحد المستثمرين في الشركة النيجيرية الناشئة، وعيّن منذ العام الماضي أحد المقربين منه (أليكس مور) عضواً في مجلس إدارة الشركة النيجيرية.

وقادت شركة «8VC» جولة استثمارية لصالح الشركة النيجيرية الناشئة، أسفرت عن جمع 11.7 مليون دولار، لدعم خططها في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة، وأبراج المراقبة الثابتة، والمركبات الأرضية غير المأهولة، والتي تخصص عادة لرصد التهديدات التي تستهدف أصول البنية التحتية وإبلاغ الأجهزة الأمنية بها فوراً.

الشركة الناشئة توجد مصانعها في العاصمة النيجيرية أبوجا، وسبق أن حصلت على عقود تتجاوز قيمتها 12 مليون دولار لحماية أصول بنية تحتية في أفريقيا، حتى أغسطس (آب) 2025.

ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن ناثان نواتشوكو، أحد مؤسسي الشركة النيجيرية، قوله: «أفريقيا تشهد وتيرة تصنيع أسرع من أي منطقة أخرى، مع ظهور مناجم ومصافٍ ومحطات كهرباء جديدة كل شهر. لكن كل هذا التقدم لن يكون ذا جدوى إذا لم نعالج أكبر نقطة ضعف في القارة، وهي انعدام الأمن والإرهاب».

وأضاف أن مهمة شركته هي «تزويد أفريقيا بالتفوّق التكنولوجي اللازم لحماية الموارد ومكافحة الإرهاب»، مشيراً إلى أن التمويل الجديد سيُستخدم لتوسيع عملياتها في مختلف أنحاء أفريقيا، وأكد أن الشركة حتى الآن تقدّم حلولاً أمنية لمنشآت الطاقة الكهرومائية في نيجيريا ولمصانع تعدين الذهب والليثيوم في غانا.

وختم نواتشوكو بالقول: «اليوم، تمتلك شركتنا عقوداً تجارية وحكومية بملايين الدولارات. وبهذا التمويل سنُسرّع إنتاج أنظمة الدفاع في أفريقيا ونوسّع نطاق نظام تشغيل استخبارات البيانات لدينا».


اختطاف 10 نساء في ولاية نيجيرية قصفها الأميركيون

سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)
سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)
TT

اختطاف 10 نساء في ولاية نيجيرية قصفها الأميركيون

سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)
سلاح وعلم كانا بحوزة إرهابي قُتل على يد الجيش النيجيري (تواصل اجتماعي)

اختطف مسلحون مجهولون 10 نساء، خلال هجوم استهدف مساء الأحد قرية واقعة في ولاية سوكوتو شمال غربي نيجيريا، استهدفتها القوات الأميركية بضربات عسكرية عشية ليلة عيد الميلاد قبل أكثر من أسبوعين.

وتصاعدت وتيرة العنف في الولاية المذكورة منذ أن استهدف الأميركيون، بالتنسيق مع نيجيريا، مواقع تابعة لتنظيم «داعش»، وميليشيات محلية موالية للتنظيم الإرهابي، وفق ما أكدت مصادر حكومية وعسكرية في نيجيريا.

وقال مصدر أمني إن مسلحين مجهولين اقتحموا قرية تودون مَلّام في وقت متأخر من الليل، وأطلقوا النار على السكان المحليين، ما أسفر عن إصابة شخصين على الأقل، فيما انسحبوا بعد اختطاف عشرة من نساء القرية. وذكرت مصادر محلية أن المسلحين «اختطفوا أكثر من عشر نساء، ونهبوا معدات زراعية»، مشيرة إلى أن «الهجمات وعمليات الاختطاف لا تزال مستمرة رغم الادعاءات بتحسن الوضع الأمني. فأين تحديداً ذلك التحسن الأمني الذي يتم الترويج له؟».

وتقع ولاية سوكوتو في أقصى شمال غربي نيجيريا، على الحدود مع النيجر، ورغم أنها تشكل معبراً مهماً للمسلحين القادمين من منطقة الساحل، ونقطة استراتيجية لشبكات الجريمة المنظمة، إلا أن معاقل «داعش» و«بوكو حرام» توجد في الجانب الآخر من نيجيريا، وتحديداً في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد.

أحد المعاقل الإرهابية تشتعل فيه النيران بعد تدميره من طرف الجيش النيجيري (الجيش النيجيري)

ويخوض تنظيم «داعش» حرباً شرسة ضد جماعة «بوكو حرام» للسيطرة والنفوذ في منطقة حوض بحيرة تشاد، حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين التنظيمين يوم الخميس الماضي، أسفرت عن مقتل 10 من مقاتلي «بوكو حرام» على يد «داعش».

