تغيير «العائلات الحاكمة»... هل يلاحق الجمهوريات الأفريقية؟

عقب إطاحة حكم «آل بونغو» في الغابون

أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)
أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)
TT

تغيير «العائلات الحاكمة»... هل يلاحق الجمهوريات الأفريقية؟

أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)
أشخاص يحتفلون دعماً للانقلابيين في أحد شوارع ليبرفيل بالغابون نهاية أغسطس الماضي (رويترز)

لم تكن إطاحة الرئيس الغابوني، علي بونغو، قبل أيام مجرد رقم جديد في سلسلة الانقلابات التي باتت حدثاً متكرراً في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، لكن ذلك الانقلاب أعاد طرح الكثير من التساؤلات حول مستقبل العائلات التي تهيمن على الحكم في الكثير من «الجمهوريات» الأفريقية لعقود طويلة، بينما يُفترض أن «تداول السلطة، هو أساس النظام الجمهوري».

حالة الغابون لم تكن استثناءً في المشهد الأفريقي؛ إذ تشير الشواهد التاريخية إلى وجود الكثير من العائلات المهيمنة على الحكم في «جمهوريات» القارة، ومن بينها احتكار عائلات «كينياتا» و«أودينغا» في كينيا و«غناسينغبي» في توغو و«ديبي» في تشاد و«أكوفو أدو» في غانا وغيرها.

المعروف أن عائلة «بونغو» كانت تحكِم قبضتها على السلطة في الغابون منذ نحو نصف قرن، حيث بدأت سطوة هذه العائلة على الحكم سنة 1967 بتولي عمر بونغو الأب السلطة بعد وفاة رئيس البلاد ليون مبا (أول رئيس بعد الاستقلال)، وبعد وفاة الأب سنة 2009 تولى علي بونغو الابن السلطة، قبل أن يتخذ مجموعة من القادة العسكريين في البلاد قراراً بـ«إحالته على التقاعد»، بحسب البيان الذي أعلنه قادة الانقلاب في الغابون (الأربعاء) الماضي.

سيطرة «ديبي» على تشاد

وغير بعيد عن الغابون، تهيمن عائلة «ديبي» على الحكم في تشاد منذ عام 1990، عندما انقلب إدريس ديبي على الرئيس حسين حبري واستولى على السلطة في ديسمبر (كانون الأول) من تلك السنة، وبقي ديبي الأب في الحكم حتى أبريل (نيسان) 2021، عندما قُتل خلال قيادته القتال ضد جماعات متمردة شمال تشاد، بعد يوم واحد من إعلانه رئيساً للبلاد للمرة السادسة.

وفور الإعلان عن مقتل الرئيس ديبي، تولى نجله الجنرال محمد الحكم مباشرة، رغم أن الدستور التشادي ينص على أن يتولى رئيس البرلمان رئاسة البلاد مؤقتاً عند وفاة الرئيس أو عجزه عن أداء مهامه، وتجرى انتخابات رئاسية جديدة خلال 45 يوماً على الأقل، و90 على الأكثر من تاريخ الشغور، إلا أن ديبي الابن أعلن توليه رئاسة مجلس عسكري حاكم، قبل أن يعلن بدء فترة انتقالية لمدة 18 شهراً، يُعتقد على نطاق واسع أنه سيترشح في نهايتها لخوض الانتخابات الرئاسية.

«غناسينغبي» في توغو

وفي توغو، الدولة الأفريقية الصغيرة في غرب أفريقيا والمطلة على المحيط الأطلنطي، تحكم عائلة «غناسينغبي» البلاد منذ 55 عاماً، وعندما توفي الرئيس غناسينغبي إياديما عام 2005، عقب إصابته بأزمة قلبية، كان من المفترض بموجب دستور البلاد، أن يتولى رئيس البرلمان، فامباري واتارا ناتشابا، رئاسة البلاد مؤقتاً، ريثما تجرى انتخابات رئاسية جديدة في غضون 60 يوماً، إلا أن السلطات التوغولية منعت ناتشابا الذي كان خارج البلاد، من دخول البلاد، وصوّت البرلمان على إلغاء الشرط الدستوري الذي كان يتطلب إجراء انتخابات في غضون 60 يوماً، وأعلن أن نجل إياديما، فور غناسينغبي، سيرث الرئاسة ويتولى منصبه لبقية مدة والده. وإلى الآن لا يزال فور غناسينغبي يواصل حكم البلاد، وفي سنة 2020 فاز بولاية رئاسية رابعة، وقبلها أجرى تعديلاً للدستور يفتح أمامه باب البقاء في الحكم حتى سنة 2030، ليتواصل حكم عائلته للبلاد منذ 1967.

عائلات حكم كينيا

وفي كينيا لا تقتصر الهيمنة على حكم البلاد على عائلة واحدة، إذ تتبادل عائلتا «كينياتا» و«أودينغا» مقاعد الحكم والمعارضة منذ استقلال البلاد في ستينات القرن الماضي، وكان أوهورو كينياتا رئيس كينيا منذ 9 أبريل (نيسان) 2013، وهو ابن أول رئيس للبلاد بين عامي 1964 و1978 وزعيم استقلالها البارز، يسعى إلى تمديد حكمه لفترة رئاسية ثالثة إلا أنه أخفق في ذلك، فاضطر إلى عدم خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت العام الماضي.

واختار كينياتا خلال تلك الانتخابات دعم خصمه رايلا أودينغا، زعيم المعارضة، على حساب نائبه ويليام روتو، الذي نجح في الفوز بالانتخابات وفي كسر احتكار العائلات الحاكمة «كينياتا» و«أودينغا» للسلطة، لكن من الواضح أن كلتا العائلتين اختارت التحالف ضد روتو عبر تحريض مظاهرات شعبية حاشدة ضده أملاً في العودة إلى الحكم.

ويرى الباحث النيجيري حكيم نجم الدين، المتخصص في التاريخ الأفريقي، خاصة في دول جنوب الصحراء الكبرى، أنه على «الرغم من أن (الأنظمة الملكية) لا توجد رسمياً سوى في 3 دول فقط من بين البلدان الـ54 بالقارة، وهي (المغرب، وليسوتو، وسوازيلاند)، فإن الكثير من الدول التي تأخذ بـ(النظام الجمهوري) وفقاً لدساتيرها الحاكمة، لا تحقق أدني اشتراطات هذا النظام، وتستخدم الكثير من (العائلات الحاكمة) فيها الظروف السياسية والمجتمعية لتكريس (هيمنة طويلة الأمد) على السلطة، والتصدي لأي محاولات لتداول تلك السلطة».

ويوضح نجم الدين لـ«الشرق الأوسط»، أنه على عكس «الأنظمة الملكية» التي «يستند استقرارها إلى استمرار الحكم في عائلة واحدة وسهولة انتقال الحكم بين أبناء الحاكم»، فإن «(الأنظمة الجمهورية) تعتمد على فكرة (تداول السلطة)، وغياب تلك الفكرة يؤثر على (شرعية) النظام»، مضيفاً أن «هناك أشكالاً متعددة لهيمنة عائلات وسلالات حاكمة على (جمهوريات أفريقية) عدة، كما هو الحال في توغو، وكينيا، وتشاد، إضافة إلى وجود مؤشرات على تخطيط حكام أوغندا وغينيا الاستوائية والكاميرون، الذين قضوا سنوات طويلة في الحكم، من أجل تسليم السلطة لأبنائهم».

ويذهب نجم الدين إلى أن «الأمر في بعض الدول الأفريقية لم يقتصر على محاولة بعض الحكام في دول جمهورية لنقل الحكم إلى أبنائهم فحسب، بل إلى زوجاتهم أيضاً»، مستشهداً في هذا الصدد بمساعي رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، لتسليم السلطة إلى زوجته؛ مما أدى إلى أزمة داخل حزبه والانقلاب ضده عام 2017، وفي جنوب أفريقيا، لم يتمكن الرئيس السابق جاكوب زوما من التأثير على حزبه (المؤتمر الوطني الأفريقي) لترشيح زوجته السابقة نكوسازانا دلاميني زوما لرئاسة البلاد.

تأثير التدخل الخارجي

ويربط الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الخبير المتخصص في الشؤون الأفريقية، بين ظاهرة «العائلات الحاكمة» في «الجمهوريات الأفريقية»، و«محاولة الكثير من دول القارة في مرحلة ما بعد الاستقلال، اختيار شكل (حداثي غربي)، هو (الجمهوريات الديمقراطية) التي تعتمد على (تداول السلطة) واختيار الشعوب الحر لمن يحكمها، ومحاولة تطبيقه في مجتمعات يغلب عليها الطابع (القبلي والعائلي) التقليدي»، وبالتالي «تنتصر الاعتبارات المتوارثة والعوامل الأعمق تأثيراً».

وأشار عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الكثير من الدول الديمقراطية شهدت وجود عائلات حاكمة مثل عائلة غاندي في الهند، أو بوش في الولايات المتحدة، لكن أفراد تلك العائلات كانوا «يصلون إلى الحكم عبر انتخابات (شفافة) و(آليات ديمقراطية) مستقرة، على عكس الواقع في الكثير من (الجمهوريات الأفريقية) التي تهيمن فيها عائلات على الحكم لفترة طويلة تصل في بعض الأحيان إلى أكثر من 5 عقود».

ويرجع عبد الوهاب استمرار حكم عائلات محددة للجمهوريات في القارة الأفريقية كذلك إلى «انتشار الفساد في بعض الدول وفشل التنمية»، إضافة إلى «التدخل الخارجي الذي كثيراً ما استخدم تلك العائلات لحماية مصالحه، عبر دعم تلك العائلات، وفي المقابل إضعاف مؤسسات الدول الوطنية»، مشيراً إلى أن «تعدد الانقلابات الذي تشهده القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة يرجع في جانب منه إلى ذلك الصراع بين تلك العوامل التقليدية التي تكرّس بقاء (العائلات الحاكمة) في أنظمة جمهورية، وبين نخب اجتماعية وعسكرية تتطلع إلى تغيير تلك الحالة».


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.