وقال الخبير الأمني زغازولا ماكاما، في منشور على منصة «إكس»، إن المواجهات بين التنظيمين وقعت في منطقة دابر لِدّا، ضمن محور دورون - نايرا في منطقة كوكَوا التابعة لولاية بورنو. ونقل الخبير عن مصادر عسكرية قولها إن مقاتلي تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» شنّوا هجوماً مباغتاً على نقطة تفتيش تابعة لجماعة «بوكو حرام»، تُعرف محلياً باسم «إيراسا»، في منطقة دابر لِدّا، وتمكنوا من السيطرة عليها بعد اشتباك قصير لكنه عنيف. وأضاف نفس المصدر أن الهجوم انتهى بشكل حاسم لصالح تنظيم «داعش»، الذي انسحب مقاتلوه بعد نهاية الهجوم نحو معقلهم الرئيسي الواقع بين كانغاروا ودوجون تشوكو، ضمن منطقة كوكَوا نفسها.

وأفادت صحيفة «ديلي بوست» المحلية بأن الجماعتين، وهما فصيلان من جماعة «بوكو حرام»، أحدهما بايع تنظيم «داعش» والآخر بقي على بيعة تنظيم «القاعدة»، اشتبكا مرات عديدة في إطار سعي كل طرف إلى إضعاف قدرات الطرف الآخر. وأضافت الصحيفة أن الفصيلين يقتتلان من أجل السيطرة على ممرات استراتيجية رئيسية في محيط بحيرة تشاد، إضافة إلى غابة سامبيسا الاستراتيجية في شمال شرقي نيجيريا.

وهناك مخاوف لدى السكان المحليين والمراقبين الأمنيين، من «رد فعل عنيف» على الهجوم الأخير، إذ تشير تقارير إلى أن قيادة «بوكو حرام»، وبناءً على توجيهات يُزعم أنها صدرت عن أحد قادتها يدعى أبو أُميمة، أمرت بتعبئة المقاتلين في الأجزاء الشمالية والوسطى من منطقة بحيرة تشاد بولاية بورنو، استعداداً لهجمات انتقامية.

وقد يؤدي الهجوم المضاد المرتقب إلى تصاعد الهجمات واسعة النطاق خلال الأيام والأسابيع المقبلة، لا سيما في ممر كانغاروا-دوجون تشوكو، وهو منطقة شهدت معارك متكررة بين التنظيمين الإرهابيين، نظراً لأهميتها الاستراتيجية في مجالات الإمداد والتجنيد وطرق الوصول.

ورغم أن الاقتتال الداخلي أسهم تاريخياً في إضعاف تماسك «بوكو حرام» و«داعش» عموماً، يحذّر الخبراء من أن اشتداد هذه المواجهات غالباً ما يترتب عليه ثمن باهظ للمدنيين، إذ تعمد الجماعات المسلحة إلى مداهمة القرى بحثاً عن الإمدادات والمجندين والمعلومات.

في غضون ذلك، أعلن الجيش النيجيري أنه في إطار عملية «هادين كاي» لمحاربة الإرهاب، تمكن من تحييد ثمانية عناصر إرهابية من جماعتي «بوكو حرام» و«داعش»، فيما سلّم 11 عنصراً آخرين أنفسهم مع أسلحتهم، خلال عملية في ولاية بورنو.

وقال ضابط الإعلام في عملية «هادين كاي»، المقدم ساني أوبا، في بيان الأحد: «في 9 يناير (كانون الثاني) الحالي نفذت القوات عملية تمشيط واسعة في تجمع بولاالغادا، أسفرت عن تدمير عدة معاقل ومخيمات نشطة للإرهابيين في مناطق داغومبا وبوني وياغاناري وغوسوري وأومتشيلي»، مضيفاً أن مخيمي أبو نذير وأبو أحمد جرى تدميرهما أيضاً على يد القوات. وأضاف أوبا أن القوات، خلال العملية، فككت هياكل الدعم اللوجستي، وأضعفت منظومة إمدادات الإرهابيين، واستعادت مواد شملت أعلاماً تابعة للتنظيمات الإرهابية وأسلحة ومخازن ذخيرة.

وأشار المقدم إلى تنفيذ عمليات هجومية مماثلة في منطقتي يالي وبولا غايدا، ما أجبر عدداً من العناصر الإرهابية على الفرار في حالة من الفوضى. وأوضح أن ذلك أدى إلى تدمير منشآت لوجستية إضافية، وضبط أسلحة وذخائر.


«اجتماع زامبيا» لمعالجة تراجع فرص السلام شرق الكونغو

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

«اجتماع زامبيا» لمعالجة تراجع فرص السلام شرق الكونغو

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

تشهد أزمة شرق الكونغو الديمقراطية، اجتماعاً في زامبيا؛ بحثاً عن تهدئة وإمدادات إنسانية، وسط تصاعد أعمال القتال المستمر منذ العام الماضي، امتداداً لعقود من العنف والخلافات.

ذلك التدخل الأفريقي الجديد مع بداية 2026، قد يكرِّر نتائج تدخلات أميركية وعربية لم تسفر في 2025 عن استقرار الأوضاع في شرق الكونغو، حال لم تكن هناك مقاربة حقيقة تتجاوب مع مطالب الجميع وليس حركة متمردة فقط، وفق ما يراه خبير في الشأن الأفريقي تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» غير مستبعد أن تكون هناك فرصة لمعالجة تراجع السلام.

وتستضيف مدينة ليفينغستون بزامبيا، السبت، اجتماعاً لوزراء دفاع «التكتل الإقليمي للمؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات الكبرى»، في جلسات تبحث الوضَعين الإنساني والأمني في شرق الكونغو الديمقراطية. وذكرت إذاعة «فرنسا الدولية»، في تقرير، أنه بإمكان زامبيا الآن أن تلعب دوراً استراتيجياً ضمن التكتل الإقليمي الأفريقي، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى مشاركتها المتزايدة الأهمية في هذه المنظمة، التي تقوم على مبدأ عدم الاعتداء بين دول المنطقة.

وباعتقاد المحلل السياسي التشادي، الخبير في الشأن الأفريقي، صالح إسحاق عيسى، فإن اجتماع زامبيا سيضع الأوضاع الأمنية والإنسانية في صميم الاهتمام الإقليمي، في ظل تراجع فرص السلام وتصاعد حدة العنف في شرق الكونغو الديمقراطية.

ويشارك في الاجتماع وزراء دفاع دول منطقة البحيرات الكبرى، في محاولة لبحث سبل تنسيق الجهود الأمنية ومواجهة تداعيات النزاع المتفاقم، الذي خلف أزمات إنسانية متفاقمة ونزوحاً واسعاً للسكان.

ويأتي الاجتماع وسط تعويل على أن يسهم في بلورة مقاربة إقليمية أكثر فاعلية، تقوم على تعزيز التعاون العسكري، وضبط الحدود، ومنع دعم الجماعات المسلحة، بالتوازي مع التأكيد على حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وفق عيسى. وتابع: «غير أن نجاح اجتماع زامبيا يبقى رهناً بقدرة الدول المشارِكة على تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات عملية وآليات متابعة واضحة، بما يعيد إحياء مسار السلام ويحد من تدهور الأوضاع في شرق الكونغو الديمقراطية».

كونغوليون يحملون أمتعتهم خلال فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين حركة «23 مارس» والجيش الكونغولي (رويترز)

وقبل نحو أسبوع، اندلعت في قرى عدة حول مدينة أوفيرا الاستراتيجية، بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، اشتباكات عنيفة بين حركة «23 مارس» المسلحة المدعومة من رواندا، والقوات الموالية لكينشاسا، وفق ما أفادت مصادر محلية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» آنذاك.

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، وتصاعدت حدة العنف بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «23 مارس»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيَّتين في الإقليم.

وشنّت الحركة بدعم من رواندا، هجوماً جديداً في بداية ديسمبر (كانون الأول) الماضي بإقليم جنوب كيفو شرق البلاد، على طول الحدود مع بوروندي، وأحكمت سيطرتها على بلدة أوفيرا الاستراتيجية في 11 من الشهر ذاته.

وجاء التقدم الأخير للحركة في شرق الكونغو الغني بالمعادن، بعد اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية في واشنطن مطلع ديسمبر الماضي، بعد سلسلة «تفاهمات بإطار» أُبرمت خلال يونيو (حزيران) الماضي في واشنطن، إضافةً إلى «إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة»، الذي وقَّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في قطر، استكمالاً لاتفاقٍ يوم 19 يوليو (تموز) الماضي.

ولم تنجح المبادرات الأميركية ولا المساعي العربية حتى الآن في إحداث تغيير جوهري في أزمة شرق الكونغو، إذ اصطدمت بتعقيدات ميدانية عميقة، وتضارب مصالح إقليمية، وضعف في آليات التنفيذ والمتابعة، وفق ما يرى الخبير في الشأن الأفريقي. وأضاف: «هذا الإخفاق لا يعني بالضرورة استحالة الحل، لكنه يسلط الضوء على حدود المقاربات الخارجية التي غالباً ما ركزت على إدارة الأزمة أكثر من معالجة جذورها البنيوية».

وأوضح: «تبرز المبادرات الأفريقية بوصفها أكثر قرباً من واقع الصراع وتشابكاته الإقليمية، بحكم معرفة دول الجوار بطبيعة الجماعات المسلحة، والامتدادات القبلية والاقتصادية العابرة للحدود».

ويخلص إلى أنه: «إما أن تنجح الجهود الأفريقية في تغيير نمط التعثر المزمن عبر مقاربة واقعية ومسؤولة، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة مبادرات لم تغير على مدى عقود جوهر الأزمة».